رسالة الهناء


Ochishجدول المحتويات
شرح الرسالةشَرْحُ الرِّسَالَةِ
وزير شبل الدولة هذه هي «رسالة الهناء»، وهي كما تبدو لقارئها - رسالة بعث بها «أبو العلاء» إلى بعض معاصريه من الكبراء، يهنئه فيها بقدوم وزير السلطان ( شبل الدولة ' إليه، ونزوله عليه. وما نعلم – على التحقيق - من شأن هذين الكبيرين، أو الوزيرين، أو المشيرين، أكثر مما أفضى به إلينا «أبو العلاء» في ثَبتِ هذه الرسالة، فأدركنا من سياقه أن كليهما كان مشيرًا للسلطان ( شبل الدولة»، الذي أَلْفَتْ في عهده «رسالة الغفران»، كما ينم بذلك قول شاعرنا وسيدانا الأستاذان - أذل الله معاندهما أخرى المنون، إذا كان السلطان «شبل الدولة» أسد النجوم، كانا لا محالة - ذراعيه، وإن أغلق باب الرأفة فتحا مصراعيه. فلما أفضى إلينا بالباعث له على كتابة هذه الرسالة إلى «سيديه الأستاذين» لم يزد على أن قال: وقد كنت عزمت على الإمساك - الصمت - حتى أشار بالقول وليهما «أبو فلان»، وهو ممن يوثق بعقله ودينه ... إلخ. عصر الشياطين ومن يدري فلعل شاعرنا قد حذف الأسماء والألقاب من هذه الرسالة، بعد أن تغير العهد السياسي، فما كان أقصر عهود السلاطين والوزراء والولاة والأمراء في ذلك العصر المضطرب، المملوء بالمخاطر والأحداث والفتن والدسائس، التي أثارها شياطين العصر من السُّوَّاسِ الذين عناهم شاعرنا بقوله: ساس الأنام شياطين مسلطة في كل مصر - من الوالين - سلطان من ليس يَحْفِلُ خَمْصَ الناس كُلّهم إن راح يشرب خمرا، وهـو مـبـطـان ودمغ ولاته وهداته بقوله: فأميرهم نال الإمارة بالخنا وتَقيُّهم – بصلاته – يتصيد وقوله: مل المقام فكم أعاشر أمةً أمرت – بغير صلاحها – أمراؤها ظلموا الرعية، واستباحوا كيدها وعَدَوا مصالحها، وهم أجراؤها المشيران ولولا إشارات سريعة بدرت من شاعرنا في هذه الرسالة لما عرفنا من شأن صاحبيه قليلًا ولا كثيرا. على أنها إشاراتٌ أشبه بالرموز لما يكتنفها من غموض وخفاء، فلم يصل إلينا من النسخة المخطوطة لهذه الرسالة أكثر من إطلاقه على من كتب إليه وعلى صديقه الذي حل ضيفا عليه: أنهما «سيداه الأستاذان»، وأنهما - لعلو منزلتيهما عند شبل الدولة – مشيران. وأن كنية الضيف هي «أبو علي». وقد حذفت كنية المضيف الذي هنأه شاعرنا بقدوم صاحبه عليه – عمدًا أو اضطرارًا - واستعيض منها بكنية أبي فلان»، ثم راح يصف هذين الرجلين: «أبا علي» و «أبا فلان بما شاءت له مجاملته ومداراته أن يضفي عليهما من باهر المزايا، ونادر الخلال، ويقرر على عادته في مصانعة معاصريه – أنهما علمان، لم يجد بمثلهما الدهر إلا فيما سبق من الزمان، من أمثال «صاعد بن مخلد» وسهل بن هارون» و «عدي بن زيد العبادي ومن إليهم من قادة الفكر، وأعيان الدهر، وأساطين البيان، وأعلام الرأي والعرفان. كنوز مفقودة ومن يدري فلعل ناسخ الرسالة قد حذف الأسماء عمدًا أو اضطرارًا كما أسلفنا أو لعله حذفها سهوا أو استغناء ، فعلم ذلك عند علام الغيوب، ولعلنا لو ظفرنا بنسخة أخرى لرأينا فيها ما نتوخاه، وعرفنا من الحقائق ما جهلناه ، فقد ضاعت الكنوز العلائية، ولم يبق منها - على كثرتها - إلا أحادٌ من الكتب والكراريس، ولن تزيد الخسارة بجهل تلك الأسماء، شيئًا مذكورًا بالقياس إلى الكنوز العلائية المفقودة. حذف الأسماء على أن رائد الأدب العلائي ليرى ظاهرتين واضحتين في أثناء درسه، فهو يرى أكثر من كتب إليهم شاعرنا - في سِقْطِ الزَّنْدِ» وفي رسائله – قد حذفت أسماؤهم وكناهم وألقابهم، فلم يبق منها إلا القليل، كما حذفت البواعث التي حفزت شاعرنا إلى مساجلتهم أو مراسلتهم، فلا يكاد الباحث يظفر من ذلك بغير التَّفه اليسير الذي لا يشفي غلة، وأغلب الظن أن «المعري» قد آثر هذه الخطة حين عُني بتسجيل آثاره، وإثبات رسائله وأشعاره؛ ليكون في ذلك الحذف تكفير عن إفراطه في مجاملة من تورط في الثناء عليه من معاصريه، بعد أن أسرف في مصانعتهم، وغلا في التودد إليهم ، اتقاء لما يخشاه من أذيتهم، وإيثارا لسياسة التَّقِيَّة الذي أخذ بها نفسه، ولم يَحِدْ عنها طول حياته، وقد أوجزها في قوله: توج بلطف القول رد مخالف إليك، فكم طرف يُسكّن بالنقر ولقد طالما بكا مُتألّما اضطراره للإسراف في مصانعة الناس ومداراتهم، فقال: أرائيك، فليغفر لي الله زلتي بذاك، ودين العالمين رياء وإنما اضطر شاعرنا إلى المصانعة؛ لأن الناس - فيما يرى، ورأيه الحق - يبغضون الصراحة، ويمقتون الصدق، ويؤثرون – بطبعهم - باطل القول على الصحيح من الأخبار: والحق يُهمَس بينهم ويقام للسوءات منبر وما أسرعهم إلى تصديق ما يرفض العقل إثباته، وتكذيب ما يقره المنطق من صحيح القضايا: إذا قلت المحال رفعت صوتي وإن قلت اليقين أطلت همسي الصدق والكذب والمعري في تسويغ الكذب رأيان؛ أولهما: يبديه في الكذب الذي يدعوك إليه الاضطرار، والثاني في الكذب الذي يدعوك إليه الفن، فهو يوصيك أن تتوخى الصدق ما حييت، فإذا عرضك للهلاك أوصاك بمجانبته، ولم ير عليك بأسًا إذا أسرفت في الكذب – بكل ما في وسعك - لتنقذ حياتك من التلف، فإنما مثلك في ذلك مثل من يضطره الجوع إلى أكل الميتة، فيقبل على المحظور كارهًا ، أو يضطره المرض إلى مجانبة الماء؛ توقيًا للهلاك، فيكف عنه توخيًا للشفاء، ودفعًا للسقم، وفي ذلك يقول: أصدق إلى أن تظن الصدق مهلكة وبعد ذلك فاقعد كاذبًا، وقم فالمين جيفة مضطر ألم بها والصدق كالماء : يُجْفَى خِيفَةَ السَّقم وربما رسم لك خطته في مصانعة الظالمين، ومداراة الطغاة من الولاة الجائرين، في هذين البيتين: يقول لك العقل الذي ميز الحِجَا إذا أنت لم تدرأ عدوا، فداره وقبل يد الجاني التي لست قادرًا على قطعها، وأرقب سقوط جداره أسد الدولة وقد سار شاعرنا على هذا النهج الذي قرَّره، ولم يفته أن يداري الجانين، ويصانع الباغين، فراح يتربص الدوائر بأسد الدولة صالح بن مرداس»؛ والد ( شبل الدولة»، مترقبا سقوط جداره، حتى إذا دالَتْ دولته، لم يَفُتْ شاعرنا أن يُندّد بظلمه حين أمكنته الفرصة من ذلك. ومن غمزاته فيه قوله: فإني أرى الآفاق دانت لظالم يغُرُّ بغاياها، ويشرب خمرها» الكذب الفني أما الكذب الفني الذي يضطر إليه الخيال، فقد أبدع شاعرنا في الاعتذار عنه في مقدمة سقط الزند، حين عرض لتسويغ اضطراره إلى حذف أسماء من غالى في مجاملتهم، وأسرف في تخيل المزايا الباهرة التي نحلها إياهم في قصائده، معتذرا عما ارتكبه من الشطط بأنه لم يَعْنِ أحدًا منهم بما قال، ولم يقصد بما نظم في رُبَّان الحداثة أول الشباب - وجن النشاط شدة المرح - إلى غير مرانة الطبع ورياضته، ثم شفع ذلك الاعتذار بآخر فقال: ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طالبًا للثواب، وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس «الطبع». فالحمد لله الذي ستر بغُفَةٍ من قوام العيش، ورزق شُبْعةٌ من القناعة أوفت على جزيل الوفر. ولكنه لم يلبث أن عزف عن هذا الباطل، ونفر طبعه من تلك الأكاذيب، فهجر الشعر قائلا في مقدمة «سقط الزند»: «ثم رفضته – يعني الشعر – رفض السقب غِرْسَه، والرَّأْلِ - ولد النعام - تَرِيكَتَه - بيضته التي خرج منها وهو فرخ، رغبة عن أدب معظم جيده كذب، ورديئه ينقص ويجدب يعيب.» وهنا يقول: «وما وُجد لي من غلو، علق - في الظاهر - بآدمي، وكان مما يحتمله صفات الله – عز سلطانه فهو مصروف إليه.» وقد أخذ نفسه في قابل أيامه - بهذا العهد، فوقف تمجيده وإجلاله على خالقه وحده، كما ترى ذلك في «اللزوميات»، «ورسالة الغفران»، «والفصول والغايات». المثل العليا وقد أشار في تلك المقدمة النفيسة إلى مبدأ جليل ما أجدر محبي الأدب العربي أن يتنبهوا إلى خطره ونفاسته، فآثر أن يوجّه مدائحه إلى المثل العليا – حيثما وجدت في أفذاذ الموهوبين من سالف القدامى الغابرين، وقابل الذراري القادمين، فقال: «وما صلح لمخلوق سلف من قبل، أو لم يُخلق بعد؛ فإنه ملحق به.» ثم أعلن براءته مما جمح به طبعه، فقال مستغفرًا نادمًا : وما كان من محض المين لا جهة له، فأستقبل الله العثرة فيه.» ثم وصل إلى ذروة التوفيق في تعليل الكذب الفني وتسويغه، فقال: «والشعر للخلد للنفس أو القلب - مثل الصورة لليد : يُمثّل الصانع ما لا حقيقة له، ويقول: الخاطر القلب - ما لو طولب به لأنكره.» ثم لخص دستور الشعراء ومن لف لفهم من رجال الفنون، فقال: ومطلق - في حكم النظم - دعوى الجبان أنه شجيع، ولبس العِزْهاة ثياب الزير، وتحلى العاجز بحلية الشَّهْم الزميع - النشيط الجريء. أسماء الممدوحين ولو أخذنا برأي المعري واهتدينا بهديه في فهم قصائد الفحول الأفذاذ من الشعراء؛ «كالمتنبي»، و«ابن الرومي»، و «أبي تمام»، و«البحتري»، و «ابن زيدون»، و«مهيار» ومن إليهم، متغاضين عن كثير من أسماء من ظفر بمدائحهم أو مُني بأهاجيهم، لما خسرت ألواحهم الفنية شيئًا، بل لعل الفائدة منها تعظم إذا تمثلنا تلك الصور الرائعة موجهة إلى أهداف أخر، أسمى وأنبل من الأغراض التي قصد إليها منشئوها، فما أكثر ما تغنى هؤلاء الفحول بالمثل العليا في أشعارهم، ثم وقفت أسماء الممدوحين غصة في حلق المعجبين، ووصمة في جبين تلك الآيات التي أبدعها الأفذاذ من فحولنا الموهوبين. إسرافه في المجاملة وبقدر ما ترى من إغفال شاعرنا لأسماء معاصريه، ترى عنايته بشرح ما غمض من ألفاظه، وتجلية ما استَسرَّ من معانيه - سواء في ذلك شعره ونثره، ورسائله وكتبه – وما أكثر ما نراه يمهد لشروحه بألوان بارعة من الاعتذar لمن يختصهم بشرحه، فهو قد يُنحي علي نفسه باللائمة، أو يرمي نفسه بالغفلة، كما ترى قوله في «رسالة الهناء» هذه، معتذرا لمن بعث بها إليه، حتى لا يجرح كرامته، ملتمسًا منه الصفح لتهجمه على مقامه في الكتابة إليه أولاً ، وفي شرح ما كتبه إليه ثانيًا، فيقول: وقد أتبعت هذا الإطناب بتبيين ألفاظ فيه؛ ليكون الهذيان كاملا، والمَرَضُ لفضوله شاملًا. لطف الاعتذار على أنه قد أفصح – في مقام آخر - عن البواعث الحق في عنايته بشرح ما يكتب، وجَلا في ثنايا اعتذاره لصاحبه «ابن القارح» - حقيقة ما يهدف إليه ويتوخاه من تفسير ما صعب من لفظه، وتجلية ما خفي من معناه ، فقال في «رسالة الغفران» التي بعث بها إليه: وهو آنس الله الإقليم بقربه - أجلُّ من أن يُشرح له مثل ذلك، وإنما أفرق من وقوع هذه الرسالة في يد غلام مترعرع - ناشي – ليس إلى الفهم بمُتسرع، فتستعجم – تستغلق - عليه اللفظة، فيظل معها في مثل القيد، لا يقدر على العجل ولا الرُّويد . ١٣ عنايته بالتوضيح وقريب من هذا قوله في مقدمة لزومياته حين عرض لأسماء القافية: «وسأذكر منها شيئًا مخافة أن يقع هذا الكتاب إلى قليل المعرفة بتلك الأسماء.» وقوله في مكان آخر منها: فبين إذا حاولت إفـهـام ســامــع فإن بيانًا من قضاءٍ مُعدَّل تقول: «حميد قال والمرء ما درى «حميد بن ثور » ١٤ أم «حميد بن بحدل؟» ١٥ وهو يطالب غيره بالشرح كما يطالب به نفسه، فيعاتب من يقصر في ذلك متبرما بالغموض المضل، والإيجاز المخل، ١٦ فيقول: لم تبد لي عنك إلا مُجْملًا خبرًا وقد شرحت لغيري موضحًا جُمَلك أمثلة من شروحه وهو لا يكتفي بشرح منثوره - وقد قبسنا كثيرًا من شروحه في مواضعه من هذا الكتاب، وجعلناه بين الأقواس المربعة - بل يتعدى ذلك إلى شعره، فهو يتوخى إفهام السامع ما وسعه ذلك، فيقول مثلا: وفوائد الأسفار [جمع السفر ] في الدُّ نیا تفوق فوائد الأسفار أو يقول: مر لي بإميليسية أعني بها: وجناء ١٧ تقطع في الدُّجى الإمليسا ] ١٨ أو يقول: راعتك دنياك من ريع الفؤاد] وما راعتك في العيش من حسن المراعاة] أو يقول: فلا يُمْسِ فَخَّارًا [من الفَخْر] عائد إلى صَنْعة الفخار للنَّفْعِ يُضرب لعل إناء منه يُصنع مرةً، فيأكل فيه من أراد ويشرب وينقل من أرض لأخرى، وما درى فواها له بعد البلى يتغرب أو يقول: الصبر يوجد إن باء له كسرت ] لكنه بسكون الباء مفقود ۱۹ أو يقول: أسنيت من مر السنين ولم أرد أسنيت من ضوء السَّنَا البهار ] أو يقول: نوديت «ألويت» فانزل لا يُراد: أتى سيرى لِوَى الرَّمْل] بل [النَّبْت إِلواء ] ٢٠ أو يقول: أيا ظبيات الإنس: لست مناديًا وحوشا ] ، ولكن [غانيات مع الإنس] ٢١ أو يقول: غفرنا وما أعني اغتفارا، وإنما عنيت انتكاس البرء، لا كَرَم الغَفْر ] ٢٢ أو يقول: والدار تَدْمُر من كل وما غرضي كون بـ «تدمر»، لكن منزل دَمَرَا ] ٢٣ أو يقول: ما زال ربك ثـابـتـا فـي مـلـكـه ينمي إليه للـعـبـاد جـوار ٢٤ وأتت على الأكوار [جمع الكور ] ۲۰ والـ ــكور المُسرح ٢٦ هذه الأكوار ٢٧ أو يقول: ساحليون لم أرد ساحل البحـــ ر، ولكن نسبًا لأقمر ساحل ] ٢٨ أو يقول: متى ما تحاول فارسًا من فراسة ] فإني من «زيد» و«بسطام» أفرس ۲۹ أو يقول: إن قلت: «صفوا» بإلغاز - [ فمعتمدي صفوا - من الصف لا صفوا من الكدر ] وهذا البيت يذكرنا بقوله: صوفية، ما ارتضوا للصوف نسبتهم، حتى ادعوا أنهم – من طاعة – صوفوا أو يقول: شجر الخلاف قلوبهم، ويح لها غرضي: خلاف الحق لا الصفصاف ٣٠ على أنه قد يُطلق اللقب أو الكنية دون توضيح أو تفسير، مكتفيًا بدلالة المقام على صاحبها، فيجتزئ بلقب «الكوفي» مرة ، وهو واثق من أن القارئ لن يخطئ صاحبه، ولن يطيل تفكيره، وهو لا بد مهتد باللمحة العاجلة إلى أن شاعرنا يعني به في البيت التالي الإمام أبا حنيفة»، حين يقول: زَكوا – على مذهب الكوفي - أرضكم وجانبوا رأيه في مسكر طبـخـا ثم يُطلق هذا اللقب في بيت آخر ، فلا يحتاج إلى مَن يُخبرك أنه لا يعني به غير الشاعر المعروف «أبي العتاهية»، الذي فاض شعره بالزهد، كما فاض شعر البصري «أبي نواس» بأوصاف الخمر. وإليك النص: أما قاله «الكوفي» في الزهد، مثلما تغنى به «البصري» في صفة الخمر؟ وقد يشفع الاسم بوصف موجز يُعيّن مراده، فهو يصف «جريرًا» بأنه: «أخو القول»، فنعلم أنه يعني الشاعر الإسلامي المعروف جرير بن عطية الثقفي»، فيقول: والمنايا كالأسد تفترس الأخ ياء جمعًا، ولا تعاف الكليبا مثل ما قيل في «جرير» [أخي القو ل ]: «يصيد الكركي والعندليبا» ۳۱ هوامش (۱) تملك «أبو كامل نصر بن صالح بن مرداس» مدينة «حلب» من سنة ٤٢٠ إلى ٤٢٩هـ. وقد أشار إليه المعري في رسالة الغفران التي كتبها سنة ٤٢٤هـ، حين تمثل صاحبه «ابن القارح» يستنجد بعلي بن أبي طالب – يوم القيامة – متوسلا إليه أن يخاطب النبي الله في شأنه ليتشفع له، وتمثل «عليًّا» يسأله عن صحيفة حسناته، فيبحث «ابن القارح عنها فلا يظفر بطائل، وكان سبب فقدانها : «أنه رأى في المحشر شيخا كان يدرس له النحو في الدار العاجلة يعرف بأبي علي الفارسي»، ورأى جماعة من الشعراء يأخذون بتلابيب الشيخ ويُخطِّئونه فيما رواه من أشعارهم، ويتمرسون به صاخبين، ويقولون له غاضبين: «تأوَّلت علينا وظلمتنا. فلم يكد الأستاذ يرى تلميذه «ابن القارح» حتى أشار إليه بيده مستنجدًا، فخفَّ التلميذ إلى نجدة أستاذه، وهب للدفاع عنه قائلا: يا قوم، إن هذه أمور هينة، فلا تعنتوا هذا الشيخ».» إلى أن قال: «وإنه ما سفك لكم دما، ولا احتجن عنكم مالا.» قال: «فتفرقوا عنه، وشغلت بخطابهم والنظر في حويرهم مناقشتهم - فسقط مني الكتاب الذي فيه ذكر التوبة، فرجعت أطلبه فما وجدته، فأظهرت الوله والجزع، فقال أمير المؤمنين: «لا عليك! ألك شاهد بالتوبة ؟ فقلت: «نعم، قاضي حلب وعدولها.» فقال: «بمن يعرف ذلك الرجل؟» فأقول: «بعبد المنعم بن عبد الكريم» قاضي «حلب» – حرسها الله في أيام شبل الدولة».» (۲) الطرف الأصيل من الجياد. (۳) تملك «أسد الدولة صالح بن مرداس» مدينة حلب من سنة ٤١٤ إلى ٤٢٠هـ، وهي السنة التي قتل فيها، ونجا ولده شبل الدولة هاربًا إلى «حلب»، وقد حاصر «صالح بن مرداس» «معرة النعمان» – موطن «أبي العلاء» ونصب عليها المجانيق سنة ٤١٧هـ. قالوا: واشتد صالح في الحصار لأهلها، فجاء أهل المعرة إلى الشيخ «أبي العلاء» لعجزهم عن مقاومته؛ لأنه جاءهم بما لا قبل لهم به وسألوا أبا العلاء» أن يتداركهم بالخروج إلى «صالح» بنفسه، وتدبير الأمر برأيه؛ إما بأموال يبذلونها، أو طاعة يعطونها. فخرج ويده في يد قائده، وفتح له باب من أبواب المعرة وخرج منه شيخ قصير يقوده رجل ، فقال صالح: هو «أبو العلاء»؛ فجيئوني به. فلما مثل بين يديه سلم عليه ثم قال: «الأمير - أطال الله بقاءه – كالنهار الماتع المرتفع قبل الزوال والضحى قاظ وسطه، وطال أبْرَداه - وهما الغداة والعشي. أو كالسيف القاطع؛ لان متنه، وخشن حداه. خذ العفو، وأمر بالمعروف، وأعرض عن الجاهلين».» فقال صالح: «لا تثريب عليكم اليوم، قد وهبت لك «المعرة» وأهلها.» وأمر بتقويض الخيام، فقوضت ورحل، وشاعرنا يقول: نجى «المعرة» من براثن «صالح» ربُّ يعـافـي كـل داء مـعــضـل ما كان لي فيها جناح بعوضة الله ألحفـهـم جناح تفضل وقد أشار «أبو العلاء» إلى هذا الحادث في لزومياته، فقال: تغيبت في منزلي برهة ستير العيون فقيد الحسد فلما مضى العمر إلا الأقل وحم لـروحـي فـراق الـجـسـد بعثت شفيعًا إلى «صالح» وذاك من القوم – رأي فسد فيسمع مني سجع الحمام وأسـمـع مـنـه زئـيـر الأســد فلا يعجبني هذا النفاق فكم نفقت محنة ما كسد أما السبب الذي حفز «صالح بن مرداس» إلى محاصرة المعرة، وأغراه بالانتقام من أهلها؛ فهو يتلخص في أن امرأة من «معرة النعمان» استغاثت بالمصلين في يوم الجمعة؛ لأن ماجنا صاحب ماخور حاول أن يعتدي عليها ويغتصبها، وكانت المرأة حاملا، فلم يمنعه ذلك من التعرض لها بالأذى، ولم تكد تستنجد بالمصلين حتى أسرعوا إلى نجدتها، واشتد بهم الغضب فهدموا الماخور، وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان «صالح بن مرداس» فيما يقولون - في نواحي صيدا حينئذ، فأغراه وزيره تادرس بن الحسن» بالتنكيل بأهل المعرة، وزين له ذلك؛ لأن فيه إقامة للهيبة. قالوا : فوصل «صالح» إليها واعتقل نحو سبعين رجلا من أهلها ، وشدد عليها الحصار، كما مر بك. ولقد لخص «المعري» هذه القصة في لزومياته، وأشار إلى تلك الحامل بقوله: أتت جامع يوم العروبة - جامعًا تقص على الشهاد – بالمصر – أمرها يقول: إن جامعًا؛ أي امرأة حُبلى، قد جاءت يوم العروبة؛ أي يوم الجمعة، جامعًا؛ أي مسجدًا، تروي قصتها لمن حضر من أهل البلد: فإن لم يقوموا ناصرين لصوتها لخلت سماء الله تمطر جمرها فهدوا بناءً كان يأوي فناءه فواجر، ألقت للفواحش خُمرها وزامرة - ليست من الربد - خضبت يديها، ورجليها تُنفّق زَمرَها (٤) سقط الزند: هو اسم ديوانه الأول الذي جمع فيه ما قاله من الشعر في صدر شبابه، وهو يعني بالسقط ما يسقط بين الزندين قبل استحكام الوري، أي قبل أن تتقد النار. والزند: العود الذي يقدح به النار ، وجمعه زناد، وهو يقصد بهذه التسمية إلى تشبيه طبعه بالزند الذي يقدح به النار، وتشبيه أول ما قاله من الشعر بأول ما يسقط من الزند من الشرر الذي لا يبلغ أن يكون نارًا متقدة. قالوا: وهذا الشعر أول ما سمح به طبعه في ميعة شبابه ، فسماه «سقط الزند» تجوزًا واستعارة. (٥) ومن بديع تنصله من الأكاذيب الفنية التي فاض بها «سقط الزند»: تعلُّله بأنها من ثمرات الشباب الجامح الذي يأبى إلا مجاراة الشعراء في ميادين باطلهم، حتى لا يُرمى بالقصور والعجز عن محاكاتهم والفوق عليهم، كما ترى في قوله: إن الشعراء كأفراس تتابعن في مدى ما قصر منها لحق، وما وقف ذيم وسبق. وقد كنت في رُبَّان الحداثة - أول الشباب - وجنّ النشاط شدته مائلا في صفو القريض – خالصه وخياره - أعتده بعض مآثر الأديب، ومن أشرف مراتب البليغ. فهو يمثل الشعراء - في هذه المقدمة - بخيل يتسابقن في الحلبة، فأيهم قصر في جريه، وتهاون في عدوه، لحقه غيره وسبقه، واستولى على أمد السبق دونه. وقد جرى «أبو العلاء» - في حداثته مع الشعراء في هذه الحلبة، وحفزه طبعه الموهوب إلى منازعتهم قصَبَ السَّبق، ثم لم يلبث حين نضجت مداركه أن كفَّ عن الجري في ذلك الميدان، بعد أن تكشف له أنه يجري معهم في باطلهم، وأنه لا سبيل إلى رجحانه عليهم إلا إذا فاقهم في الإفك والبهتان، فإذا تورع عن المغالاة تخلف وسبق. ورأى شاعرنا ورأيه الصواب - أن القليل ربما أغنى عن الكثير، وأن الظمآن قد يرتوي من غير حاجة إلى شرب كل ما يحتويه الإناء من ماء، وأن الإنسان يكتفي بالثمرة الواحدة ليعرف منها مدى جودة الشجرة من غير حاجة إلى تقصي ثمرها كله، كما أن النفحة العطرة تدلك على زهرتها الطيبة. (٦) تقول: «الفصاحة من سوسه»؛ أي من طبعه. (۷) الغُفَّة ما يتبلغ به من العيش، والعرب تسمى الفأر : غفة السنور؛ أي بلغة القط؛ لأنه يتبلغ بها. (۸) السقب: ولد الناقة إذا كان ذكرًا، فإذا كان أنثى فهو حائل، وهو ساعة يُولد سليل، قبل أن يُعرف أذكر هو أم أنثى. (۹) الغرس : جلدة رقيقة تكون على الولد ساعة يولد، قال «أبو العلاء»: وما برح الإنسان في البؤس من جرت به الروح، لا من زال عن رأسه الغرس وهو يشير بذلك إلى قول ابن الرومي ويعارض رأيه حين قال: ولما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا، فما يبكيه منها، وإنها لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه بما سوف يلقى من أذاها يهدد وللنفس حالات تريها كأنها تشاهد فيها كل غيب ستشهد (۱۰) وقد أعاد الإشارة إلى ذلك في مقدمة اللزوميات فقال : وقد كنت قلت في كلام لي قديم: «إني رفضت الشعر رفض السقب غرسه، والرأل تريكته.» وثَمَّ أفصح عما قصد إليه فقال: «والغرض ما استُجيز فيه الكذب، واستعين على نظامه بالشبهات.» (۱۱) العزهاة الزاهد في النساء : لا يحبهن ولا يتغزل فيهن، وعلى العكس منه الزير، فهو الولوع بزيارتهن المشغوف بتتبعهن ومخادعتهن. (۱۲) يقال: صبي مترعرع؛ أي كاد يجاوز عشر سنين أو جاوزها. (۱۳) العجل السرعة، والرويد المهل. (١٤) يعني «حميد بن ثور الهلالي». وقد مرت بك ترجمته في «رسالة الغفران». (١٥) يعني «حميد بن بحدل الكلبي»، وهو من فرسان «كلب» وسادتها، قالوا: «حميد بن حريث بن بحدل : الذي قتل من قتل من فزارة. وقد رفع حميد بن ثور لأن الفعل معلق عن العمل بالاستفهام المحذوف، والتقدير: وما درى أحميد بن ثور المقصود للقائل أم حميد بن بحدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرُّ أَرِيدَ الآية. (١٦) على أن شروحه وتفاسيره لا تكفي الأديب العصري؛ فهي كما وصفها شارح السقط في مقدمته، فقال: «ولم يتفق له يعني لديوانه سقط الزند شرح يشفي غلة الصادي، ويحقق أمنية الشادي، سوى ضوء السقط الذي نقله «أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي» عن «أبي العلاء» - رحمهما الله وهو غير واف بالمقصود، ولا دال على الغرض المطلوب؛ لتقاصره عن بلوغ ما يجب من الإبانة والإيضاح، وقصوره على إشارات في مواضع معدودة لا تكشف الغطاء عن مشكلة، ولا تشفي ذا علة.» (۱۷) الوجناء : الناقة الشديدة الصلبة أو الناقة القوية العظيمة الوجنتين. (۱۸) الإمليس، والإمليسة: القفر أو المفازة ليس بها نبات. (۱۹) الصبر - بكسر الباء : عصارة شجر مر، والصبر - بسكون الباء ترك الشكوى من البلوى. (۲۰) ألوى القوم إلواء : صاروا إلى اللوى من الرمل، وألوى النبت إلواء: جف وهلك، والمعري يقول: ليس أول المعنيين مقصدي، بل المعنى الآخر أردت. (۲۱) يقول: لا أعني ظبيات القفر الحقيقيات، بل أعني شبيهات لهن من الغواني الإِنْسِيَّات. (۲۲) غفر : ستر وعفا عن الذنب، وغفر : نكس وعاوده المرض بعد الشفاء، وشاعرنا يقرر أنه يقصد إلى المعنى الآخر؛ لأن نفوسنا – فيما يرى لم تألف كرم الغفران ونيل الصفح عن المسيء. (۲۳) الدمار ضد العمار، وتدمر تخلو من ساكنيها، و «تدمر»: اسم بلد قديم من بلاد الشام، يقول: إنني أعني أن الدار تدمر ؛ أي تخلو من أهليها، ولا يبقى أحد فيها، ولست أعني بهذا اللفظ البقاء بمدينة «تدمر». (٢٤) جوار استغاثة وضجيج وتضرع. (٢٥) والكور - بضم الكاف: الرحل بأداته، وهو للبعير كالسرج وآلته للفرس، جمعه أكوار. (٢٦) والكور - بفتح الكاف: الجماعة الكثيرة من الإبل، أو القطيع الضخم منها، أو مائة وخمسون، أو مائتان وأكثر ، والمسرح الذي يخرج الغداة إلى المرعى. (۲۷) الأجيال المتعاقبة. والكور عند المنجمين خمس وثلاثون ألف سنة. وفي «رسالة الغفران» يقول شاعرنا على لسان الجني : ولقد نظمت الرجز والقصيد قبل أن يخلق «آدم» بكور أو كورين. ومعنى البيت أن الدهر يأتي على الإبل المسرحة وما عليها من الأحمال. وقريب من هذا المعنى قوله: فواها، وويها لريب المنون كم جر عيرًا بأحمالها يعني كم أفنى الموت الإبل وما تحمله من الميرة. (۲۸) يصف الناس بأنهم كالحُمُر الناهقة، فيقرر أنهم ساحليون نسبةً إلى أقمر ساحل، والأقمر: حمار الوحش، والساحل الناهق، وقبل هذا البيت يقول: كالسوام الأنام، هل فاز من سا فر منهم إلى بطيء المراحل؟ يمني، وفارسي، وشامي، وغاد - من أهل غربة - راحل (۲۹) يعني زيد الخيل بن مهلهل، وقد سماه الرسول بعد إسلامه «زيد الخير»، وبسطام هو ابن قيس بن مسعود الشيباني، وكلاهما من أشجع الفرسان. (٣٠) الخلاف صنف من الصفصاف، والخلاف أيضًا المخالفة، قالوا: وهي أعم من المضادة؛ لأنك تقول مثلا : الأبيض خلاف الأحمر والأسود، ولا تقول: ضد الأحمر، بل الأبيض ضد الأسود، فيكون الخلاف قد جرى على الاثنين جميعًا، والضد على أحدهما فقط، والمعري يقرر أن قلوب الناس لا تنبت إلا الخلاف، وأنه لا يعني بهذا اللفظ شجر الخلاف؛ أي الصفصاف، بل شجر المخالفة للحق والمجانبة للصواب. وقد وصف ابن الرومي صاحبًا له وشبهه بشجر الخلاف «الصفصاف» فقال: فغدا كالخلاف يورق للعي ن ويأبى الإثمار كل الإباء (۳۱) العندليب البلبل، والكركي: طائر معروف يقرب من الوز، أبتر الذنب، رمادي اللون، في خده لمعات سود، قليل اللحم، صلب العظم، يأوي الماء أحيانًا، وأراد بالكليب في البيت قبله جماعة الكلاب. يقول شاعرنا: إن المنايا كالأسود تفترس كل ما تلقاه ما عظم وما حقر؛ فهي مثل جرير الشاعر يصطاد كل ما يصادفه من المعاني جليلها وحقيرها. والمعري يشير بهذه النقدة الغامزة إلى رأي بعض نقاد العرب في «جرير»، فقد شبهوه بالأعشى، وقال فيهما الناقد المعروف «أبو عمرو بن العلاء»: «إنهما كانا بازيين يصيدان العندليب والكركي.»
شروح علائيةشُرُوحٌ عَلَائِيَّةٌ
وقد جرى شاعرنا في رسالة الهناء على مألوف عادته، فأتبعها طائفة من تفسير ما صعب من ألفاظها، وشرح ما غمض من أغراضها، فقال: وقد أتبعت هذا الإطناب بتبيين ألفاظ فيه؛ ليكون الهذيان كاملا، والمرض لفضوله شاملًا. اليرنا الحنَّاء، قال «مُزَرِّدٌ»: يُقَنِّئُه ماءُ اليُرَنَّأ تحته شَكِيرٌ كأطراف الثغامة " ناصل يقنئه يجعله قانتا؛ أي أحمر، ويقال في المثل: الحسن أحمر.» والعامة يتأولون هذا الكلام على أن الرجل إذا كان جميلا كان لونه إلى الحمرة، وعلى ذلك يحمل البيت المنسوب إلى بشار: غطت بحمرة ثوبها قسماتها، والحسن أحمر وأهل اللغة يحملون المثل على غير هذا المعنى، ويزعمون أن المراد أن الإنسان إذا طلب أمرًا حسنًا صبر على سفك الدم، ومن ذلك قولهم دونه الموت الأحمر، وعلى نحو من هذا يتأولون قول «أبي زبيد»: إذا علقتْ قِرنًا خطَاطِيفُ كَفّه رأى الموت - بالعينين – أسود أحمرا والمراد بالمثل - في هذا الكتاب – مذهب العامة. والأحم: الأسود. ويهارون من قولهم : هُرْتُه بكذا إذا رَمَيْتَهُ ،به، وقيل معنى هرته» معنی ظننت به الشيء وهو على خلافه، قال الراجز يذكر الإبل: قد علمتْ جَلَّتها وخُورُها أني – بسوء الشرب – لا أهورُها والورس: العيب. والعريسة : موضع الأسد، والمثل السائر: «كمبتغي الصيد في عريسة الأسد.» مُجَنَّتَاتٍ، من قولهم: «جنأ عليه إذا انحنى عليه، وفي الحديث: أنه رجم يهوديا ويهودية فجعل يتجاناً عليها. وأرَمَّتْ أي سكتت، قال الراجز: يَرِدْن والليلُ مُرِ طائره ملقى رواقاه هجود سائره والخيطل : السِّنَّور، والسُّرْعُوب: ابن عرس، قال الشاعر: ما كان يملك أن يسعى مساعينا آل الثعالي وأبناء الشراعيب والفرنب: ذكر الفأر، وربما قالوا : الفرنب الفأرة، وينشد: يَدِبُّ – بالليل – لجاراته كَضَيْوَنِ دَبَّ إِلَى فِرْنِب والنمر - بسكون الميم - لغةٌ كثيرةٌ في «ربيعة ومن جاورها، يقولون: «النمر بن قاسط»، ويفعلون ذلك بجميع الأسماء والأفعال على وزن هذا، وكذلك ما كان مضموم العين؛ مثل: «ظرف الرجل»، فيقولون: «ظرف الرجل» - بسكون الراء والجيم. و «أسامة»، من أسماء الأسد، قال الشاعر: تعدو المنايا على أسامة في الغـــ يل ١١ عليه الطرفاء ١٢ والأسل ١٣ والفُورُ : الظباء، لا واحد لها من لفظها. والناهض : الفرخ ١٤ قبل أن يكمل نبات ريشه. ومعتامًا أي: مختارا. والتثريب: الأخذ على الذنب. ورَديَّ في معنَى رَدَاي - أي الهلاك الذي ينزل به من قبلي – وهذه لغةٌ للعرب يستعملونها في المقصور كله، فيقولون هُدَيَّ ونَوَيَّ، قال الشاعر: ألم تر أنني جاورت «كَعبًا» فكان جوار بعض الناس غَيًّا فأبلوني بَلِيَّتكم، لعلّي أصالحكم وأستدرج نويا ويقال هو «ضُلُّ بنُ ضُلَّ» إذا كان لا يُعرَف ولا يُعرف أبوها وينشد: وإن زيادكم «ضل بن ضل» وإنَّا من إيادكم براء وهَيُّ بن بي» ١٦ في ذلك المعنى قال الشاعر: لها شهيدان من زورٍ ، وكاتبها «هيُّ بنُ بي» ومجنون بن شيطان وقال بعضهم: «هي بن بيّ: رجلٌ من وَلَدِ آدم ذهب في الأرض فلم يوجد له خبر، وقيل: قتل فلم يؤخذ بثأره.» وريق الشباب: أوله الذي يروق منه. وروقا فزارة رَجُلانِ؛ وهما: عمرو بن جابر بن هلال بن سُمي بن عقيل بن مازن بن فزارة، ۱۷ وبدر بن عمرو بن جُؤَيَّة بن لوذان بن عدي بن فزارة. والروقان القَرْنان، وقيل للسيد: «روق» لأنه يحمي العشيرة كما يحمي الوحشي نفسه بروقه، قال «قُراد بن حَنَشِ الصادري»: إذا اجتمع العمران: «عمرو بن جابر» وبدر بن عمرو، خِلتَ ذُبيان تُبعا والعمران ها هنا من الأسماء التي غُلّب بعضُها على بعض لأن الرجلين: «بدر» و «عمرو». والبردان: الغداة والعشي، وهما الصرعان. هوامش (۱) الفضل الزيادة، وجمعه فضول، وقد استُعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه، ولا يعني صاحبه الاشتغال به؛ لأنه جعل علمًا لهذا المعنى فنزل منزلة المفرد، ولهذا نسب إليه على لفظه، فقيل: «هو فضولي». (۲) الشكير: الشعر في أصل عرف الفرس وما ولي الوجه والقفا من الشعر، والنبت صغاره بين كباره، أو أول النبت على أثر النبت الهائج المغبر. (۳) الثَّغَامة، واحدة الثَّغام، وهو شجر أبيض الزهر والثمر كأن جماعتها هامة شيخ. وأثغم الوادي: أنبته و الرأس : صار كالثغامة بياضًا ، و - الإناء ملأه، و- فلانًا: أغضبه أو فرحه، ولون ثاغم: أبيض كالثغام. (٤) نصلت اللحية – من بابي نصر ومنع نصولاً فهي ناصل: خرجت من الخضاب، تقول لحية ناصل»؛ أي «خارجة من الخضاب». (٥) وفي رواية أخرى: قول العامة. (٦) الجلة «هنا» الإبل المسنة. (۷) الخور : جمع خوارة، وهي الناقة الغزيرة اللبن وهو جمع على غير قياس. (۸) أرواق الليل: أثناء ظلمته. (۹) التعالي: الثعالب، كما تقول : الأراني والأرانب والضفادع والضفادي، وقد مر بك ذلك. (١٠) الضيون - كما علمت القط. (۱۱) الغيل: مأوى الأسد. (۱۲) الطرفاء : شجر ، وهي أربعة أصناف، منها الأثل. (۱۳) الأسل: نبات وشوك النخل، وعيدان تنبت بلا ورق. (١٤) وأم ناهض : كنية الحمامة، قال شاعرنا في لزومه: لقد أكثرت – في يومها – أم ناهض من السجع، حتى مل منطقها الهذر وقد عذرت في نوحها وغنائها فلما أطالت فيهما، بطل العذر (١٥) ضل بن ضل أي منهمك في الضلال. وهو من التعبيرات التي جرت على لسان المعري وقلمه في غير هذا الموضع؛ ففي «رسالة الغفران» يراه القارئ في منافرة الشاعرين: «الأعشى» و«الجعدي» التي أثارها «أبو العلاء بينهما في جنة الفردوس، وأبدع في تمثيل «الجعدي» وهو ينافر صاحبه الأعشى ويلاحيه، ويقول له مغضبًا حانقا: اسکت یا «ضل من ضل»، فأقسم إن دخولك الجنة من المنكرات، ولكن الأقضية جرت كما شاء الله، لحقك أن تكون في الدَّرْك الأسفل من النار، ولقد صلى بها من هو خير منك. ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت: إنه غلط بك ... إلخ.» (١٦) «هي بن بي» و «هيان بن بيان كناية عمَّن لا يعرف هو ولا يعرف أبوه، يقال لا أدري؛ أي هي بن بي هو ؟ معناه: «أيُّ الخَلْق هو ؟ » وقال ابن الأعرابي: «هي بن بي»، و«هيان بن بيان»، و «بي بن بي»، يقال ذلك للرجل إذا كان خسيسا، وأنشد ابن بري»: فأقعصتهم، وحطت بركها بهمو وأعطت النهب «هيان بن بيان» أقعصتهم قتلتهم وأجهزت عليهم ... البرك: الصدر حطت بركها بهمو؛ أي أناخت عليهم بكلكلها؛ أي صرعتهم. وقال بعضهم: بعرض من بني هي بن بي وأنذال الـمـوالـي والـعـبـيـد وهي بن بي» في هذا المعنى؛ يعني في معنى «ضل بن ضل»] وهكذا إلى آخر تلك الأساطير التي لا تخرج عما أسلفناه. (۱۷) قال في لزومه: قد عاد شوك فزارة» متحرقًا وتصدعت من «دارم» الأحجار (۱۸) قال في فصوله انكسف بدر ذبيان فلم ينر، وهلك هلالها فلم يُسفر - لم يضئ.» ثم قال مفسرا: «بدر ذبیان: هو «بدر بن عمرو»، وهو «أبو حذيفة بن بدر»، و«هلال»: رجل من فزارة»، وهو من أجداد عمرو بن جابر» الذي يقال له ولبدر بن عمرو: «العمران»؛ وهما: روقا فزارة – سيداها.» قال قُراد بن حَنَشِ الصادري: إذا اجتمع العمران: «عمرو بن جابر» و«بدر بن عمرو» خلت «ذبیان» «تبعا» وألقوا مقاليد الأمور إليهما جميعًا قماء صاغرين وطوعا قماء: يعني أذلاء صاغرين، قال في لزومه: نهاب أمورًا ثم نركب هولها على عنت، من صاغرين قماء يعني: يا لنا من عجزة ضعاف أذلاء! (١٩) يقال أبسه يأبسه أبسًا من باب ضرب صفّره وحقره ووبخه وأذله وقهره. (۲۰) قال شاعرنا في كتاب «عبث الوليد» (ص) (۳۱) حين عرض لقول «البحتري»: أنست ذا وذاك إحدى وعشرو ك بغصن من الشباب رطيب فقال: «قوله: إحدى وعشروك جائز إلا أنه ليس بوجه الكلام، وإنما الواجب أن يقال: إحداك وعشروك، إلا أنه حذف المضاف من الكلمة الأولى لمجيئه في الكلمة الثانية، وقبيح أن يقال في الكلام: «جاءني غلام وجاريتك وأنت تريد: «جاءني غلامك وجاريتك» لأنك إن نونت غلامًا لم يبق فيه دليل على الإضافة، ولا يعلم أنه غلام المخاطب إذا عدم الكاف، وإن جاءت في قولك: وجاريتك» ؛ لأنه يكون منكورًا.» وإن حذفت تنوين «الغلام» دخل ذلك في الضرورات، فصار مناسبًا قول القائل: يا من رأى عارضًا أرقت له بين ذراعي وجبهة الأسد يريد بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد. ومثله قول الأعشى: إلا علالة أو بدا هة قارح نهد الجزارة على مذهب من يرى أن المضاف إليه محذوف من الكلمة الأولى. أقول: ولقد كان ابن زيدون أصح أسلوبًا من البحتري؛ حيث قال: وما أعطت السبعون - قبل – أولى الحجي من الإرب ما أعطاك عشروك والعشر
ترجمة الرسالةتَرْجَمَةُ الرِّسَالَةِ
۱ وهذه رسالة شاعرنا أبي العلاء» يستهلها بالهناء، هناء يقرن به نور وضياء، وحسن وبهاء، ورفعة وسناء، وسمو واعتلاء. لا بل يستهلها بآيات من التهاني يرغم لها أنف المبغض الشاني. تتوالى تلك التهاني، ويترادف بعضها في إثر بعض إلى الأستاذ طال عمره، وبقي في السعد الطالع، ما خلد جبل متالع ، وهو بعض جبال البادية، يبقى ما بقيت الفانية ... تهانئ بكر - تقدم وسبق – وسميها وهو مطر الربيع الأول - وتتابع وليها ؟ - المطر بعد الوسمي. بقدوم الأستاذ أليف النبالة، وحليف الجلالة الأستاذ أبي علي» لا فتئ للدهر أنفس حلي، فهو بكلا الأمرين - الهناء والتهاني - يُهنأ، خضب لونه اليرنأ، أي لونه اليرنأ وهو الحناء بحمرة الحسن، فهو بالخضاب محنا. وبلون الحسن مهنأ، ويرنأ الحسن لا يعدو صنفين، ولا يتجاوز لونين، أحدهما: أحم أسود، وهو لون الشباب، وثانيهما: أحمر قاني، وهو لون الحسن. وقد قالوا: «الحسن أحمر . » ولا يتم الجمال في أزهر أقمر إلا إذا كان أحم الشباب. ۲ وبعد أن مهد شاعرنا للتهنئة بهذه التوطئة، رأى أنه غير حري بهذه المنزلة حين أنفذ إليه - من بيانه - صحيفةً مرسلةً؛ لأن التهنئة - فيما يرى شاعرنا - يجب أن تقع بين الأكفاء، ولا يحسن تبادلها إلا بين النظراء. ولا يقدر التعرض لها بمقادير المحبة والمقة، ولا يقاس بمقاييس الإخلاص والثقة، وقد قام الدليل على أن مثل الأستاذ المرسل إليه في العصر قليل. فليس له - في زمنه أحد من الأمثال والأكفاء، هيهات عدم المشبهون والنظراء. ولو جادت العصور الخالية، والأزمنة الماضية، بمثل من تولى من بدورها السنية، وذوى من ثمارها الجنية، وسمحت بعود غصونها الرطاب من أولئك الرؤساء والكتاب، أعيان اللغة وحماة آدابها، وأعلام الفصاحة وأقطابها، لكان ممن يصلح للتعرض لهذا العظيم بالخطاب من الأكفاء، وإزجاء التهنئة له من النظراء: صاعد بن مخلد ذو المجد القديم الأتلد. وصاحب الكتب: سهل بن هارون، ورؤساء لا يهارون؛ أي لا يعابون ولا يتهمون، ولا ترقى إليهم الشبهات والظنون، ولا يرمون بالذم ولا يتنقصون. وإنما خص شاعرنا » صاعدًا» بالتنويه «وسهلا» ؛ إذ كانا للتكرمة أهلا، وكان كلاهما قبل الإسلام على دين المسيح، ينظران نظر سياسة وتدبير في ملك للعرب فسيح. ومثلهما في هذا الشأن عدي بن زيد» الذي كان مشيرًا للنعمان فيما غبر من الزمان. ۳ وعند شاعرنا أن من الممنوع المحظور أن تجيء التهنئة من غير الكفء والنظير. وقد اختار لتأييد ما ذهب إليه والدلالة عليه مثلا قصصيًا رائعًا، ورمزا خياليا بارعًا. وروى لنا حديث أسد ظفر بفرس ملك لا تسمو لركوبه نفس متصعلك. ثم حمل الأسد ما ظفر به من فريسته إلى موضعه من عريسته، وأخذ منه مقدار كفايته. واجتمعت إليه صنوف الوحش مهنئاتٍ ، مُكِبَّاتٍ عليه منعطفات. وقد انعقدت من الذعر - ألسنتهن، وأشرفت كواهلهن – من الخوف – على صدورهن، وكادت تنخلع من الرهبة - قلوبهن، فقائل لا يعدو الإيجاز، وصامت لا يخرج عن الإشارة والمجاز، يرهف المنصت إليهن أذنيه فلا يدرك لهن حسا. خشعت الأصوات منهن فلا تسمع إلا همسًا. فلما طال سكوت الجماعة، ولم يبق في القول لقائل طماعة، إذا بناطق جريء، ممتهن قميء. واستشرفه الجمع فإذا هو فأر صغير، خسيس القدر حقير. له بالأجمة وجار، كان الأسد له نعم الجار، وقد نعم قديمًا ذلك الفأر من مولاه بحسن الجوار. فكان الأسد يقيه الأذى والضر، ويدفع عنه المصائب والشر. ويحميه من أن تدركه شعوب، على يد خيطل وسرعوب. والشعوب المنية، والميتة السريعة الوحية. والخيطل السنور، يقتله إذا رآه على الفور. والسرعوب ابن عرس، وفي استطاعته أن يقيده عن الحركة والحس، ويسلبه أعز ما لديه وهو النفس، وكلاهما قادر على الفتك به والفرس. وكان مما قاله الفأر حين تكلم بحضرة الضيغم: بورك للملك في العطية السنية، وما بلغ من الأمنية. فنظر الأسد إليه نظر مغيظ مغضب، وكأنه من الحنق والغيظ على محضب والمحضب المسعر والمقلى، ينضج اللحم عليها ويُقلى. فعرف في وجهه الغضب نمرٌ ، أو سرحان – ذئب – وأيقن أن الأسد لم يرض بهذا الهذيان، فأوحى على الفور» إلى هرٍّ أن يُنزِل بالفأر الناطق ما سمح به طبعه من الأذية والشر. فلما دنا منه وتمكّن، جعل الفأر يصيح في مخالب الضيون القط يقول: ما ذنبي أوكل في جوار الجبار أسامة؟ وأخذ بعض الأجناد يوسعه تقريعًا وملامة، ويعده من أهل السفه والجهل؛ إذ أهل نفسه لخطاب الملك وليس له بأهل. ثم ضرب شاعرنا الفحل مثلا آخر لهذا بعظيم من جوارح الطير، يغدو في الصباح ثم يرجع الفرخه – بطعام ومير، وذلك أنه جاء مرةً ومعه إحدى الفور، فصمتت لهيبته ذوات الأجنحة غير العصفور. والفور هي: الظباء، يصيد السانح منها والبارح عقاب الجو أو عظيم من الطير جارح. فخاطبه العصفور خطاب الصعلوك لأحد الأقيال والملوك، وبدأ خطابه بالدعاء، متضمنا آيات المدح والثناء. وكان مما قاله: قرت عينك أيها الملك من قيل - زعيم – لم يقنع الناهضه الذي لم يكمل نبات ريشه - بقليل العطاء وخسيس النيل. فقاطعه الجارح في أول كلامه، وعمد إلى تجريحه وإيلامه، وصاح من هو حتى يقوم حيالي في غير خوف ولا حياء، ويشقشق بألفاظ المدح والإطراء ؟ ظن الجاهل المعجب بشقشقته أنه خطيب قام بحضرتي يهدر بشقشقته. مَن هو حتى يتكلم لدي كأنه أمن من بطشي وردي؟؟ ثم أشار النسر إلى باز منه قريب، أن يبدأه - قبل العقوبة - بالمؤاخذة والتثريب، ثم يأخذه بالعقاب على هذا الخطاب. فحقر البازي شأن العصفور، ورأى أنه بالاختطاف غير جدير. فأومأ إلى باشق أن يعجل بإتلافه، ويسرع إلى اختطافه، فاختطفه مختارًا معتامًا، وترك أفراخه يتامى. ولا ننسى أن أبا العلاء في فاتحة هذه الرسالة طامَنَ من قدره، وأنكر نفسه كما أسلفنا القول في الفصل السادس: تهنئة العصفور ] - ووضعها في منزلة لا يستأهل معها أن يخاطب المُرسَل إليه، ويعرض تهنئته عليه. وضرب لمنزلته الوضيعة مع منزلة مُخاطَبه السامية الرفيعة مثلين: مثل الفأر مع الأسد، ومثل العصفور مع جارح من جوارح الطير عظيم. وصور بعد ما بين المنزلتين بهاتين الصورتين المتقابلتين. وبعد أن أحكم تصويرهما، وأبدع تحبيرهما، وظفر بموفور التوفيق في عرضهما عرضًا حسنًا بديعًا. أراد أن ينكر مع إنكار ذاته أن يكون له أقران يدانون ممدوحه في مرتبته السنية، ويشاركونه في منزلته العلية، فقال: وأما أقراني فحَمَلة عِصِي، يجلسون في المكان القصي، يستعينون بتلك العصي على الحركة والمشي، ويحملونها عند الابتغاء والسعي، ويجلس العجزة منهم والضعفاء حيث لا يجلس الأسرياء والشرفاء، وليس الخامل القصي كالنابه السري. وشتان بين النكرات من حملة العكازات، وبين السروات من حملة الشارات وأهل الرياسات والمشورات. فإن أخطأت من هذا الصنف من الناس قِرْني، وفقدت بينهم صاحبي وخدني، فقرني بعد فقدهم ضلُّ بن ضل، أو هي بن بي. ويقال للشيء ضل بن ضل إذا كان لا يوقف له على أثر، ولا يعرف إن كان من البشر أو غير البشر. ومثله في التعبير عن المفقود، والتمثيل لغير الموجود هي بن بي، فكلاهما ليس بشيء. وإلى هنا ينتهي أبو العلاء من وصف أقرانه، وحديث إخوانه. ثم أتى بمثالين من الطراز الأول لأقران ممدوحه الذي اختصه برسالته، وبعث إليه بتهنئته، قال: فأما الأستاذان الجليلان إلى آخر ما وصفهما به. حيث دعا لهما أولاً بأن يزيد الله الأيام ببقائهما ضياء، والأنام بوجودهما رفعةً وسناء، ثم وصفهما ثانيًا بأنهما لا يعدل بهما الأصفران، ولا يساويهما في القيمة والنفع الذهب والزعفران. والأصفران وإن كان أحدهما طيبًا يشم وينشق، والآخر حليةً تُقتَنَى ومالا يُنفق، إلا أن الأستاذين لا يقصران عليهما في الشبه والمثلية، والقيمة الطبية، والنفاسة الذهبية؛ فهما أثمن قيمةً وأغلى، وأرفع درجةً وأعلى، بل هما في الهداية مثل القمرين، وعهدهما في العدل والإنصاف – كعهد العمرين. وإذا بلغا مبلغ الشمس والقمر في الهداية، فتلك غاية ليس وراءها غاية. وإذا كان أوانهما كأوان «عمر بن الخطاب» و «عمر بن عبد العزيز في العدل، فكيف يدانيهما شبيه في الفضل، أو يحاكيهما مثيل في النبل؟ إذا ذكر في الحسب رَوْقا فزارة، أيقنت أنهما رَيّقا نبأ يذكر عن الوزارة، وروقا فزارة هما: عمر بن جابر، وبدر بن عمرو، ويقال للسيد: روقٌ، والريق والريق: أول الشباب، والمراد ما يَرُوع الخاطر ويحسن في السمع من أنبائهما. وكم أحرزا قصب السبق في ميدان العدالة والحق، وجاءا في الحلبة مُجَلِّيَيْنِ وكَمْ كانا في القدوة للسادة القادة إمامين وفي الهداية للسارين فرقدي ليل ولا يصفهما الواصف بسابقي خيل؛ لسبقهما في مجال الفضل والأريحية، لا في ميدان الرهان والفروسية. إذا أطراهما مادح بقوله: «هما» الحُرَّان» فلا يعني بالحرين نقيضي عبدين، ولا الحرين اللذين ذكرهما الأخطل بسكر بردين، فقال: عفا واسط من أهل «رضوى» في «نبتل» في «مجتمع الحرين»، فالصبر أجمل وقصد بالبردين، الغداة والعشي، وبالحرين في قوله: «فمجتمع الحرين كثيبي رمل، ثم دعا لهما باجتماع الشمل. ثم أخبر أنه ليس غرض المقرّظ - أي المادح - بالحرين: حُرَّي معد اللذين ذكرهما «ابن معد يكرب» في قوله: ما لم يلقني حراها وعبداها. يعني بالحرين: عتيبة بن الحارث اليربوعي»، وعامر بن مالك الكلابي». وبالعبدين السليك بن السلكة، وعنترة. وليس معتمد من أثنى ومدح الحران، اللذان هما : «حرّ» و«أبي»، بتغليب حر في التثنية على «أبي»؛ لخفة الأول وثقل الثاني. لم يقصد المادح أن يشبههما بشيء مما تقدم، وإنما قصد أن يشبههما بالحرين اللذين هما كوكبان. يرى المدلج أن الفرق بينهما دان، قال: ولما بدا الحران والليل دامس ذكرت خليطا نازلا بأبان ثم استمر في الثناء على الأستاذين وإطرائهما، وتقريظهما ومدحهما، ودعا لهما أن يرى الله ذاتهما بالحراسة والحفظ، وأن يبقيا ما بقي الدهر ربيعي ثمر وزهر. إذ كانت أيامهما في الخصب والجمال كأيام الربيع، مصدر بهجة وحياة للجميع. وما عنى بشهري ربيع ربيعي الشهور المعروفين بهلالهما، بل ربيعي الأزمنة المشهورين بخصبهما وجمالهما. وهما ربيعان يجيئان الأنام في كل عام بضروب الحسن وصنوف الإنعام. في أولهما يدرك الثمر، ويجني الشجر، وفي ثانيهما ينير النور، ويسني الزهر؛ لذلك نبه على أنه ما عنى شهرين يقعان بعد صفر، بل أراد نيسان وأخاه. وهذا ما قصده وعناه. ثم شفع الدعاء الأول بدعاء ثانٍ، طلب فيه لهما من الله ألا يبرحا لساكني الديار أنفع من الحنتفين، وأن يغلوا على كل كذب ومين، ويشرفا شرفًا لا يمين فيه كاسبه، ولا يكذب صاحبه. ولا ينبني على الرهق والأبس، كما كان شرف الزهدمين في بني عبس. بل ينبني على نفع العباد، وعز البلاد. والحنتفان تثنية غلب فيها أحد الاسمين على الآخر، والمراد بهما: «الحنتف» و«أوس» ابنا «سيف بن حميري بن تميم»، وكذلك الزهدمان تثنية داخلة في باب التغليب، والمراد: «زهدم» و «قيس»، أو «زهدم» و «كردم»، وهما من بني عبس، ولا يبعد أن يكونا قد بنيا شرفهما على الرهق والأبس. والرهق الظلم وارتكاب الشرور، والأبس: التصغير والتحقير. ثم شرع في مدح الأستاذ أبي فلان، ودعا له ألا يبرح سوارًا في يد المملكة، وقلادة يتحلى بها صدر الدولة، وأن يكون في مكانٍ من سمو الدرجة وعلو المنزلة يجاور فيه الأفلاك القائمة، والنجوم السابحة. وأخبر أن هذه الهجرة أفضل من مهاجرة أخي كندة؛ لأن هذا الأخير سلك تلك المسالك إثارةً للحرب، وسعيًا في الفساد، وأما الأستاذ فمهاجرته لتأمين السَّارِينَ من غائلة الآساد، وبما أسلفه من سهر على حياة المسافرين، وتأمين ليل السارين، سوف يتبين العافية، ويظفر بحسن العاقبة. فالسعيد من عافاه الله من البلاء، ووهبه السلامة من كل داء، في الدار العاجلة، قبل الدار الآجلة. والموفق للعمل الصالح من أمَّن سالكًا، وأنقذ من براثن الموت هالكًا، وخلص أسيرًا، وجبر كسيرا، ومن أحيا نفسًا فكأنما صنع صنيعًا، بعث أبناء الراكدة جميعًا. والراكدة الأرض الساكنة الهامدة التي ركدت كركود الريح أو الماء بركود ساكنيها، وموت من فيها، ولا شك أن عمارتها بالحياة يوجب الزلفى عند الله ، ويضاعف الحسنات، ويذهب السيئات؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. وأي جزاء يساوي هذا الجزاء أو يدانيه ؟ وأي ثواب يعدل ثواب من أعطاه الله من الأجر بعدد كل نفس أحياها، وبمقدار كل روح أنقذها واستبقاها؟ وإن الأستاذ بهذه الأعمال الصالحة، والمساعي الموفقة الناجحة، التي أعد الله له فيها - من الثواب ما أعده للصديقين من عباده الصالحين، حقيق بما أكرم الله به أولياءه، ومنحه أصفياءه، من بالغ الكرامات، وخارق العادات. ولو جاز أن تنشق الطامية - من البحار - لغير «موسى الكليم»، لا نفرق له لجها، وانفصل معظم مائها غير مليمٍ ، ١١ وكان كل فرقٍ كالطود العظيم، ولانحسر البحر عن قيعانه، وأبان عن حيتانه. وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ١٢ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ولقالت الحيتان المتفكنة المتأسفة، المتعجبة، المتلهفة، لما قضي الأمر، وانحسر عن البحر ماؤه الغمر : ما حدث نضوب الماء إلا لأمر نزل من السماء، فمن هذا الرجل الصالح المستديم على عمل الخير مع تعاقب العصرين ، ١٣ الدائب في صلاح ذات البين، فتولى الله عن الناس جزاءه، وحفظ له في الدارين وفاءه. وكما لا يمتنع في القدرة نقص الماء ونضوبه، أو ركود الريح وهبوبه، لا يمتنع أن يعذب ببركة هذا الرجل الصالح الماء الأجاج ، ١٤ فيعود كأنه من النحل مجاج، 10 أو تسير السفينة على اليبس، أو تطير في الهواء كأنها شعلة من قبس، في يد قابس متعجل، يعدو وشيكًا بلهب مشتعل، وليس هذا بالمطلب المحال، البعيد المنال، وما هو بخادع من كاذب الآمال. فقد يصبح - بإذن الله – حقيقة تراها العين، لا كذب فيها ولا مين. ويجوز أن تحملها الريح الهابة كما حمل عرش بلقيس»، إذا مثل خبر أو قيس. أي إذا مثلت السفينة في قصة بلقيس» بالعرش، وقيس حملها على متن الهواء بعد نضوب الماء - على حمله إلى سليمان من اليمن في لمحة من الزمن، واستقراره عنده قبل أن يقوم من مقامه، وينتقل من مكانه. ولا يمتنع أيضًا مع نضوب الماء، وجري السفينة على اليبس، أو طيرانها في الهواء، أن تظل سواكن البحر الزاخر - بيمن الأستاذ وبركته - راتعات، وبالسلامة من الشجب – الهلاك - متمتعات؛ حيث تبقى – وإن كانت لا تعيش في غير الماء متمتعة بالحياة مع تعرضها لحر الهواء، كأنها بعض سواكن الصحراء، تجول في مثل السهب الأرحب، كخيط النعام المودة والربرب. والسهب - بالفتح : الفلاة، وخيط النعام: الجماعة من النعام، والمخودة: المسرعة في السير، والربرب : القطيع من بقر الوحش. حتى إذا قضى لبَانَته – إربته ورغبته – من هذه الهجرة، وأنس النجح واستبانه من هذه السفرة، وتمت على يديه تلك المعجزات، وتحققت بيُمن طالعه هذه المستحيلات، عاد الماء إلى مستقره، ورجع كل شيء إلى مقرّه، وحل الرجاء محل اليأس، فاستقامت طبائع الناس، وعزفوا عن الأكاذيب والترهات، وتجنبوا طريق الإفك والشبهات. ثم تمنى أن يقدم الأستاذ من حضرة الملك ذي التاج، بمثل ألوان الرياض من هدايا الحرير والديباج، وبما لا يحصى من الفضة واللجين؛ ليتحف الناس بالأكسية والنقدين، في العامين الأشهبين ويفض الفضة في الأولياء، ويفرق المال لإنعاش الفقراء، وإسعاد الأشقياء. والأشهبان هما العامان اللذان ليس بين طرفيهما خضرة، الجالبان على الناس لبياضهما الضيق والعسرة. وطلب أن يبتهل الدرب الضيق إلى الله في أن يحول ضيقه إلى اتساع، لقاء ما للأستاذ القادم من مآثر ومساعٍ، وأن تكون اللصاب ١٦ الضيقة، والشعاب الحرجة، كالسباسب الفيح ١ غير اللصبة، حتى لا تشرق - لا تغص - بالمواكب الصاخبة اللجبة، وأن تكون الحجارة الصلدة، والصخور الصلبة، في الرقة واللين كالرق من جلد النعام، والأكمة الواسعة كالخوان، عليه ألوان الطعام، يصيب مما عليه الجائع الساغب وهو مريح بعد إعيائه، أو ذو إعياء لاغب وبهذا انتهى الفصل الذي أفرده شاعرنا المجاملة الأستاذ أبي فلان»، وخصه ببيان ما ترتب على مهاجرته من أثر حميد، وعمل مجيد. وذكر ما يجوز أن يتحول - بيمنه وبركته – من مستحيل ممتنع، إلى جائز ممكن، كانفراق البحر، وما يعرض لمائه من نقص ونضوب، وانسراب حيتانه وسواكنه، وجريها فيما يشبه الصحاري والسهوب. وعود ملحه وأجاجه، أحلى من ضرب النحل – عسله - ومجاجه. وجري السفينة على اليبس، أو سبحها في مسابح النجوم كشعلة من قبس. أو طيرانها في الفضاء، محمولة على متن الهواء، كما حمل عرش بلقيس» من اليمن، في اللمحة اليسيرة من الزمن، وكتحويل ما في الرياض من أشجار مورقة، وأزهار مونقة، وورد نضير، ونور منير، إلى أكسية من الديباج والحرير، يكسى بها الغني والفقير، إلى آخر ما ذكره عن رحلة الشيخ الصالح من مهجره إلى مقدمه. ثم انتقل إلى هذا الفصل الختامي الأخير، وفيه عاد إلى ذكر الأستاذين معًا، فدعا لهما أن يذل الله معاندهما أخرى المنون ، ۱۸ ما توالت الأيام وتتابعت السنون، ومدحهما بأن السلطان «شبل الدولة» إذا كان أسد النجوم كانا ذراعيه، وإذا أُغلق باب الرأفة فتحا مصراعيه. شبههما - في الرفعة والنباهة واتصالهما بالسلطان - بذراعي الأسد. والأسد: نجم في السماء له من النجوم ذراعان؛ إحداهما مبسوطة، والأخرى مقبوضة. كما شبههما في إثارة الرحمة والحنان في قلب السلطان، وحمله على البر برعاياه، بباب يفتح بأيديهما - مصراعاه، ثم دعا لهما أن يبقيا - الرفاهة الرعية - منعمين، وأن يكونا – في النباهة - كالسماكين أو المرزمين. والسماكان رجلا الأسد، وهما نجمان نيران، والمرزمان نجمان تصحبهما الشعريان؛ إذ نشأ بهما - للعدل - عارض، ينتعش منه البارض. والعارض السحاب، والبارض: أول ما يظهر من النبات. ثم قال: «وليس بخاف عني أن سكوتي عن التعرض للخطاب، ومراسلة ذلك الجناب، هو الربح والمتجر، والكاذب مسيء أوجر.» والأوجر: الخائف المشفق. وكم في الناس من منكر لحديثه غير مصدق! هوامش (۱) الوسمي، سمي كذلك؛ لأنه يسم الأرض بالنبات، وهو من بشائر الرخاء. (۲) الولي: المطر يسقط بعد المطر ، أو هو المطر بعد الوسمي. (۳) أحمر في لونه حمرة، وفي المثل: الحسن أحمر. والشاب الجميل من يكون لونه إلى الحمرة. (٤) والخضاب باليرنأ؛ لأنه لونه إما أسود أو أحمر رمز للشباب والحسن معًا، أحم: أسود، والسواد علامة الشباب، وهو من لوازم الحسن. (٥) الشقشقة بالكسر - ما يخرجه البعير من فيه أحمر كالرئة إذا هاج، والخطبة الشقشقية العلوية من خُطب علي – كرم الله وجهه وهي خطبة بديعة مشتملة على حكم وأنواع بلاغة، قيل لها ذلك لأنه لما قال له ابن عباس: «لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت.» قال له: يا ابن عباس، هيهات، تلك شقشقة هدرت ثم قرت.» (٦) أي رداي. (۷) انظر: [الفصل الثاني: شروح علانية. (۸) أي وليس الحران معتمد من أثنى على الأستاذين، ولا هو مقصد من مدحهما. (۹) انظر: الفصل الثاني: شروح علانية. (۱۰) كندة: أبو قبيلة من العرب، أو حي من اليمن. (۱۱) أي غير آت ما يستحق عليه اللوم. (۱۲) الجودي جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة «نوح». (۱۳) أي الغداة والعشي، أو نصف النهار الأول ونصفه الثاني. (١٤) الأجاج: الملح المر. (١٥) المجاج: العسل. (١٦) اللصاب جمع لصب، وهو: الشِّعب الصغير في الجبل، أو هو مضيق الوادي. (۱۷) السبسب : المفازة أو الأرض المستوية، والفيح: جمع أفيح، والأفيح الواسع. (۱۸) يقال لا أفعله أخرى المنون؛ أي أبدًا.
النص الكاملالنَّصُّ الْكَامِلُ
فاتحة الرسالة هناء يقرن به نور وسناء. بل تهانئ، يرغم لهنَّ الشانئ. ترادف إلى حضرة الأستاذ - طال عمره في السعد الطالع، ما خلد ركنا «متالع» بقدوم الأستاذ حليف الجلالة: «أبي علي»، لا فتئ – للزمن – أنفس حلي. فهو بهما يُهنأ، خضب لونه اليرنأ ١٠ إذ هو أحم أو أحمر. تهنئات الأكفاء والتهنئة يجب أن تقع بين الأكفاء ۱۲ لا على مقدار المقة ١٣ والصفاء. ١٤ وأشباهه – في العصر - قليل، وقد وضح بذلك الدليل. وممن يصلح أن يتعرض له بالخطاب ، ١٥ لو جادت الآونة ١٦ بغصونها الرطاب : 17 صاعد بن مخلد»، ۱۸ وكان من ذوي المجد الأتلد ، ۱۹ وصاحب الكتب: «سهل بن هارون»، ۲۰ ورؤساء لم يكونوا بالورس ٢١ يهارون. ٢٢ وإنما خصصت «صاعدًا» و «سهلًا» - وإن كانا للتكرمة أهلًا – إذ كانا في السالف على شريعة المسيح، ينظران في ملك للعرب فسيح، وجرى مجراهما «عَدي بن زيد العبادي» ۲۳ مشيرًا ٢٤ للنعمان، فيما فرط ٢٥ من الأزمان. فريسة الأسد وإذا جاءت التهنئة من غير نظير ، ٢٦ فإنها تعتقد ٢٧ من المحاظير ، ٢٨ كمثل الأسد لما ظفر بفرس لبعض الملوك، لم تسم إلى ركوبه نفس الصعلوك، فحمله إلى العريسة، وأخذ الكفاية من الفريسة. واجتمعت إليه أصناف الوحش مهنئات، خشعًا - من الهيبة - متجنئات، ۲۹ فقائل لا يخرج عن الإيجاز، وصامت لا يجترئ على المجاز. تهنئة الفأر فلما أرمت ٣٠ الجماعة، ولم يبق - في التكلُّم - طماعة، ۳۱ قال فرنب، ۳۲ هو في المقالة مذنب، كان بالأجمة ۳۳ له وجارٌ ، ٣٤ والضيغم ٣٥ له نعم الجار، يمنعه أذاة الشعوب، ٣٦ من خيطل ۳ تبرر وسرعوبِ : ۳۸ بورك للملك في العطية السنية، وما بلغ من الأمنية.» مصرع الفأر فنظر الأسد نظر مغضب، وكأنه من الأسف - على محضب ٣٩ إلى سرحان ٤٠ حضر أو نمر، فعرف أنه ما رضي بذلك الأمر، فأوحى - بالعجل - إلى هر في البر، أن ينزل – بالبر الناطق – ما سنح من الشر. فجعل يصيح في مخالب الضيون ما ذبني! أو كل في جوار الجبار: أسامة! فقال له بعض الأجناد: أهلت نفسك لخطاب: ما كنت له بأهل، فعددت من أصحاب السَّفَه والجهل. تهنئة العصفور وكمثل عظيم من جوارح الطير، كان يرجع إلى الأفراخ بمير، ٤٢ فجاء ومعه إحدى الفور ، ٤٣ فصمتت ذوات الأجنحة غير العصفور. فقال: قرَّتْ لا محتُك من قيل ، ٤٠ ما اقتنع للناهض ٤٦ بخسيس النيل، فقال ذلك الجارح لباز ٤٨ منه قريب، لاق هذا الجاهل بسوء التثريب، 49 من هو حتى يتكلم لدي؟ كأنه أمن من ردي، فأومأ البازي المتجبر، وهو عن اختطاف البائس متكبر، إلى باشق بالحضرة، فأكله مُعْتَامًا، وترك أفراخه أيتاما. حَمَلَة العِصِي وأما أقراني ٥٣ فأولئك حَمَلة عِصِي ، ٥٤ يجلسون بالمكان القصي، فإن أخطأت ذلك، فقرني ضُلُّ بنُ ضُل، أو هي بن بي، وكلاهما ليس بشي. الأصفران فأما الأستاذان الجليلان - زاد الله ضياء الأيام ببقائهما – فلا يُعدل بهما الأصفران، إذا تُرجم عنهما بالذهب والزعفران، وإن كان أحدهما طيبًا يُنْشَق، والآخر مالا يُدَّخر ويُنفق. روقا «فزارة» ولكنهما في الهداية مثل القمرين، وأوانهما في النَّصَفَة كأوان العُمرين. نوقن أنهما رَيّقا نبأ يُسمَّى الوزارة، متى سُمِّي في الحسب رَوْقًا فَزارة، يكونان للسارية فرقدي ليلٍ ، * ولا يصفهما الواصف بسابقي خيل. الحران والعبدان إذا قال المادح: هما الحران، فمعاذ الله أن يعني نقيضي عبدين، ولا اللذين ذكرهما الأخطل بسكر البَرْدَين. ٦٠ فقال: عفا واسط من آل رضوى فنَبْتَل فمجتمع الحُرِّينِ فالصبر أجمل وإنما قصد كثيبي رمل، والله يجعلهما كابني شَمَام أبدًا في اجتماع الشمل. وليس غرض المقرظ حُرَّيْ مَعَدٍّ ، اللذين ذكرهما ابن معد يكرب» ٦٢ أخو الحد؛ ٦٣ لأنه يروى عنه كلام معناه: أني كنت آخذ ظعينة ٦ أطوف بها في أمواه «معد»، ما لم يلقني حُرَّاها وعبداها. يعني بالحُرين: عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي، 60 وعامر بن مالك الكلابي، وبالعبدين: «السُّلَيْك بن السلكة»، ٦٦ «وعنترة».٦٧ ولا مُعْتَمَدَ من أثْنَى : ٦٨ الحران ٦٩ اللذان هما حرّ وأُبَيُّ، لأن خفيف الاسمين غلب الثقيل، وكم لفظ لا يحسن وإن قيل! قال اليَشْكُرِيُّ : ٧٠ أَلا مَن مُبلِغ الحُرَّينِ عني مغلغلة، وخص بها «أبيا» الكوكبان وإنما يشبهان بالحُرَّين اللذين هما كوكبان، يراهما المدلج ويتقاربان، كما قال القائل: ولما بدا الحران - والليل دامس ۷۲ ذكرت خليطا ٣ نازلاً بأبان الربيعان حرسهما الله شهري ربيع، وما عنيت شهرين يُعرَفان في السنة بهلالين، ولكن أردت نيسان وأخاه، والحق يَضِحُ ٧٤ لمن وخاه، فإنهما ربيعا عامٍ ، 7 يجيئان البشر بالإنعام؛ الأول يجني الثمار ، ٦ والآخر يسني الأزهار. الفارسان ما زالا - لسكن هذه الربوع - أنفع من الحنتفين، ۷۸ ويَشْرفان على كل مين، لا كشرف الزهدمين، ۷۹ ولعلهما في بني عبس، تقدما بالرهق ٨٠ والأبس. امرؤ القيس ومهاجرة الأستاذ أبي فلان لا برح في يد المملكة به سوار ، وبينه وبين الأملاك القائمة جوار، أفضل من أخي كندة لأنه سلك تلك المسالك ساعيًا في حرب وفساد، والأستاذ سهر لإيمان السارية من الآساد ، وسوف يتبين سعادة العاقبة في الدار العاجلة قبل الآجلة، إذ كان خلص أسيرًا، أو جبر بعرفه كسيرًا ، ٨٤ فكأنما صنع صنيعًا عمر به أبناء الراكدة جميعًا؛ لقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. ولو جاز أن تنشق الطامية ٨٦ لغير الكَلِيم ، ٨ لانْفَرَق لجها له غير مليم. وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. حديث الحيتان وقالت الحيتان المُتَفَكِّنة : ٩٠ ما حدث نضوب الماء ، ۹۱ إلا لخطب قضي من السماء، فمن هذا الرجل الصالح الذي عمل خيرًا في الصَّرْعَين ، ۹۲ ودأب في صلاح الشَّرْعَينِ، فتولَّى الله عن الإنس كفاءه، وحفظ له في الدارين وفاءه. ولا يمتنع في القدرة ٩ أن يعذب لبركته – الماء الأجاج فيعود كأنه من النَّحْلِ مُجَاجٌ ، ٩٥ أو تسير السفينة على اليَبَس ، ٩٦ تضيء كإضاءة القبس، 97 في يد متعجل وشيك، وليس ذلك بمنال بَشِيكِ. ٩٩ عرش بلقيس أو تحملها الريح الهابة كحَمْلِها عرش المؤمنة بلقيس ، ١٠٠ إذا مثل خبرٌ أو قيس. ١٠١ وتظل سواكن اليم ١٠٢ الزاخر بيمنه ۱۰۳ راتعات، بالسلامة من الشجب ١٠٤ متمتعات، تجول في مثل السهب ١٠٥ الأرحب ، ١٠٦ كخيط النعام ۱۰۷ المُخَوِّدة 108 والرَّبْرَب، ١٠٩ حتى إذا هو قضى اللُّبانة، وآنس من النُّجح إبانة عاد لمستقره الغمر، 110 وخمد من الإفك الجمر . ١١١ دعوة الجبال ويجوز أن ينطق الله الأول جبال الروم، فتقول عند الرشد المروم، ليت ما تنبت بلادنا من الرياض، وما اكتسى به الشجر المثمر أو الغياض، ١١٢ يصير كله من ديباج. يقدم به هذا السيد من حضرة الملك ذي التاج، هدية للسلطان المكرم شبل الدولة ١١٤ أعز الله نصره - يُفرّقه في أفناء سبيعه، ١١٥ ويأخذ به على القوم البيعة. ١١٦ وليت ما يسقط علينا في الأشهبين، ۱۱۷ يصير في الأقضية 11 من اللجين، ١١٩ فيحمل إلى تلك الخضرة ليفضّه ۱۲۰ السلطان الأشرف على الأولياء، ويكون سبب سعادة الأشقياء. ١٢١ دعوة الدرب ويبتهل الدرب الضيق إلى الله جلت عظمته لما شاهد من غُر مساع، أن يزيده القادر من اتساع، واللصاب ١٢٢ والحرجة ١٢٣ كفيح ١٢٤ السباسب، ١٢٥ لا تشرق ١٢٦ بلَجِب ١٢٧ المواكب، ١٢٨ وتكون الأحجار الخشنة كأنها رِقُ ۱۲۹ نعام، والأكمة ١٣٠ خوانًا وضع للطعام، يصيب ما طلب منه السَّاغب، وهو مريح ١٣١ أو لاغب . ١٣٢ أسد النجوم وسيدانا الأستاذان: أذل الله معاندهما أخرى المنون - إلى الأبد. إذا كان السلطان المكرم شبل الدولة أسد النجوم ، ١٣٣ كانا – لا محالة - ذراعيه، وإن أغلق باب الرأفة فتحا مصراعيه، والله بكرمه ينعم على الرعية بمد البقاء لهما منعمين؛ كالسماكين ١٣٤ - في النباهة - أو المرزمين ، ١٣٥ فقد نشأ للعدل عارض، ١٣٦ ينتعش منه البارض. ١٣٧ كما قال الفرزدق: يا من رأى عارضًا أرقت له بين ذراعي وجبهة الأسد ۱۳۸ وليس بخاف عني أن سكوتي هو المتجر ، ۱۳۹ والكاذب مسيء أوجر. ١٤٠ وقد كنت عزمت على الإمساك ١٤١ حتى أشار بالقول وليُّهما أبو فلان، وهو ممن يوثق بعقله ودينه، ولم يُغطّ البادِي بسَدِينه ، ١٤٢ فإن كنت أسأت الأدب في المكاتبة، فهو في الغلط شريك. ورُبَّ لا يُحتَمَل فيه التَّحْرِيك. ١٤٣ وقد أسأت الأدب ثلاثًا، والتثليث مذهب المسيحية ، ١٤٤ فإن أتيت بالتربيع، فما أجدرني ببلوغ التسبيع . ١٤٥ انتهت الرسالة.) هوامش (۱) بهجة وفرح. (٢) يصاحبه ويتصل به. (۳) رفعة وعلو. (٤) يذل ويقهر. (٥) العدو الكاره. (٦) تتوالى متتابعة. (۷) الركن العز والمنعة، والجانب الأقوى، ومنه قولهم: كأنه ركن يذبل؛ أي عزيز منيع يحمي حماه كأنه جبل يذبل في مناعته وقوته. (۸) «متالع» جبل بالبادية في بلاد طيء. وقد أطلق هذا الاسم على أكثر من جبل في نواح مختلفة من الأرض، وأشار إليه أبو العلاء في مواضع أخرى من رسائله وكتبه. انظر: ص ٤٩٠ من رسالة الغفران، ج ۱، ص ١١٧ و ٢٤١ من لزومه. الطبعة الأولى، بالقاهرة، مطبعة الجمالية، سنة ١٩١٥. (۹) يقول: إن الزمن ليبتهج ويستبشر بهذا الأستاذ وصاحبه: «أبي علي». (١٠) اليرنأ - بضم الياء وفتحها : الحناء، وتخضيب لونه بها اصطباغه بلونها. يدعو لصاحبه أن يمتلئ جسده صحة وقوة يتورد بهما لونه بفيض ما يجري في عروقه من دماء العافية، فيبدو لرائيه كأنما صبغته الحناء بلونها. وقد سبق الكلام على اليرنأ في الشرح العلائي السابق. وانظر ما كتبه في ذم الخضاب والحناء : ج ۱، ص60، 69، 81، 111، 134، 175، ۲۸۹ ،۲۸۸ ،۲۸۰ وج ۲، ص ٦١، ٨٦، ١٨٤، ٢٠٢، ٢٦٢ ،315 ،317 ،318. (۱۱) أحم: أسود، قال في لزومه: يباكرنا الجون المضيء، فينقضي ويعقبنا منه الأحم الدلامس وقال: ويحمل الهم قلبي معفيًا جسدي رأسي أحم، وظهري غير متأطر (۱۲) الأكفاء: الأنداد والنظراء. (۱۳) المقة: الحب والمودة. (١٤) الصفاء : صدق الإخاء، يعني أن التهنئات لا تكون إلا بين الأشباه والكفاة من الأنداد، فلا يجوز لصعلوك حقير أن يزف التهنئة إلى عظيم خطير مهما أضمر الصعلوك من مودة وحب. (١٥) يتعرض له بالخطاب يتصدى لمحادثته. (١٦) الآونة الأحيان، واحدها أوان؛ أي حين. (۱۷) الرطاب المخضرة الناعمة الناضجة، يقول: لو جادت الأزمان الخصبة والعصور الزاهية بأمثال صاعد بن مخلد وسهل بن هارون وأضرابهما من الأفذاذ والكفاة، لجاز لهم أن يوجهوا تهنئاتهم إلى مثله. وقد جرى فيلسوفنا على تشبيه الناس بالغصون والثمر، فقال في لزومه شر أشجار علمت بها شجرات أثمرت ناسا إلخ. وقد مرت بك هذه الأبيات في الفصل الأول من الكتاب. وقال: وهل أعظم إلا غصون وريفة؟ وهل ماؤها إلا جنى دماء؟ (۱۸) صاعد بن مخلد كان من أفذاذ الوزراء في الدولة العباسية، وقد ظفر في سنة ٢٦٩هـ بلقب «ذي الوزارتين»، ولما قدم من «فارس» في رجب من سنة ٢٧٢ ودخل مدينة «واسط»، أمر «الموفق» جميع القواد أن يستقبلوه. قالوا: «فاستقبلوه وترجلوا له قبلوا كفه.» ومما يجدر ذكره أن «قطر الندى بنت أبي الجيش «خمارويه» بن «أحمد بن طولون»، التي تزوجها المعتضد»، نزلت بدار صاعد بن مخلد» في «بغداد» في الثامن من المحرم سنة ۲۸۲ ومعها أحد عمومتها، وأخباره ذائعة مستفيضة؛ فليرجع إليها المستزيد في القيم الثالث من الطبري، طبعة أوروبا، (ص ۱۹۳۰ و ۱۹۸۸، ۲۰۱۱، ،۲۲ ،۹ ،۸ ،٢١٠٤، ٦ ،۲۰۸۳ ،۲۰۸۰ ،۲۰۷۹ ،۲۰۱۹ ، ۲۰۱۸ ،۲۰۱۰ ،۲۰۳۷ ،۲۰۳۶ .(٤٤ ، ٢١٤٦ (۱۹) الأتلد: الأقدم. (۲۰) سهل بن هارون بن راهبون، كنيته أبو عمر، وهو فارسي الجنس، أهوازي المولد، ولد في مدينة ميسان بين واسط والبصرة حوالي منتصف القرن الثاني للهجرة، وقد رحل إلى «البصرة» في مستهل حياته الثقافية؛ حيث درس من فنون الفلسفة والعلم، وارتوى من مناهل المعرفة والأدب ما رفعه إلى أسمى ذروة ، وكان «شيعيا» معتدلا، وقد اتهم بالشعوبية. وقد افتن الجاحظ في تدوين أخباره في البيان والتبيين. (۲۱) الورس: العيب. (۲۲) يهارون بالنقص يرمون ويعابون، يعني لم يكن أحد يرميهم بنقيصة، أو يعيبهم بذم. (۲۳) «عَدي بن زيد العبادي: جاهلي نصراني، قبيلته تميم، وموطنه «الحيرة». وقد مرت بك ترجمته في رسالة الغفران ( ج ۲، ص۸)، وأشار المعري في فصوله إلى قوله: يا لبيني أوقدي النارا إن من تهوين قد حارا رب نار بت أرمقها تقضم الهندي والغارا كما أشار إليه فيها مرات كثيرة، منها ما تراه في ص ۳ ، ۲۷ ، ٤٧، 58، 131، 178. (٢٤) المشير : هو الذي يبين وجه المصلحة ويدل على الصواب. (٢٥) فرط فات وتقدم وسبق. (٢٦) كفء أو مثيل. (۲۷) اعتقد الشيء آمن به واطمأن إليه، فلم يحل رأيه عنه، ولم تنحل عقيدته. (۲۸) المحاظير : المحرمات الممنوعة. (۲۹) خشعًا من الهيبة؛ أي خاشعات من هيبته، متجنئات منحنيات، يقال: جناً عليه وتجاناً أكب عليه، ويقال: أرادوا ضربه فجنأت عليه أقيه بنفسي. وإذا أكب الرجل على الرجل يقيه شيئًا قيل: أجنأ، وإذا أكب عليه يعوده ويتفقده قيل: أجناً. وقد مرت بك في الشرح العلائي السابق. (۳۰) أرمت: سكتت. (۳۱) طماعة: طمع. (۳۲) الفرنب: الفأر الذكر. (۳۳) الأجمة: الشجر الكثير الملتف. (٣٤) الوجار: الحجر. (٣٥) الضيغم: الأسد. (٣٦) الأذاة المكروه اليسير، والشغوب: المشاغب المؤذي. (۳۷) الخيطل السنور؛ أي القط. (۳۸) السرعوب : ابن عرس. وقد أشار إليه في لزومه فقال: غذا العرسان بابنهما عَدوًّا أقل أذية منه ابن عرس لقد ألقاك في تعب وهم وليد جاء بين دم وغرس وقال مشيرًا إلى ابن عرس وابن بريح الغراب: وابن عرس عرفت، وابن بريح ثم عرسا جهلته وبريحا (۳۹) المحضب: المسعر والمقلى، وحضب النار وأحضبها رفعها وألقى عليها الحطب. (٤٠) السرحان: الذئب، وقد أشار إليه في لزومه ج ١ ، ص ٥٦ ، 74، 87، 107، 109، ۳۱۸ ،۲۹۸ ،۲۳۴ ،۲۲۵ ،۲۱۹ ،۲۱٤ ،۲۰۶ ،۱۷۷ ،۱۷۲ ،۱۳۷ ،۱۱۳ ،۱۱۲ ،۱۱۰ ۳۲۵ ،۳۲۱ وج ۲، ص: ۲۱، ۲۲، ۲۳، ٢٩، ۳۳، 45، 48، 53، 71، ٧٢، ٧٦، ۷۷، ۸۰، ۱۱۳، ،٢٤٥، ٢٤٦ ،۲۳۸ ،۲۳۶ ،۱۹۲ ،۱۹۱ ،۱۸۹ ،۱١٤٢، ١٤٥، ١٥٨، ١٦٠، ١٦٤، ٧٨ .٢٥٧ ، ٣١٨ وفي فصوله ص ١٦٢، 189، 375، 360، 361، 363، 365، 410، ٤٤٩. وفي رسائله ص ۷۰، 71، 85، 187، 189، 190، 195. (٤١) الجوارح ذوات الصيد من السباع والطير والكلاب. (٤٢) بطعام. (٤٣) الفور: الظباء، واحدها فائر. وقد أشار إليها في فصوله ص١١، ٢١، ١٦٤، ١٦٩، ٢٤٧، ٢٦٩، ٣٥٥، ٤٤٩، ٤٥٩، ٠٤٧٠ وفي رسائله ص١٠٣، ١٤٦، ١٨٧، ١٩٦، ٢١٨. وفي لزومه، وأحدها ،ج ۱، ص ۳۱ ، ۳۲، ۷۸، 107، 113، 167، 171، 191، 196، .۲۹۸ ،۲۹٢٥، ٢٨٨، ٥۰ ،٢، ٢٣٥، ٢٤٥36 ،319 ،۲۱۰ ،۲۰١٩٧، ٦ وفي ج ۲، ص ۱۸، ۱۹، ۲۰، ۳۳، ٤٠، ٤٤، 57، 67، 76، 101، 158، 169، 180، .٣٦٧ ،۳۰۷ ،۳۰۰ ،۲۹۷ ،۲۹۵ ،۲۱۲ ،٢٠٤ (٤٤) قرت لامحتك : قرت عينك رأت ما كانت متشوقة إليه، قالوا: وقرت عينه: بردت سرورًا وانقطع بكاؤها وجف دمعها، قالوا: وبرد الدمع كناية عن السرور؛ لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سخن، وعلى ذلك قولهم في الدعاء على الرجل: أسخن الله عينه؛ أي أسخن دمعه، كناية عن إحزانه إياه. (٤٥) القيل: الرئيس أو الملك. (٤٦) [الناهض : الطير قبل أن يكمل نبات ريشه. (٤٧) خسيس النيل: المطلب الخسيس. (٤٨) الباز: ضرب من الصقور. (٤٩) [ التثريب الأخذ على الذنب. (٥٠) يذكرنا هذا الأسلوب القارع بقوله في سقط الزند: ومن هو حتى يحمل النطق عن فمي إليه وتجري بينا السفراء؟! (٥١) كأنه أمن من قتلي إياه، وردي في معنى رداي؛ أي الهلاك الذي ينزل به من قبلي. وهذه لغة للعرب يستعملونها في المقصور كله فيقولون: هدي، ونوي. (٥٢) معتامًا: مختارا. (٥٣) أندادي ونظرائي. (٥٤) يعني عميان يحملون العصي لتهديهم في أثناء سيرهم. ومن كان أنداده ونظراؤه من أمثال هؤلاء العجزة البائسين لا يجوز له أن يزج بنفسه في مخاطبة الوزراء والكبراء. وليس بمستغرب من أبي العلاء أن يكثر من الإشارة إلى العصا في شعره ونثره، فهي رفيقه وهاديه كما يقول - في حِلّه وترحاله. ومن أمتع ما قرأناه له من روائع المعاني في هذا الباب قوله في العمى والعصا: والعصا للضرير خير من القا ئد فيه الفجور والعصيان وقوله: أعمى البصيرة لا يهديه ناظره إذ كل أعمى لديه من عصا هادي وقوله: تصدق على الأعمى بأخذ يمينه لتهديه وامنن بإفهامك الصما وقوله: إذا مر أعمى فارحموه وأيقنوا وإن لم تكفوا أن كلكم أعمى وقوله: وجوهكم كلف وأفواهكم عدى وأكبادكم سود وأعينكم زرق وما بي طرق للمسير ولا السُّرى لأني ضرير لا تضيء لي الطرق وقوله: دع الفروع وخذ المحجة لا تأمنن ذا عاهة مضجه إن عصاك وهي المعوجة تحدث في رأس أخيك الشَّجَّة وقوله يشير إلى أنه معتل العين كما أن لفظ «قال» معتل العين: أعللت علة «قال» وهي قديمة أعيا الأطبة كلهم إجراؤها ومن أبرع ما نقبسه له - في هذا الباب - قوله في رسالة الأخرسين» (انظر: رسالة الغفران، ص ٥٢٠). وقيل لرجل مكفوف: «لِمَ تُؤثِر عصاك على قائد يقودك من الناس؟» قال: «لأنها مقهية - ممتنعة عن الطعام - لا تطعم ولا تشره، ولا تقابلني بما أكره.» وقوله (ص ٥٢١ منها: «أنا مكفوف العين - ضرير - أتكلم في مكفوفي اللسانين أخرسين.» وفي رسالة الشياطين ( ص ٥٠٤ ) نراه يطلق على العصا اسم المطية الأطلحية؛ لأنها من شجر الطلح، وقد وصف أحوال راكب الناقة وراكب الجواد وراكب البغل وراكب الحمار، فلما بلغ راكب المطية الأطلحية؛ أي: العصا، وهو يعني بذلك ركوب رجليه؛ أي السير راجلا، قال: ولا بأس أن يسلب الله الرَّجُل حلَّة الأغنياء، فيلبس – بتفضل الله حلل الأنبياء، فيستعين على السفر بمطية أطلحية، ليست بالملومة ولا الملحية. إذا حل في المنزل أغنته عن الملأ - الناس - بغنائها عن ماء وكلاً، وهي في التلف قريب الخلف - يسهل استبدال غيرها بها إذا تلفت - حبذا تلك المطية! قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّا عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَارِبُ أُخْرَى. وقد أبدع «ابن حمديس» في إشارته إلى عصاه التي يتوكأ عليها وهو في الثمانين من عمره، قال: كأنها وهي في كفي - أهش بها على الثمانين عاما لا على غنمي وقال أبو العلاء في رسالة العصا، وقد كتبها إلى الشيخ جعفر بن أبي القاسم بن أبي العود: مولاي الشيخ الأجل الأوحد - أطال الله بقاءه، وأدام نعماءه، وكبت أعداءه. واسمه جعفر. والجعفر النهر الصغير الكثير الماء، وإنه لفرات يرده أهل الإظماء، فيغني الوارد عن القطر النازل من السماء. وكنيته أبو القاسم، وهو يقسم ما رزق بين الضعفاء، وطارق يجب له حسن وفاء، وهو يُشفق على بعيد وقريب، وأهل من القوم وغريب. والله – جلت عظمته يريه ما يسره في نفسه وولده، ويجعل المسرة مقرة في خلده. وأما أنا فقد بلغت سنا تصير العالي – من الشجر – ثنا. وفي هذه المدة، عرض لي ما يمنع من القيام، ويلحق النار الموقدة بالإيام أي الدخان. فإذا نهضت خلت أني متوقل في نيق يعجز تعالى السوذنبق، وإذا مثلت قائمًا لم أقدر على خطو إلا كما ضعف من القطو – تقارب المشي – كأن خطوي فتر. وبيد الله العافية والستر. ولا بد لي من عصا معينة، والعجب للدنيا اللعينة. وورد وليه الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي هاشم وهو موقر من أياد ما زال لمثلها ذا اعتياد. والله يستجيب مني فيه، وفي أودائه، ما يرفع من دعاء؛ فالرب الأول ملك الملوك وراعي الرعاء. (٥٥) فإن أخطأت مكاني هذا ، وعدوتُ منزلتي، وتجاوزت قدري، كما فعل الفأر والعصفور، فما أجدرني أن ألقى من سوء الجزاء مثلما لقيا. (٥٦) وقد مر بك شرح هاتين الكلمتين في الفصل الثالث: ترجمة الرسالة. (٥٧) النَّصفة: العدل والإنصاف. (٥٨) روقا فزارة هما: عمرو بن جابر وبدر بن عمرو اللذان عناهما الشاعر بقوله: إذا اجتمع العمران: «عمرو بن جابر» و «بدر بن عمرو» خلت ذبيان تبعا وألقوا مقاليد الأمور إليهما جميعًا قماء صاغرين وطوعا قماء؛ أي أذلاء صاغرين. قال في لزومه: نهاب أمورًا ثم نركب هولها على عنت من صاغرين قماء وقد أشار إليها في لزومه فقال: قد عاد شوك فزارة» متحرقًا وتصدعت من «دارم» الأحجار إلخ. (٥٩) الفرقدان نجمان. وقد أشار إليها في داليته المعروفة فقال: فاسأل الفرقدين عمن أحسا من عباد وآنسا من بلاد كم أقاما على زوال نهار وأنارا لـمـدلـج فـي سـواد (٦٠) [البردان: الغداة والعشي، وهما الصرعان]. (٦١) شمام - كسحاب ، ويُروى كقطام جبل. وله رأسان يسميان ابني شمام. قال لبيد: فهل نبئت عن أخوين داما على الأحداث إلا ابني شمام؟ وإلا الفرقدين وآل نعش خوالد ما تحدث بانهدام وفي هذا يقول في لزومه (ج١، ص ١٩٦): ولا أدعى للفرقدين بعزة ولا آل نعش ما ادعاه لبيد وقال بعضهم: كل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا ابني شمام (٦٢) عمرو بن معد يكرب الزبيدي: الفارس المعروف. وقد أشار إليه في لزومه، فقال: أليس تميم غير الدهر سعدها؟ أليس زبيد أهلك الدهر عمرها ؟ وقال: وما ثني الحادثات معدى من مثل بسطام وابن معدى (٦٣) الحد : البأس والقوة، أو الغضب والنزق. وحِدَّةُ الخمر سورتها وصلابتها. وأنشدوا للأعشى: وكأس كعين الديك باكرت حدها بفتيان صدق والنواقيس تضرب وأخو الحد؛ أي ذو القوة والبأس. وكأنهم يستعملون الأخ في معنى الصاحب فيقولون: أخو السيف؛ أي صاحبه، وأخو الحيرة ... (ف ٢٧٥). وقد جرى على ذلك الأسلوب العربي عامة، وأسلوب المعري خاصة، فهو يقول: أين أخو الإباءة [الأجمة ]؟ ويقول في هذه الرسالة: «أفضل من جوار أخي كندة امرئ القيس.» ويقول في لزومياته أخوك امرؤ يستحيه الصديق وآفـتـه أنـه يـسـتــحــي أخوك أي صاحبك، يعني نفسه، يقول: إن الصديق يستحيني، وهذا موطن ضعفي. ومما اختاره «أبو العلاء» في غفرانه قول الشاعر في هذا الباب: أتيح له وكان أخا عيال شجاع في الحماطة مستكن (٦٤) الظعينة : الهودج فيه امرأة أم لا، والزوجة، تقول: هي ظعينة فلان أي امرأته؛ لأن الرجل يظعن بها، وهؤلاء ظعائنه أي نساؤه. (٦٥) وقد أشار إليه في لزومه فقال: وما عفت الحوادث عن شجاع فتعفو عن عتيبة أو دريد (٦٦) انظر ترجمته في رسالة الغفران. وقد أشار إليه في لزومه (ج١، ص ٤٣، ٥٦، وج ۲، ص ۹۵ ، ۱۳۲ ، ۱۳۹ ، ١٤٦ ، ١٤٨) ، وفي فصوله (ص۱۱۳). ومما يختار له من إشاراته قوله في لزومه ألم تريا أن سلك الزمان أفنى «السليك» وأفنى «السلك» وقوله: إن ابن يعقوب سليكا، غدا كابن عمير في المنايا «سليك» وهو من أشهر عدائي العرب المعروفين في الجاهلية. (٦٧) انظر ترجمته في رسالة الغفران، وقد أشار إليه في فصوله (ص٤٤، ١٣٧، ۳۱۷، ۳۱۸ ، (۳۱۹) ، كما أشار إليه في لزومه ( ج ۱، ص ۹۰ ، وج ۲، ص۱۸۰). (٦٨) يعني أن من أثنى على الأستاذين ومدحهما ليس معتمده ومقصده: الحران اللذان هما «حر» و«أُبَيٌّ». (69) الحران: كوكبان، والحران اللذان هما أخوان: «الحر» و«أبي»، فغلب الحر على «أبي» كما في الأب والأم ... إلخ. وقد سبق الكلام في ذلك. (۷۰) اليشكري: هو المنخل اليشكري الشاعر الجاهلي المعروف صاحب الرائية المشهورة التي منها قوله: وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري ومنها: وإذا سكرت فإنني رب «الخورنق» و«السدير» وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير (۷۱) مُغلغلة : رسالة محمولة من بلد إلى بلد. (۷۲) دامس: مشتدة ظلمته. (۷۳) الخليط: الزوج، وابن العم والصاحب، والقوم الذين أمرهم واحد، والشريك الذي يخلط ماله بمال شريكه. (٧٤) يضح لمن وخاه يبدو واضحا لمن طلبه. (٧٥) انظر: رسالة الغفران، ص ٢٨٥. (٧٦) يجني الثمار يجعلها ناضجة تُجتنى وتتناول من شجرتها، قال «ابن الرومي»: أجنت لك الورد أزهار وأغصان (۷۷) يُسني الأزهار : يفتحها ويجلو إشراقها ونضرتها، ويسني من السنا بالقصر؛ أي الضوء، يقال: أسنى البرق أي أضاء. (۷۸) سكن جمع ساكن، والحنتفان مر بك شرحهما في الفصل الثالث: ترجمة الرسالة. (۷۹) الزهدمان: مرَّ بك شرحهما في الفصل الثالث: ترجمة الرسالة. (۸۰) الرَّهَق أي الظلم وارتكاب الشر، والأبس: تصغير الإنسان وتحقيره. وقد مر بك شرحهما في الفصل الثالث: ترجمة الرسالة. (۸۱) أخو كندة امرؤ القيس. وقد مرت ترجمته في رسالة الغفران»، وأشار إليه المعري في لزومه (ج ۱، ص۸۰، ۱۸۵ ، ۲۲۹، ٢٩٤ ، ٢٦٠ ، وج۲، ص63، 97، ١٢٠، .(٢٦٨، ٢٩٦ (۸۲) إيمان السارية من الآساد يعني تأمين السارين – من السرى بالليل - من الأسود. وفي هذا إشارة إلى قوله في داليته المشهورة: وخطيب لو قام بين وحوش علم الضاريات بر النقاد يعني أن هذا الخطيب قادر لتفننه في طرق الإقناع الخطابي على أن يجعل الأسود الضارية تقلع عن شراستها، وتتعود البر بصغار الغنم وما إليها من ضعاف الحيوان. (۸۳) سوف يظفر بما هو أهل له من ثواب في الدنيا قبل أن يلقى مكافأته في الدار الآخرة على ما أسلف من خير، وقدم من معروف. (٨٤) جبر بعرفه كسيرًا أي أصلح بمعروفه المكسور منه بما يُسديه إليه من صنيع، قال الشاعر - وهو من أبرع ما رأيناه في هذا الباب: ونحن نصرناكم لثاما أدقة وما لكم من سائر الناس ناصر جبرناكم لا نبتغي نصرة بكم كما ضمت الساق الكسير الجبائر (٨٥) أبناء الراكدة أي أبناء الأرض الراكدة، يعني أبناء الدنيا. والمعري يكثر من استعمال هذا التعبير، نجتزئ من ذلك بقوله في «رسالة الغفران» (ص (۸) : تعرج بها الملائكة من الأرض الراكدة إلى السماء. وقوله في مخاطبة رضوان: فكأنما أخاطب ركودًا صماء لأستنزل أبودا عصماء ...» وقوله في غفرانه (ص (١٥٩ ) في معرض الكلام عن بلاغة القرآن وإعجازه: «لو فهمه الهضب الراكد لتصدع.» (٨٦) الطامية يعني اللجة الطامية، واللجة هي معظم البحر، وهو تارة يصفها بالسواد فيقول في لزومه وإنما نحن في سوداء طامية وهل تخلص من أمثالها السفن؟ وتارة يصفها بالخضرة فيقول في بعض رسائله: ولكن على كل خير مانع، ودون كل درة خرساء موحية، أو خضراء طامية. وقد شبه الدهر باللجة في لزومه فقال: بكينا على الأعمار والدهر لجة فما صبرت للموج تلك السفائن (۸۷) يعني موسى الكليم. وقد أشار إليه في سقط الزند فقال: فلو صح التناسخ كنت موسى وكان أبوك إسحاق الذبيحا وقال في غفرانه على لسان الجني وقد عرضت لموسى في تفرده بالشاء ينتج عمروسًا وفرفورا وأشار إليه في فصوله ( ص ٤٤٨ ) ، كما أشار إليه في لزومه (ج١، ص ٣٠٤، ٣١٢، .)343 ،377 ،355 ،371، وج۲، ص٦، ٢٨، ١٤٢، ١٤٧ (۸۸) غير مليم : غير آت ما يستحق عليه اللوم. (۸۹) جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح. (٩٠) الحيتان المتفكنة أي الأسماك المتعجبة. وقد أشار إليها في لزومه فقال: والخلق حيتان لجة لعبت وفي بحار من الأذى سبحوا وأشار إلى النون، وهو الحوت في لزومه ( ج ۲، ص ۳۱۰)، وقال يخاطبه بأبيات في (ج ٢ ، ص ١٤٤). (۹۱) نضب الماء أي غار. وقد افتن شاعرنا في تصوير نضوب المياه في ألواح فنية كثيرة في لزومه، نختار منها قوله: وللأشياء علات ولولا خطوب للجسوم لما رفضنه وغارت - لانصرام حيا - مياه، وكُنَّ - على ترادفه – يفضنه وقوله: ويقال: إن مدى الليالي جاعل جبلا أقام كزاخـر مـوار وقوله: زعموا بأن الهضب سوف يذيبه قدر، ويحدث للبحار جمودها وقوله: وللمقادر أحكام إذا وقعت وبالهضب مار أو اللجي لم يمر وقوله: أجبلت الأبحر في عصرنا هذا، كما أبحرت الأجبل وقوله في سقط الزند: ويقال: إن البحر غاض، وإنه ستعود سيفا لجة الرجاف وقريب من هذه المعاني قوله في لزومه: يا لهف نفسي، كم مدن غدون فلا فيه وكم فلوات عدن أمصارا! وقال في فصوله: «فسبحان الله يجعل قدره الجبل واديا.» (۹۲) الصرعان الليل والنهار أو الغداة والعشي من غُدوة إلى الزوال: صرع، وإلى الغروب: صرع آخر. يقال: أتيته صرعي النهار؛ أي غدوة وعشية، ويقال أيضًا: هو ذو صرعين؛ أي ذو لونين. (۹۳) يعني لا يمتنع في قدرة الله. وقد مر بك في الصفحات الأولى من هذا الكتاب طائفة مما قاله في القدرة الإلهية وعجائبها ، وارجع إذا شئت إلى لزومه (ج۱، ص۱۱۳، .)۲۰۸، ۲۱۲، ۲۳۰، وج۲، ص ٤٦، ٤٧، ٧٥، ١٤٦، ١٨٥، ٢٢١، ٢٧٨، ٣١٦، ٣٤٧ (٩٤) يجوز أن تكون سقطت هنا كلمة «الماء الأجاج» أو «البحر الأجاج». (٩٥) مجاج النحل: عسله، ومجاج المزن مطره، ومجاج العنب: خمره. وقد أشار إلى النحل في لزومه (ج ۱، ص ٥٩، ٢٤٥، ٢٩٦، ٣١٤، وج٢، ص16، 97، 99، 148، .(360 ،333 ،153 (٩٦) اليبس : المكان يكون رطبًا ثم ييبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا. وقيل: طريق يبس أي لا ندوة فيه ولا بلل. (۹۷) القبس: شعلة تؤخذ من معظم النار. (۹۸) وشيك: سريع. (۹۹) منال بشيك: مطلب كاذب لا أمل في إدراكه. (١٠٠) يشير إلى بلقيس»؛ ملكة «سبأ»، وكيف نُقل عرشها إلى قصر «سليمان». والقصة ذائعة معروفة، وخلاصتها أن «سليمان» – عليه السلام – تفقد الهدهد ذات يوم فلم يجده بين الطيور، فلما حضر الهدهد سأله: «أين كنت ؟» وتوعده بالهلاك إذا لم يُدل بحجة صادقة تشفع له في غيابه، فقص عليه الهدهد نبأ «بلقيس»، ووصف له عرشها البديع، وما فيه من نفائس الأحجار الكريمة، واللآلئ الثمينة. وكان الهدهد قد رآه في إثناء طوافه ببلاد اليمن في مدينة «سبأ». فعجب «سليمان مما سمع، وبعث الهدهد بكتاب إلى بلقيس» يأمرها بالحضور إليه طائعة مختارة، ويحذرها مخالفة أمره، فجمعت حاشيتها واستشارتهم في أمرها، فأظهروا لها استعدادهم لحرب «سليمان»، ولكنها بما وهبت من رجاحة العقل وبعد النظر آثرت المهادنة والسلام على المخالفة والخصام، ثم بعثت إليه بهدية فاخرة، راجيةً أن تكف بها عن نفسها ما تخشاه من الأذى، ولكنه رفض الهدية وأصر على إحضارها، فلم تستطع لمشيئته رفضًا. وعلم «سليمان بما اعتزمته، فأعدَّ لها في «أورشليم» – حاضرة ملكه - صرحًا باذخًا لم تقع العين قط على أبهى منه، وأمر الجن بإحضار عرشها إلى قصره العظيم، فلما رأته في قصره دهشت في أمرها، فسألها سليمان: «أهكذا عرشك؟» فقالت متحيرة: «كأنه هو بعينه ورأت أرض القصر من زجاج ممرد فحسبته ماء، فكشفت عن ساقيها حتى لا يبتل بالماء ثوبها، ثم أدركت الحقيقة فخجلت وقالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وقد أشار المعري إلى بلقيس» في لزومه عدة مرات، منها قوله: والملك ثبت للقديم، وأبرزت «بلقيس» عارية بغير صدار ولرب أجساد جديرات الثرى بالصون عادت في طلاء جدار جسد ثرى إن تفترق أجزاؤه لم تنأ عن فلك عليه مدار وقوله: لنا رب وليس له نظير يسير أمره جـبـلا ويـرسـي تظل الشمس ماهنة لديه فما «بلقيس» أم ما «ست برس» إلى أن يقول: تشابهت الخطوب فما تناءت حريرة لابس وقميص برس وأشار إلى سبأ في لزومه (ج ۱، ص ۳۳ و (٥١) ، وإلى سليمان (ج۲، ص۱۳۹). (۱۰۱) إذا مثل خبر أو قيس أي إذا ضرب به مثلا، أو قيس عليه، أو قوبل به. وهذا هو أسلوب المعري، فهو يتحدث في غفرانه (ص١٢٠) على لسان «أبي هدرش» الجني، يصف انقياد طائفته لإبليس فيقول: ونسلم الحكم إليه إذا قاس فنرضى بالضلال المقيس أي نسلم حكمنا لإبليس فنرضى بما يراه لنا من الآراء الضالة. وهو يعني بقوله إذا مثل خبر أو قيس.» أن الرياح ربما حملت سفينة صاحبه في هبوبها كما حملت عرش بلقيس»؛ فإننا متى تمثلنا هذه القصة سهل علينا أن نقيس عليها تلك الأمنية التي لا يستحيل تحقيقها. ولا ريب أن القدرة الإلهية لا يعجزها أمر من الأمور، قادرة على إبداع كل شيء، وتذليل كل صعب. (۱۰۲) اليم: الماء، وسواكن اليم: الأسماك والحيتان. (۱۰۳) بيمنه ببركته. (١٠٤) الشَّجَب: الهلاك. (١٠٥) السهب: الفلاة. (١٠٦) الأرحب الواسع. (۱۰۷) الخيط - بالفتح وبالكسر : الجماعة من النعام، يقال: رأيت خيطا من النعام؛ أي طائفة منها. وقد أشار إلى النعام في لزومه (ج ۱، ص۷۹، ٨٣، ١٣٢، ١٥٢، ،95194، 195، ۱۹۸، ۲۰۱، ۲۱۸، ٢٢٤، ٢٧١، ۲۷۳، ۲۷۷، ٢٩١، ٣٢٦، وج٢، ص ۹۷، ۱۷۵، ۱۸۷، ۲۰۱، ۲۲۱، ۲۲۴، ۲۲۸، ٢٣٤، ٣٠٦ ، كما أشار إليها في فصوله ص ٦٦، 178، 188، 319، 315، 330، 376، 393، 414، 415، 419، 426، 432، ٤٤٢ ، ٤٥٨، ٤٧١) ، وأشار إليها في رسائله ( ص ۷۳، ۸۱، ۸۲، ۱۴۳، 148، 150، 187، .(۱۹۷ (۱۰۸) المخودة المسرعة في سيرها. (۱۰۹) الربرب: القطيع من بقر الوحش. (۱۱۰) الغمر أي المزدحم بالكثير من الناس، والمستقر المقر والمجلس. (۱۱۱) الجمر: النار المتقدة، واحدها جمرة. وقد سبق شرحه. (۱۱۲) الغياض: الآجام، واحدها غيضة، وهي الأجمة، أو مجتمع الشجر في مغيض الماء؛ أعني في مدخل الماء حيث يذهب في الأرض. (۱۱۳) الديباج : الثوب الذي سداه ولحمته حرير، الواحدة ديباجة. (١١٤) هو نصر بن صالح بن مرداس، وكنيته: «أبو كامل»، وقد نجا بعد أن قتل أبوه في سنة ٤٢٠هـ، ثم ملك حلب وبقي بها إلى سنة ٤٢٩هـ. وقد سبقت الإشارة إليه في (ص ١٥٥) من هذا الكتاب، وفي رسالة الغفران (ص) (۷۸)، وأشار إليه المعري في بعض رسائله (ص٦٣). (١١٥) الأفناء: جمع فناء، وهو سعة أمام البيت، يعني يُفرّقه في أرجاء «سبيعة»، وهو يعني قبيلة بني سبيعة، وهي قبيلة معروفة. وقد أشار إليها في لزومه فقال: إذا ما بيعة زبرت لغي فأعط لهجرها أيمان بيعه ولا تجعلك للأيام كلبًا ظباء من «ذؤيبة» أو «سبيعه» فإن الدهر ينقل كل حال كما نقل الحكومة من «ضبيعه» (١١٦) جعل ما يفرقه من الحرير والديباج كالرشوة لأخذ البيعة، وهو تهكم لاذع. (۱۱۷) الأشهبان: وقد مرت بك في الشرح : عامان أبيضان ما بينهما خضرة، يقال عام أشهب أي مجدب؛ لأن الزرع يشهبٌ فيه، قالوا: والأشهبان: كانوتان، وقال في لزومه: حملت كميتا تحت أدهم لم يزل في الأشهبين مقصرا بكميتها (۱۱۸) الأقضية: جمع قضاء، قال في فاتحة لزومه: «كان من سوالف الأقضية أني أنشأت أبنية أوراق توخيت فيها صدق الكلم.» (١١٩) اللجين الفضة، وهو يعني بذلك أن أقضية الله وقدرته إذا شاءت حققت أمنيته، فجعلت ما يسقط من السماء من ثلج وبرد في العامين المجدبين فضة. (۱۲۰) يفضه: يفرقه. (۱۲۱) الأشقياء: المعسرون وذوو الفاقة. (۱۲۲) اللَّصَاب جمع لصب. وقد مرَّ بك. الشعب : الطريق الصغير في الجبل. (۱۲۳) الحرجة الأماكن الضيقة. (١٢٤) الفيح: جمع أفيح، وهو الواسع. (١٢٥) السباسب : جمع سبسب، وهو المفازة أو الأرض المستوية البعيدة. (١٢٦) لا تشرق تغص. (۱۲۷) لجب، يقال: جيش لجب ذو جلبة وكثرة. (۱۲۸) المواكب: جمع موكب ، وهو الجماعة – ركبانًا أو مشاة وهو يعني أنها لا تغص بجموع الجيوش العظيمة ولا تضيق بكثرتها. (۱۲۹) الرق: جلد رقيق يكتب فيه. (۱۳۰) الأكمة: التل أو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد. (۱۳۱) المريح : الذي رجعت إليه نفسه بعد الإعياء. (۱۳۲) اللاغب: المُتْعَب الذي اشتد به الإعياء، يقال: جاءنا ساغبًا لاغبًا؛ أي جائعًا مُعْيِبًا. (۱۳۳) يريد شاعرنا بأسد النجوم: «الليث»، وهو أحد البروج الاثني عشر، وقد أشار إليه في لزومه فقال: وصور ليث الشهب في مستقره ولو شاء أمسى فوق غبرائه كلبا وهو يعني بذلك أن الله – سبحانه – قادر على تحويل ذلك البرج المسمى بالليث كلبا من كلاب الأرض. العالم العالي: وقد سبح به خياله في هذه القصيدة الحاشدة بأعمق التأملات في عجائب صنع الله، وكمال قدرته التي أبدعت العالم العالي، وزينته بالنجوم و«السهى» و«الثريا» و«السماكين»، كما أنشأت القلب - يعني قلب العقرب، وهو من منازل النجوم وألحقت النحول والهزال بالبدر بعد تمامه، فخيل لرائيه أنه سوار كسرته يد الظلام، وأدنى الرشاء للعراقي - وللرشاء معنيان، فهو منزلة من منازل القمر، وهو أيضًا حبل الدلو. والعراقي: جمع عرقوة؛ وهي خشبتان تعرضان على الدلو - ولما كانت هذه الدلاء من منازل القمر، فهي لا تحتاج إلى رشاء – حبل – أيا كان نوعه، سواء أكان شريعًا حبلا من الكتان - أم جلبًا - حبلًا من ليف. ثم صور الليث وهو كما أسلفنا أحد البروج الاثني عشر - في مكانه من السماء، ولو شاء – سبحانه - لحوله كلبا من كلاب الأرض، ثم رمى بفراقد النجوم إلى الأرض وجعلها من فراقد الأرض - وهي أولاد البقر الوحشي – وأنزل إلى دنيانا الثور – وهو أيضًا من منازل القمر – فجعله مثل سميه الثور الأرضي: يكرب – يحرث الأرض - فتشتبك بظلفيه الشوابك والهلب - وللهلب معنيان؛ أحدهما: الشعر، والآخر كوكب من الكواكب - ثم أنزل نعام الجو من عليائها، فجعلها نعامًا أرضية مُفزَّعة القلب تهيم على وجهها في الدو الفلاة تخشى أن يغلبها الصيادون على أمرها، فلا يقر لها قرار من شدة الخوف، ثم أمر الحوت وهو من أبراج القمر كذلك - فهوى إلى البحر ليعيش مع أخيه الحوت في الماء، وأسكن النجوم المتألقة في السماء حفرة ضيقة في الأرض بعد أن كانت تنير الظلماء في الليلة الحالكة الدجياء. وإليك النص العلائي: فربكم الله الذي خلق السهى وأبدى الثريا والسماكين والقلبا وأنحل بدر الـتـم بـعـد كـمـالـه كأن به الظلماء قاصمة قلبا وأدنى رشاء للعراقي ولم يكن شريعًا إذا نص البيان ولا خلبا وصور ليث الشهب في مستقره ولو شاء أمسى فوق غبرائه كلبا وألقى على الأرض الفراقد فارتعت مع الفرقد الوحشي ترتقب الألبا وأهبط منها الثور يكرب جاهدًا فتعلق ظلفه الشوابك والهلبا وأضحت نعام الجو بعد سموها سدى في نعام الدو لا تأمن الغلبا وأنزل حوتًا في السماء فضمه إلى النون في خضراء فاعترف السلبا وأسكن في سك من الترب ضيق نجوم دجى في شبوة أبت الثلبا ومن بدائعه في هذا الباب قوله يشير إلى الليث من أبيات وأمسى الليث منها ليث غاب يجاذب فرسه المتوحدات جهل النجوم وقد شرح في تلك الأبيات كيف جهلت النجوم أمور الغيب التي استأثر بعلمها الخالق – سبحانه – كما جهلناها، وعلل جهلها أسرار الغيب بأنها محدثة مثلنا غير قديمة؛ فقد أوجدتها قدرة الله كما أوجدتنا من العدم، ولو شاء خالق الكائنات لأسقطها من عليائها، فانطفأ نورها، وخبا ضوءها، وهوت إلى ظلمة العدم متتابعة واحدةً في أثر الأخرى، وتحول الليث - وهو كما أسلفنا أحد البروج الاثني عشر - فأصبح من أسود الأرض يسعى دائبًا لكسب القوت ... إلخ. وإليك النص: فهل علمت بغيب من أمور نجوم للمغيب معردات؟ وليست بالقدائم في ضميري لعمرك بل حوادث موجدات فلو أمر الذي خلق البرايا تهاوت للدجى متسردات وأمسى الليث منها ليث غاب تجاذب فرسه المتوحدات إلخ. ومن أبرع ما يختار له في هذه القصيدة قوله يسخر ممن أسندوا إليها العقل والتمييز، ويُفند رأي من وصفوها بالمنطق، وزعموا أن لها عواطف ورغبات، وآرابًا وغايات تحفزها إلى المنافسة والمحاسدة، وتزج بها في ميدان التحاقد والمكايدة وقد زعموا بأن لها عقولاً وأقضية المليك مؤكدات وأن لبعضها لفظًا، وفيها حواسد مثلنا ومحسدات وقد أشار إلى هذا المعنى في سخرية عالية حين قال: أيعقل نجم الليل أم بدر تمه فيصبح من أفعالنا يتعجب؟ ومن بدائع تأمله قوله الساخر في نجوم الليل: لعل نجوم الليل تعمل فكرها لتعلم سرا فالعيون سواهد وقريب من هذا المعنى قوله يتمثل الليل خائفًا يرتعد من الموت فرقًا: كأنما الليل لخوف الردى تأخذه من فرق رعدة إهانة الشمس: وقوله يفند مزاعم المتخرصين الذين يزعمون أن الشمس تُضرب وتهان متى حان وقت شروقها: وقد كذبوا حتى على الشمس أنها تهان إذا حان الشروق وتضرب. حبال الشمس ومن بديع لفتاته قوله في بعض رسائله ( ص ٥٥٢ من «رسالة الغفران» في حبال الشمس التي يسمونها خيط باطل، أو سوط باطل؛ وهو حبل منسوج من ضوء الشمس يبصره الرائي من كوة أشبه شيء بالهباء: «ولن يصير سوط باطل في القوة كالمسد الحبل المحكم الفتل.» وقوله في لزومه يؤكد هذا المعنى متهكما: فإن حبال الشمس ليست ثوابتا لشد رحال أو قوابض جذب ولم يفته، بعد ذلك، أن يعرض علينا صورة لهذا المعنى تقابل سابقتها وتخالفها، فذكرنا ببقاء حبال الشمس على ضعفها، ودوامها إلى ما شاء الله على حين تبلى شباك الصيادين برغم متانة فتلها، وإحكام نسجها، وهو من بدائع اللفتات العلائية العميقة، قال: هذي حبال الشمس وهي ضعيفة دامت، وكم أبلت حبالة خاتل مصارع الكواكب وقد صور في بعض فصوله طائفة من الألواح الفنية، فتمثل على مألوف عادته القدرة الإلهية وقد أبدعت من غرائب المحال ما لا يخطر على البال فانتقلت بإذنها الكواكب والنجوم من العالم العالي إلى العالم الهاوي، فسقط النجم من سمائه بعد أن صيره القدر عبدًا ذليلا من عبيده ، أو أمة حقيرة من إمائه. وليس هذا الخيال بمستغرب منه؛ فالنجوم عنده كغيرها من الأناسي وسائر الكائنات عبيد لخالقها أو إماء: للمليك المذكرات عبيد وكذاك المؤنثات إماء وقد تمثل في «سقط الزند آخرة العالم ومصارع الكواكب، وكيف أن القدر متصرف تنفذ مشيئته في «زحل»، وهو - فيما يرى أعلى الكواكب دارًا، وأسماها مكانًا، فيدركه الفناء كما يدرك أحقر الأحياء، كما تمثل نجوم الثريا يجري عليها حكم القدر فيبددها كما يبدد كل عقد إذا ائتلف. ثم قرر أن نار المريخ سيجري عليها القدر حكمه، وينفذ فيها مشيئته، فيطفئها بعد أن دام اشتعالها، ويجني جمرتها بعد أن طال التهابها، قال: زحل أشرف الكواكب دارًا من لقاء الردى على ميعاد والثريا رهينة بافتقاد الشم ل حتى تظل في الأفراد ولنار المريخ من حدثان الد هر مطف وإن علت في اتقاد إذلال النجوم وتخيل - فيما تخيله من بدائع فصوله - أن العالم العالي قد أنزلته قدرة الله إلى عالمنا الهاوي، فأسقط القضاء النجم من سمائه، وصيره القدر عبدًا ذليلا من عبيده، أو أمة حقيرة من إمائه، فأصبح «زحل» زارعًا مشغولاً بالسعي في طلب الرزق يحرث الأرض، ويسير في أثر بقرة حثيثة الخُطى، وصار «المريخ» خادما يحتطب ليظفر بحاجته من الوقود، وانقلب «المشتري» تاجرًا يسوم البضائع للمشترين، وهكذا. وإليك النص العلائي: أيتها النفس المجهشة - المتهيئة للبكاء - مهلا، قرب مماتك فلا تقولي لي «كلا»؛ بليت وحسرتك لا تبلى. مبتدعك مقتدر على أن يجعل «زحل» كرابًا - حرَّاثًا يتبع خائرة – بقرة - عجلى. و«المريخ» ماهنا خادما يطعم الإرة وهي الحفرة يوقد فيها النار – حطبًا جزلا. و«المشتري» سائمًا وهو الذي يسوم البضاعة عند الشراء – يقول: «ما أرخص وأغلى»! و«الشمس» في قلادة كعاب تجلى - والشمس ضرب من الحلى – والمعنى أن الله تعالى لو شاء جعل هذه الشمس الطالعة شمسا في القلادة. و «الزهرة زهرة تعلو بقلا ، و عطاردًا» كاتب تاجر ينظر ما قال وأملى، و«القمر» بياضًا يستبطن يدًا أو رجلًا. و«الشرطين» قرني حمل والمنجمون يزعمون فيما يقول أبو العلاء أن الشرط قرن الحمل - يرتعي خلي – نباتا رطبًا. و«البطين» محتويا على كبد وكلى. والثريا منيرة في بعض الحنادس منزلا . يعني أن الله تعالى يقدر أن يجعل ثريا الكواكب التي في السماء مثل ثريا القناديل التي في الدور. وحادي النجم راعيًا يتبع قلاصًا عجلًا – حادي النجم يعني الدبران، والنجم: الثريا - قال الشاعر: وأية ليلة لا كنت فيها كحادي النجم يحرق ما يلاقي والعرب تتشاءم بحادي النجم وقلب العقرب والقلاص الشواب من النوق. والهَقْعَة دائرة في طرف – فرس – عاطلاً أو محجلًا [الهَقْعَة من دوائر الفرس يتشاءم بها، ويقال: إنها بياض في الجانب الأيمن مما يقع عليه أحد جانبي السرج، وكانت العرب تتيمن بها. والهنعة تركب عنقا مذللا اشتقاق الهنعة من قولهم في عنقه هنع؛ أي اطمئنان. والذراع الذراع يذكر في لغة عكل] يطبخ فيمسي منتشلا. والطرف عيني أسد تزران إذا رأى سفرًا مليلا – في الليل. والنثرة والجة في الأنف يقدم وجها مسهلا – ضد الجهم - [ والنثرة باطن الأنف، ومنه قيل: استنثر الرجل؛ أي أدخل الماء في باطن أنفه، ويقال: طعنه فأنثره إذا ألقاه على النثرة، قال الراجز: إن عليها فارسًا كعشرة إذا رأى فارس قوم أنثره وإنما شبهت نثرة الأسد في النجوم بنثرة الأنف، كما جعلوا له ذراعًا وجبهة. والزبرة تعلو كتدًا لليث يسكن دغلًا [زبرة الأسد: الشعر الذي يعلو كتفيه، وبها سمیت زبرة النجوم، والكتد: مجتمع الكتفين]. والجبهة ويقال للخيل : جبهة ] خيلا كرامًا، أو جبهة ضرغام: لا يحذر محتبلا لا يخاف حبالة الصياد - يقتنص في غابه ظليما - ذكر النعام – أو وعلا. والصرفة خرزة تغدو بها المرأة طالبة أملًا ويقال لضرب من الخرز – التي تزعم نساء الأعراب أنهن يصرفن بهن الزوج - الصرفة، ولهن خرز كثير، فمنهن الصدحة، والزلقة، والكحلة، والوجيهة، والهمرة، والهنمة. ويقولون في سجع لهن أخذته بالهنمة، بالليل عبد، وبالنهار أمة. والعواء ضروة - كلبة - تتبع فرقًا - قطيعًا عظيمًا من الغنم – مهملًا [ والعواء من الكواكب - تمد وتقصر، والقصر أكثر – وأنشد في المد: قد برد الليل الثمام عليهم وقد صارت العواء للشمس منزلا وقال قوم من أصحاب الأنواء العواء: كلاب تتبع الأسد وقد ذكرها شاعرنا في لزومه بالقصر، فقال: أم يخطب العوى السماك ويعـــ طيها الذي ترضاه من مهر انظر: مقدمة الغفران. والضروة: الكلبة، وكانت كلبة حومل التي يضرب بها المثل فيقال: «أجوع من كلبة حومل.» يقال لها: «العواء»، ويقال: إن «حومل» صاحبتها طبخت قدرًا، وإن الجوع حمل الكلبة على أن تدخل رأسها في القدر وهي تغلي]. والسماك الأعزل راجلا يشتكي عزلًا. والرامح فارسا يخضب قناته قتلا. والغفر نمطًا تودعه الظعينة – الزوجة – حللا والغفر: نمط يجعل كالعكم – الغرارة فتجعل فيه المرأة متاعها، ويقال: إن الغفر من النجوم سمي بذلك. والله أعلم]. والزباني على شوشب سلاحًا لا يرهب فلا ، والإكليل للفرضخ مجللًا [والزباني: قرن العقرب الأرضية، وكذلك هو للعقرب من النجوم وشوشب من أسماء العقرب الأرضية، والفرضخ من أسماء العقرب]. والشولة معها نصلا ، والقلب بين جوانح يوجد مشتعلاً [ وقلب النخلة يقال في جمعه قلبة، أو بين سعف نفى عنه المشذب هملا ، والنعائم النعائم خشب يوضع على البئر على قليب – بئر – يوجد مظللا، والبلدة في نحر ظل مقبلا [البلدة من النحر وسطه]. وسعدًا الذابح مقترًا يذبح حملًا [ سعد الذابح من منازل القمر، وإنما قيل الذابح لأن قدامه كوكبا تزعم العرب أنه ذبحه، والذبح المذبوح أو ما أعد ليذبح، قال جرير: ولسنا بذبح الجيش يوم أوارة ولم يستبحنا عامر وقبائله ] وسعد بلع طاعمًا يلتهم أكلا. وثالثهما: سعد بن ضبيعة قائلا مرتجلاً وسعد بن ضبيعة هو: سعد بن مالك بن ضبيعة. وهذا يجوز في كلام العرب ويكثر، ومنه قوله : «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»]. وسعد الأخبية سعد بن زيد نازلاً مرتحلا وسعد بن زيد هو: سعد بن زيد مناة بن تميم]. والفرغين يكتنفان غربًا سحبلًا [ والفرغان: من النجوم شُبها بفرغي الدلو، وهو ما بين العراقي، وربما قالت العرب: العرقوتان وهم يريدون الفرغين، قال عدي بن زيد: في نبات سقاه نوء من الدلـــ و تدلى ولم تخنه العراقي والغرب الدلو العظيمة، والسحبل: العظيم البطن من الدلاء والوطاب والناس. والرشاء مرسا - حبلا - في يد مهيف أي عطشان ] ينضح بالماء غللا، من حول ولقاح والحول: جمع حائل، وهو الأنثى من أولاد الإبل ساعة توضع ولقاح – حامل. مراجع النصوص العلائية والمعري في هذا الباب روائع لا تحصى، فلنجتزئ منها بهذا القدر اليسير، تاركين لكتاب «العالم العالي تفصيل ما أجملنا بعضه في هذه الوجازة، ولمن شاء الاستزادة من هذا الإبداع الفني العالي أن يرجع إلى لزومه (ج١، ص ۲۹، ۳۳، ۳۶، ۳۷، ۳۸، ٤١، ٤٤، ٤٧، ٥٠، ٥٢، ٥٩، ٦١، ٦٣، ٦٤، ٦٦، ٦٩، 70، ۷۷، ۷۸، ۷۹، ۸۳، ۹۳، ۹۷، ۹۸، ۱۰۰، ۱۰۲، ۱۱۳، ۱۱۷، ۱۲۷، ۱۳۱، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٨، ١٤٠، ١٤٧، ١٤٩، 151، 155، 156، 163، ١٦٦، ١٦٩، ۱۷۰، ۱۷۱، ۱۷۴، ۱۸۰، ۱۸۳، ۱۹۲، ۱۹۳، ۱۶، ۲۰۰، ۲۰۱، ۲۰۲، ۲۰۸، ۲۱۰، ۲۱۱، ٢١٤، ١٦۱۲، ٢٢، ۲۱۷، ۲۱۹، ۲۲۱، ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٢٧۲، ٢٣٣، ۲۳۷، ۲۳۹، ٢٤١، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥٣، ٢٥٧ ، ٢٥٨ ، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٧، ۳۷۳، ۲۷۲، ۲۷۴، ۲۷۷، ۲۷۹، ۲۸۲، ۲۸۳، ۲۸۶، ۲۸۸، ۲۹۰، ۲۹۱، ۲۹۲، ۲۹۴، ۲۹۵، ۲۹۹، ۲۹۹، ۳۰۰، ۳۰۱، ۳۰۳، ۳۰، ۳۰۶، ۳۱۰، ۳۱۱، ۳۱۲، ۳۱۳، ۳۱۴، ۳۲۰، ۳۲۱، ۳۲۲، ۳۲۴، ۳۲۵، ۳۲۹، ۳۳۰، ۳۳۲، ٣٣٦، ۳۳۷، ۳۳۸، ۳۳۹، ٣٤١، ٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧، ٤٨، ۳۵۰، ۳۵۱، ۳۵۲، ۳۵۳، .(359 ،355 ،354 ج۲، ص ٤، 8، 10، 11، 15، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٦، ٢٧، ۲۸، ۲۹، ۳۰، ۳۲، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٨، ٤١،٤٠، ٤٤، ٥١،٤٧، ٥٤، ٥٥، ٦٩، ۷۰، ۷۳، ۷۵، ۸۷، ۸۹، ۹۲، 97، 105، 106، 108، ۱۱۰، ۱۱۱، ۱۱۷، ۱۱۸، ۱۲۱، ۱۲۳، ١٢٤، ١٢٥، ۱۲۷، ۱۲۸، ۱۳۱، ۱۳۳، ۱۳۷، 13۹، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٦، 150، 151، 153، 153، ١٥٦، ١٥٧، 158، 159، 160، 161، 163، 165، 166، 168، 170، ۱۷۱، ۱۷۲، ۱۷۳، ۱۷۶، ۱۷۹، ۱۸۱، ۱۸۴، ۱۸۶، ۱۸۸، ۱۹۰، ۱۹۱، ۱۹۲، ۱۶، ۱۹۷، ۲۰۲، ۲۰، ۲۰۳، ۲۰۵، ۲۰۶، ۲۰۷، ۲۰۹، ۲۱۲، ۲۱۵، ۲۱۹، ۲۲۰، ۲۲۱، ۲۲۲، ٢٢٥، ٢٢٦، 331، 333، ٣٣٤، 335، 337، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤٨، ٢٥، ٢٥١، ٢٥٢۰، ٢٥٤، ٢٥٧ ، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٦، ٢٦٧ ، ٢٦٨، ٢٧٤، ٢٧٦، ۲۷۷، ۲۷۹، ۲۸۲، ۲۸۸، ۲۹۲، ٢٩٤، ٢٩٦، ۲۹۷، ۲۹۹، ۳۰۰، ۳۰۲، ۳۰۰، ۳۰۹، ۳۱۱، ۳۱۲، ۳۱۴، 315، 316، ۳۲۱، ۳۲۲، ۳۲۹، ۳۳۰، ۳۳۳، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٤٩، 350، ٣٥١، ٣٥٧، .(٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٨ ،361 ،358 وديوان سقط الزند (ج ۱، ص۷، ۱۰، ۱۱، 13، 14، 15، 16، ۱۷، ۱۸، ۱۹، ۲۰، ٢١، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ۲۷، ۲۸، ۲۹، ۳۰، ۳۲، ٣٣، ٣٤، ٣٥، 36، 38، 39، ٤٠، ٤٣، ٤٤، ٤٥ ، ٤٦ ، ٤٨ ، ٥٠ ، ١، ٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥ ، ٥٧، ٥٨ ، ٦٠، ٦١، ٦، ٦٤ ، ٦٥ ، ٦٧، ٦٨، ۷۰، ۷۱، ۷۳، ۷۴، ۷۵، ۷۹، ۷۹، ۸۰، ۸۱، ۸۲، ۸، ۸۵، ۸۷، ۸۸، ۸۹، ۹۰، ۹۱، ۹۲، ۹۵، ۹۹، ۹۷، ۱۰۱، ۱۰۲، ۱۰۳، ۱۰۷، ۱۰۸، ۱۰۹، ۱۱۲، 115، 116، 117، ۱۲۰، ۱۲۱، ۱۲۲، ۱۲۳، ١٢٦، ٧، ۱۳۰، ۱۳۱، ۱۳۲، 134، ۱۳۷، ۱۳۸، ۱۳۹، ١٤٠، ١٤٥، ١٤٩، ١٥، ١٥٣، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧، ١٥٨، 159، 160، ١٦٢، ١٦٤، .(١٦٩، ١٧١، ١٧٤ ،168 ،166 (١٣٤) السماكان: كوكبان نيران يقال لأحدهما : السماك الرامح، والآخر السماك الأعزل، وفي ذلك يقول شاعرنا لا تطلبن بآلة لك رتبة قلم الأديب بغير حظ مغزل هذا له رمح وهذا أعزل سكن السماكان السماء كلاهما ويقول في لزومه وما أظن المنايا تخطو كواكب جريه ستأخذ النسر والغف ر والسماك وتربه (١٣٥) المرزمان نجمان من الشعريين. وقد أشار إليهما في لزومه فقال: لا أنسب الغيث إلى المرزمين أمطرنا الله بإحســانـه (١٣٦) العارض: سحاب يعرض في أفق السماء. وقد سبق شرحه. (۱۳۷) البارض – كما مر بك أول ما يظهر من النبات. (۱۳۸) بين ذراعي وجبهة الأسد : سبق الكلام عنها في (ص١٩٠). (۱۳۹) قال في لزومه: رأيت سكوتي متجرًا فلزمته إذا لم يفد ربحا فلست بخاسر وقد امتدح الصمت في جمهور نثره وشعره، وغلا في امتداحه حتى آثر العي وفضل الخرس على الكلام، فقال في لزومه يستحسن القوم ألفاظا إذا امتحنت يوما فأحسن منها العي والخرس فضل الخرس: وقد أبدع طائفة من أروع الصور في الإشادة بفائدة الخرس ومزاياه في «رسالة الأخرسين»، التي ألحقناها برسالة الغفران ( ص ٥٠٧)، ومن أبرع ما كتبه في تلك الرسالة في وصف هذين الأخرسين قوله في وصفهما إنهما: رجلان ما اغتابا قط ولا يغتابان، ولا كذبا، ولا يكذبان ما نطقا بكلمة ذميمة، ولا فاها مع البشر – بالنميمة. وما حكاه في تلك الرسالة من قول بعض الصالحين: لأن يدعو لي رجل أخرس أحب إلي من أن يدعو لي ألف خطيب على ألف منبر؛ لأن ذلك يومئ إلى الله – سبحانه - بلسان ما أفك، ولا قال البهتان، وأولئك جديرون أن يكونوا كما قال الله سبحانه: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. الجار الأخرس وقوله : وكان - لبعض الناس - جار أخرس فتوفي، فرآه في النوم، فجعل يومئ إليه – كما كان يفعل فيما سلف فأجابه بلسان طلق يا فلان صرت بعدك من خطباء الجنة، كلما مضت أربع وعشرون ساعة من ساع الدنيا نصبت لنا منابر من الياقوت، فنمجد عليها الله ، ويقال لنا: «هذا بما أمسكت ألسنتكم في دار الغرور.» فنحن كما قال القائل: خطباء على المنابر، فرسا ن عليها، وقالة غير خرس وقوله: ومن فضائل الخرس إجماع الأمم على حمد الصمت، حتى قال القائل: «الصمت حكم وقليل فاعله.» فضل الصمت ومن وصاياه في الصمت قوله في فصوله ( ص ١٧٤): «وإن عصتك الغريزة؛ فعليك الصمات إن كان كلامك لا ينتفع به سواك، فإن ظننت المنفعة لغيرك؛ فلا بأس بعظتك وأنت مصر على الآثام. وقوله في (ص (٢٥): «التقي ملجم، يفتقر كلامه إلى أن يترجم.» وقوله في لزومه: على القول الجراءة والهجوما فأمسك غرب فيك ولا تعود وقوله: ومن أسنى خلائقك الصموت على الكذب اتفقنا فاختلفنا مراجع النصوص العلائية وارجع إذا شئت الاستزادة مما أبدعه من الصور البيانية في هذا الباب إلى لزومه ( ج ١ ، ص ٥٦، ٩٦، ١٠٢، ١٢٢، ١٣٢، 135، 139، ١٤٢، ،143، 147، 149، 150، ٢08، ٢٢٢، ٢٢٨، ٢٦٣، ٢٩٤، ۳۱۰، ۳۲۷، وج٢، ص ٤، ٦، ،٢٥٩، ٢٦١ ،۲۲۲ ،۱۹۲ ،۱۹۱ ،۱۸۰ ،168 ،156 ،114 ،۹۲ ،۶۷ ،۲۷ ،۲۱ ،۱۲ ،۹ .(٣٠٥، ٣٣٤، ٣٦٠ (١٤٠) أوجر - كما مر بك خائف، وهو يعني بذلك أن الكذاب يجمع إلى إساءته وذنبه، جبنه وخوفه. الكذب كما يراه أبو العلاء، مراجع النصوص والمعري في ذم الكذب فنون تضيق بتفصيلها مطولات الرسائل والكتب، بله موجزات الشروح، ومختصرات التعليقات، وحسبنا أن ننبه القارئ المستزيد إلى ما أبدعه شاعرنا من روائع الصور البيانية في هذا الباب في لزومه (ج ۱، ص 31، 36، ٤١، ٤٢ ، ٤٩، ٥٤، 60، 66، 85، 89، 96، 97، ،١٦٥، ١٦٦ ،۱۳۵ ،۱۳۳ ،۱۳۱ ،۱۲۷ ،۱۲۳ ،۱۲۲ ،۱۱۸ ،114 ،113 ،۱۱۲ ،۱۰۵ ،۲۱۱ ،۲۰۸ ،۲۰۷ ،۲۰۳ ،۱۹۸ ،۱۹۷ ،۱۹۲ ،۱۸۷ ،۱۸۳ ،۱۸۱ ،۱۷۹ ،۱76 ،174 ،٢٩٦، ٣٠٨ ،۲۹۲ ،۲۸۷ ،۲۷۰ ،٢١٢، ٢١٥، ٢٢٩، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٥١، ٢٦٣ .(359 ،357 ،٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٨، ٣٤٩ ،340 ،339 ،333 ،330 ،337 ،334 ،319 و (ج۲، ص ۳، ۷، ۲۱، ٢٢، ٢٥، ٢٦، ٢٩، ٤٠، ٤٨، 53، 57، 58، ٦٤، ٦٨، ٧١، ،١٣٢، ١٣٤ ،۱۳۰ ،۱۲۳ ،131 ،115 ،١١٤ ،۱۰۸ ،۱۰۷ ،۱۰۰ ،۹۱ ،90 ،86 ،75 ،73 ،۱۷۹ ،۱۷۷ ،١٧١، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦ ،170 ،166 ،163 ،1١٣٧، ١٤٧، ١٥٧، ٥٨ ،٢٣٤ ،۲۳۱ ،۲۲۷ ،۲۲۱ ،۲۱۹ ،۲۱۷ ،۲۱۱ ،۲۱۰ ،۲۰۹ ،۲۰۰ ،۱۸۷ ،۱84 ،183 ۲۹۵ ،۲۹۴ ،۲۹۳ ،۲۸۳ ،۲٢٤، ٢٥٤ ، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٥، ٦٩۲ ،۲۳۷ .(٣٢٨، ٣٣٤، ٣٤٤، ٣٥٠ ،337 ،334 ،317 ،315 ،313 ،305 ،301 ،196 (١٤١) الإمساك: الصمت. (١٤٢) والسدين ثوب من كتان، يعني أن صاحبه ناصح أمين ظاهره كباطنه صفاءً ونقاءً، فهو لا يرتدي ثوب الرياء ليحجب عن الناس عقيدته ورأيه. (١٤٣) لا يحتمل فيه التحريك أي لا يُطاق ولا يصبر عليه. ورُبَّ ورُبَّة ورُبَّما وريثما - بالتشديد، وقد يخفف حرف خفض لا يقع إلا على نكرة، وقد عرض له التاج ببحث واف؛ فليرجع إليه من شاء في ج۱، ص۲۷۸ و ۲۷۹). الساكن المشدد فإذا قرأنا هذا الحرف بالتشديد تبادر إلى فهمنا أن شاعرنا يعني أن التشديد في هذا الحرف ثقيل لا يحتمل ولا يطاق، وذكرنا قوله في لزومه: وخلت أني حرف الوقف سكنه وقت، وأدركه في ذاك تشديد الساكنان: فإذا قرأنا «رب» بتسكين الباء كمذ، وهو كما يعلم القارئ - حرف مبني على السكون، تبادر إلى فكرنا أنه يعني تشبيه نفسه بعد أن أدركته الشيخوخة - بهذا الحرف في ملازمته السكون وعجزه عن الحركة، فإنهما ساكنان لا يتحركان. فإذا قرأناها بالدال بدلا من الراء، وهي مترجحة الشبه في المخطوطة بين الراء والدال، تبادر إلينا أنه يعني بلفظ «دب» زمن الشيخوخة التي تعجز صاحبها عن الحركة والسير، وتجعله يدلُّ على العصا، كما يشير إلى المثل القائل: «أعييتني من شب إلى دب.» بضمهما ويُنوَّنان؛ أي من الشباب إلى أن دب على العصا، قالوا: ويجوز «من شب إلى دب» على الحكاية، وتقول: «فعلت كذا من شب إلى دب». وقد اقتبس أبو العلاء هذا المثل في رسالته التي كتبها إلى خاله أبي القاسم علي بن سبيكة عند طلوعه من العراق، ووجد أمه قد توفيت ولم يعلم قبل مقدمه بذلك، قال يخاطب نفسه: وعصيتني من شب إلى دب.» أي من شبابي إلى أن دببت على العصا، فهو يعني أن الشيخ الهرم الذي يدب على العصا يعجز عن الحركة والنهوض، وقد أشار إلى هذا المعنى في صور عدة نجتزئ منها بقوله يصف ضعفه وعجزه عن القيام «فإذا نهضت انهضت. يعني أنه إذا حاول النهوض أو القيام انهاض أي انكسر بعد الجبور، ويقال: هاض يهيض فهو مهيض، وانهاض وتهيض انكسر. قصة الحروف والألفاظ : وقد ألفنا من المعري مثل هذه الأساليب في جمهور نثره ونظمه، كما ألفنا منه ولوعه بتشبيه نفسه وغيره بالحروف والألفاظ وما إليها. بين الحركة والسكون وله في هذا الباب فنون لا تحصى، منها قوله يقابل بين الناس والحروف في التحريك والتسكين والمرء مثل الحرف - بين سهاده وكراه – يسكن تارة ويحرك وقوله: والناس، بين حياتهم ومماتهم مثل الحروف: مُحرَّك ومسكن وقوله يصف تعاقب الحركة والسكون إذا مرت الأوقات حرك ساكن وسكن – في أضعافها – المتحرك وقوله: ونحن – بعلم الله من متحرك يرى ساكنا أو ساكن يتحرك وقوله: فيا ألف اللفظ: لا تأملي حراكًا، فما لك إلا السكون قبيلة السكون ومن غرائب إيهامه، وبدائع استخدامه قوله يخاطب «كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد»، ويشير في لباقته المألوفة إلى قبيلتي «السكون» و«سكسك»؛ وهما من ولد «أشرس بن كندة» هذا: يا «کند» ما خلت السكون تحركت بعد السكون ولا أخوها السكسك حوار ميمين ومن بدائع تصويره في هذا الباب ما كتبه في بعض فصوله متمثلا حرفي الميم والألف يتحدثان - بإذن الله - ويتحاوران. قال: لو أذن «الله» قالت ميم: «قم» - إذا لقيتها الألف واللام لألف قام: «لِمَ لا تحركين؟» فقالت: «أصابك ألم. إذا كانت الحركة كسرًا؛ فالسكون أسلم، والله يميت المتحركات.» تأملات في الحروف : فإذا انتقلنا من بدائع تصويره في الحروف بين الحركة والسكون إلى ما أبدعه من فنونه الأخرى فيها، رأينا من خياله الخصب وتأمله العميق – ألوانا من أبكار المعاني في هذا الباب؛ منها قوله: والخير يندر - تارات – فنعرفه ولا يقاس على حرف إذا ندرا وقوله: والباء مثل الباء: تخـــ فض - للدناءة أو تجر وقوله: تواصل حبل النسل ما بين آدم وبيني، ولم يوصل بلامي باء وهو يعني بلامه – في هذا البيت نفسه، كما قال في بعض رسائله لأبي القاسم المغربي: «ولوددت لو رزق لامه ذاته ما رزق كلامه؛ لينال خلود الزمان، وتعطيه الحوادث أوكد أمان.» ويعني بالباء الزواج. معتل العين ومن مختار شعره تلك الشكوى الصارخة التي أودعها بيته الحزين في لزومه متفجعًا لفقد بصره، مقابلاً بينه وبين فعل «قال» وكلاهما معتل العين. وقد أوردناه في أثناء الكلام على العصا (ص ۲۳۰) من هذا الكتاب، قال: أعللت علة «قال»، وهي قديمة أعيا الأطبة كلهم إبراؤها بين اللين والهمز : ومن بدائع لفتاته قوله: سُرَّ الفتى من جهله - بزمانه وهو الأسير ليوم قتل يصبر لعبت به أيامه فكأنه حرف يلين – في الكلام - وينبر حرف الجحد وقوله يصف انصراف الناس عن الحق، وضلالهم عنه، وإنكارهم له: سألت عن الحقائق كل قوم فما ألفيت إلا حرف جحد تنافر الحروف ومن طرائف لفتاته مقابلته بين تنافر طبائع الناس والحروف جميعًا؛ كقوله: أعياك خل، ولولا قدرة سلفت لم يمكن الجمع بين الخاء واللام وقوله يخاطب الدنيا دنياي فيك هوى نفسي ومهلكها والماء يودي بنفس الوارد الصادي وما قصدتك مختارًا فتعذلني فيك العواذل إن حاولت إقصادي والمرء يطلب أمرًا ما يبينه كالحرف يلفظ بين الزاي والصاد وقوله يقابل بين تنافر الأقارب من الناس ومن الحروف بعض الأقارب مكروه تجاورهم وإن أتوك ذوي قربي وأرحام كالعين والحاء تأبى أن تقارنها في لفظها، فحماها قربها حامي بيوت الحروف: ومن روائع التشبيه التي أبدعها في فصوله قوله يصف البيت الذي يتمناه، ويؤثر على جميع البيوت سكناه: رب، أبلغني هواي، وارزقني منزلاً لا يلجه سواي؛ من دخله أمن، فهو كـ «عند»، وأنا كـ «من». وهو يعني بذلك كما فسره أن «عند» لا يدخل عليها من الحروف شيء غير .»من« وقول العامة - فيما يرى «ذهبنا إلى عنده» خطأ. قال: «وزعم النحويون أن «عند غير محدودة؛ لأنها تقع على الجهات الست، و«إلى» للغاية، فامتنعت عند» من دخول «إلى» عليها؛ لأن في «إلى» بعض التخصيص.» مضمر «نعم»: ومن البيوت التي اختارها لسكناه بيت يضمره ويستره عن الناس، فيقضي حياته مضمرًا في ذلك البيت كمُضمَر «نعم»، قال في لزومه: وما زال نعم الرأي لي: أن منزلي كأني فيه مضمر كن في نعما وقال يصف الزوج الكاملة التي يؤثر لك أن تختارها إن كان لا مفر من الزواج: تزوج إن أردت فتاة صدق كمضمر «نعم» دام على الضمير إذا اطلع الأوانس لم تطلع إلى عُرُس تمر ولا أمير فضول الحروف وهو يمقت الفضول والتزيد في الحروف والأناسي جميعًا، ويدعو الله أن يجنبه ذلك، فلا يجعله كالحروف الزائدة؛ لأنها – فيما يرى - فضولية غير أصيلة، وإن دعت إليهن الحاجة، فيقول: ولا تجعلني رب كواو الخزم، والثابتة في الجزم، وأثْبِت اسمي في ديوان الأبرار مع الأسماء المتمكنات.» ويقول في تفسيرها: «واو» الخزم: هي التي تزاد في أول بيت الشعر، ويكون مستغنيًا عنها، وأكثر ما يزيدون الواو والفاء وألف الاستفهام للحاجة إليهن. وزعم الأخفش أنهم يزيدون الحرفين أي على وزن البيت ] نحو «بل» وما جرى مجراها ... إلخ.» وقوله: «لا تجعلني رب معتلا كـ «واو يقوم»، ولا مبدلاً كـ «واو موقن»: تبدل من الياء. ولا أحب أن أكون زائدًا مع الاستغناء كـ «واو جدول وعجوز» - الواو فيهما زائدة لأنهما من الجدل والعجز ، فأما «واو» عمرو» فأعوذ بك – رب الأشياء – إنما هي صورة لا جرس - لا صوت لها ولا غناء ، مشبهها لا يُحسب من النسمات.» حرف النفي وقال يتمثل حاله بعد موته: «تلبس طمري اللبسة، وتوحش الدار المؤنسة، وأصبح – وحالي منعكسة كأني حرف نفي بعد إيجاب.» حرف الضمير وقال وهو من بدائع اللفتات: رب، لأكن بين عبادك - كحرف الضمير ؛ ناب عن الأطول وهو قصير.» ومن بدائع إشاراته إلى الضمير أيضًا ما كتبه في بعض رسائله إلى صاحبه أبي القاسم المغربي، يصف ما وهبه الله من براعة الإيجاز، قال: «ودل على جوامع اللغة بالإيماء، كما دل المضمر على ما طال من الأسماء.» براعة الإيجاز : ومن بدائع أخيلة أبي العلاء في الإشادة بالإيجاز قوله أيضًا من رسالة إلى صاحبه أبي القاسم»، وكأنما يصف لنا المعري أسلوب نفسه: «شاهدنا فيما سمعناه المعنى الحصير - المحصور المستوعب - في الوزن القصير، كصورة كسرى في كأس المشروب، وتمثال قيصر في الإبريز المضروب، لم يُزْرِ به ضيق الدار، وقصر الجدار.» وقريب من هذه الصورة قوله يصف أسلوب أبي القاسم أيضًا، ولعله أبرع ما قرأناه في وصف الإيجاز والتركيز: يجمع بين اللفظ القليل والمعنى الجليل جمع الأفعوان في لعابه بين القلة وفقد البلة.» وإذا فتن النقاد بتلك الصورة الخالدة التي أبدعتها يراعة الشاعر العالمي شكسبير في قصة «هملت»، حين عرض لوصف خنجر القاتل، وتمثل أن بحار الدنيا كلها عاجزة عن تطهيره وإزالة ما لصق به من الدم، ومحو أثر الجريمة منه، فإن إعجابهم سيتضاعف حين يرون في هذه الصورة العلائية البارعة كيف تمثل شاعرنا أسلوب صاحبه الحاسم، يصيب الهدف في أوجز لفظ فلا يرده عن غايته شيء، كما تصيب القطرات القليلة من لعاب الثعبان غايتها، فلا يزيل أثرها كل ما يحتويه العالم من ماء ودواء. الحرية والقيد ومن رغبات شاعرنا وصادق أمانيه أن يطلقه الله من قيد الحياة، كما أطلق «لبيد» الشاعر الجاهلي قافية معلقته إطلاقا لا يجوز فيه التقييد، على حين قيد «رؤبة بن العجاج؛ الراجز المعروف، مطلع أرجوزته – كما قيدت الدنيا شاعرنا - تقييدا لا يجوز فيه الإطلاق. وقد عبر عن هذا المعنى في فصوله (ص) (١٣٥ ) أحسن تعبير، حين قال: قيدتني تقييد «وقاتم الأعماق»، فأطلقني إطلاق «عفت الديار». وهو يشير بهاتين الإشارتين إلى قول رؤبة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخفق وقول لبيد: عفت الديار محلها فمقامها به «منی» تأبد غولها فرجامها التشابه والاتفاق ومن طرائفه قوله في فصل آخر مناجيا الله - سبحانه: خالقي، لا أختار شبه الظالمين، فإن الشيئين يتشابهان، فينقلهما التشابه إلى الاتفاق: كـ «إن» - المكسورة المشددة - أشبهت الأفعال، فجاء بعدها اسمان آخرهما كالفاعل، وأولهما كالمفعول، وكذلك ما قاربها من الأدوات.» وكتب في شرحه على ذلك تعليقا ما يلي: إنَّ يشبهونها بالفعل الذي يتقدم مفعوله على فاعله، مثل «ضرب زيدًا عمرو» وما قاربها من الأدوات، مثل: «ليت»، و«لعل» وما أشبههما. قوة الأقدار ومن دقائق تأملاته قوله يصف قوة الأقدار في لزومه: جمعنا بقدر وافترقنا بمثله وتلك قبور بدلت من مساكن نفتنا قوى لا مضربات لسالم بلا ، بل ولا مستدركات بلكن نطق الحروف والمعري في تمثل نقاش الحروف وحوارها فنون معجبة، مر بك بعضها في هذا الفصل، وسيمر بك طائفة أخرى تُريك من عمق تفكيره وتصويره آيات معجزات، فهو يتمثل في أحد فصوله (ص ۱۲۰) حوارًا يجري بين حرفي الراء والهاء، ثم يختمه بهذه اللفتة البارعة والله – بقدرته - يعلم النطق الحروف، وهي - لخوفه – مستشعرات. كلام القوافي: وقوله (ص۹۰): هل تشعر الألف، ولتشعرن - إن شاء الله أنها تمجد الله متوسطة، ومنتهى، ورويا ... إلخ.» والمعري في مداعبة الحروف والقوافي وما إليها فنون لا تحصى، وقد عرضنا لذلك في مقدمة «الغفران»، وذكرنا كيف تمثل قوافي أبي تمام الشاعر كائنات حية؛ توشك لو علمت مصابه - أن تولول عليه نادبات، كما تمثل في «رسالة الإغريض» معلقة امرئ القيس كلها عجوزا فاجرة (الغفران، ص ۱۲). والآن نعرض عليك قوله في بعض فصوله يداعب حرف اللام الذي اختاره امرؤ القيس قافية، ويصف عجزه عن الكلام (الغفران، ص ٤٧٧): «وما تشعر لام «قفا نبك» أمطلقة هي أم مقيدة!» ثم ما لبث أن تخيلها قادرة على الكلام بإذن الله، فمثلها لنا في بعض رسائله المخطوطة شاكية متبرمة بقائلها، منددة بمساوئه ومخازيه، كما تمثل ديوان امرئ القيس مُعنَفًا صاحبه على ما أودعه فيه من سقطات، فهو كما قال أبو العلاء: «لو أذن له في الكلام، لعقد به كل ملام.» فقالت «قفا نبك» - وهي أم ما نظم من القريض، والرائعة في الأنيق الأريض: «إن الكندي امرأ القيس أقر في أبياتي بعهار، من سر - يكتم - ومن جهار إلخ.» وسيمر بك تفصيل هذا في شرحنا لرسالة «الديوان»، إن شاء الله. شهادة الهمزة ومن بدائعه في فصوله كذلك قوله في (ص ٢٣٥) منها: وشهدت بك الهمزة في «إبل» ترزق منها المسكين، وإبر تنعش بها الفقير، وأذن: أنت لما وعته سميع، وأمم عدلك بجزائها جدير. وسبحتك الهمزة المتوسطة في مواضع بعدد الليالي والأيام إلخ.» الحرف الحي: على أن شاعرنا يسبح خياله في تمثل حياة الحروف – ما شاء له تصوره الرحيب وآفاقه الفسيحة - ولكنه يجري على مألوف عادته، متى عاد إلى عالم الحقائق، وخلع عنه ثوب الشاعر الحالم المستغرق في تأملاته، فلا يكاد يلتفت في لزومه إلى جماعة النصيرية القائلين بالتناسخ حتى يفتك بمزاعمهم وتخرصاتهم فتكة الناقد الباطش، منددا بهم، ساخرًا من ضيق تفكيرهم، وفساد معتقدهم، وسوء تعبيرهم، كما ترى في قوله: يا آكل التفاح لا تبعدن ولا يُقم يوم ردى تاكلك قال النصيري، وما قلته فاسمع وشجع في الوغى ناكلك قد كنت في دهرك تفاحة وكان تفاحك ذا اكلك وحرف هاج لحت فيما مضى وطالما تشكله شاكلك وقد مر الكلام في هذا حين عرض شاعرنا للحديث عن التناسخ في «رسالة الغفران» ( ص ٢٤٩). في العالم الآخر : ولقد شغل فيلسوفنا أدباء الجنة وشعراءها وغيرهم في العالم الآخر بجمهرة من المسائل النحوية والصرفية واللغوية وما إليها، وأبت له دعابته الساخرة إلا أن يشغل طائفة من أعلام اللغة - في الفردوس - بالوزن الصرفي لكلمة «إوزة» وما إلى ذلك من بدائع فكاهاته وتنادره. وتخيل نفسه في «رسالة الملائكة» يحاور ملك الموت ليدفعه عنه وقت حلول الأجل – ويسأله عن الوزن الصرفي لكلمتي «ملك» و «ملائكة»، ويدلل على صحة رأيه بأقوال أئمة اللغة، فيقول له الملك: ما هذه الأباطيل ؟ إن كان لك عمل صالح فأنت السعيد، وإلا فاخسأ وراءك.» كما تخيل نفسه يحاور الملكين في القبر ويسألهما كيف جاء اسماهما عربيين غير منصرفين، وأسماء الملائكة كلها من الأعجمية؛ مثل: إسرافيل وجبرائيل وميكائيل إلخ. ويسأل خازن النار متوددًا عن واحد الزبانية، وعن تصريف غسلين، وهل النون في جهنم زائدة؟ كما يسأل «رضوان» عن الترخيم سؤال الأبله الغبي، أو على الأصح – المُتَبَالِه المتغابي. وقد بلغ الذروة في دعابته وسخريته حين قال: ولعل في الفردوس قومًا ما يدرون أحروف الكمثرى كلها أصلية؟ أم بعضها زوائد؟» وهكذا إلى أن يقول: وما يجمل بالرجل - من الصالحين - أن يصيب من سفرجل الجنة، وهو لا يعلم كيف تصغيره وجمعه، ولا يشعر إن كان يجوز أن يشتق منه فعل أم لا.» ثم يقول: «وهذا السندس الذي يطؤه المؤمنون ويفرشونه، كم فيهم من رجل لا يدري أوزنه فعلل أم فنعلل إلخ؟ (انظر: رسالة الغفران، ص ٤٤١ إلى ص ٤٦٩). أدلة النحاة: وقد بقي علينا أن نوجز لك رأيه في أدلة النحاة والصرفيين بعد أن زخرت كتبه بالإشارة إليها في منثوره ومنظومه. وإليك ما قاله في فصوله (ص۷۳) أمر لا يضرك الجهل به، ولا يسألك عنه مولاك قولك: أخوك والزيدان أين منهما حرف الإعراب؟» وقد عرض في تفسيره لرأي سيبويه» أن الألف في قولك: «الزيدان» هي حرف الإعراب، ورأي أبي عمر الجرمي أن الألف حرف الإعراب، وانقلابها هو الإعراب، وقول «الأخفش سعيد: الألف دليل الإعراب. وكذلك الاختلاف في «واو أخوك» و«ياء الزيدين». ومن بدائع تهكمه في هذا الباب قوله في فصوله (ص۷۳): لا يسخط عليك الله والملكان إذا لم تدر : لِمَ ضُمتْ تاء المتكلم وفتحت تاء الخطاب.» وقد لخص – في تفسيرها – ما يزعمه النحاة من أن تاء المتكلم خصت بالضم؛ لأن أكثر ما يخبر به الإنسان عن نفسه، فأعطيت التاء أقوى الحركات، وقولهم: إن الضم من الشفة لأنه من الواو - وأول ما يخبر الرجل عن نفسه، فحمل الأول على الأول. ولما حصلت الضمة في تاء المتكلم لم يكن بد من الفرق، فآثروا المخاطب المذكر بفتح التاء؛ لأن المؤنث أولى بالكسر. وقوله: «كذبت النحاة أنها تعلم لم رفع الفاعل ونصب المفعول، إنما القوم مرجمون، والعلم لعلام الغيوب إلخ.» هدير الجمل: وبِحَسْبِنا أن نختم هذه الوجازة بقوله متهكما ساخرًا من شقشقة النحاة، متخيلا مجادلتهم ومناقشتهم كهدير الجمل وصخبه. وإليك قوله في بعض فصوله «لو عاش الدولي حتى يسمع كلام الفارسي في الحجة ما فهمه – فيما أحسب إلا فهم الأمة هدير السنداب - الجمل الغليظ الشديد.» ( ١٤٤) لشاعرنا في لزومه لفتات وإشارات إلى هذا المعنى نجتزئ منها بقوله في التثليث والتوحيد في لزومه وفي مهج الأنام مثلثات على علاتها، وموحدات (١٤٥) قصة الأرقام : يعني أنه ارتكب في تحرير هذه الرسالة ثلاث غلطات، وهو يخشى أن يخطئ مرة أخرى فينزلق في طريق الغلط، ويثب – من التربيع – إلى التسبيع، ومنه إلى ما يليه ، وهكذا دواليك، ويتمادى في ذلك إلى غير حد. والعرب تضع التسبيع موضع التضعيف وإن جاوز السبع وسبع القوم: تموا سبعمائة رجل، ويقال: «سبع الله لك.» أي أعطاك أجرك سبع مرات، أو سبعة أضعاف، أو رزقك سبعة أولاد، وهو على الدعاء. وقد أغرم أبو العلاء بهذا العدد ومضاعفاته فيما أغرم به من اللعب بالأعداد والألفاظ. وقد مرت بك طائفة من دعاباته وإشاراته إلى الحروف والألفاظ. وإليك بعض ما قاله في هذا الصدد: سبح وصل وطف بمكة زائرًا سبعين لا سبعًا فلست بناسك جهل الديانة من إذا عرضت له أطماعه لم يُلْفَ بالمتماسك وقال: جسد من أربع تلحظها سبعة راتبة في اثني عشر وقال: أرى أربعًا آزرت سبعة وتلك نوازل في اثني عشر وقال: يقولون: صنع من كواكب سبعة وما هو إلا من زعيم الكواكب وقال: وتقاسم الأيام من مرت به من أهلها كتقاسم الأيسار هي سبعة مثل القداح فوائز متساويات في غنى ويسار وقال: والعيش أوفاه يمضي مثل أقصره سبع كسبعين أو تسع كتسعينا وقال في «رسالة الغفران» يداعب صاحبه «ابن القارح»: ودنانيره - بإذن الله مقدسات، وإن كانت زائدة على الثمانين، فقد أوفت على عدة أصحاب «موسى» الذين جاء فيهم: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ، وعلى عدة الاستغفار في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وعلى عدة أذرع السلسلة في قوله تعالى: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوه إلخ. وقد ألفنا من شاعرنا إبداعه في التلاعب بالأرقام والأعداد، كما ألفنا منه البراعة في المقابلات بين الحروف والألفاظ، وابتكاره روائع الأخيلة ومفاتن الصور إلى حد كاد يفرده من بين كتاب الدنيا وشعرائها، ومن أبرع ما يختار له - في هذا الباب – تلك الصورة التي مثل بها كيف أسعد الحظ غيره من الناس، فارتفعوا في معارج الرقي إلى حد لا يتصوره العقل، وضوعفت سعاداتهم كما تضاعف أعداد المئين إذا ضرب بعضها في بعض، على حين أسلمه جده العاثر إلى التأخر يومًا بعد يوم، فأصبح في غده أقل من يومه، وفي يومه أقل من أمسه، وظل يتضاءل يوما بعد يوم كما تتضاءل قيمة الكسر إذا ضرب في كسر آخر. وإليك النص العلائي الفاتن: سما نفر ضرب المئين، ولم أزل بحمدك مثل الكسر يضرب في الكسر وإليك صورة أخرى من هذا المعنى المبتكر الرائع: وتداني الأيام يحدث نقصا وازديادا والجسم للنفس تبع خمسة في نظيرها: خمس خمسا ت تنمت والنصف في النصف ربع (انتهى الشرح.)
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.