سفيرة القمر


Ochishجدول المحتويات
الفصل الأولغَزْوَةُ الأَفْيالِ
(۱) وادِي الْقَمَرِ
صَفْصَافَةُ كَانَتْ أَرْنَبَةً ذَكِيَّةً.
«صَفْصَافَةُ» كانَتْ بارِعَةَ الْحِيلَةِ، شُجَاعَةً لَا تَخَافُ.
صَفْصَافَةٌ كَانَتْ تَجْمَعُ بَيْنَ الذَّكاءِ وَالشَّجَاعَةِ، وَسَعَةِ الْحِيلَةِ وَالْبَراعَةِ.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ شَدِيدَةَ الإِعْجَابِ بـ«صَفْصَافَةَ» لِذَكائِها وَشَجَاعَتِهَا، وَسَعَةِ حِيلَتِها وَبَراعَتِها.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ شَدِيدَةَ الإِعْجَابِ بِالْأَرْنَبَةِ الشُّجَاعَةِ الذَّكِيَّةِ الْبَارِعَةِ.
الْأَرَانِبُ اخْتارَتْ «صَفْصَافَةَ» زَعِيمَةً لَها.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَسْتَرْشِدُ بِرَأْي «صَفْصَافَةَ»، وَتَهْتَدِي بِنَصِيحَتِهَا، وَتَعْمَلُ بِمَشُورَتِها.
«صَفْصَافَةُ» كانَتْ تَعِيشُ مَعَ شَعْبِها فِي راحَةٍ وَأَمانٍ، وَهُدُوءِ بالٍ وَاطْمِثْنان.
(۲) في الليالي الْقَمْراءِ
«صَفْصَافَةٌ» وَصَواحِبُها كَانَتْ تَعِيشُ فِي «وادِي الْقَمَرِ»، بِالْقَرْبِ مِنْ عَيْنِ مَاءٍ.
عَيْنُ الْمَاءِ كَانَتْ مَمْلُوعَةً بِالْمَاءِ الْعَذْبِ.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَشْرَبُ مِنَ الْمَاء الْعَذْبِ الَّذِي تَفِيضُ بِهِ الْعَيْنُ فِي وَادِي الْقَمَرِ.
لَوْلا عَيْنُ الْمَاء كَانَتْ سَعادَةُ الْأَرَانِبِ تَتَبَدَّلُ تَعَاسَةً.
ضَوْءُ الْقَمَرِ كَانَ يَمْلَأُ الْوَادِيَ رَوْعَةً وَبَهَاءً.
الْقَمَرُ كَانَ يُرْسِلُ أَشِعَّتَهُ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ، فِي الليالِي الْقَمْراءِ.
الْقَمَرُ كَانَ يَتَأَلَّقُ وَيَتَلَالَأُ.
أَشِيَّةُ الْقَمَرِ كَانَتْ تَزِيدُ مَنْظَرَ الْعَيْنِ فِتْنَةً وَجَمالًا.
الْأَرَائِبُ كَانَتْ سَعِيدةً فَرْحانَةً.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَجْتَمِعُ فِي الليالِي الْقَمْراءِ، حَوْلَ عَيْنِ الْمَاءِ، تَنُطُّ حَوْلَ الْعَينِ وَتَقْفِزُ.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَقْضِي فِي واديها، أَسْعَدَ أَيَّامِهَا وَأَبْهَجَ لَيالِيها.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا هَيَّأَ لَهَا فِي واديها السعيد، مِنْ أَسْبَابِ الْعَيْشِ الرَّغِيدِ.
عَيْنُ الْمَاءِ كَانَتْ تَتَجَلَّى فِي أَبْهَجِ مَناظِرِها، حِينَ يَتَأَلَّقُ الْقَمَرُ فِي السَّمَاءِ، وَتَكْسُوها أَشِعَّتُهُ الْفِضَّيَّةُ نُورًا وَبَهَاءً.
حَوْلَ الْعَيْنِ: كانَ يَحْلُو الْحَدِيثُ وَالسَّمَرُ، فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ.
لا عَجَبَ إِذا أَطْلَقَ عَلَيْهَا الْأَرَانِبُ اسْمَ: «عَيْنِ الْقَمَرِ».
(۳) يَوْمٌ لا يُنْسَى
ذاتَ يَوْمٍ: حَدَثَ مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ الْأَرَانِبِ.
كَانَ يَوْمًا مُزْعِجًا ... كانَ يَوْمًا هائلا ... كانَ يَوْمًا مَشْئُومًا: كَدَّرَ صَفْوَ الْوَادِي، وَبَدَّلَ أَمْنَةٌ خَوْفًا.
الْأَرَانِبُ لَمْ تَنْسَ ذَلِكَ الْيَوْمَ طُولَ حَياتِها.
تَسْأَلُني: «أَيُّ هَوْلٍ أَصابَها؟ أَيُّ مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهَا؟ أَيُّ كَارِثَةٍ حَلَّتْ بِأَرْضِها؟»
أَنا أُخْبِرُكَ بِجَوابِ مَا سَأَلْتَ.
إِلَيْكَ يُسَاقُ الْحَدِيثُ.
(٤) الْأَفْيَالُ وَالْأَرَانِبُ
جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَفْيَالِ كَانَتْ تَعِيشُ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً.
وادِي الْأَفْيالِ كَانَ بَعِيدًا عَنْ وَادِي الْقَمَرِ.
وادِي الْقَمَرِ كَانَ بَعِيدًا عَنْ وَادِي الْأَفْيَالِ.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَعِيشُ في واديها ناعِمَةَ الْبَالِ وَادِعَةً.
الْأَفْيَالُ كَانَتْ تَعِيشُ فِي بِلادِهَا الْبَعِيدَةِ هَانِئَةً سَعِيدَةً.
قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ الْأَفْيَالُ لَمْ تُفارِقُ وَادِيَها.
قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ الْأَفْيَالُ لَمْ تَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَرَانِبِ.
قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ الْأَرَانِبُ لَمْ تَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَفْيالِ.
(٥) الْوَادِيانِ
وادِي الْقَمَرِ كَانَ خِصْبًا: كَثِيرَ الْمَاءِ، كَثِيرَ النَّبَاتِ.
وادِي الْأَفْيَالِ كَانَ - مِثْلَ وَادِي الْقَمَرِ - خِصْبًا: كَثِيرَ الْمَاءِ، كَثِيرَ النَّبَاتِ.
الْوادِيانِ كِلاهُما: كَانَ مَاؤُهُما غَزِيرًا، وَزَرْعُهُما نَضِيرًا، وَنَباتهُما كَثِيرًا، وَشَجَرُهُما كبيرا.
(٦) هِجْرَةُ الْأَفْيَالِ
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ: بَدَأَتِ الْمَصَائِبُ والآلامُ.
تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ فِي وَادِي الْأَفْيالِ.
أَصْبَحَ سَاكِنُو الْوادِي فِي شَرِّ حال: الْأَرْضُ الْخِصْبَةُ أَقْفَرَتْ.
الْأَنْهَارُ الْعَذْبَةُ عَاضَتْ.
الأَشْجارُ الْكِبَارُ وَالصَّغَارُ مَاتَتْ.
عُيُونُ الْمَاءِ الْجَارِيَةُ نَضَبَتْ.
الْمُرُوجُ الْخُضْرُ يَبِسَتْ.
الْحُقولُ الْمُثْمِرَةُ أَجْدَبَتْ.
لَمَّا نَضَبَتْ عُيُونُ الْمَاءِ، جَفَّ الزَّرْعُ، وَمَاتَ النَّباتُ.
لَمَّا نَضَبَ الْمَاءُ الْأَفْيَالُ عَطِشَتْ.
لَمَّا جَفَّ النَّباتُ الْأَفْيالُ جَاءَتْ.
الْأَفْيَالُ صَاحَتْ: «يَا لَلْهَوْلِ عُيُونُ الْمَاءِ غاضَتْ أَشْجارُ الْوَادِي مَاتَتْ الْحُقُولُ أَجْدَبَتْ الْمُرُوجُ يَبِسَتْ!»
الْأَفْيالُ تَحَيَّرَتْ أَصْبَحَتِ الْأَفْيَالُ فِي شَرِّ حال.
الْأَفْيالُ لَمْ تَجِدْ فِي واديها طَعَامًا وَلَا شَرابًا.
الْأَفْيالُ كَادَتْ تَمُوتُ جُوعًا وَعَطَشًا.
كَيْفَ تَعِيشُ بَعْدَ أَنْ جَفَّ الزَّرْعِ وَنَضَبَ الْمَاءُ؟!
ماذا تَصْنَعُ الْأَفْيَالُ الْجَائِعَةُ الْعَطْشَى؟
كَيْفَ تَعِيشُ الْأَفْيَالُ دُونَ طَعَامِ وَلَا شَرابِ؟
هَيْهاتَ هَيْهَاتَ لا سَبِيلَ إِلَى الْحَيَاةِ دُونَ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ.
الْأَفْيَالُ هَرَبَتْ مِنْ وادِيها، وَرَحَلَتْ عَنْ بِلادِها.
الأَفْيَالُ مَشَتْ فِي طَرِيقِها، تَبْحَثُ عَنْ طَعَامِها وَشَرَابِها.
(۷) الْأَفْيَالُ الْغَازِيَةُ
فِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ، انْتَهَى بِهَا السَّيْرُ إِلَى وَادِي الْقَمَرِ.
الْأَفْيَالُ دَخَلَتِ الْوادِي ... لَمْ تَسْتَأْذِنْ سُكَانَ الْوَادِي.
الْأَفْيالُ الْكِبارُ، غَزَتِ الْأَرَانِبَ الصَّغَارَ.
أَقْدَامُ الْأَفْيالِ الْكِبَارِ، هَدَمَتْ بُيُوتَ الْأَرَانِبِ الصَّغَارِ.
الْأَرَانِبُ خَافَتْ ... هَرَبَتْ مِنْ دِيارِها ... عَزَمَتْ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ بِثَأْرِهَا، وَتَنْتَقِمَ مِنْ أعدائها.
أَيُّهَا الْقارِئُ الصَّغِير: أَنْتَ تَسْأَلْنِي: كَيْفَ تَنْتَقِمُ الْأَرَانِبُ الصَّغَارُ، مِنْ أَعْدَائِهَا الْأَفْيَالِ الْكِبَارِ؟
أَنا أُفَسِّرُ لَكَ مَا غَابَ عَنْ بالِكَ. أَنا أُجِيبُ عَنْ سُؤَالِكَ: الْأَرَانِبُ الصَّغِيرَةُ كَانَتْ عَلَى حَقٌّ.
الْأَفْيالُ الْكَبِيرَةُ كَانَتْ عَلَى بَاطِلِ؛ اعْتَدَتْ عَلَى الْأَرَانِبِ الصَّغِيرَةِ.
الْأَرَانِبُ الصَّغِيرَةُ لَمْ تَعْتَدِ عَلَى الْأَفْيالِ الْكَبِيرَةِ.
الْأَفْيَالُ الْكَبِيرَةُ كَانَتْ مَغْرُورَةً بِقُوَّتِها.
الْأَرَانِبُ الصَّغِيرَةُ كَانَتْ مُسْتَمْسِكَةً بِحَقِّها، مُعْتَزَّةً بِوَطَنِها.
الْأَرَانِبُ ضَاعَفَتْ مِنْ حَماسَتِها، لَمْ تَسْتَسْلِمْ لِهَزِيمَتِها.
(۸) فِي بَيْتِ «صَفْصَافَةَ»
الْأَرَانِبُ أَسْرَعَتْ إِلَى بَيْتِ زَعِيمَتِهَا. أَخْبَرَتْها بِمَا جَرَى.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَهْتَدِي بِرَأْي «صَفْصَافَةَ».
الْأَرَانِبُ كانتْ تَعْرِفُ مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ «صَفْصَافَةٌ» مِنْ إِقْدَامٍ وَشَجَاعَةٍ، وَحِكْمَةٍ وَبَراعَةٍ.
وَلَكِنْ: ماذا تَصْنَعُ الزَّعِيمَةُ «صَفْصَافَةُ»؟
كَيْفَ تَنْتَقِمُ لِشَعْبِها مِنْ عَدُوِّها؟
أَطالَتِ التَّفْكِيرَ، وَأَحْكَمَتِ التَّدْبِيرَ.
«صَفْصَافَةُ» كَانَتْ عاقِلَةً شُجَاعَةً.
الْعَقْلُ والشَّجَاعَةُ - إذا اجْتَمَعا – يَصْنَعَانِ الْعَجَائِبَ.
الْعَقْلُ والشَّجَاعَةُ - إذا اجْتَمَعا - يَدُكَّانِ الْجِبَالَ، وَيَهْزِمَانِ الْأَفْيالَ.
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ لِلأَرَانِبِ: «حَقُ الضَّعِيفِ الْجَرِيءِ، لا بُدَّ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى بَاطِلِ الْقَوِيِّ الْمُسِيءِ. حِيلَةُ الضَّعِيفِ الذَّكِيَّ، تَنْتَصِرُ عَلَى بَطْشِ الْجَبَّارِ الْقَوِيِّ.»
فِي نِهَايَةِ الْمُؤْتَمَرِ، أَعَدَّتْ «صَفْصَافَةُ» وَصواحِبُها خُطَةً بارِعَةً لِتَخْلِيصِ الْوَادِي، وَطَرْدِ الأعادي.
الفصل الثانيطَرْدُ الْأَفْيَالِ
(۱) في أعالي التلال
اللَّيْلُ أَقْبَلَ. الْأَرَانِبُ أَعَدَّتْ عُدَّتَها، لِتَنْفِيذِ الْخُطَّةِ الَّتِي أَحْكَمَتْها زَعِيمَتُها.
الْأَرَانِبُ ذَهَبَتْ إِلَى الْمَيْدَانِ الَّذِي حَلَّتْ بِهِ الْأَفْيَالُ.
الْأَرَانِبُ صَعَّدتْ فِي أَعالي التَّلالِ، تُطِلُ عَلَى الْأَفْيالِ.
الْأَرَائِبَ وَقَفَتْ مُسْتَعِدَّةً لِلْقِتَالِ.
الْأَرَانِبُ دَقَّتْ طُبُولَ الْحَرْبِ.
الْأَرَانِبُ أَنْذَرَتِ الْأَفْيالَ، بِالْوَيْلِ والنَّكَالِ.
«صَفْصَافَةُ» ذَهَبَتْ إِلى أَعْلَى التَّلالِ، تُنادِي زَعِيمَ الْأَفْيَالِ.
«صَفْصَافَةُ» صاحَتْ بِصَوْتٍ عالٍ: «يا زَعِيمَ الْأَفْيالِ يَا زَعِيمَ الْأَفْيَالِ سَأَقُولُ لَكَ كَلِمَتِي، فَأَرْهِفْ سَمْعَكَ حَتَّى تَعِيَ نَصِيحَتي. حَذارِ أَنْ تَسْتَخِفَّ بِقُوَتِي. إِيَّاكَ أَنْ تَسْتَهِينَ بِوَعِيدِي، حَذارِ أَنْ تَسْخَرَ مِنْ تَهْدِيدِي. أَنْتَ لا تَعْرِفُنِي. أَنْتَ لَمْ تَرَنِي قَبْلَ الْيَوْمِ. لَكَ الْعُذْرُ فِي جَهْلِكَ بِي. أَنا أُعَرِّفُكَ بِنَفْسِي!»
الْأَرَانِبُ دقتِ الطُّبُولَ الْأَرَانِبُ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
أَصْغِ لَهَا، أَصْغِ لَها لا تَحْتَقِرْ مَقالَها
الْفِيلُ الزَّعِيمُ عَجِبَ مِمَّا سَمِعَ.
جَمَاعَةُ الْأَفْيَالِ عَجِبَتْ مِمَّا سَمِعَتْ.
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ. «صَفْصَافَةُ» عادَتْ تَقُولُ: «اِسْتَمِعْ إِلَيَّ، يَا أَبَا الْحَجَّاجِ»: أنا «صَفْصَافَةُ». أَنا زَعِيمَةُ الْأَرَانِبِ. أَتَسْمَعُ مَا أَقولُ؟»
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ الْأَرَانِبُ عادَتْ تَقُولُ:
أَصْغِ لَهَا، أَصْغِ لَهَا لا تَحْتَقِرْ مَقَالَهَا
(۲) دَهْشَةُ الْفِيلِ
عَجِبَ «أَبُو الْحَجَّاجِ» وَأَصْحَابُهُ مِمَّا سَمِعُوا. اِشْتَدَّتْ دَهْشَةُ الْأَفْيَالِ وَزَعِيمِهَا، مِنْ جَرَاءَةِ الْأَرَانِبِ وَغُرُورِها.
قالَتِ الْأَفْيالُ: «ما أَعْجَبَ ما نَرَى وَنَسْمَعُ كَيْفَ تَجْرُؤُ الْأَرَانِبُ الصَّغَارُ، عَلَى مُخاطَبَةِ الْأَفْيَالِ الْكِبَارِ؟ كَيْفَ تَجْرُؤُ عَلَى التَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ، وَالإِنْدَارِ وَالْوَعِيدِ؟»
الْأَفْيالُ ظَنَّتْ أَنَّ الْأَرَانِبَ أُصِيبَتْ بِالْخَبِالِ.
أَيْنَ ضَعْفُ الْأَرَانِبِ مِنْ قُوَّتِهِمْ؟!
أَيْنَ عَجْزُها مِنْ بِأَسِ الْأَفْيالِ وَصَوْلَتِهِمْ؟!
أَيْنَ وَداعَةُ الْأَرَائِبِ مِنْ ضَرَاوَتِهِمْ؟!
(۳) وَعِيدُ الْأَفْيَالِ
الْأَفْيَالُ غَضِبَتْ. الْأَفْيَالُ زَمْجَرَتْ. الْأَفْيَالُ تَوَعَّدَتْ.
«أَبُو الْحَجَّاجِ» قَالَ:
يا جَهْلَها، يا جَهْلَها وَيْلٌ لَهَا، وَيْلٌ لَها
الأفيال قالَتْ:
لا بُدَّ مِنْ عِقابها لا بُدَّ مِنْ إِذْلالها!
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ الْكِبَارِ، الْتَفَتَ إِلَى زَعِيمَةِ الْأَرَانِبِ الصَّغَارِ.
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ سَأَلَهَا فِي سُخْرِيَةٍ واحْتِقارٍ: «كَيْفَ تَقُولِينَ أَيَّتُهَا الْحَمْقَاءُ؟ ماذا تُرِيدِينَ أَيَّتُهَا الْبَلْهَاءُ؟ كَيْفَ تَجْرُؤُ الْأَرَانِبُ الصَّغَارُ، عَلَى تَهْدِيدِ الْأَفْيَالِ الْكِبَارِ.»
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ الْأَرَانِبُ عَادَتْ تَقُولُ:
أَصْغِ لَهَا، أَصْغِ لَها لا تَحْتَقِرْ مَقالَها
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ قَالَ:
يا جَهْلَها، يا جَهْلَها وَيْلٌ لَهَا، وَيْلٌ لَها
الْأَفْيالُ عادَتْ تَقُولُ:
لا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبها لا بُدَّ مِنْ إِذْلالها
(٤) ثَباتُ الْأَرَائِبِ
«صَفْصَافَةُ» هَزِئَتْ بِما قَالَتْهُ الْأَفْيَالُ وَزَعِيمُ الْأَفْيالِ.
«صَفْصَافَةٌ» عادَتْ تَقُولُ: «اِسْتَمِعْ إِلَيَّ، يا «أبا الْحَجَّاجِ». لا تَسْتَهِنْ بِنَصِيحَتِي. أَنْتَ تَتَعَجَّبُ مِنْ جُرْأَتِي. أَنْتَ لا تَخافُ بَأْسِي وَقُوَّتِي. أنا لا أَلُومُكَ – الآنَ – عَلَى احْتِقَارِ نَصِيحَتِي، قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ حَقِيقَتِي. أَنْتَ لَا تَخَافُ الْأَرَانِبَ.
جَهْلُكَ وَخُيَلاؤُكَ، وَغُرُورُكَ وَكِبْرِيَاؤُكَ، تُوهِمُكَ أَنَّكَ قادِرٌ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ. تُوهِمُكَ أَنَّكَ أَقْوَى مِنِّي. جَهْلُ أَصْحَابِكَ الْأَفْيالِ وَخُيَلاؤُهُمْ، وَغُرُورُهُمْ وَكِبْرِياؤُهُمْ، تُوهِمُهُمْ أَنَّهُمْ أَقْوَى مِنَ الْأَرَانِبِ.
أَنا أَلْتَمِسُ لَكُمْ أَلْفَ عُذْرٍ فِي جَهْلِكُمْ. لَوْ عَرَفْتُمُ الْحَقِيقَةَ كُنْتُمْ تَتْرُكُونَ الْغُرُورَ وَالْخُيَلاءَ، وَالْجَهْلَ وَالْكِبْرِياءَ. لَوْ عَرَفْتُمُ الْحَقِيقَةَ كُنْتُمْ تُدْرِكُونَ أَنَّا أَقْوِياءُ: جِدُّ أَقْوِياءُ، وَأَنَّكُمْ ضُعَفاءُ: جِدُّ ضُعَفاءُ.
اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرانِبَ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوانِ، أَقْوَى مِنَ التَّماسِيحِ وَالْحِيتَانِ، أَقْوَى مِنَ الْبِغالِ والثِّيرانِ، أَقْوَى مِنَ الْأَفْيالِ والنُّمُورِ والأُسُودِ، أَقْوَى مِنَ الْكَرَاكِدِ والدبَبَةِ وَالْفُهُودِ.»
الْأَفْيالُ ثارَتْ. الْأَفْيالُ اغْتاظَتْ.
زَعِيمُ الْأَفْيالِ غَضِبَ. زَعِيمُ الْأَفْيالِ ثارَ.
زَعِيمُ الْأَفْيالِ قالَ:
يا جَهْلَها، يا جَهْلَها وَيْلٌ لَها، وَيْلٌ لَها
الْأَفْيالُ غَضِبَتْ وَثارَتْ. الْأَفْيالُ قالَتْ:
لا بُدَّ مِنْ عِقابِها لا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبِها
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ. الْأَرَانِبُ عادَتْ تَقُولُ:
أَصْغِ لَها، أَصْغِ لَها لا تَحْتَقِرْ مَقالَها
(٥) اِبْ ُن الشَّمْسِ
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ: «اسْتَمِعْ إِلَيَّ، يا زَعِيمَ الْأَفْيالِ. اسْتَمِعْ إِلَيَّ، يا «أبا الْحَجَّاجِ». لا تَدْهَشْ مِمَّا تَسْمَعُ. أَصْغِ إِلَى مَقالِي، ثُمَّ أَجِبْ عَنْ سُؤالِي: أَتَعْرِفُ مِصْباحَ السَّماءِ، الَّذِي يُنَوِّرُ الدُّنْيا فِي اللَّيالِي الْقَمْراءِ؟ أَتَعْرِفُ مِصْباحَ اللَّيْلِ: ابْنَ مِصْباحِ النَّهارِ؟»
زَعِيمُ الْأَفْيالِ قالَ: «ذَلِكَ هُوَ الْقَمَرُ ابْنُ الشَّمْسِ.»
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ. الْأَرَانِبُ عادَتْ تَقُولُ:
اسْمَعْ لَهَا، رَحِبْ بِها لا تَسْتَهِنْ بِقَوْلِها
«صَفْصَافَةُ» عادَتْ تَقُولُ: «أَيُّهَا الْفِيلُ الْمَغْرُورُ: أَتَعْرِفُ أَيْنُ حَلَلْتَ؟ أَتَعْرِفُ فِي أَيَّ وادٍ نَزَلْتَ؟ أَتَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عَيْنٍ شَرِبْتَ؟ أَتَعْرِفُ إِلَى أَيَّ شَعْبٍ أَسَأْتَ؟»
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ. الْأَرَانِبُ عادَتْ تَقُولُ:
اسْمَعْ لَهَا، رَحِبْ بِها لا تَسْتَهِنْ بِقَوْلِها
«صَفْصَافَةُ» قَالَتْ: «أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْقَمَرَ ابْنَ الشَّمْسِ أَقْوَى مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوانِ ... أَقْوَى مِنْكَ وَمِنْ أَفْيَالِكَ جَمِيعًا. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّهُ أَقْوَى مِنَ التَّماسِيحِ وَالْحِيتَانِ، أَقْوَى مِنَ الْبِغَالِ والثَّيرانِ، أَقْوَى مِنَ الْأَفْيالِ والنُّمُورِ والأُسُودِ، أَقْوَى مِنَ الْكَرَاكِدِ والدَّبَبَةِ وَالْفُهُودِ!»
(٦) بَناتُ الْقَمَرِ
زَعِيمُ الْأَفْيالِ قالَ: «أَعْرِفُ ذَلِكِ، وَلَا أَنْسَاهُ.»
«صَفْصَافَةُ» قَالَتْ: «أَنا أَعْرِفُ أَنَّكَ تَخافُ قَمَرَ السَّمَاءِ وَتَخْشَاهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى سُخْطِهِ وَأَذَاهُ.»
زَعِيمُ الْأَفْيالِ قَالَ: «ذَلِكِ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ.»
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ لِلْأَفْيالِ: «أَنْتُمْ مُوافِقُونَ عَلَى مَا تَسْمَعُونَ؟»
الْأَفْيالُ قَالَتْ: «ذَلِكِ حَقٌّ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ.»
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ: «أَنْتُمْ إِذَنْ لا تَشُكُونَ فِيمَا تَسْمَعُونَ.»
الْأَفْيَالُ وَزَعِيمُهُمْ قَالُوا: «أَنْتِ عَلَى حَقٌّ فِيمَا تَقُولِينَ.»
«صَفْصَافَةُ» عادَتْ تَقُولُ: «أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ فَضْلَ هَذَا الْمِصْبَاحِ الْعَظِيمِ، الَّذِي يَهْدِي الْحَائِرِينَ، وَيُنَوِّرُ دُنْيانا فِي اللَّيْلِ، كَما تُنُوِّرُها أُمُّهُ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ.»
«صَفْصَافَةُ» عادَتْ تَقُولُ: «هَذا وادِي الْقَمَرِ، وَنَحْنُ بَناتُ الْقَمَرِ. وَهَذِهِ عَيْنُ الْقَمَرِ، وَأَنا سَفِيرَةُ الْقَمَرِ. أَعَرَفْتَ الْآنَ صِدْقَ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ، حِينَ قُلْتُ لَكَ: إِنَّنا – نَحْنُ الْأَرَانِبَ: بَناتِ الْقَمَرِ: ابْنِ الشَّمْسِ - أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوانِ، مِنَ التَّماسِيحِ وَالْحِيتَانِ؛ أَقْوَى مِنَ الْبِغَالِ والثَّيرانِ؛ أَقْوَى مِنَ الْأَفْيالِ والنُّمُورِ والأُسُودِ؛ أَقْوَى مِنَ الْكَرَاكِدِ والدَّبَبَةِ وَالْفُهُودِ!»
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ. الْأَرَانِبُ عادَتْ تَقُولُ:
اسْمَعْ لها، رَحِبْ بِها لا تَسْتَهِنْ بِقَوْلِها
«صَفْصَافَةُ» عادَتْ تَقُولُ: «أَتَعْرِفُونَ الآنَ مِقْدارَ إِسَاءَتِكُمْ، أَيُّهَا الْأَفْيَالُ؟
أَتَعْرِفُونَ أَنَّكُمْ قَدِمْتُمْ إِلَى بِلادِ الْقَمَرِ؟
أَتَعْرِفُونَ أَنَّكُمْ أَسَأْتُمْ إِلَى بَناتِ الْقَمَرِ؟
أَتَعْرِفُونَ أَنَّكُمْ عَكَّرْتُمْ عَيْنَ الْقَمَرِ؟
أَتَعْرِفُونَ الآنَ مِقْدارَ مَا أَسْلَفْتُمْ مِنْ إِيذاء؟
أَتَعْرِفُونَ إِلَى أَيِّ حَدٍّ أَغْضَبْتُمْ قَمَرَ السَّمَاءِ؟
أَنْتُمْ أَسَأْتُمْ إِلَى الْقَمَرِ، حِينَ دَخَلْتُمْ وَادِي الْقَمَرِ، بِغَيْرِ إِذْنِ مِنَ الْقَمَرِ.
أَنْتُمْ هَجَمْتُمْ عَلَى عَيْنِ الْقَمَرِ، دُونَ إِذْنِ الْقَمَرِ.
أَنْتُمْ هَدَمْتُمْ بُيُوتَ بَناتِ الْقَمَرِ.
أَتَعْرِفُونَ الْآنَ: كَيْفَ أَسَأْتُمْ إِلَى الْقَمَرِ، وَبَناتِ الْقَمَرِ، وَعَيْنِ الْقَمَرِ، بَعْدَ أَنْ حَلَلْتُمْ بِوَادِي الْقَمَرِ؟»
(۷) خَوْفُ الْأَفْيَالِ
الأفيال خافَتْ. زَعِيمُ الْأَفْيَالِ خَافَ.
«صَفْصَافَةٌ» عادَتْ تَقُولُ: «أنا سَفِيرَةُ الْقَمَرِ. أَنا سَفِيرَةُ مِصْبَاحِ السَّمَاءِ. قَمَرُ السَّمَاءِ غَضْبَانُ. قَمَرُ السَّمَاءِ زَعْلانُ.
الْقَمَرُ - ابْنُ الشَّمْسِ - أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ، لِأُبَلِّغَكُمْ غَضَبَهُ عَلَيْكُمْ.
أَتَعْرِفُونَ الْآنَ: كَمْ ذَنْبًا ارْتَكَبْتُمْ فِي حَقِّ الْقَمَرِ؟
تَعَالَ مَعِي، يا «أَبَا الْحَجَّاجِ»، إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَقُولُ. تَعَالَ نَذْهَبْ إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ، حَيْثُ تَرَى فِيها صَاحِبَ وَادِي الْقَمَرِ.»
الْأَرَانِبُ دَقَّتِ الطُّبُولَ. الْأَرَانِبُ عادَتْ تَقُولُ:
اسْمَعْ لَهَا، اِسْمَعْ لَها رَحِبْ بِهَا، رَحِبْ بِها لا تَسْتَهِنْ بِقَوْلِها
الأفيال خافَتْ. زَعِيمُ الْأَفْيَالِ خَافَ.
«صَفْصَافَةُ» قَالَتْ: «سَتَرَى صِدْقَ ما أَقُولُ. تَعالَ أَيُّهَا الْفِيلُ. اِصْحَبْنِي إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ، لِتَرَى صِدْقَ مَا سَمِعْتَ.
تَعَالَ مَعِي لِتَرَى مِقْدارَ غَضَبِ الْقَمَرِ وَسُخْطِهِ عَلَى أَصْحَابِكَ وَعَلَيْكَ. تَعَالَ مَعِي، يا زَعِيمَ الْأَفْيالِ؛ لِتَرَى الْقَمَرَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ إِلَى وَادِي الْقَمَرِ، وَحَلَّ فِي عَيْنِ الْقَمَرِ.
سَتَرَى صَاحِبَ الْوَادِي وَجْهَا لِوَجْهِ. سَتَرَى عاقِبَةَ ما أَقْدَمْتَ عَلَيْهِ – أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ – مِنْ شَرِّ كَبِيرٍ، وَذَنْبٍ خَطِيرٍ!
هَلْ عَلِمْتَ الْآنَ: لِماذا أَرْسَلَنِي الْقَمَرُ؟
يا زَعِيمَ الْأَفْيالِ هَأَنْتَ ذَا عَرَفْتَ كُلَّ شَيْءٍ.
(۸) نَصِيحَةٌ وَقَسَمٌ
أَيُّهَا الْأَفْيالُ: هَأَنْتُمْ أُولاءِ عَرَفْتُمْ لِماذا أَرْسَلَني إِلَيْكُمْ مِصْبَاحُ اللَّيْلِ: ابْنُ مِصَباحِ النَّهَارِ!
هَأَنْتُمْ أُولاءِ عَلِمْتُمْ أَنَّ قَمَرَ الَّليْلِ: ابْنَ شَمْسِ النَّهارِ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ؛ لِأُبَصِّرَكُمْ بِشَناعَةِ عُدْوانِكُمْ، وَبَشَاعَةِ جَرِيمَتِكُمْ!!
أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ؛ لِأُحَذِّرَكُمْ مِنْ تَمَادِيكُمْ فِي الإِساءَةِ وَالْعُدْوانِ. فَمَاذَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ؟
نَصِيحَتِي إِلَيْكُمْ: أَنْ تُسْرِعُوا بِالْعَوْدَةِ إِلَى دِيارِكُمْ قَبْلَ فَواتِ الْأَوانِ.
نَصِيحَتِي إِلَيْكُمْ: أَنْ تُسْرِعُوا بِالْهَرَبِ، قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ غَضَبُ الْقَمَرِ وَعِقابُهُ.
بادِرُوا - أَيُّهَا الْأَفْيالُ - بادِرُوا. أَسْرِعُوا بِالْفِرَارِ وَحَاذِرُوا.
الْبِدَارَ الْبِدَارَ الْحِذارَ الْحِذارَ الْفِرارَ الْفِرارَ.
أَتَعْرِفُونَ ماذا يَحِلُّ بِكُمْ إِذا تَلَكَّأْتُمْ فِي الْخُرُوجِ مِنْ وادِي الْقَمَرِ؟ أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِبَعْضِ ما يَحِلُّ بِكُمْ، أَيُّهَا الْأَفْيَالُ، مِنْ عَذَابٍ وَنَكال.
اعْلَمُوا أَنَّ أَبانا الْقَمَرَ: ابْنَ الشَّمْسِ، حَلَفَ أَنْ يُعْمِيَ عُيُونَكُمْ. اِعْلَمُوا أَنَّ جَدَّتَنا الشَّمْسَ، أُمَّ أَبِينَا الْقَمَرِ، حَلَفَتْ أَنْ تُزْهِقَ أَرْواحَكُمْ بِحَرارَتِها، وَتُخْرِقَ أَجْسَامَكُمْ بِأَشِعَتِها.
هَذَا إِنْدَارُ مِصَباحِ اللَّيْلِ: ابْنِ مِصْبَاحِ النَّهارِ. رُبَّما ظَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَّنِي غَيْرُ صَادِقَةٍ فِيمَا أَقُولُ. إِنْ كَانَ بَعْضُكُمْ يَشُلُّ فِيمَا سَمِعَ، فَلْيَتْبَعْنِي إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ.»
زَعِيمُ الْأَفْيالِ تَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ. الْأَفْيَالُ تَمَلَّكَهَا الرُّعْبُ.
«صَفْصَافَةُ» قَالَتْ: «تَعالَ مَعِي، يا «أَبَا الْحَجَّاجِ». تَعَالَ، يَا زَعِيمَ الْأَفْيَالِ. هَلُمَّ، فَاصْحَبْنِي إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ. تَعَالَ مَعِي، لِتَرَى بِعَيْنَيْكَ مِصْدَاقَ مَا سَمِعْتَهُ بِأُذُنَيْكَ.»
الأفيال خافَتْ مِمَّا سَمِعَتْ. زَعِيمُ الْأَفْيَالِ خَافَ مِمَّا سَمِعَ.
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ قَالَ لِزَعِيمَةِ الْأَرَانِبِ: «أَنا صَدَّقْتُ ما تَقُولِينَ. لَا حَاجَةَ إِلَى لِقَاءِ الْقَمَرِ. لا حاجَةَ بِنا لِلذَّهَابِ إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ. سَنَرْحَلُ عَنْ وادِي الْقَمَرِ. لَنْ نَبْقَى لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي وادِي الْقَمَرِ.»
(۹) عَيْنُ الْقَمَرِ
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ: «هَيْهاتَ ذلِكَ هَيْهاتَ قَمَرُ اللَّيْلِ: ابْنُ شَمْسِ السَّمَاءِ لَنْ يَسْمَحَ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ بِالخُرُوجِ مِنْ وَادِيهِ، قَبْلَ أَنْ تُقابِلَهُ وَجْهَا لِوَجْهِ، وَتَعْتَذِرَ إِلَيْهِ عَنْ ذُنُوبِكَ وَجَرَائِمِكَ. لا بُدَّ أَنْ تَصْحَبَنِي، يا «أَبَا الْحَجَّاجِ»، إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ؛ لِتَعْتَذِرَ إِلَى الْقَمَرِ، وَتَسْتَغْفِرَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِكَ الْكُبَرِ.»
كانَتْ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ بَدْرٍ. كانَ الْقَمَرُ فِيها مُكْتَمِلَ الضَّوْءِ. كَانَ الْقَمَرُ فِيهَا بَدْرَ تِمٍّ.
أَشِيَّةُ الْقَمَرِ الْفِضَّيَّةُ تَتَأَلَّقُ فِي الْعَيْنِ، وَتَتَماوَجُ فِي مائِها. صُورَةُ الْقَمَرِ وَاضِحَةٌ مُنَوَّرَةٌ: مَنْ يَراها يَتَوَهَّمُ أَنَّ قَمَرَ السَّمَاءِ، حَلَّ فِي عَيْنِ الْمَاءِ.
زَعِيمُ الْأَفْيالِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُخالَفَةِ أَمْرِ «صَفْصَافَةَ».
زَعِيمُ الْأَفْيالِ تَبِعَ «صَفْصَافَةَ» إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ.
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ وَصَلَ مَعَ «صَفْصَافَةَ» إِلَى عَيْنِ الْقَمَرِ.
زَعِيمُ الْأَفْيالِ اشْتَدَّ عَجَبُهُ، وَرَادَتْ حَيْرَتُهُ!
(۱۰) نَجَاحُ الْحِيلَةِ
أَتَعْرِفُ لِماذا اشْتَدَّ عَجَبُهُ، وَزَادَتْ حَيْرَتُهُ؟
زَعِيمُ الْأَفْيالِ شافَ الْقَمَرَ فِي مَاءِ الْعَيْنِ.
لَمَّا شَافَ صُورَةَ الْقَمَرِ فِي قَرارِ الْعَيْنِ، تَوَهَّمَ أَنَّ الْقَمَرَ نَزَلَ إِلَى الْعَيْنِ، لِيَنْتَقِمَ مِنْهُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ.
زَعِيْمُ الْأَفْيَالِ صَدَّقَ مَا قَالَتْهُ «صَفْصَافَةُ».
«صَفْصَافَةُ» شافَتْ فَزَعَ الْفِيلِ وَحَيْرَتَهُ. «صَفْصَافَةٌ» عَرَفَتْ أَنَّ حِيلَتَها نَجَحَتْ.
«صَفْصَافَةُ» صاحَتْ قَائِلةً: «هَلُمَّ، يا «أَبَا الْحَجَّاجِ». اقْتَرِبْ مِنْ عَيْنِ الْقَمَرِ.
هَأَنْتَ ذا تَرَى الْقَمَرَ فِي مَاءِ الْعَيْنِ! هَأَنْتَ ذا تَراهُ زَعْلانَ! هَأَنْتَ ذَا تَراهُ غَضْبَانَ!
هَلُمَّ، يا «أبا الْحَجَّاجِ». أَسْرِعْ بِتَحِيَّتِهِ.
بادِرْ بِالْاِعْتِدَارِ إِلَيْهِ. لَا تَتَرَدَّدْ فِي إِعْلَانِ تَوْبَتِكَ، وَإِظْهَارِ نَدَمِكَ عَلَى خَطِيئَتِكَ. أَطْلَبِ الصَّفْحَ مِنَ الْقَمَرِ.
الْتَمِسُ فَضْلَ إِحْسانِهِ، وَكَرَمِهِ وَغُفْرانِهِ. اِمْلَأَ خُرْطُومَكَ مِنْ مَاءِ الْعَيْنِ. اِغْسِلْ وَجْهَكَ بمائها الطَّهُورِ. هَيْهاتَ أَنْ يَقْبَلَ الْقَمَرُ تَوْبَتَكَ، إِذا تَرَدَّدْتَ فِي ذَلِكَ.»
الْفِيلُ صَدَّقَ كَلامَ «صَفْصَافَةَ». تَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ والْجَزَعُ. انْتَظَمَتْهُ الرِّعْشَةُ مِنَ الرُّعْبِ وَالْهَلَعِ.
الْفِيلُ لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي طَاعَةِ «صَفْصَافَةَ».
مَدَّ خُرْطُومَهُ إِلَى الْعَيْنِ، كَمَا أَمَرَتْهُ «صَفْصَافَةُ».
شافَ صُورَةَ الْقَمَرِ مُكْتَمِلَةَ أَمَامَهُ فِي قَرارِ الْمَاءِ.
مَدَّ خُرْطُومَهُ لِيَمْلَأَهُ مِنْ عَيْنِ الْقَمَرِ.
لَمَّا مَدَّ الْفِيلُ خُرْطُومَهُ فِي الْمَاءِ، تَحَرَّكَ الْمَاءُ وَاضْطَرَبَ.
لَمَّا تَحَرَّكَ الْمَاءُ، تَحَرَّكَتْ صُورَةُ الْقَمَرِ وَاضْطَرَبَتْ.
الْفِيلُ رَأَى الْقَمَرَ يَتَحَرَّكُ فِي مَاءِ الْعَيْنِ. الْفِيلُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْقَمَرَ زَعْلانُ.
خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ الْقَمَرِ سَاخِطْ غَضْبَانُ.
اشْتَدَّ رُعْبُ الْفِيلِ لَمَّا شَافَ صُورَةَ الْقَمَرِ تَهْتَزُّ وَتَتَراقَصُ فِي مَاءِ الْعَيْنِ. تَوَهَّمَ أَنَّ الْقَمَرَ يَرْتَعِدُ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ.
الْفِيلُ جَبُنَ وَخافَ: تَفَزَّعَ مِنْ هَولِ ما شافَ.
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ: «هَأَنْتَ ذا تَرَى الْقَمَرَ غاضِبًا عَلَيْكَ. هَأَنْتَ ذَا تَرَى صِدْقَ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ.»
زَعِيمُ الْأَفْيالِ قالَ: «كُلُّ ما قُلْتِهِ لِي صَحِيحُ.»
(۱۱) إِعْلَانُ التَّوْبَةِ
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ الْتَفَتَ إِلَى «صَفْصَافَةَ» مُسْتَفْسِرًا.
سَأَلَها مُرْتَبِكًا مُتَحَيَّرًا: «لَعَلَّ الْقَمَرَ لَا يَزالُ غاضِبًا عَلَيَّ!»
«صَفْصَافَةٌ» قالَتْ: «أَأَنْتَ تَشُلُّ فِي ذَلِكَ؟»
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ سَأَلَ: «بِماذا تَنْصَحِينَنِي، يا سَفِيرَةَ الْقَمَرِ؟ خَبِرِينِي: كَيْفَ أَعْتَذِرُ لَهُ؟ كَيْفَ أَسْتَعْطِفُهُ؟ ماذا أَصْنَعُ لِأَتَرَضَّاهُ؟ بِرَبِّكِ إِلَّا ما تَشَفَّعْتِ لِي عِنْدَ أَبِيكِ الْقَمَرِ؟»
«صَفْصَافَةُ» قالَتْ: «اِرْفَعْ خُرْطُومَكَ إِلَى السَّمَاءِ. عاهِدْ مِصْبَاحَ اللَّيْلِ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْوَفَاءِ. أَكَّدْ لَهُ أَنَّكَ لَنْ تُفَكِّرَ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى وَادِي الْقَمَرِ، والاِعْتِدَاءِ عَلَى بَنَاتِ الْقَمَرِ. أَعْلِنْ تَوْبَتَكَ - يا زَعِيمَ الْأَفْيالِ - أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْأَفْيَالُ، بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٌّ عَال.»
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ وَأَتْبَاعُهُ لَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي إِظْهَارِ أَسَفِهِمْ وَنَدَامَتِهِمْ، وَإِعْلَانِ صِدْقٍ نِيَّتِهِمْ فِي تَوْبَتِهِمْ.
زَعِيمُ الْأَفْيَالِ وَأَصْحَابُهُ عَاهَدُوا الْأَرَائِبَ عَلَى أَلَّا يَعُودُوا إِلَى غَزْوِ وَادِي الْقَمَرِ مَرَّةً أُخْرَى.
(۱۲) فَرْحَةُ النَّصْرِ
زعِيمُ الْأَفْيالِ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا صادِقِينَ فِي نَدَمِهِمْ، مُخْلِصِينَ فِي تَوْبَتِهِمْ.
الْأَفْيَالُ فَرِحُوا بِنَجَاتِهِمْ مِنْ عِقَابِ الْقَمَرِ.
الْأَرَانِبُ فَرِحُوا بِنَجَاتِهِمْ مِنْ شُرُورِ الْأَفْيالِ.
الْأَرَانِبُ احْتَفَلُوا بِطَرْدِ الْغُزاةِ. الْأَرَانِبُ شَكَرُوا لِزَعِيمَتِهِمْ مَا أَظْهَرَتْهُ مِنْ مَهَارَتِها، وَذَكَائِهَا وَحُسْنِ حِيلَتِها.
الْقَمَرُ كَانَ يَكْتَمِلُ فِي مُنْتَصَفِ كُلِّ شَهْرٍ.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تُحْيِي لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
الْأَرَانِبُ كَانَتْ تَحْتَفِلُ بِنَجَاحِ خُطَّتِها فِي طَرْدِ الْغُزاةِ.
الْأَرَانِبُ عَاشَتْ بَعْدَ خُرُوجِ الْأَفْيالِ هَانِئَةً سَعِيدَةً.
الْأَرَانِبُ اسْتَعادَتْ أَمْنَهَا وَجْهِجَتَها، وَأَنْسَهَا وَسَعادَتَها.
مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اسْتَقَرَّتِ الْأَحْوَالُ، وَنَعِمَ الْأَرَانِبُ بِالْهُدُوءِ وَراحَةِ الْبَالِ، بَعْدَ أَنْ تَمَّ لَهُمُ النَّصْرُ عَلَى الْأَفْيَالِ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.