حكاية·HIKOYA

شبكة الموت

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy3 bob15 daqiqa
شبكة الموت
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.
  2. 2.
  3. 3.

الفصل الأول

لمْ تَشْهَدْ بِلادُ الْهِنْدِ مَلِكًا ذاعَ صِيتُهُ ، واسْتَفَاضَتْ شُهْرَتُهُ - بَيْنَ مُلُوكِ عَصْرِهِ – فِي تَرْوِيضِ الْخَيْلِ الْجامِحَةِ (الْعاصِيَةِ)، كهذا الْمَلِكِ الْجَبَّارِ الَّذِي تُحَدِّثُكَ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِهِ. فَقَدْ أَحَبَّ الْخَيْلَ - مُنْذُ نَشْأَتِهِ - حُبًّا جَمَّا، وَلَمْ يَدَّخِرْ فِي سَبِيلِ اقْتِنَاءِ كَرَائِمِ الْجِيادِ شَيْئًا مِنْ جُهْدِه وماله وتفكيره.

وقَدْ هَابَتْهُ الْخَيْلُ (خافَتْهُ)، فَكانَ يُلْجِمُها بِيَدِهِ، ثُمَّ يَعْتَلِي صَهْوَتَها ظَهْرَها) فِي مِثْلِ لَمْحِ الْبَصَرِ ، وَيُسَابِقُ الرِّيحَ بِها ، فلا يَلْحَقُ بِهِ لَاحِقٌ. فَلا عَجَبَ إِذَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ – في جميع أَرْجَاءِ الْهِنْدِ - لَقَبَ : « مَلِكَ الْجِيادِ»؛ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ - قَبْلَ أَصْدِقَائِهِ – أَنَّهُ سَيِّدُ الْفُرْسانِ، وَنادِرَةُ الشَّجْعَانِ.

وَكَانَتْ أَحْكَامُ هذا الْمَلِكِ نَافِذَةً عَلَى إِقْلِيمٍ كَبِيرٍ ، مِنْ أَقاليمِ الْهِنْدِ الْغَنِيَّةِ الْواسِعَةِ. وَقَدْ حَباهُ الله (أَعْطاهُ ) - إلى ثَرْوَتِهِ الْعَظِيمَةِ - زَوْجَةً جَمِيلةً كَرِيمَةً عَاقِلَةٌ. وَلَمْ يَكُنْ - عَلَى هَذَا كُلِّهِ – هَانِئَ الْبَالِ، وَلَمْ يَذُقْ لِلسَّعادَةِ طَعْمًا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْزَقُ وَلَدًا يَرِثُ مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ.

وَقَدْ حَزِنَ الشَّعْبُ لِحُزْنِ مَلِيكِه، وشارَكَهُ فِي دُعَائِهِ وَصَلَاتِهِ الَّتِي كَانَ يُقِيمُها – كلَّ يَوْمٍ - ضارِعًا إلى اللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا صَالِحًا يَخْلُفُهُ عَلَى عَرْشِهِ.

وَلَمَّا نَفِدَ صَبْرُهُ لَجَأَ إِلَى وَزِيرِهِ الْحَكِيمِ: «نارادا» ، أَكْبَرِ فلاسِفَةِ الْهِنْدِ فِي عَصْرِهِ؛ فَبَثَّهُ شِكَايَتَهُ قائلا: «لَقَدْ تَزَوَّجْتُ - كما تَعْلَمُ - مُنْذُ سَنَوَاتٍ خَمْسٍ وَلَكِنِّي حُرِمْتُ النَّسْلَ، عَلَى حَاجَتِي إِلَيْهِ.

وقَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ مِرارًا وتَكْرَارًا أَنْ يَرْزُقَنِي خَلِيفَةً لِي مِنْ بَعْدِي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِدُعَائِي. فَكَيْفَ أَبْلُغُ هَذِهِ الْغَايَةَ؟»

فقال لهُ الْفَيْلَسُوفُ الْحَكِيمُ: «إِنَّ دُعَاءَكَ لا يُسْتَجابُ، إِلَّا إِذا شَفَعْتَهُ بِأَثَرِ نَافِعٍ، مِنَ الآثارِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي يَذْكُرُكَ بِها النَّاسُ، فِي حَيَاتِكَ، وَبَعْدَ مَوْتِكَ.

والرَّأْيُّ عِنْدِي أَنْ تَبْنِيَ مَعْبَدًا كَبِيرًا ، تَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ، لِيَسْتَجِيبَ دَعْوَتَكَ، وَيُحقِّقَ طِلْبَتَكَ.»

فابتَهَجَ مَلِكُ الْجِيادِ» لِهَذِهِ الْفِكْرَةِ الْجَمِيلَةِ ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ؛ فَأَسْرَعَ إِلَى تَلْبِيتَهِ اثْنَا عَشَرَ عَبْدًا مِنْ أَرِقَائِهِ، وَخَرُّوا أَمامَهُ - إِلَى الْأَرْضِ - راكِعِينَ، لِيَتَلَقَّوْا أوامِرَهُ. فَقَالَ لَهُمْ: «أَحْضِرُوا أَبْرَعُ الْمُهَنْدِسِينَ، وَأَمْهَرَ الْصُّنَّاعِ.»

فَلَمَّا حَضَرُوا إِلَيْهِ أَمَرَهُمْ بِتَشْبِيدِ مَعْبَدٍ عَظِيمٍ، يَزِيدُ ارْتِفاعُهُ عَلَى ثَلَاثِ نَخَلاتٍ طَوِيلَاتٍ، وَأَنْ يَتَفَنَّنُوا فِي نَقْشِهِ بِالذَّهَبِ - مِنَ الدَّاخِلِ والْخارِجِ - وَأَنْ يَجْلُبُوا لَهُ مِنَ الرُّحَامِ الأَبْيَضِ النَّاصِعِ أَغْلَاهُ، ويُزَيِّنُوا سُقُوفَهُ وبُروجَهُ وَأَقْبِيَتَهُ - الَّتي لَا تُحْصَى – بِأَنْفَسِ الرَّوائِعِ الْفِنِّيِّةِ؛ حَتَّى يُصْبِحَ أَجْمَلَ مَعْبَدٍ فِي الْعَالَمِ كَلِّهِ، لَا فِي الْهِنْدِ وَحْدَهَا.

وَأَمَرَ حَكِيمَهُ «نارادا» أَنْ يُشْرِفَ عَلَى تَشْبِيدِ هذا الْمَعْبَدِ الْكَبِيرِ؛ فَأَجَابَهُ بِالسَّمْعِ والطَّاعَةِ.

وَمَرَّتْ أَشْهُرٌ قَلائِلُ، تَمَّ بَعْدَها بِناءُ الْمَعْبَدِ ، وارْتَفَعَتْ مَنارَاتُهُ وبُرُوجُهُ عَالِيَةً، ذاهِبَةً فِي الْجَوِّ وَقَدِ اكْتَنَفَتْهُ (أَحاطَتْ بِهِ حَدِيقَةٌ حالِيَةٌ بِأَبْدَعِ الْأَزْهارِ، حَافِلَةٌ بِمُخْتَلِفِ الْأَشْجَارِ، مُحَمَّلَةٌ بِلَدَائِذِ الثَّمَارِ. وَقَدْ جُلِبَ إِلى تِلْكَ الرَّوْضَةِ الْغَنَّاءِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْشَابِ النَّافِعَةِ؛ تُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الْعَقاقِيرُ الطَّيِّيَّةُ، وَالْأَدْوِيَةُ النَّباتيَّةُ النَّادِرَةُ الَّتي تَشْفِي الْمَرْضَى مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ (الْمَرَضِ الَّذِي يَعْجِزُ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مُدَاوَاتِهِ).

وَقَدْ بَنَتِ الطُّيُورُ عِشَاشَهَا فِي أَعالِي الشَّجَرِ، وَرَتَّلَتْ أَلْحَانَهَا الْبَدِيعَةَ عَلَى أَعْصَانِهِ، فَمَلأَتْ نُفُوسَ زَائِرِيهَا بَهْجَةً وَحُبورًا.

وواظب «مَلِكُ الْجِيادِ عَلَى زِيارَةِ هذا الْمَعْبَدِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا كامِلَةً، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ – فِي أَثْنَائِهَا - يَوْمًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَكْفَّ عَنِ الدُّعاءِ : أَنْ يَمْنَحَهُ اللَّهُ وَلَدًا يَرِثُ مُلْكَهُ مِن بَعْدِهِ، حَتَّى فَقَدَ الْأَمَلَ فِي اسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ، أَوْ كَادَ.

وَذاتَ لَيْلَةٍ رَأَى - في مَنامِهِ - نُورًا يَنْبَعِثُ مِنَ الْمَعْبَدِ الَّذِي شَيَّدَهُ، فَلَمَّا داناهُ رَأَى نارًا مُشْتَعِلَةً ، وشَبَحًا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ لَهيبها المُنْدَلِعِ. وَسَمِعَ صَوْتًا عَذْبًا يُكَلِّمُهُ، فَخَيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ مَلَكًا كَرِيمًا هَبَطَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ فَمَلأَ الْمَعْبَدَ الْكَبِيرَ ضَوءًا وَهَّاجًا.

ورَأَى فَتاةً مَلَائِكِيَّةَ الْمَنْظَرِ والصَّوْتِ، وسَمِعَها تَقُولُ لَهُ: «لا شَلَّ فِي أَنَّكَ تَعْرِفُنِي، فَأَنا «سَقْتَرِي»: زَوْجَةٌ بَرَهْما». وقَدْ جِئْتُ لِأُبَشِّرَكَ بِبِنْتِ سَتَلِدُها زَوْجُكَ، فَتَمْلأُ عَلَيْكُما الدُّنْيَا بهْجَةً وسُرُورًا.

ويَجِبُ أَنْ تُسَمِّيَها بِاسْمِي، وتُطْلِقَ عَلَيْهَا لَقَبَ بِنْتِ السَّمَاءِ.»

ثُمَّ اسْتَخْفَى الشَّبَحُ، وأُطْفِئَتِ النَّارُ ، وتَجَمَّعَ رَمَادُها فِي صُورَةِ طِفْلٍ صَغِيرٍ.

فاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ مَسْرُورًا ، ودَعا إِلَيْهِ الْحَكِيمَ «نارادا» ، وَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ؛ فَبَشِّرَهُ بِأَنَّهُ سَيُنْجِبُ فَتاةً ، لا نَظِيرَ لَها في عالَمَيِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وأَنَّها سَتَأْتِي بِالْأَعاجِيبِ.

وبَعْدَ زَمَنِ قَلِيلٍ اسْتَوْلَتِ الْبَهْجَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي الْقَصْرِ الْمَلَكِيِّ، وَشَارَكَهُمُ الشَّعْبُ في سُرُورَهِمْ بِتِلْكِ الْمَوْلُودَةِ السَّعِيدَةِ. وكانَ شَعْرُها فِي مِثْل لَوْنِ الشَّمْسِ، وَعَيْنَاهَا يَنْبَعِثُ مِنْهُما نُورٌ عَجِيبٌ.

وَقَدْ أَيْقَنَ أَبَوَاهَا وَأَهْلُهَا ورِجالُ الْقَصْرِ ، أَنَّ هَذِهِ الطَّفْلَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَناتِ الْإِنْسِ. فَلَا عَجَبَ إِذا وَجَدُوا أَنَّ لَقَبَ «بِنْتَ السَّمَاءِ» لائِقٌ بِها.

وَتَوَالَتِ الْأَعْوامُ، وَانْتَقَلَتْ سَقَتْرِي» - بِنتُ السَّماءِ - مِنَ الطُّفُولَةِ إِلَى الصِّبا، وَبَرَعَتْ فِي الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ، ولا سِيَّما فُنونُ السِّحْرِ ، حَتَّى فاقَتِ الْحَكِيمَ «نارادا» فِي تَعَرُّفِ أَسْرَارِ النُّفُوسِ لِهَذَا رَأَى وَالِدُها أَنْ يَعْهَدَ إِلَيْها بأَنْ تَخْتارَ زَوْجَها - كَما تَشَاءُ - مِنْ بَيْنِ الْأَمْرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالنُّبَلاءِ. فَأَعَدَّتْ عُدَّتَها - تَلْبِيَةً لِأَمْرِهِ - لِسَفَرٍ طَوِيلٍ. وَاخْتَارَتْ أَرْبَعًا مِنْ وصَائِفِها (جَوارِيها) الَّلائِي وَثِقَتْ بِهِنَّ، وَأَمَرتْهُنَّ أَنْ يُعْدِدْنَ لَهَا مَرْكَبَةَ السَّفَرِ، وَيَشْدُدْنَ إليها الثَّوْرَيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ، وَيُحَلِّينَها بِالْفُرْشِ وَالْأَسْتارِ الْمُوَشَّحَةِ بِنَفَائِسِ الْحُلِيِّ.

ولَمَّا تَمَّتْ مُعَدَّاتُ السَّفَرِ وَدَّعَتْ أَباها ، وَأَمَرَتْ سَائِقي الْمَرْكَبَةِ أَنْ يَذْهَبُوا بِهَا إِلَى غَابَةِ النساك – وهِيَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ مَمْلَكَةِ أبيها - حَيْثُ يَقْضِي كَثِيرٌ مِنَ الزَّاهِدِينِ أَوْقاتَهُمْ فِي الْعِبادَةِ وَالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ، وَمَا إلى ذلِكَ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ، بَعِيدِينَ عَنْ مَفَاسِدِ الْحَيَاةِ وَشُرُورِ النَّاسِ.

وَقَدِ اعْتَزَمَتْ سَفْتَرِي» أَنْ تَخْتارَ زَوْجَهَا مِنْ بَيْنِ هَؤُلاءِ النُّسَاكِ الزَّاهِدِينَ، وَفَضَّلَتْهُمْ عَلَى الأمراء وَالنُّبَلاءِ - مِنْ أَصْدِقاء أبيها - الطَّامِعِينَ فِيمَا لَهَا مِنْ ثَرْوَةٍ وَجَاهِ.

وَبَعْدَ سَفَرٍ طَوِيلٍ اقْتَرَبَ مَوْكِبُها مِنْ غَابَةِ النِّسَاكِ. وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ «سَفْتُرِي» وَوَصِيفاتُها الْأَرْبَعُ مِنَ الْمَرْكَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ.

واقْتَرَبْنَ خَاشِعاتٍ مِنْ أَحَدٍ مَعَابِدِهَا - وقَدْ بُنِيَ إِلَى جانبِه كُوخٌ مِنْ غُصُونِ الشَّجَرِ وَأَوْرَاقِها – فَرَأَيْنَ شَيْئًا طَاعِنًا في السِّنِّ، جالسًا فِي الْكُونِ؛ فَتَحَدَّثْنَ إِلَيْهِ قَلِيلًا، ثُمَّ تَرَكْنَهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النِّسَاكِ والزَّاهِدِينِ. وَما زِلْنَ يَتَحَدَّثْنَ إِلى شُيُوخِ الْغَابَةِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ – وكَانُوا جَمِيعًا مِمَّنْ عَلَتْ بِهِمُ السِّنُّ - حَتَّى بَلَغْنَ صَوْمَعَةً أَكْبَرَ قَلِيلًا مِمَّا رَأَيْنَهُ فِي تِلْكَ الْغَابَةِ مِنْ صَوامِعَ وَأَكْواخ ، وَرَأَيْنَ شيخًا كَفِيفَ الْبَصَرِ ، مَهِيبَ الطَّلْعِةِ. فَمَا إِنْ رَأَتْهُ الْأَمِيرَةُ «سَفْتْرِي»، حَتَّى عَرفَتْ أَنَّهُ شَيْخِ الْغَابَةِ الَّذِي حَدَّثَهَا النُّسَّاكُ بِقِصَّتِهِ الْعَجِيبَةِ:

كانَ مَلِكًا، ثُمَّ كُفَّ بَصَرُهُ وَانْتَمَرَ بِهِ عُصْبَةٌ مِنَ الْعَادِرِينَ، فَطَرَدُوهُ مِنْ مُلْكِهِ شَرَّ طَرْدَةٍ، وَهَدَّدُوه - إذا عَادَ إِلَى مَمْلَكَتِه ، هُوَ أَوْ أَحَدٌ أَتْباعِهِ – بِالْقَتْلِ.

فَوَقَفَتِ الْأَمِيرَةُ مُفَكِّرةً فِي قِصَّةِ هذا الشَّيْخِ الْمَكْفُوفِ، تُقابِلُ بَيْنَ حَالَيْهِ – فِي قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ، وَفِي مُلْكِهِ وَصَعْلَكَتِهِ، وَفِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِ - وتَرَى جَلالَ الْمُلْكِ وَهَيْبَةَ السُّلْطَانِ لَمْ يُفارِقَاهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً ، بِرَغْمِ ما عَرَضَ لَهُ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْمَصَائِبِ الْجِسَامِ.

وبينما هِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ في تَأَمُّلاتِهَا، أَبْصَرَتْ فَارِسًا تَنْبَعِثُ الشَّجَاعَةُ مِنْ بَرِيقِ عَيْنَيْهِ، وَسَمِعَتْهُ يُغَنِّي - وَهُوَ سَائِرٌ فِي طَرِيقِهِ - أُنْشُودَةً هِنْدِيَّةً ، رَائِعَةَ الْمَعْنَى، بديعَةَ التَّلْحِينِ. فَأَنْصَتَتْ إِلَى نَشِيدِهِ، فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ:

نَفْسِيَ تُبْدِي - فِي الْخَطْبِ - قُوَّتَها وَلِلرَّدَى تُعْلِنُ ابْتِسَامَتَها

والشَّمْسُ لا أَتَّقِي أَشِعَّتَها ولَيْسَ يَخْشَى وَجْهِي حَرارَتَها

ولا أبالي – فِي الصَّيْفِ – لَفَحَتَها

تَقُولُ نَفْسِي وَالْحَرُّ يَسْتَعِرُ: «الْفَوْزُ لِلْعَامِلِينَ إِنْ صَبَرُوا

وَبَعْدَ حِينٍ سَيَطْلُعُ الْقَمَرُ وَثَمَّ يَخْلُو – في ضَوْئِهِ – السَّمَرُ

والصَّبْرُ يُدْنِي لِلنَّفْسِ غايتَهَا.»

فَقَالَتِ الْأَمِيرَةُ فِي نَفْسِها: «إِنَّهُ يَرْتدِي ثَوْبَ زارِعٍ وصُعْلُوكٍ، وَيَجْلِسُ عَلَى ظَهْرِ جَوادِهِ جِلْسَةَ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلوكِ، وَيُغَنِّي غِناءَ الْمُوسِيقِيّ الْأَلْمَعِيِّ، وَيُبْدِعُ – فِي نَشِيدِه – إِبْدَاعَ الشَّاعِرِ الْعَبْقَرِي!

وَلَمَّا تَبَيَّنَتْ وَجْهَهُ جَلِيًّا ضَحِكَتْ مَسْرُورَةً مُبْتَهِجَةً؛ لِأَنَّها عَرَفَتْ - بِمَا تَمَيَّزَتْ بِهِ مِنْ صِدْقِ فِرَاسَتِها – أَنَّهَا قَدِ اهْتَدَتْ إِلى الرَّجُلِ الْمُهَذَّبِ الْكامِلِ الَّذِي كَانَتْ فُنُونُ سِحْرِها تُحَدِّثُها بِهِ، وَتَمْتَدِحُهُ لَها.

وَلَمَّا بَلَغَ الْفَتَى بَابَ الصَّوْمَعَةِ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَتَرَجَّلَ (مَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ)، وَرَبَطَ جَوادَهُ، وَحَيَّا وَالِدَهُ الشَّيْخَ الشَّرِيرَ - فِي لُطْفِ وأَدَبِ - ثُمَّ دَخَلَ كِلاهُما تِلْكَ الصَّوْمَعَةَ، وَاسْتَخْفِيَا عَنِ الْأَنْظَارِ.

فَنَادَتِ الْأَمِيرَةُ وَصَائِفَها قَائِلَةً: «تَعالَيْنَ يا وَصِيفاتِي الْعَزِيزاتِ، لِنَحُلَّ ضُيوفًا عَلَى هَذَا الشَّيْخِ الْجَلِيلِ : مَلِكِ شَلْوانَ»: شَيْخِ النَّاسِكِينَ.»

وَقَدْ رَرَّبَ الشَّيْخُ الكَفِيفُ بِهِنَّ أَكْرَمَ تَرْحِيبٍ، وَظَلَّ يُحَدِّثُهُنَّ بِجَمَالِ الرِّيفِ، وَوَدَاعَةِ الْغَابَةِ، كما حَدَّثَهُنَّ بِما لَقِيَهُ مِنَ الْمَصَائِبِ الَّتِي جَرَّها عَلَيْهِ سُوءُ حَظِّهِ، وَكَيْفَ طُرِدَ – هُوَ وَزَوْجَتُهُ وَطِفْلُهُ - مِنْ مَمْلَكَةِ شَلْوازَ» ، مُنْذُ عِشْرِينَ عامًا، فَلَجَثُوا إِلى هَذِهِ الْغَابَةِ، حَيْثُ عَاشُوا - مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ - وادِعِينَ بَيْنَ هَؤُلاءِ النُّسَّاكِ، آمِنِينَ مِنْ كَيْدِ عَدُوِّهِم الْغَاصِبِ الْخَبِيثِ.

واشْتَرَكَ ابْنُ النَّاسِكِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ مُتَعاقِبَةً، فَازْدَادَتِ الْأَمِيرَةُ يَقِينًا بِصَوابِ مَا ظَنَّتْهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، كَمَا اقْتَنَعِ ابْنُ النَّاسِكِ أَنَّ هذهِ الأميرةَ هِي أَكْمَلُ فَتاةٍ أَنْجَبَتْهَا بِلادُ الْهِنْدِ.

الفصل الثاني

وَاعْتَزَمَتِ الأَميرَةُ أَنْ تَعُودَ إِلى بَلَدِها ، لتُخْبَرَ أَباها بِما وُفِّقَتْ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهَا، مِنَ التَّعَرُّفِ بِتِلْكَ الْأُسْرَةِ الْمُلُوكِيَّةِ الْكَرِيمَةِ.

وَقَدْ أَسَرَّتْ إِلى وَلَدِ النَّاسِكِ قِصَّتَها، وَطَلَبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَكتُمَ هذا السِّرَّ، حَتَّى تَسْتَأْذِنَ أَبَاهَا فِي الزَّواجِ بِهِ. فَإِذا أَقرَّها عَلَى رَأْيِها كاشَفَ الأمير أباهُ، وَأَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّهِ (أَخْبَرَهُ بِهِ).

وقَدْ فَرِحَ الْأَميرُ بهذا التَّوْفِيقِ فَرَحًا لا يُوصَفُ.

ولما عادَتِ الْأَميرةُ إِلى قَصْرِ أبيها رَأتْهُ جَالِسًا معَ الْحَكِيمِ «نارادا»، وكانا يَتَشَاوَرانِ – حِينَئِذٍ - في أَمْرِها.

وَأَقْبَلَتْ «سَفِتْرِي» عَلَى أبيها - فِي احْتِرَامٍ وَخُشُورٍ - وَمَثَلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، رَاكِعَةً أَمَامَهُ، إجلالا له وتعْظِيمًا، ثمَّ أَفْضَتْ إِلَيْهِ بِقِصَّتِها ، وخَتَمَتْها قائِلةً: «إِنَّهُ يَرْتَدِي ثَوْبَ صُعْلُوكٍ، ولكِنَّ لَهُ هِمَّةَ الْمُلُوكِ. وَهُوَ فِي مَوْلِدِهِ أَمِيرٌ، مَعَ أَنَّ أَبَاهُ - الْيَوْمَ - نَاسِلٌ فقير وقَلْبُه مِثْلُ قَلْبِ الفَلَّاحِ طُهْرًا وَنَقَاءً، وَطِيبَةً وَوَفاءً. وهُوَ شَاعِرٌ حَسَنُ الْمَعانِي والأَداءِ، وَمُوسِيقي رائع الإنشاد والغناء.

فَقالَ الْمَلِكُ: «إِنِّي أُهَنَّتُكِ بِما ظَفِرْتِ بِهِ مِنْ تَوْفِيقِ. ولكِنَّكِ نَسِيتِ أَنْ تَذْكِرِي لَنَا اسْمَ هذا الأمير!»

فَقَالَتْ لَهُ: «اسْمُهُ سَتْيَاقَانُ!»

فَقَفَزَ الْحَكِيمُ «نارادا» حِينَ سَمِعَ هذا الاسم، ورَفَع إِحْدَى يَدَيْهِ مُرْتَاعًا، وَقَالَ مُتَأَلَّمًا مَحْزُونًا: «أَرْجُو أَلَّا يَكُونَ اسْمُهُ، كما قُلْتِ، سَتْيَاقَانَ؟»

فأجابته باسِمَةً: «إِنَّهُ سَتْياقانُ بِعَيْنِهِ يا سَيِّدِي النَّاصِحَ الْحَكِيمَ.»

فَسَأَلَهُ الْمَلِكُ مُتَعَجِّبًا: «ماذا فَزَّعَكَ مِنِ اسْمِهِ ؟ أَلَيْسَ كما وَصَفَتْهُ بِنْتِي: شَجَاعَةَ قَلْبٍ ونُبلًا، وَرَجَاحَةَ عَقْلٍ وَفَضْلًا ؟»

فَقالَ: «نارادا»: «بَلَى . وَهُوَ أَعْظمُ مِمَّا وصَفَتْهُ الْأَميرَةُ. وَلكِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ: «ياما»، قَدْ أَلْقَى شَبَكَتَهُ عَلَى هذا الأَميرِ، وَكَتَبَهُ في دَفْتَرِ الْهالِكِين، ولَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِالْحَيَاةِ أَكثَرَ مِنْ سَنَةٍ واحِدَةٍ!»

فَارْتاعَ الْمَلِكُ، وَامْتُقِعَ وَجْهُ الْأَميرَةِ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ مِنَ الْحُزْنِ وَالْفَزَعِ)، وكادَ يُغْمَى عَلَيْها. ولكن سُرْعَانَ ما أَفاقَتْ مِنْ ذُهُولِها وَاسْتَمْسَكَتْ حِينَ هَمَسَ فِي أُذُنها صَوتُ هَاتِفٍ كَرِيمٍ: الْوَفاءُ مِنْ شِيمَةِ الأَحْرارِ ، والْغَدْرُ مِنْ خُلْقِ الأَشْرارِ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَاسِعَةٌ.»

فَوَقَفَتَ قائلةً، وقَدِ اسْتَرَدَّتْ شَجَاعَتَها: «إِنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ. ولكنَّنِي لَنْ أُخْلِفَ وَعْدِي، وسَأَبَرُّ بِعَهْدِي ، ولوْ تَرمَّلْتُ ( بَقِيتُ أَرْمَلَةً بِلا زَوْجٍ خَمْسِينَ عَامًا!»

وَحِينَئِذٍ وَقفَ الْحَكِيمُ النَّاصِحُ، وأطْرَقَ لَحَظاتٍ، وَقَدِ اسْتَنَدَ رَأْسُهُ إِلَى صَدْرِهِ حَتَّى كَادَ يَسْتَخْفِي فيه، وانْسَدَلَتْ على وَجْهِهِ عَبَاءَتُه الطَّوِيلَةُ. فَكَتَمَ الْمَلِكُ والأَمِيرَةُ أَنْفَاسَهُما حَتَّى لا يَقْطَعا تَفْكِيرَهُ.

ثُمَّ أَفاقَ الْحَكِيمُ مِنْ أَحْلامِهِ ، فَدَفَعَ إلى الأمامِ عَباءتَهُ، وَرَفَعَ نَحْوَ الْأَمِيرَةِ يَدَيْهِ مُسْتَعْطِفًا ، كأَنَّما يَعْتَذِرُ عَمَّا فاهَ (نَطَقَ) بِهِ، ثُمَّ قال: «السَّلَامُ لَنْ يَغُفْلَ عَنْكِ يَا بِنْتَ مَلِكِ الجياد!» ثُمَّ تَرَكَهُما وَانْصَرَفَ.

سأَلتِ الأَميرَةُ أباها عَمَّا يَعْنِيهِ «نارادا» فَقالَ لَها: «لَمْ أَفْهَمْ ما عَناهُ. ولكن حَسْبُنَا أَنهُ كَفَّ عَنْ مُعَارَضَتِهِ.

وَلَوْ رَأَى شَرًّا لأَصَرَّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ. والرَّأْي لكِ - يا بُنَيَّتي – بَعْدَ أَنْ عَرَفْتِ مَا كَانَ خافِيًا عَنْكِ مِنْ قَبْلُ. فَإِنْ شِئْتَ وَفَيْتِ بِوَعْدِكِ، وَإِنْ شِئْتِ اعْتَذَرْتِ لَهُ.»

فَقَالَتْ: «لا سَبِيلَ إِلَى الْغَدْرِ وَنَقْضِ العَهْدِ.»

فَلَمَّا رَآهَا مُصِرَةً عَلَى الْوَفَاءِ بِوَعْدِها ، أَعْلَنَ عَزْمَهُ عَلَى تَزْوِيجِها بِالْأَمِيرِ «سَتْيَاقَانَ». واسْتَقَلَّ الْمَلكُ وبِنْتُهُ مَرْكَبَتَهُما الْمُلوكِيَّةَ الَّتي يَجُرُّها الثَّوْرانِ الأَبيضانِ، بَعْدَ أَنْ حَمَلا فيها – مَعهُما - كَثِيرًا مِنَ النَّفائِسِ، هَدِيَّةً لوالِدَي الأمير «سَتْيَاقَانَ».

وَلَمَّا عَلِمَ مَلِكُ شَلْوَانَ بِما قَدِم مِنْ أَجْلِهِ مَلِكُ الجِيادِ وَبِنْتُهُ «سَقَتْرِي»، تَمَلَّكَهُ الدَّهَشُ، وسَأَلَهُما مُتَعَجِّبًا: « كَيْفَ تَرْضَى بِنْتُ السَّماءِ» أنْ تَعيشَ - بَيْنَ ظَهْرَانَيْنا – في هذهِ الغابة الْمُوحِشَةِ؟ وَكَيْفَ تَسْتَسِيغُ طَعَامَنا ، وتَأْلَفُ عاداتنا ، ونَحْنُ نَفْتَرِشُ الْأَرْضَ، وَنَطْعَمُ الطُّحْلُبَ وثِمارَ الْغَابَةِ، ونَلْبَسُ جُلُودَ الْوُحُوشِ، وَقِشْرَ الشَّجَرِ، ولا نَأْلَفُ الْحُلِيِّ وَالْوَسَائِدَ (الْمِخَدَّاتِ)، ولا يَقُومُ بِخِدْمَتِنا أَحَدٌ غَيْرَ أَنْفُسِنا، ولا حَظَّ لنا إلا التَّقَشُفُ والْعِبادَةُ، والزُّهْدُ فيما تَحْوِيهِ الدُّنْيَا مِنْ لَدَائِذَ فَانيَةٍ؟»

فَلَمَّا سَمِعَتِ الْأَمِيرَةُ قَوْلَ شَيْخِ النِّسَاكِ أَسَرَّتْ إِلَيْهِ حَقِيقَةً أَمْرِهَا، فَاقْتَنَعَ بِمَا قَالَتْهُ. ثُمَّ أَدْخَلَ ضَيْفَيْهِ صَوْمَعَتَهُ، وَهِيَ – كما أَخْبَرْتُكَ - مُشَيَّدَةٌ بِأَغْصَانِ الشَّجَرِ وأوراقها، وأَفْضَى النَّاسِكُ إِلى زَوْجَتِهِ (أَخْبَرها) بِقِصَّةِ ضَيْفَيْهِ الْعَظِيمَيْنِ ؛ فَرَحَّبَتْ بِهِما أَحْسَنَ تَرْحِيبٍ.

ثُمَّ عادَ الْأَمِيرُ سَتْياقَانُ» - مِنْ صَيْدِهِ - بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيل، وتَمَّ زَوَاجُهُ بِالْأَمِيرَةِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وحَضَرَ جِيرَانُهُمْ - مِنَ النِّسَاكِ - فَهَنَّثُوا الْعَرُوسَيْنِ، وَابْتَهَجُوا بِمَا مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ الأَمِيرَةَ مِنْ جَمالِ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهَا أَطْيَبَ الثَّنَاءِ.

وزادَ إِعْجَابُهُمْ بِها حِينَ خَلَعَتْ جَوَاهِرَها وحُلِيَّها وَثِيَابَهَا الْفاخِرَةَ، وَاسْتَبْدَلَتْ بِهَا ثَوْبًا مِنْ قِشْرِ الشَّجَرِ البُنِّيِّ اللَّوْنِ الَّذِي يَرْتَدِيهِ أَهْلُ الْغَابَةِ.

وقَدِ ارْتَدَتْ هَذَا الثَّوْبَ الْحَقِيرَ ، وهِيَ تَقُولُ: «لَسْتُ الآنَ أَمِيرَةً، بَلْ نَاسِكَةٌ فَقِيرَةٌ.»

وفي الْيَوْمِ التَّالِي وَدَّعَهَا الْمَلِكُ، واثقًا مِنْ عَوْدَتِهَا إِلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَامِ.

الفصل الثالث

وَمَرَّتِ الأَيَّامُ - كما تَمُرُّ السَّعادَةُ - سِرَاعًا. ولَمْ يَكُنْ يُنَفِّصُ عَلَى الأَمِيرَةِ سَعَادَتَها إِلَّا شيء واحدٌ، هُوَ دُنُو أَجَلِ الأمير فكانَتْ تَتْرُكُهُ بَيْنَ حِينٍ وآخرَ ، وتَجْلِسُ وَحْدَها – فِي الْغَابَةِ – مُتَأَوّهَةً بِاكِيةً حَظِّهُ الْعَاثِرَ.

وَلَمَّا أَشْرَفَ الْعامُ عَلَى نِهَايَتِهِ، سَمِعَتِ الْهَاتِفَ يَهْمِسُ إِلَيْهَا قَائِلًا: «بَعْدَ أَنْ يَنْقَضِيَ هذا الْيَوْمُ، لَنْ يَعِيشَ الأَمِيرُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.»

فَاعْتَزَمَتْ أَلَّا تَتْرُكَ زَوْجَهَا لَحْظَةً واحِدَةً، لَعَلَّها تَرَى مَلَكَ الْمَوْتِ الْمُسَمَّى عِنْدَ الهندوس: «ياما».

وقالَتْ في نَفْسِها: «مَنْ يَدْرِي، فَلَعَلِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْطَعَ شَبَكَةَ الْمَوْتِ – حِينَ يَقْتَرِبُ «ياما» مِنَ الأمير - أَوْ أُثْنِيَهُ عَنْ عَزْمِهِ بِالْحِيلَةِ، فَإِنَّ قَلْبِي يُحَدِّثَنِي أَنَّ أَمَلِي لَنْ يَخِيبَ.»

وَلَمَّا طَلَعَ فَجْرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ذَهَبَتِ الأَميرةُ إِلَى النَّاسِكِ الضَّرِيرِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَصْحَبَ زَوْجَهَا إِلَى الْغَابَةِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ.

فَأَذِنَ لَها أَنْ تَصْحَبَهُ، عَلَى أَلَّا تُعَوِّقَهُ عَنْ قَطْعِ الأَشْجَارِ.

وَقَدِ امْتَلَأَتْ نَفْسُ الْأَمِيرِ مَرَحًا وحُبُورًا - في ذلِكَ الْيَوْمِ – بِقَدْرِ مَا حَزِنَتِ الْأَمِيرَةُ التي كانَتْ قَلِقَةً عَلَى زَوْجِها، تُجِيلُ بَصَرَها (تُدِيرُ لِحاظها) في كلِّ ما يَكْتَنِفُهَا مِنْ نَباتِ الْغَابَةِ وشَجَرِها وقَصَبِها العالي، باحِثَةً عَنْ «ياما»، وقَدِ ارْتَجَفَتْ شَفَتاهَا مِنَ الرُّعْبِ. وَلَمَّا بَلَغا عِيدانَ الْقَصَبِ الضَّخْمَةَ َحاوَلَ « سَتْياقانُ أَنْ يَرْفَعَ مِلْطَسَهُ (فَأَسَهُ) لِيَقْطَعَ واحدًا مِنْهَا، فَخَذَلَتْهُ قوَّتُه ، وهَوَى الْمِلْطَسُ مِنْ يَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَصاحَ مَدْعُورًا: «وَادٍ وَاهِ، يا «سَتْرِي». أَيُّ أَلَمٍ هذا الَّذِي يُمَزِّقُ رَأْسِي، ويُبَددُ قُوَّتِي اجْلِسِي قَلِيلًا؛ فَإِنِّي فِي حَاجَةٍ إِلَى النَّوْمِ.»

وَحِينَئِذٍ أَدْرَكَتْ سَقَتْرِي أَنَّ ساعَة الْقِضَاءِ قَدْ حَانَتْ ونَظَرَتْ فَإِذا بها تُبْصِرُ شَبَحًا أَخْضَرَ طَوِيلَ الْقَامَةِ، نَحِيلَ الْجِسْمِ ، مُتَوَهّجَ الْعَيْنَيْنِ، وَفِي يَدِهِ حَبْلٌ طَوِيلٌ.

فَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَرَى أَمامَها «ياما»، وأنَّ ذلِكَ الْحَبْلَ الطَّوِيلَ هُوَ شَبَكَةُ الْمَوْتِ.

ولَمْ يَدِبَّ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِها، فوقفَتْ مُتَباطِئَةً، وانْحَنَتْ أَمامَهُ ضَارِعَةً، وهِيَ تَقُولُ: «مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمَوْلَى الْعَظِيمُ الْقَوِيُّ؟»

فَقالَ لَها: «لا تَسْأَلِي عَنِ اسْمِي، يا سَقَتْرِي». وَحَسْبُكِ أَنْ تَعْلَمِي أَنَّنِي جِئْتُ لِزَوْجِكِ ستياقان» الَّذِي انْتَهَتْ حَياتُهُ.»

ثُمَّ أَلْقَى شَبَكَتَهُ - لِلْحَالِ - عَلَى الأَمِيرِ النَّائِمِ، فَأَمْسَكَتْ بِرُوحِهِ كما تُمْسِكُ بِالْكُرَةِ، وَجَذَبَهَا إِلَيْهِ. ثُمَّ أَدَارَ وَجْهَهُ صَوْبَ الْجَنُوبِ ، وظَلَّ يَعْدُو فِي مِثْلِ سُرْعَةِ الْبَرْقِ.

وَلَمْ تَقِفْ سَقَتْرِي» مَكْتُوفَةَ الْيَدَيْنِ، بَلْ جَرَتْ مُسْرِعَةً فِي أَثَرِهِ. وما زَالَتْ تَجْرِي حَتَّى اجتازت عالَمَ الْأَحْيَاءِ ، ثُمَّ وَاصَلَتْ طَيَرَانَها خَلْفَهُ فِي عالَمِ الْأَمْوَاتِ. وَحِينَئِذٍ وَقَفَ «ياما» والْتَفَتَ إِلَيْهَا قَائِلًا: «ارْجِعِي - يا بُنَيَّتِي - مِنْ حَيْثُ أَتَيْتِ، وَادْفِنِي جُنَّةَ زَوْجِكِ؛ فَقَدْ أَتْعَبْتِ نَفْسَكِ بِلا فَائِدَةٍ.»

فَقَالَتْ لَهُ: «كَلَّا أَيُّهَا الْمَوْلَى الْعَظِيمُ لا سَبِيل إلى ذلِكَ؛ فَقَدْ عَاهَدْتُ زَوْجِي عَلَى أَنْ أَتْبَعَهُ حَيْثُمَا حَلَّ وَما أَظُنُّكَ - يا مَوْلايَ - تَرْضَى لِي أَنْ أَخُونَ الْعَهْدَ!»

فَابْتَهَجَ «ياما» حِينَ رَأَى حِرْصَها عَلَى الْوَفَاء بِعَهْدِها، وأَعْجَب بِحُسْنِ أَدَبِها فِي حديثها، فقال لها : « صَدَقْتِ - يا بُنَيَّتِي - وبِالْحَقِّ نَطَقْتِ. وسَأَجْزِيكِ عَلَى وَفَائِكَ أَحْسَن الْجَزَاءِ، فَتَمَنَّي شَيْئًا غَيْرَ عَوْدَةِ زَوْجِكِ إِلَى الْحَيَاةِ.»

فَأَطْرَقَتْ لَحْظَةً، وَقَدْ رَأَتْ أَلَّا تُضيع الْفُرْصَةَ، فَقَالَتْ: «أُرِيدُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَلِكُ «شَلْوازَ» بَصَرَهُ وَقُوَّتَهُ.»

فَقالَ لَها «ياما»: «لَقَدْ أَجَبْتُكِ إِلى طِلْبَتِكِ. فَعُودِي أَدْراجَكِ يا فَتاةُ، فَلَمْ يَعْبُرْ هَذَا الْمَكَانَ أَحَدٌ - مِنْ قَبْلُ - وَهُوَ حَيٌّ.»

فَلَمْ تَيْأَسْ مِنْ تَحْقِيقِ أَمَلِها، وقالتْ مُتَوَدِّدَةً: «إذا كانَ الْمَوْتَى يَنْعَمُونَ بِرِعَايَةِ مِثْلِكَ، فَإِنَّ عَالَمَ الْأَمْواتِ هُوَ - عِنْدِي - خَيْرٌ مِنْ عالَمِ الْأَحْيَاءِ؛ لِأَنَّ فِي الْبَقَاءِ إِلى جِوارِكَ بَهْجَةً مُتَجَدِّدَةَ الرَّوْعَةِ.»

فاشْتَدَّ إِعْجَابُ «ياما» بلباقتِها ، وحُسْنِ جَوابِها، وقالَ لَها: «لَكِ جَائِزَةٌ أُخْرَى، فَاطْلُبِيها تُجابِي إِلَيْها.»

فَقالَتْ لَهُ: «أُرِيدُ أَنْ تُعِيدَ لِوَالِدِ زَوْجِي عَرْشَهُ المَسْلُوبَ مِنْهُ.»

فَقالَ لَها: «لَكِ ما تطلبينَ، فَارْجِعِي إلى جُنَّةِ سَتْيافَانَ» قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَها بناتُ آوَى.»

فَقالَتْ لَهُ: «لَسْتُ أُبَالِي أَنْ تَأْكُلَ الْجِسْمَ بَناتُ آوَى؛ فَلَيْسَ لِلْجَسَدِ – مَتَى فَارَقَتْهُ الرُّوحُ - فَضِيلَةٌ ولا خَطَر.

إِنَّ الْجِسْمَ يُعَوَّضُ، أَمَّا الرُّوحُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَعْوِيضِها!»

فقال لها: «ما أَصْدَقَ ما تَقُولِينَ إِنَّ عَقْلَكِ - أَيَّتُهَا الْفَتاةُ - أَكْبَرُ مِنْ عُقُولِ الأَناسِي أَبْنَاءِ الأَرْضِ.

وقَدْ أَمَرْتُ لَكِ بِجَائِزَةٍ ثَالِثَةٍ، مُكَافَأَةً لَكِ.»

فَقالَتْ لَهُ: «أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لِي مَائَةُ وَلَدٍ يَا مَوْلايَ الْعَظِيمِ!»

فَقالَ لَها: «سَأُحَقِّقُ لَكِ ما تطلبين.»

فَابْتَهَجَتِ الأميرَةُ، وصَفَّقَتْ بِيَدَيْها مَحْبُورَةً (مَسْرُورَةً) ، وقالتْ: «ما دُمْتَ قَدْ وَعَدْتَنِي بِذلِكَ، فَأَرْجِعْ إِلَيَّ زَوْجِي سَتياقَانَ». أَعِدْ رُوحَهُ إِلَى جَسَدِهِ، فَلَنْ أَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ أَبَدًا!»

فَأَدْرَكَ «ياما» أَنَّ قُوَّةً أَكْبَرَ مِنْ قُوَّتِهِ أَرَادَتْ ذلِكَ.

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌ مِنَ الْبِرِّ بِوَعْدِه ، فَأَطْلَقَ الرُّوحَ مِنَ الشَّبَكَةِ، فَطَارَتْ – فِي الْهَوَاء – وعادَتْ إِلى جُنَّةِ سَتْيَاقَانَ فِي الْغابة.

وأَسْرَعَتْ سَقَتْرِي» إلى الْغَابَةِ، فَبَلَغَتْها بَعْدَ سَفَرٍ طَويلٍ، فَرَأَتْ زَوْجَهَا غَارِقًا فِي نَوْمِهِ، فَأَيْقَظَتْهُ مُتَلَطَّفَةً.

فَمَدَّ جَسَدَهُ وَتَثَاءَبَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا قَائِلًا: «لَقَدْ طَالَ نَوْمِي بِلا شَكٍّ، فَما بَالُكَ لَمْ تُوقِظُينِي قَبْلَ الآنَ؟»

فَابْتَسَمَتْ سَقَتْري»، وَرَبَّتَتْ كَتِفَهُ قائِلةً: «هَلُمَّ، فَلْنُسرعْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وخَيَّمَ الظَّلامُ عَلَى الأَرْضِ.»

ثُمَّ أَفْضَتْ إِلَيْهِ - وَهِيَ عَائِدَةٌ مَعَهُ - بِكُلِّ مَا حَدَثَ.

وما كانَ أَشَدَّ دَهْشَتَهُ وابْتِهاجَهُ حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ فَرَأَى أَبَاهُ مَسْرُورًا بِعَوْدَةِ بَصَرِهِ وصِحَّتِهِ فَجْأَةً. وَقَدْ شَارَكَتْهُ أُمُّ سَتْياقَانَ فِي فَرَحِهِ، وأَقْبَلَ نُسَاكُ الْغَابَةِ يُهِنَّثُونَهُ بِعَودَةِ بَصَرِهِ إِلَيْهِ.

وحِينَئِذٍ قَدِمَ رَسُولٌ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ الَّذِي اغْتَصَبَ مُلْكَ شَلْوانَ» قَدْ لَقِيَ مَصْرَعَهُ، وأَنَّ الشَّعْبَ لا يُرِيدُ بِمَلِيكِهِ الْعَادِلِ الرَّحِيمِ بَدِيلًا.

وَفِي الْيَوْمِ التَّالي عادَتِ الأُسْرَةُ كُلُّها إلى مَمْلَكَةِ شَلْوازَ»، حَيْثُ عَاشُوا جَمِيعًا فِي سُرُورٍ وابتِهَاجِ طَوَالَ حَيَاتِهِمْ.

وقَدْ رُزِقَتْ سَفْتْرِي» مِائَةَ وَلَدٍ، كَمَا وَعَدَها «ياما».

وكانَتْ تَحْتَفِلُ بأَعْيادِ مِيلادِهِمْ - واحدًا بَعْدَ آخَرَ - مَتى بَلَغَ الْعامَ الْعَاشِرَ احْتِفَالًا عَظِيمًا. ثمَّ تَقُصُّ عَلَى ضُيُوفِها : نِسَاءً ورِجالًا - بَعْدَ أَنْ تَرْفَعَ الْمَائِدَةَ – تَفاصِيلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعْجِبَةِ، وَكَيْفَ كُوفِئَتْ عَلَى وَفَائِها خَيْرَ مُكافَأَةٍ. وجُوزِيَتْ عَلَى إِخْلاصِهَا خَيْرَ جَزَاءِ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH