حكاية·HIKOYA

قصة لا تنتهي

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy4 bob13 daqiqa
قصة لا تنتهي
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.مَجْلِسُ الْمَلِكِ مَعَ الْقُصَّاصِ
  2. 2.مَجْلِسُ الْمَلِكِ مَعَ «جُحا»
  3. 3.رُؤْيَا الْحَاكِمِ
  4. 4.نجاحُ الحِيلَةِ

الفصل الأولمَجْلِسُ الْمَلِكِ مَعَ الْقُصَّاصِ

(۱) حُبُّ الْقِصَصِ

حِكَايَةٌ حَدَثَتْ فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ، فِي زَمَنِ مِنَ الْأَزْمانِ. كانَ يَعِيشُ مَلِكٌ عَظِيمُ الْجَاهِ وَالشَّانِ، لَهُ جَبَرُوتٌ وَسُلْطَانٌ. ظَلَّ هذا الْمَلِكُ يَرْعَى قَوْمَهُ فِي بَلَدِهِ الْبَعِيدِ، فِي سَلَامٍ وَأَمَانِ امْتاز هذا الْمَلِكُ بِأَنَّهُ شَدِيدُ الْمَكْرِ وَالدَّهاءِ ، قَويُّ الْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ. يَتَأَمَّلُ فِي كُلِّ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الْأُمُورِ، تَأَمُّلَ عَاقِلِ خَبِيرٍ بَصِيرٍ. لَمْ يَكُنْ هذا الْمَلِكُ يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ فِي تَحْصِيلِ الْمَعْلُومَاتِ. لَمْ يَكْتَفِ بِما عِنْدَهُ مِنْ مَوْهِبَةٍ، وَما أُوتِيَ مِنْ مَعْرِفَةٍ طَيِّبَةٍ. لَمْ يَدَّخِرْ وُسْعًا فِي الْمُطَالَعَةِ وَالْمُراجَعَةِ ، وَفِي الْمُحاوَرَةِ وَالْمُشاوَرَةِ. لَبِثَ يُمِدُّ عَقْلَهُ بِمُخْتَلِفِ الْآرَاءِ الْوَاسِعَةِ، وَالْمَعْلُومَاتِ النَّافِعَةِ. أَحاطَ في مجالاتِ الْحَياةِ بِالْأَخْبَارِ الدَّقِيقَةِ، وَالْحَقائِقِ الْوَثِيقَةِ. أَصْبَحَ يُدْرِكُ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُ النَّاسِ، مِنْ أَهْواءٍ شَائِعَةٍ. كانَ هذا الْمَلِكُ الذَّكِيُّ شَدِيدَ الشَّغَفِ بِسَمَاعِ الْقِصَصِ الْمُتَنَوِّعَةِ. كَانَتِ الْقِصَصُ تُتِيحُ لَهُ أَنْ تَزْدادَ مَعْرِفَتُهُ بِالْحَيَاةِ وَالْأَحْيَاءِ. يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يُخَصِّصَ وَقْتًا طَوِيلًا لِسَماعِ ما يَحْكُونَهُ لَهُ. لِحُبِّهِ سَماعَ الْقِصَصِ كَان يَحْزَنُ إِذا بَلَغَتِ الْقِصَّةُ نِهايَتَها. كانَ يَتَمَنَّى سَماعَ قِصَّةٍ لا تَنْتَهِي، وَإِنْ طَالَتِ الْجَلَسَاتُ.

(۲) جَائِزَةُ الْمَلِكِ

بَحَثَ الْمَلِكُ عَنْ قاضٌ يُحَدِّثُهُ بِقِصَّةٍ لا تَنْتَهِي طُولَ الْعُمْرِ. لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَقُصُّ عَلَيْهِ قِصَّةً يَتَوافَرُ لَها هذا الْقَدْرُ. اشْتَدَّتْ رَغْبَةُ الْمَلِكِ في سَماعِ الْقِصَّةِ الْمَنْشُودَةِ الْمُتَّصِلَةِ. ظَلَّ يَبْحَثُ جَاهِدًا عَنْ قَاصٍّ نَابِهِ، يُحَقِّقَ لَه رَغْبَتَهُ. لَمْ يَهْتَدِ الْمَلِكُ إِلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْقَاصِّ الْبَارِعِ النَّكِيِّ. طالَ بَحْثُهُ عَنْهُ. أَعْياهُ الْأَمْرُ ، وَلكِنَّهُ بَقِيَ عَلَى رَغْبَتِهِ. لَجَأَ إِلَى طَرِيقَةٍ مُغْرِيَةٍ، لَعَلَّها تُحَقِّقُ لَهُ مَطْلَبَهُ الْعَزِيزَ. أَرْصَدَ الْمَلِكُ جائِزَةً كَبِيرَةً مِنَ الْمَالِ، وَمِنْ نَفَائِسِ الْجَواهِرِ. أَعْلَنَ أَنَّهُ يَهَبُ هَذِهِ الْجَائِزَةَ لِقَاصٍّ عَلَى تَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ قادِرٍ. طَمِعَ الْقاصُّونَ فِي نَيْلِ الْجَائِزَةِ، فَجَاءُوا مِنْ مُخْتَلِفِ الْبُلْدَانِ. ظَلَّ الرُّواةُ يَحْكُونَ لِلْمَلِكِ مِنَ الْقِصَصِ أَطْوَلَ مَا يَعْرِفُونَ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْمَعُ فِي الْحُصُولِ عَلَى الْجائِزَةِ الثَّمِينَةِ. عَجَزَ الرُّواةُ - عَلَى اخْتِلافِهِمْ - عَنْ أَن يُحَقِّقُوا رَغْبَةَ الْمَلِكِ. ماذا يَصْنَعُونَ؟ أَطْوَلُ قِصَّةٍ كانَ مِنَ الْمَحْتُومِ أَنْ تَنْتَهِيَ. كُلُّ قِصَّةٍ تُخْتَمُ بَعْدَ مُضِيّ أَيَّامٍ، أَوْ أَسابِيعَ ، أَوْ شُهُورٍ. كُلَّما تَمَّتْ أَحْداثُ الْقِصَّةِ خَابَ أَمَلُ صَاحِبِها فِي نَيْلِ الْجَائِزَةِ.

(۳) الْوَسِيلَةُ الْأَخِيرَةُ

أَسِفَ الْمَلِكُ أَشَدَّ الْأَسَفِ حِينَ رَأَى عَجْزَ الْمُحَدِّثِينَ وَالرُّواةِ إِنَّهُمْ جَمِيعًا لَمْ يَسْتَطِيعُوا تَلْبِيَةَ رَغْبَتِهِ فِي قِصَّةٍ لا تَنْتَهِي. لَجَأَ الْمَلِكُ إِلَى آخِرِ وَسِيلَةٍ عِنْدَهُ، لِيُغْرِيَ بِها جَمْعَ الرُّواةِ. أَذاعَ الْمَلِكُ - فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ – نَبَأَ عَجِيبًا غايَةَ الْعَجَبِ: سَيُعْطِي نِصْفَ مَالِهِ لِمَنْ يَقُصُّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي رَغِبَ فِيها! لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِن الْمُحَدِّثِينَ وَالرُّواةِ الظُّفَرَ بِالْجَائِزَةِ الْجَدِيدَةِ. اشْتَدَّ حُزْنُ الْمَلِكِ لِخَيْبَةِ الْقُصَّاصِ فِي بُلُوغِ مَأْرَبِهِ الْعَزِيزِ. وَعَدَ الْمَلِكُ مَنْ يُحَقِّقُ رَغْبَتَهُ بِإِشْراكِهِ فِي نِصْفِ مُلْكِهِ. سَيُصْبِحُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ الْفائِزَةِ مُقاسِمًا لَهُ فِي كُنُوزِهِ وَسُلْطَانِهِ! تَسامَعَ الرُّواةُ وَالْمُحَدِّثُونَ فِي مُخْتَلِفِ الْأَرْجَاءِ بِالْوَعْدِ الْجَدِيدِ. ازْدَادَ طَمَعُهُمْ فِي الْحُصُولِ عَلَى تِلْكَ الْجَائِزَةِ الْبَعِيدَةِ الْمَنالِ. أَقْبَلُوا مِنْ هُنا وَهُناكَ، يَعْرِضُونَ كُلَّ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذَخَائِرَ. كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي الْبَحْثِ وَالتَّقَصِّي. جَمَعَ الرُّواةُ الْقِصَصَ الَّتِي تَتَسَلْسَلُ حَلقاتُها إِلَى أَبْعَدِ حَدٍّ مُمْكِنٍ. طالَتْ جَلَسَاتُ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، يَسْتَمِعُ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْقِصَصِ. لَمْ يَسْتَطِعْ واحِدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُحَقِّقَ رَغْبَةَ الْمَلِكِ، فَيَظْفَرَ بِالْجَائِزَةِ.

الفصل الثانيمَجْلِسُ الْمَلِكِ مَعَ «جُحا»

(۱) الْقاصُّ الذَّكِيُّ

عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ تَزايَدَ اللَّغَطُ حَوْلَ الْجائِزَةِ الْمَلَكِيَّةِ النَّادِرَةِ. عَرَفَ النَّاسُ أَنَّ الْجَائِزَةَ لَنْ ينالَها أَحَدٌ مِنَ الرُّواةِ وَالْقُصَّاصِ. إِنَّهُمْ - بِقِصَصِهِمُ الَّتِي عَرَضُوها – لَمْ يَبْلُغُوا الْغَرَضَ الْمَنْشُودَ . سَمِعَ بِالنَّبَأ - مِنْ بَعْدُ - قاضٌ لَهُ شُهْرَتُهُ الْواسِعَةُ فِي الْبِلادِ إِنَّهُ «أَبُو الْغُصْنِ جُحا» الْمَعْرُوفُ بِبَراعَتِهِ فِي صَوْغِ الْقِصَصِ لَمْ يَشْتَرِكْ هذا الْقَاصُ الْبَارِعُ النَّكِيُّ فِي الْمُسابَقَةِ الْمَلَكِيَّةِ. كَانَ فِي رِحْلَةٍ قاصِيَةٍ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَّا مُنْذُ وَقْتٍ قَرِيبٍ. لَمَّا سَمِعَ بِنَبَأَ الْمُسابَقَةِ الْمَلَكِيَّةِ طَلَبَ لِقاءَ الْمَلِكِ لِيُحَدِّثَهُ . حِينَ قابَلَ الْمَلِكَ عَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ، وَعَرَضَ اشْتِرَاكَهُ في الْمُسابَقَةِ. سَأَلَهُ الْمَلِكُ : «أَلَدَيْكَ قِصَّةٌ تَتَوالَى حَلقاتُها، وَلا تَنْتَهِي؟» «جُحا» قَالَ لِلْمَلِكِ: «إِنِّي زَعِيمٌ بِأَنْ أُحَقِّقَ لَكَ ما تُرِيدُ.» قالَ الْمَلِكُ مُتَعَجِّبًا: «لَقَدْ يَئِسْتُ مِنْ تَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِي الْعَوِيصَةِ ما أَظُنُّ إِلَّا أَنَّكَ مُخَيِّبٌ رَجائِي، كَما خَيَّبَهُ مَنْ سَبَقَكَ!» قَالَ «جُحا» لِلْمَلِكِ: «سَوْفَ أُحَقِّقُ لَكَ ما رَغِبْتَ فِيهِ.» قالَ الْمَلِكُ : «أَعَلِمْتَ ما وَعَدْتُ بِهِ مَنْ يُبَلِّغُنِي أُمْنِيَّتِي؟ وَعَدْتُ بِمُكافَأَةٍ غالِيَةٍ : جَواهِرِي وَمُلْكِي مُناصَفَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.»

(۲) خُدْعَةُ الْمَلِكِ

الْمَلِكُ كَانَ مَكَارًا ، يَعْرِفُ أَنَّ الْحُصُولَ عَلَى الْجَائِزَةِ مُحالٌ أَتَدْرِي لِماذا اطْمَأَنَّ الْمَلِكُ بِذلِكَ؟ أَنا أُخْبِرُكَ بِالسَّبَبِ الْقاصُّ الَّذِي يَحْكِي الْقِصَّةَ، لا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدٍ أَمْرَيْنِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْجِزَ الْقاصُّ عَنْ تَحْقِيقِ رَغْبَةِ الْمَلِكِ وَالْأَمْرُ الْآخَرُ: أَنْ يَنْجَحَ فِي سَرْدِ حِكَايَةٍ مُتَّصِلَةٍ لا تَنْتَهِي. الْقاصُّ إِذا عَجَزَ عَن تَحْقِيقِ رَغْبَةِ الْمَلِكِ حُرِمَ الْجَائِزَةَ. بَقِيَ الْقَاصُّ الْآخَرُ الَّذِي يُقَدَّرُ لَهُ النَّجاحُ فِي تَحْقِيقِ الرَّغْبَةِ. سَيَجِبُ عَلَيْهِ – طَوْعًا لِذلِكَ – أَلَّا يَنْتَهِيَ مِنْ قِصَّتِهِ مَدَى الْحَيَاةِ هُنا تَظْهَرُ الْحِيلَةُ الْمَاكِرَةُ الَّتِي أَسَرَّهَا الْمَلِكُ فِي نَفْسِهِ. لَنْ يَأْتِيَ إِذَنْ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَظْفَرُ فِيهِ الْقاصُّ بِالْجَائِزَةِ الْفَوْزُ بِالْجَائِزَةِ مَرْهُونٌ بِإِقْنَاعِ الْمَلِكِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ لَنْ تَكْمُلَ أَبَدًا الْمَلِكُ لَنْ يُعْلِنَ اقْتِنَاعَهُ بِأَنَّ الْقِصَّةَ الْمَعْرُوضَةَ بَلَغَتْ غَايَتَها. لَقَدْ شَرَطَ الْمَلِكُ شَرْطًا واضحًا ، هُوَ اسْتِمْرارُ حَلقاتِ الْقِصَّةِ. كُلَّما قَطَعَتِ الْقِصَّةُ مَرْحَلَتَها تَشَوَّفَ الْمَلِكُ إِلَى مَرْحَلَةٍ أُخْرَى الْمَلِكُ حَرِيصٌ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى مُلْكِهِ الْكَبِيرِ، وَجَواهِرِهِ الْغَالِيَةِ. كَيْفَ يُعْقَلُ نُزُولُهُ عَنْ نِصْفِ مُلْكِهِ، مُقابِلَ سَماعِ قِصَّةٍ؟!

(۳) حِيلَةُ الْقَاص

القاص النَّكِيُّ «جُحا» لَمْ يَفُتْهُ شَيْء مِنْ خُدْعَةِ الْمَلِكِ. «جُحا» كَانَ يُدْرِكُ أَنَّ مَطْلَبَهُ يَنْطَوِي عَلَى دَهَاءٍ وَمَكْرٍ. يَعْرِفُ أَنَّ الْمَلِكَ لَنْ يُعْطِيَ الْجَائِزَةَ إِلَّا في حالَةِ وَاحِدَةٍ الْحَالَةُ أَنْ يُضْطَرَّ فَيَعْتَرِفَ بِنَجَاحِ الْقَاصِّ فِي تَلْبِيَةِ رَغْبَتِهِ. «جُحا» قالَ فِي نَفْسِهِ : «إِنَّ الْمَكْرَ لَا يَغْلِبُهُ إِلَّا مَكْرٌ مِثْلُهُ. كُلُّ حِيلَةٍ خَادِعَةٍ مَاكِرَةٍ لا تَغْلِبُها إِلَّا حِيلَةٌ ذَكِيَّةٌ بارِعَةٌ » أَتَعْرِفُ أَيُّهَا الْقَارِئُ: ماذا صَنَعَ «جُحا» الْقَاصُّ الْبَارِعُ النَّكِيُّ ؟ لَقَدْ عَمَدَ بِدَهائِهِ إِلَى ابْتِدَاعِ قِصَّةٍ لَيْسَتْ لَهَا خَاتِمَةٌ؛ قِصَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ الْمَلِكُ أَنْ يَظَلَّ مُصْغِيًا إِلَيْها طُولَ عُمْرِهِ قِصَّةٍ تَبْعَثُ فِي النَّفْسِ الْمَلَلَ والشَّجَرَ، يَضِيقُ الْمَلِكُ بِمُتابَعَتِها قِصَّةٍ إِذا مَضَى الْقاصُّ في أدائها زَهِدَ الْمَلِكُ فِي سَماعِها! سَيَجِدُ الْمَلِكُ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا إِلَى أَنْ يُسَلِّمَ لِلْقاصِّ بِنَجَاحِهِ. «أَبُو الْغُصْنِ جُحا» اطْمَأَنَّ بِأَنَّ هذِهِ الْحِيلَةَ وَحْدَها تُحَقِّقُ رَجاءَهُ. أَعْمَلَ فِطْنَتَهُ، وَاسْتَغَلَّ خِبْرَتَهُ، وَأَحْكَمَ خُطَّتَهُ، لِيَنْسُجَ قِصَّتَهُ. أَصْبَحَ عَلَى ثِقَةٍ بِأَنَّ الْجائِزَةَ الْمَلَكِيَّةَ الثَّمِينَةَ لَنْ تَفُوتَهُ بِحالِ. شَرَعَ يَقُصُّ عَلَى مَسامِعِ الْمَلِكِ أَحْداثَ قِصَّتِهِ الْمُبْتَدَعَةِ الْآتِيَةِ:

الفصل الثالثرُؤْيَا الْحَاكِمِ

(۱) فِي الْمَنامِ

يُحْكَى فِيمَا يُحْكَى، أَنَّهُ فِي قَدِيمِ الزَّمانِ، وَسالِفِ الْأَوانِ: كَانَ يَعِيشُ حَاكِمٌ مِنَ الْحُكَّامِ عَظِيمُ الشَّانِ، فِي أَحَدِ الْأَوْطَانِ. كَانَ يَحْكُمُ النَّاسَ حَوْلَهُ، وَيَنْشُرُ بَيْنَ جُمُوعِهِمْ عَدْلَهُ. كَانَ يُولِي الشَّعْبَ كُلَّ مَحَبَّتِهِ، وَيَسْهَرُ عَلَى رِعايَتِهِ الشَّعْبُ كُلُّهُ كَانَ مُخْلِصًا لَهُ، مُلْتَفًا حَوْلَهُ، مُتَعاونًا مَعَهُ. ذاتَ لَيْلَةٍ : قَصَدَ الْحَاكِمُ مَضْجَعَهُ، فَرَأَى فِي مَنامِهِ حُلْمًا أَفْزَعَهُ. صَحَا مِنْ نَوْمِهِ وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ، وَبَدَا عَلَيْهِ الذِّعْرُ. قَضَى بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ عَلَى قَلَقٍ، لَا يَكَادُ يَغْمُضُ لَهُ جَفْنٌ. لَبِثَ يُفَكِّرُ طَوِيلًا فِي حُلْمِهِ الْغَرِيبِ الَّذِي أَزْعَجَهُ فِي نَوْمِهِ. حَاوَلَ – بِكُلِّ جُهْدِهِ - أَنْ يَطْرُدَ عَنْ نَفْسِهِ مَخاوِفَهُ وَوَساوِسَهُ. لَمْ يَسْتَطِعْ - بِحالٍ – أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا فَقَدَ مِنْ طُمَأْنِينَتِهِ. اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ – آخِرَ الْأَمْرِ - عَلَى أَنْ يُفْشِيَ أَحْداثَ مَنَامِهِ. قَالَ فِي نَفْسِهِ: «لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِهذا الْمَنامِ مَعْنَى يَجِبُ أَنْ أَقِفَ عَلَى تَعْبِيرِهِ ، فَلا أُفَاجَأَ بِوَاقِعِ تَفْسِيرِهِ.» أَمَرَ الْحَاكِمُ بِاسْتِدْعَاءِ نُخْبَةٍ مِنْ رِجالِ حاشِيَتِهِ، وَعُرَفَاءِ بَلْدَتِهِ. عَرَفُوا أَنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا دَعَاهُمْ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَحَدَثٍ جَسِيمٍ.

(۲) حَقِيقَةٌ أَمْ خَيالٌ

قالَ الْحَاكِمُ لِجُلَسَائِهِ: «أَسْأَلُكُمْ ما رَأْيُكُمْ فِيما نَراهُ فِي الْمَنامِ : أَيَنْطَوِي مَا نَرَاهُ عَلَى حَقِيقَةٍ واقِعَةِ، أَمْ هُوَ وَهُمْ مِنَ الْأَوْهَامِ؟» تَصَدَّى كَبِيرُ الْعُرَفَاء لِلْجَوابِ، وَهَزَّ رَأْسَهُ قَائِلًا فِي صَوْتٍ هادِي: «لَيْسَتِ الْأَحْلامُ كُلُّها أَوْهامًا بِلا حَقَائِقَ ، ولا حقائِقَ بِلا أَوْهَامٍ.» اعْتَدَلَ الْحَاكِمُ فِي مَجْلِسِهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى جُلَسائِهِ ، وقالَ: «رَأَيْتُ في مَنامِي سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرًا، وَسَبْعَ سُنْبُلات يابسات. رَأَيْتُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمَانًا قَوِيَّاتٍ، وَسَبْعَ بَقَرَاتٍ عِجَافًا ضَعِيفاتٍ رَأَيْتُ الْبَقَرَاتِ الْمَهْزُولاتِ النَّحِيفاتِ تَأْكُلُ الْبَقَراتِ السَّمِينات. هذا مُوجَزُ مَا رَأَيْتُهُ فِي نَوْمَتِي، كَأَنِّي أَراهُ الْآنَ فِي يَقَظَتِي عَجِبْتُ : كَيْفَ تَأْكُلُ الْبَقَراتُ الْعِجَافُ تِلْكَ الْبَقَراتِ السَّمَانَ؟! ذلِكَ مَا رَأَيْتُهُ رَأْيَ الْعَيْنَيْنِ، وَأَنا في نَوْمِي مُغْمَضُ الْجَفْنَيْنِ انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وقَدْ مَلَأَ قَلْبِي الْفَزَعُ وَالذُّعْرُ. لَمْ يُطَاوِعْنِي النَّوْمُ، بَعْدَ ذلِكَ الْحُلْمِ الْعَجِيبِ، طَوالَ اللَّيْلِ. ظَلِلْتُ عَلَى فِراشِي ساهِرًا بَقِيَّةَ الْوَقْتِ، حَتَّى لاحَ نُورُ الصَّباح. لَقَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى مَجْلِسِي، لِأَقصَّ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الرُّؤْيَا الْمُفْزِعَةَ. أَفْتُونِي: أَفِي الرُّؤْيا لِلْحَقِيقَةِ مَجَالٌ؟ أَمْ هِيَ خَيالٌ فِي خيال؟»

(۳) تَعْبِيرُ الرُّؤْيا

مَلَأُ الْعَجَبُ نُفُوسَ رِجالِ الْحَاشِيَةِ، وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى الْحَاكِمِ. أَمَّا الْعُرَفَاءُ فَقَدْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، يَتَحاوَرُونَ فِيما سَمِعُوا بَعْدَ قَلِيلٍ اسْتَأْذَنَ كَبِيرُ الْعُرَفَاءِ الْحَاكِمَ فِي أَنْ يُفْضِيَ بِرَأْيِهِ. لَمَّا أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ فِي أَنْ يَتَكَلَّمَ شَرَعَ يَقُولُ بِلَهْجَةِ الْوَاثِقِ: «أُصارِحُكَ بِمَا أَراهُ أَيُّهَا الْحَاكِمُ الرَّشِيدُ ذُو الرَّأْيِ السَّدِيدِ : حُلْمُكَ الْعَجِيبُ لَيْسَ خَيالًا فِي خَيالٍ، وَلا وَهُمًا عَلَى أَيَّةِ حالِ الْحُلْمُ ذُو رُمُوزٍ لامعَةٍ، تُشِيرُ إِلَى حَقَائِقَ – لا محالة - واقِعَةٍ.» سَكَتَ كَبِيرُ الْعُرَفَاءِ لَحْظَةً قَصِيرَةً ، واسْتَأْنَفَ يَقُولُ لِلْحَاكِمِ : هَلْ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَجْهَرَ بِتَفْسِيرِ رُؤْيَاكَ الَّتِي رَأَيْتَ فِي مَنامِكَ؟ فَقالَ الْحَاكِمُ مُبْتَسِمًا: «وَهَلِ اجْتَمَعْنَا الْآنَ إِلَّا لِهَذَا الْغَرَضِ؟ نُرِيدُ لِذلِكَ الْحُلْمِ حَقَّ التَّأْوِيلِ إِنِ اسْتَطَعْنَا إِلَيْهِ السَّبِيلَ. قَالَ كَبِيرُ الْعُرَفَاءِ: «السَّنَوَاتُ السَّبْعُ الْقَادِمَةُ سَنَوَاتٌ نَاعِمَةٌ. سَنَوَاتٌ كُلُّها خَيْرَاتٌ فِيها تَعْمُرُ الْحُقُولُ بِقَمْحٍ ذِي بَرَكَاتٍ. السَّنَوَاتُ السَّبْعُ الَّتِي سَوْفَ تَجِيءُ بَعْدَها هِي سَنَواتٌ شِدَادٌ. لَنْ يُبْقِيَ الْجَرَادُ خِلالَهَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا فِي حُقُولِكُمْ مِنَ الزَّادِ. أَعِدُّوا لِلْأَمْرِ عُدَّتَهُ ، قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ مَا لَا تَحْمَدُونَ عَاقِبَتَهُ.»

(٤) مَخْزَنُ الْقَمْحِ

انْتَهَى كَبِيرُ الْعُرَفَاءِ مِنْ تَأْوِيلِهِ، فَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ : «هَلْ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ رَأْيِّ آخَرُ فِي الرُّؤْيا الَّتِي قَصَصْتُها ؟ هَلْ هُناكَ تَأْوِيلٌ، غَيْرُ التَّأْوِيلِ الَّذِي جَهَرَ بِهِ كَبِيرُ الْعُرَفَاءِ؟» عَبَرَ جُلَسَاءُ الْحَاكِمِ عَنْ طُمَأْنِينَتِهِمْ بِما سَمِعُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ. قالَ الْحَاكِمُ: «الْآنَ عَلِمْنَا : ماذا نَتَوَقَّعُ أَنْ يَحْدُثَ فِي أَرْضِنا؟! يَجِبُّ عَلَيْنا أَنْ نَعْرِفَ : ماذا نَفْعَلُ لِكَيْ نُؤَمِّنَ مُسْتَقْبَلَنا؟ لَكُمْ أَنْ تُشِيرُوا عَلَيَّ بِمَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ رَأَيْكُمْ إِنْقاذًا لِبَلَدِنا. لا يَنْبَغِي أَنْ نَقِفَ مَكْتُوفِي الْأَيْدِي إزاء ذلِكَ، فَتَسُوءَ حالنا.» أَقْبَلَ جُلَسَاءُ الْحَاكِمِ عَلَى كَبِيرِ الْعُرَفَاءِ يَتَشَاوَرُونَ مَعَهُ فِي الْأَمْرِ. قَرَّ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ بِبِناءِ مَخْزَنٍ كَبِيرٍ عَلَى الْفَوْرِ فِي هَذَا الْمَخْزَنِ يُدَّخَرُ كُلَّ عامٍ نِصْفُ مَا تُنْبِتُ الْحُقُولُ. يَسْتَمِرُّ ذلِكَ خِلالَ السَّنَواتِ السَّبْعِ الَّتِي هِيَ سَنَوَاتُ الرَّخاءِ. هذا الْمُدَّخَرُ يَبْقَى زادًا يَتَقَوَّتُ بِهِ الشَّعْبُ، خِلالَ الْأَعْوامِ الشِّدادِ. لَمْ يَلْبَثِ الْحَاكِمُ أَنْ أَقَرَّ رَأْيَهُمُ السَّدِيدَ، وَتَدْبِيرَهُمُ الْحَمِيدَ سُرْعانَ ما أَمَرَ بِإِحْضَارِ الْمَهَرَةِ مِنَ الْبَنَّائِينَ لِلشُّرُوعِ فِي التَّنْفِيذِ رَغِبَ إِلَيْهِمْ أَلَّا يَتَوانَوْا فِي بِناءِ الْمَخْزَنِ، فِي أَقْرَبِ وَقْتِ.

(٥) بَعْدَ سَنَواتِ الرَّخاءِ

تَحَقَّقَ الشَّطْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْحُلْمِ الَّذِي رَآهُ الْحَاكِمُ فِي مَنامِهِ. حَرَصَ عَلَى إِنْفَاذِ الْمَشُورَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ عَلَيْها رَأَي مُسْتَشَارِيهِ. مَرَّتْ سَبْعُ سَنَواتٍ ، عَامِرَةٌ بِالْخَيْرَاتِ، كُلُّهَا خِصْبٌ وَرَخاء. أَخْرَجَتِ الْحُقُولُ نَباتَها مِنَ الْقَمْحِ كُلَّ عامٍ ، في وَفْرَةٍ وَسَخاء. أَمَّا أَهْلُ الْبَلَدِ فَكَانُوا حِرَامًا عَلَى الْإِنْعَانِ لِلتَّدْبِيرِ الْمَرْغُوبِ. أَنْفَذُوا تَعْلِيمَاتِ الْحَاكِمِ لِمُواجَهَةِ مَا يَجِيءُ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ الْمَرْهُوبُ اقْتَصَدُوا - خِلالَ السَّنَواتِ السَّبْعِ - فِيمَا يَتَناوَلُونَ مِنَ الْحُبُوبِ. لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا إِلَّا نِصْفَ الْحَاصِلاتِ الَّتِي كَانَتْ تَجُودُ بِها الْحُقُولُ. أَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَيُرْسَلُ خِلالَ الْأَعْوامِ إِلَى الْمَخْزَنِ الْكَبِيرِ. بَقِيَ هذا الْمَخْزُونُ مِنَ الْقَمْحِ وَدِيعَةً مَحْفُوظَةً، لا تُمَسُّ بَعْدَ ذلِكَ تَوالَتْ أَعْوامُ سَبْعَةٌ أُخْرَى هِيَ الْأَعْوامُ الصَّعابُ فِي أَثْناءِ هَذِهِ الْأَعْوامِ تَحَقَّقَ الشَّطْرُ الْآخَرُ مِنَ الْحُلْمِ الْغَرِيبِ. أَقْبَلَتْ أَسْرابُ الْجَرادِ، أَفْوَاجًا أَفواجًا، تُهَاجِمُ سَنابِلَ الْقَمْحِ لَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا أَنْبَتَتْهُ الْحُقُولُ، إِلَّا أَتَتْ عَلَيْهِ. نَفِدَ كُلُّ الْحَصَادِ دُونَ أَنْ تُحِسَّ الشِّبَعَ أَسْرابُ الْجَرَادِ. بَقِيَتْ أَفْواجُهُ، مَعَ ذلِكَ ، تَبْحَثُ هُنا وَهُنَالِكَ، عَنِ الْقَمْحِ.

(٦) الْجَرَادَةُ الذَّكِيَّةُ

كانَ بَيْنَ أَسْرابِ الْجَرَادِ الَّتِي لَمْ تَشْبَعْ جَرادَةٌ ذَكِيَّةٌ. جَعَلَتْ تَتَنَقَّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، دُونَ كَلالٍ وَلا تَوانِ. كَانَ كُلُّ هَمَّها ، في سَعْيِها ، أَن تُلاحِظَ آثارَ سَنابِلِ الْقَمْحِ كَانَتْ تَبْحَثُ في مُخْتَلِفِ الطُّرُقاتِ، لِكَيْ تَهْتَدِيَ إِلَى مَا تُرِيدُ. طالَ بَحْتُها وَتَطَلُّعُها، دُونَ أَنْ تَيْأَسَ أَوْ يَفْتُرَ لَها عَزْمٌ. آخِرَ الْأَمْرِ عَثَرَتِ الْجَرادَةُ عَلَى بَقايا سَنابِلَ فِي الطَّرِيقِ. كَانَتْ بَيْنَ الْبَقايا الْمُتَناثِرَةِ مِنَ السَّنَّابِلِ مَسافاتٌ غَيْرُ قِصارٍ. هَدَتْها الْبَقايا ، بَعْدَ طُولِ مَسِيرٍ، إِلَى مَبْنَى عالٍ كَبِيرٍ . لَمَحَتْ عَلَى جِدارِهِ بَعْضَ بَقايا السَّنابِلِ ، فَشَغَلَها التَّفْكِيرُ. قَوِيَ ظَنُّهَا أَنَّ هذا الْمَبْنَى الضَّخْمَ الْكَبِيرَ فِيهِ سِرٌّ خَطِير . أَوْجَبَتْ عَلَى نَفْسِها كَشْفَ هذا السِّرِّ، مَهْمَا يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ. لَبِثَتِ الْجَرادَةُ الذَّكِيَّةُ تَتَلَمَّسُ فِي الْمَبْنَى مَكَانًا تَنْفُذُ مِنْهُ. عَثَرَتْ – آخِرَ الْأَمْرِ – عَلَى ثَقْبِ صَغِيرٍ فِي جِدارِ الْمَبْنَى رَاحَتْ تَنْقُبُهُ حَتَّى نَفَذَتْ مِنْهُ، فَإِذَا هِيَ تَرَى الْقَمْحَ الْتَقَطَتْ سُنْبُلَةً مِنْ تِلالِ السَّنابِلِ الْمُكَدَّسَةِ، وَخَرَجَتْ بِها . عَلِمَ الْجَرادُ، فَأَخَذَ يَصْنَعُ كَمَا صَنَعَتِ الْجَرادَةُ الذَّكِيَّةُ.

الفصل الرابعنجاحُ الحِيلَةِ

(۱) عِبَارَةٌ مُكَرَّرَةٌ

تَعاقَبَتْ لَيالٍ بَعْدَ لَيالٍ، وَالْمَلِكُ يَجْلِسُ إِلَى الْقاصُ الْبَارِعِ كَانَ «جُحا» – فِي كُلِّ أُمْسِيَّةٍ – يُكَرِّرُ عِبارَةً واحِدَةً. حِينَمَا جَلَسَ فِي حَضْرَةِ الْمَلِكِ، أَوَّلَ لَيْلَةٍ، قَالَ لَهُ: «أُخْبِرُكَ بِما حَدَثَ: جَاءَتْ جَرادَةٌ ، ونَفَذَتْ مِنْ ثَقْبِ الْمَبْنَى تَناوَلَتْ سُنْبُلَةً، وَخَرَجَتْ بِهَا، تَطْعَمُ مَا فِيهَا مِنَ الْقَمْحِ.» سَمِعَ الْمَلِكُ ذلِكَ - طُولَ اللَّيْلِ - حَتَّى داعَبَ النَّوْمُ عَيْنَيْهِ. هُنا طَلَبَ الاكْتِفَاءَ بِما سَمِعَ، وَأَذِنَ لِجَلِيسِهِ فِي الانْصِرافِ فِي الْأَيَّامِ التَّوالِي حِينَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ يَقْصِدُ «جُحا» قَصْرَ الْمَلِكِ. ما يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ فِي مُواصَلَةِ الْقَصِّ عَلَيْهِ مَا إِنْ يَأْذَنُ لَهُ فِي الْحَدِيثِ، حَتَّى يُسْمِعَهُ عِبارَتَهُ الْمُتَكَرِّرَةَ. «ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذلِكَ جَرَادَةٌ، وَنَفَذَتْ مِنْ ثَقْبِ الْمَبْنَى تَناوَلَتْ سُنْبُلَةً، وَخَرَجَتْ بِها تَطْعَمُ مَا فِيهَا مِنَ الْقَمْحِ.» أَخِيرًا قَالَ الْمَلِكُ: «وَماذا حَدَثَ بَعْدَ ذلِكَ أَيَّتُهَا الْبَبَّغاءُ؟» أَجَابَهُ «جُحا»: «لَمْ تَنْتَهِ مِنَ الْمَخْزَنِ سَنابِلُ الْقَمْحِ الْمُدَّخَرَةُ .» صَبَرَ الْمَلِكُ عَلَى الاسْتِماعِ إِلَى «جُحا» ، وَهُوَ يُرَدِّدُ عِبَارَتَهُ. خَشِيَ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الاعترافِ لَهُ بِنَجَاحِهِ، وَبِاسْتِحْقَاقِهِ الْجَائِزَةَ.

(۲) ضَجَرُ الْمَلِكِ

سَلَّمَ الْمَلِكُ الاسْتِمَاعَ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى الْقِصَّةِ الْمُمِلَّةِ الْمُضْجِرَةِ. لَمْ يُطِقْ مُواصَلَةَ الْإِصْغَاءِ إِلَى هذا التَّكرارِ الْمُتَعَمَّدِ الْمَمْلُولِ. أَدْرَكَ أَن عَدَدَ الْجَرادِ لَنْ يَنْتَهِيَ، وَأَنَّ حَبَّاتِ الْقَمْحِ لَنْ تَنْفَدَ. فِي إِحْدَى اللَّيَالِي اسْتَوْلَى النِّيقُ وَالضَّجَرُ عَلَى نَفْسِ الْمَلِكِ. دارَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَلِيسِهِ «جُحا»، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي : قالَ الْمَلِكُ : «أَلَسْتَ تَرَى، أَيُّهَا الْقاصُّ، أَنَّكَ تُرَدِّدُ ما تَقُولُ؟! أَلَيْسَ فِي ذلِكَ التَّكْرَارِ التَّافِهِ مَضْيَعَةٌ ، في غَيْرِ طائِلٍ ؟!» أَجابَ «جُحا»: «لا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَتَعَجَّلَ أَحْدَاثَ الْقِصَّةِ. لا بُدَّ أَنْ أُتابع ما فيها حَلْقَةً حَلْقَةً ، لا أَنْقُصُ وَلَا أَزِيدُ.» قَالَ الْمَلِكُ: «أَخْشَى أَنْ تَكُونَ لَكَ وَراءَ هذا حِيلَةٌ مُدَبَّرَةٌ أَتُرِيدُ أَنْ تَنالَ – بِغَيْرِ حَقٌّ – تِلْكَ الْجَائِزَةَ الَّتِي وَعَدْتُ بِها ؟» َقالَ «جُحا»: «مَهابَتُكَ تَمْنَعُنِي أَنْ أُصارِحَكَ بِمَا فِي نَفْسِي أَظُنُّ أَنَّكَ، لِهَدَفٍ بَعِيدٍ، ابْتَكَرْتَ فِكْرَةَ الْقِصَّةِ الَّتِي لا تَنْتَهِي. مُرادُكَ الاسْتِمْتَاعُ بِالْقِصَصِ دُونَ أَنْ يَنالَ الْجَائِزَةَ أَحَدٌ. لَمْ يَنْتَهِ الْحِوارُ بَيْنَ الْمَلِكِ وَبَيْنَ «جُحا » إِلَى نَتِيجَةٍ حَاسِمَةٍ. لَمْ يَجِدِ الْمَلِكُ بُدًّا مِنْ مُواصَلَةِ الاسْتِماعِ إِلَى الْعِبَارَةِ الْمُعَادَةِ.

(۳) تَقْدِيرٌ رَفِيعٌ

في اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ جَلَسَ «جُحا » إِلَى الْمَلِكِ كَاللَّيالي السَّابِقَةِ. هَمَّ بِأَنْ يَبْدَأُ الْقِصَّةَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ. قاطَعَهُ الْمَلِكُ ، مُحَاكِيًا الْجُمْلَةَ الْمَعْرُوفَةَ، فِي لَهْجَةٍ سَاخِرَةِ. قَالَ «جُحا»: «أَيُرِيدُ الْمَلِكُ أَنْ يَمْنَعَنِي مِنْ مُواصَلَةِ الْقِصَّةِ؟ قالَ الْمَلِكُ: «أَدْرَكْتُ أَنْ الْجَرَادَ الْمُتَرَدِّدَ عَلَى التَّقْبِ لَنْ يَنْتَهِيَ. أَدْرَكْتُ كَذلِكَ أَنَّ سَنابِلَ قَمْحِ الْمَخْزَنِ لَنْ تَنْفَدَ حَبَّاتُها.» قال «جُحا»: «لا أَكْذِبُ الْقِصَّةَ، هَلْ أَحْرِمُها حَظَّهَا مِنَ التمامِ؟» ضَاقَ صَدْرُ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَجِدْ وَسِيلَةً تَغْلِبُ حِيلة «جُحا » . أَشارَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُفَّ عَن الاسْتِرْسال في هذا الْحَدِيثِ الْمُعادِ . قالَ وَهُوَ يُلَوِّحُ بِيَدِهِ : خَيْرٌ لَنا أَلَّا تَخْدَعَنِي، وَأَلَّا أَخْدَعَكَ. قِصَّتُكَ انْتَهَتْ، وَلَكِنَّكَ بِحِيلَتِكَ جَعَلْتَها، في الظَّاهِرِ ، لا تَنْتَهِي.» قَالَ «جُحا»: «وَضَحَ جَلِيًّا أَنِّي حَقِيقٌ بِجَائِزَتِكَ الَّتِي وَعَدْتَ.» قالَ الْمَلِكُ: «لَيْسَتْ جَائِزَتِي لَكَ لِمُجَرَّدِ نَجَاحِكَ فِيمَا قَصَصْتَ. اسْتَحْقَقْتَ تَقْدِيرِي بِما اتَّصَفْتَ بِهِ مِنْ فِطْنَةٍ وَبَراعَةٍ وَسَعَةِ حِيلَةٍ. جَائِزَتُكَ: صُرَّةُ جَواهِرَ نَفِيسَةٍ، واتِّخَاذُكَ مُسْتَشارًا لِي فِي الْحُكْمِ. هذا إِلَى جَانِبِ أَنَّكَ سَتَكُونُ لِي السَّمِيرَ الْمُخْلِصَ، وَالْجَلِيسَ الْأَنِيسَ.»

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH