معلم النباح


Ochishجدول المحتويات
الفصل الأولهَارِبٌ مِنَ الْمُطَارَدَةِ
(۱) زَائِرُ اللَّيْلِ
كَانَ مِنْ بَيْنِ جِيرَانِنَا الْمُتَّصِلِينَ بِنا، جارٌ اسْمُهُ: «أَبُو عَامِرٍ». اِشْتَهَرَ بِالنَّشَاطِ بَيْنَ النُّجَّارِ، وَكَثُرَتْ مِنْهُ فِي الْبِلادِ الْأَسْفَارُ . أَصْبَحَ الْيَوْمَ بِفَضْلِ ما تَوافَرَ لَهُ مِنَ الْأَمْوالِ، مَيْسُورَ الْحَالِ. اكْتَسَب مِن أتِّجَارِهِ، فِي أَسْفَارِهِ، دِرايَةً واسِعَةً، وَخِبْرَةً جامِعَةً. ظَلَّ وَقْتًا طَوِيلًا، وَهُوَ يَنْأَى بِنَفْسِهِ عَمَّا يَشِينُ التَّاجِرَ الْأَمِينَ. لَكِنَّهُ تَأَثَّرَ - أَخِيرًا – بِمَا لِبَعْضِ التَّجَّارِ مِنْ حِيَلٍ وَأَسالِيبَ.
فُوجِئْتُ بِهِ، ذاتَ لَيْلَةٍ ، يَطْرُقُ بابِى عَلَى غَيْرِ عادَتِهِ. قَالَ لِي: «مَعْذِرَةً إِلَيْكَ، إِذْ طَرَقْتُ بابَكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اللَّيْلُ. ضاقَ صَدْرِى بِما أَنا فِيهِ، فَجِئْتُ أُفْضِي إِلَيْكَ بِمَا أُعَانِيهِ.» دَهِشْتُ حِينَ تَبَيَّنْتُ حال جاری، عَلَى خِلافِ عَهْدِي بِهِ.
حاوَلْتُ أَنْ أُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِهِ، وَأَنْ أُسَرِّىَ الْهَمَّ عَنْهُ. قُلْتُ لَهُ: «طِبْ نَفْسًا، وَلَا تَسْتَسْلِمْ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ. ما مِنْ مُشْكِلَةٍ إِلَّا وَلا بُدَّ لَها مِنْ حَلٌّ ، أَوْ مِنْ حُلُولٍ اِحْكِ لِي كُلَّ ما سَبَّبَ لَكَ الْقَلَقَ. لا تَكْتُمْ عَنِّى شَيْئًا.»
(۲) حِيلَةُ رأْسِ الْوَزَّةِ»
قالَ أَبُو عَامِرٍ»: «أَتَذْكُرُ یا «جُحا»، مَنِ اسْمُهُ: «أَبُو إِسْحَقَ»؟»
قُلْتُ: «أَتَعْنِي صَاحِبَنَا الَّذِي كَانَ لَقَبُهُ: «رَأْسَ الْوَزَّةِ»؟»
قال: «ما أَذْكَاكَ! أَنا ما عَنَيْتُ – يا «جُحا» – سواه.»
قُلْتُ: «لَيْسَ فِي بَلَدِنَا مَنْ عَرَفَ «رَأْسَ الْوَزَّةِ»، ثُمَّ يَنْساهُ. لَقَدْ أَسِفْنا لَهُ أَشَدَّ الْأَسَفِ، وَسَأَلْنَا اللَّهَ أَنْ يَلْطُفَ بِحالِهِ.»
قالَ أَبُو عَامِرٍ»: «لَعَلَّكَ تَقْصِدُ ما ذاعَ مِنْ أَنَّهُ أُصِيبَ بِجُنُونٍ. هُذِهِ – فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ شَائِعَةٌ، مَلَاتِ الْأَسْمَاعَ، وَعَمَّتِ الْبِقاعَ مِثْلُكَ لا يُصَدِّقُ فِي شَأْنِ «رَأْسِ الْوَزَّةِ»، أَنْ يَخْتَلِطَ عَقْلُهُ. أَمَّا أَنَّهُ تَظاهَرَ ِبالْجُنُونِ ، أَمامَ النَّاسِ، فَهذا ما حَدَثَ مِنْهُ إِنَّهُ لَجَأَ إِلَى أَدِّعَاءِ الْجُنُونِ، لِكَيْ يَقْضِيَ فِي نَفْسِهِ حاجَةً سِرُّ ذَلِكَ أَنَّ ظُرُوفًا دَعَتْهُ إِلَى اقْتِرَاضِ الْأَمْوالِ مِنْ عَارِفِيهِ. أَصابَتْهُ أَحْداثُ لَمْ يَسْتَطِعْ مَعَها أَنْ يَرُدَّ مِنَ الدُيُونِ ما عَلَيْهِ . لَم يَرَ بُدًّا لِلْهَرَبِ مِنْ مُلاحَقَةِ الدَّائِنِينَ، مِنِ ادّعاءِ الْجُنُونِ. كانَ بارِعًا ، كُلَّ الْبَراعَةِ، فِي الْتِزامِ التَّصَرُّفِ الدَّالِّ عَلَى خَبَالِهِ. لَمْ يَكُنْ هُذَا بِمُسْتَكْثَرٍ عَلَى «رَأْسِ الْوَزَّةِ» فِي ذَكائِهِ. لَمْ تَلْبَثْ حِيلَتُهُ أَنْ جَازَتْ عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّصَلَ بِهِ.»
(۳) مُحاصَرَةُ الدَّائِنِينَ
سَأَلْتُ أَبا عامِرٍ» صاحِبِي، وَقَدْ بَدا تَطَلُّعِى لِما سَيَحْكِيهِ: «أُصْارِحُكَ – يا «أَبا عَامِرٍ» – بِمَا يَدُورُ فِي نَفْسِيَ الْآنَ إِنَّ مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ فِي شَأْنِ رَأْسِ الْوَزَّةِ»: حَدِيثٌ مُجْمَلٌ. لَاشَكٍّ أَنَّ وَراءَكَ - مِنْ خَبَرِ هذا الرَّجُلِ - ما وَراءَكَ إِذا لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ مَانِعٌ، فَلَا تُخْفِ عَنِّي أَيَّ شَيْءٍ.»
قال أَبو عامِرٍ»: «أَنْتَ بِخِبْرَتِكَ وَفِطْنَتِكَ تَسْتَشِفُ مَا يَخْفَى. سَأُفَصِّلُ لَكَ – الآن – ما سَبَقَ أَنْ أَجْمَلْتُهُ مِنْ حَدِيثٍ لَمَّا أَثْقَلَتِ الدُّيُونُ «رَأْسَ الْوَزَّةِ»، عَزَّتْ عَلَيْهِ مُواجَهَةٌ دائنيه. كانَ يَشْعُرُ بِأَشَدِّ الْخَجَلِ والْحَياءِ ، كُلَّما لَقِيَ أَحَدَ مُطالِبِيهِ. اِتَّخَذَ وَسَائِلَ مُخْتَلِفَةً، لِكَيْ يَتَجَنَّبَ رُؤْيَتَهُ لَهُمْ، وَتَعَقَّبَهُمْ لَهُ مِمَّا حَرَصَ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَا يُغَادِرُ بَيْتَهُ إِلَّا فِي جُنْحِ اللَّيْلِ. اكْتَشَفَ الدَّائِنُونَ حِيلَتَهُ، فَكَانُوا يَسْهَرُونَ لِمُلاقاتِهِ، وَيَتَرَصَّدُونَ لَهُ. أَتَعْرِفُ - يا «جُحا» - ماذا اتَّخَذَ أَخِيرًا، إِزاءَ ذَلِكَ، مِنْ وَسِيلَةٍ؟ آثَرَ أَنْ يَخْتَبِى عَنِ الْعُيُونِ فِي دَارِهِ، وَيُغْلِقَ بِابَهُ عَلَيْهِ.»
(٤) عَهْدٌ وَاتَّفَاقُ
قُلْتُ لَهُ: «فِيمَ أَهْتِمامُكَ بـ«رَأْسِ الْوَزَّةِ» عَلَى هُذا الْوَجْهِ ؟ لا رَيْبَ فِي أَنَّ لَكَ صِلَةً شَخْصِيَّةً بِهُذَا الَّذِي تَحْكِيهِ!»
قالَ أَبُو عَامِرٍ»: «لَمْ يَنْتَهِ حَدِيثِى مَعَكَ. سَأُواصِلُ الْقِصَّةَ. كُنْتُ بَيْنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَصَدَهُمْ «رَأْسُ الْوَزَّةِ»، لِيُقْرِضُوهُ. أَرَدْتُ تَفْرِيجَ كُرْبَتِهِ، فَلَمْ أَتَرَدَّدْ فِي تَسْلِيفِهِ مِائَةَ دِينَارٍ. لَمَّا رَأَيْتُ إِمْعَانَهُ فِي احْتِجَابِهِ ، شَكَكْتُ فِي حَقِيقَةِ غِيابِهِ. دَعانِي هُذَا الشَّرُّ إِلَى أَنْ أُتَابِعَ أَمْرَهُ، حَتَّى كَشَفْتُ سِرَّهُ. لَمَّا رَآنِي، عَبَسَ فِي وَجْهِي، وَظَهَرَتِ الْحَيْرَةُ عَلَى وَجْهِهِ. مَا زِلْتُ أُونِسُهُ بِالْكَلامِ، حَتَّى زالَتْ وَحْشَتُهُ واطْمَأَنَّ قَلْبُهُ. تَحَدَّثْتُ مَعَهُ فِي شَأْنِ دَائِنِيهِ، وَمَاذَا هُوَ صَانِعُ الْآنَ فِيهِ؟ عَرَضْتُ عَلَيْهِ فِكْرَةً، تُتِيحُ لَهُ الْفَكاكَ مِنْ كُلِّ مُضَابِقِيهِ. اِشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ لِي دَيْنِي، إِذا نَجَحَتْ مَعَهُ فِكْرَتِي. تَهَلَّلَ وَجْهُهُ، وَراجَعَهُ أُنْسُهُ، وَقَالَ، وَهُوَ يَهُزُّ كَتِفِي بِيَدَيْهِ: قَسَمًا، لَوْ نَجَحَتْ فِكْرَتُكَ ، لَرَدَدْتُ عَلَيْكَ ضِعْفَ دَيْنِكَ عَلَى!»
(٥) اِقْتِراحٌ خَبِيتٌ
قُلْتُ: «ما فِكْرَتُكَ الَّتِي أَرَدَتْ بِهَا أَكْلَ الْأَمْوالِ بِالْبَاطِلِ؟»
تَجَهَّمَ وَجْهُ «أَبِي عَامِرٍ»، وَقالَ: «أَنَا أَقُصُّ عَلَيْكَ، والرَّأْبُ لَكَ. جَعَلْتُ أَشْرَحُ لِرَأْسِ الْوَزَّةِ بِالتَّفْصِيلِ : ما هُوَ صانِعٌ ؟ قُلْتُ لَهُ: «ما يُصْبِحُ الصَّباحُ، حَتَّى تَرْتَدِيَ أَثْمَنَ ثِيابِكَ. عَلَيْكَ أَنْ تَفْتَحَ بابَ دارِكَ، وَتُهَيِّئَ الْمَجْلِسَ لِاِسْتِقْبَالِ زُوَّارِكَ . خُذْ مَكَانَكَ فِي صَدْرِ مَجْلِسِكَ، مُتَّكِنَّا عَلَى أَرِيكَةٍ خاصَّةٍ بِكَ. تَكَلَّفِ الْوَقارَ فِيمَا يَبْدُو عَلَيْكَ، وَالْجِدَّ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْكَ إِذا قَدِمَ أَحَدُ النَّاسِ، فَلا تَعْبَأَ بِهِ، وَلا تُلْقِ بالا إِلَيْهِ. إِذا حَيَّاكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ بِتَحِيَّةٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُجِيبَ بِغَيْرِ النُّبَاحِ إِذا أَظْهَرَ لَكَ الْقَادِمُ دَهْشَتَهُ، فَكَرِّرْ نُبَاحَكَ ثَانِيَةً وثَالِثَةَ. إِذا تَمَادَى لَكَ فِي الْإِلْحَاحِ، تَمَادَيْتَ لَهُ فِي الصِّياحِ اتَّخِذْ هذا النُّبَاحَ - مُنْذُ الْغَدِ - شِعارًا لَكَ، وَعَلَامَةً عَلَيْكَ. لِيَكُنْ عَمَلُكَ - مُنْذُ الْآنَ إِلَى الْغَدِ - التَّفَرُّغَ لِتَدْرِيبِ صَوْتِكَ. حاول، ما اسْتَطَعْتَ سَبِيلًا، أَنْ تُقَلَّدَ نَبَراتِ مَنْ يَنْبَحُ . قُلْ: «هَوْ هَوْ» - يا «أَبا إِسْحَقَ - وَلا تَتْرُكِ الْعُواءَ. أَجِبْ بِهَذَا النُّبَاحِ كُلَّ قَادِمٍ عَلَيْكَ، دَائِنٍ أَوْ غَيْرِ دَائِنِ».»
(٦) التَّمَادِي فِي النُّبَاحِ
قُلْتُ لَهُ: «أَيَظَلُّ رَأْسُ الْوَزَّةِ» نَابِحًا مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟!»
قالَ أَبُو عَامِرٍ»: «شَرَطْتُ عَلَيْهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ بِغَيْرِ النُّبَاحِ صَوْتُهُ: يَنْبَحُ مَنْ يُلاقِيهِ، مِنْ أَخْلَصِ عارِفِيهِ، وَأَصْدَقِ مُحِبِّيهِ، وَكُلِّ دائِنِيهِ. قُلْتُ لَهُ: «لَنْ يَلْبَثَ الدَّائِنُونَ أَنْ يَضْجَرُوا بِكَ، وَيَيْأَسُوا مِنْكِ. سَيَرْفَعُونَ شَكْواهُمْ - فِي آخِرِ الْأَمْرِ – إِلَى وَالِي الْمَدِينَةِ. لَا تَتَخَلَّ بِحَالٍ – عَمَّا رَسَمْتُهُ لَكَ، وَشَرَطْتُهُ عَلَيْكَ إِذا مَثَلْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَلَيْكَ الاعْتِصامُ بِالصَّمْتِ، بادِئَ بَدْءٍ. حَذارِ – يَا رَأْسَ الْوَزَّةِ» - أَنْ يَلْفِظَ لِسانُكَ أَمامَهُ مِنْ قَوْلٍ إِذا أَنْتَ بَدَأَكَ الْوَالِي بِسُؤَالِكَ، فَلَا تَرُدَّ عَلَيْهِ بِجَوابِكَ. سَيَرْتَابُ فِكْرُهُ فِي حَقِيقَةِ شَأْنِكَ : أَمُعانِدٌ أَنْتَ، أَمْ أَخْرَسُ؟ إِذا اسْتَمَرَّ فِي سُؤالِكَ، أَطْلَقْتَ لَهُ نُبَاحَكَ، وَتَمَادَيْتَ فِيهِ. إِصْرارُكَ عَلَى النُّبَاحِ سَيَدُلُّ الْوَالِيَ عَلَى أَنَّكَ فِيهِ غَيْرُ مُتَصَنِّعٍ. سَيَكُفُّ عَنْ حِوارِكَ، وَسَيَقْتَنِعُ بِأَنَّكَ قَدْ أَصابَكَ الْجُنونُ. سَيَضْطَرُّهُ ذُلِكَ إِلَى إِعْفَائِكَ مِنْ دَيْنِكَ، وَإِطْلَاقِ سَرَاحِكَ.»
الفصل الثانيالْخُطَّةُ وَالْجَزاءُ
(۱) تَأْكِيدُ الْوَعْدِ
عِنْدَ هُذَا الْحَدِّ، أَمْسَكَ أَبُو عَامِرٍ» عَنْ مُواصَلَةِ الْحَدِيثِ.
قُلْتُ لَهُ: «ماذا بَعْدَ ذَلِكَ، مِنْ أَمْرِ «أَبِي أَسْحَقَ»؟»
قالَ أَبُو عَامِرٍ»: «لَقَدْ وَعَى النَّصِيحَةَ، وَأَحْسَنَ فَهُمَ الِاقْتِرَاحِ. لَمَّا فَرَغْتُ مِنْ عَرْضِ ما اقْتَرَحْتُهُ عَلَيْهِ، أَجْزَلَ شُكْرَهُ لِى فَعَلَ ذَلِكَ، جَزاءَ إِنْجَائِهِ مِنْ وَرْطَتِهِ، وَخَلاصِهِ مِنْ كُرْبَتِهِ. كَرَّرَ تَأْكِيدَهُ أَنَّهُ سَيُنْجِزُ وَعْدَهُ بِأَداءِ ما تَوافَقْنا عَلَيْهِ. مَا جَاءَ الْغَدُ، حَتَّى أَنْفَذَ أَبُو إِسْحَقَ الْخُطَّةَ كَامِلَةً بِحِذْقٍ. هَيَّأَ الدَّارَ أَجْمَلَ تَهْيِئَةِ، لِاِسْتِقْبَالِ مَنْ يَقْدَمُونَ لِلزِّيَارَةِ. تَجَلَّى «رَأْسُ الْوَزَّةِ» وَهُوَ فِي أَبْهَى حُلَّةٍ، وَأَرْوَعِ زِينَةٍ. أَعَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ، قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ لِلْوافِدِينَ عَلَيْهِ دارَهُ. أَطْلَقَ مِنْ حَلْقِهِ نَبْحَةً بَعْدَ نَبْحَهِ، تَرَدَّدَ صَداها حَوْلَهُ. عَجِبَ الْجِيرَانُ لِسَمَاعِهِمْ نُبَاحَ كَلْبِ مِنْ دَارِ «أَبِي إِسْحَقَ». لَمَّا فُتِحَ بابُ الدَّارِ ، تَوافَدَ لِلدُّخُولِ فِيهِ مُخْتَلِفُ الزُّوَّارِ. كَانَ رَدُّ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» عَلَى تَحِيَّاتِهِمْ، نُبَاحًا بَعْدَ نُبَاحٍ.»
(۲) مُحاوَلاتُ الدَّائِنِينَ
سَمِعَ الدَّائِنُونَ بِأَنَّ «رَأْسَ الْوَزَّةِ» قَدْ ظَهَرَ بَعْدَ الاِخْتِفاءِ اسْتَبْشَرُوا بِظُهُورِهِ، وَتَوَقَّعُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَى مُبْتَغَاهُمْ مِنْهُ . فَسَّرُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ دَبَّرَ أَمْرَهُ، وَجَمَعَ مِنَ الْمَالِ مَا عَلَيْهِ.
حَثَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَيْهِ خُطاهُ، عَسَى أَنْ يُحَقِّقَ لَدَيْهِ مُناهُ. لَمْ يَتَيَسَّرْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَظْفَرَ – فِي لِقَائِهِ لَهُ – بِجَدْوَى كَانَ «أَبُو إِسْحَقَ» لا يَسْتَقْبِلُ أَحَدَهُمْ بِغَيْرِ نُبَاحِهِ الْمَوْصُولِ.
اخْتَلَفَ الدَّائِنُونَ – فِيمَا بَيْنَهُمْ - فِي مُواجَهَةِ ذَلِكَ النُّبَاحِ الْعَجِيبِ. بَعْضُهُمْ كَانَ يَضِيقُ بِالْعُواءِ ذَرْعًا، فَيُوسِعُ صاحِبَهُ تَأْنِيبًا وَتَعْنِيفًا مِنْهُمْ مَنْ حَرَصَ عَلَى أَنْ يُلِينَ لَهُ جَانِبَهُ، عَسَى أَنْ يَسْتَمِيلَهُ. تَساوَى عِنْدَهُ مَنْ أَسْرَفَ فِي تَعْنِيفِهِ، وَمَنْ تَلَطَّفَ بِهِ. لَمْ يَرْجِعْ عَنْ مَسْلَكِهِ تَصْدِيقًا لِوَعْدٌ، أَوْ خَوْفًا مِنْ وَعِيدٍ. تَنازَعَ الدَّائِنُونَ فِي شَأْنِ «رَأْسِ الْوَزَّةِ»، وَمَا بَدَا مِنْهُ بَيْنَ الدَّائِنِينَ مَنِ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ مُتَكَلِّفٌ مُتَصَنِّعُ خَدَّاعٌ. قِلَّةٌ مِنْهُمْ تَوَهَّمَتْ أَنَّ الرَّجُلَ أَصابَتْهُ عِلَّةٌ مَسَخَتْ صَوْتَهُ. خُلاصَةُ الْأَمْرِ أَنَّ جَمَاعَةَ الدَّائِنِنَ بِاءُوا بِالْخَيْبَةِ وَالْإِخْفَاقِ. لَمْ تُجْدِ فِي رَبِّ أَمْوَالِهِمْ حِيلَةٌ، وَلَمْ تُفِدْ مِنْهُم وَسِيلَةٌ.
(۳) بَيْنَ يَدَيِ الْوَالِي
قُلْتُ لَهُ: «لا بُدَّ أَنَّ قِصَّةَ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» لَمْ تَنْتَهِ.»
قالَ أَبُو عَامِرٍ»: «كَيْفَ تَنْتَهِي، وَهُناكَ دَائِنُونَ، بِحَقِّهِمْ يُطَالِبُونَ؟ أَنْتَ تُؤْمِنُ بِالْحِكْمَةِ الْقَائِلَةِ: «لا يَضِيعُ حَقٌّ وَراءَهُ مُطالِبٌ». لِيَتَّسِعْ صَدْرُكَ لِما أَنا قَاصُّهُ عَلَيْكَ، اسْتِكْمالًا لِحَدِيثِي مَعَكَ. الدَّائِنُونَ عَجِبُوا مِنْ مَسْخِ صَوْتِ إِنْسَانٍ، لِيَصِيرِ صَوْتَ كَلْبِ.»
تَحَسَّرُوا عَلَى مَا فَقَدُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِنْدَ الرَّجُلِ الْمَمْسُوخِ أَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ - أَخِيرًا – أَنْ يَرْفَعُوا الْأَمْرَ إِلَى والى الْمَدِينَةِ. قَدَّرُوا أَنَّهُ مُسْتَطِيعُ بِمَكانَتِهِ، أَنْ يَصُونَ مَا لَهُمْ مِنْ حُقُوقِ. وَقَفَ وَكِيلُ الدَّائِنِينَ أَمامَ الْوالِي، يَعْرِضُ عَلَيْهِ أَحْداثَ الْقِصَّةِ. اِشْتَدَّ ارْتِيابُهُ فِيما أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ شَأْنِ الْإِنْسَانِ النَّابِحِ.
أَقْسَمَ الْوَكِيلُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَما كانَ لِيَكْذِبَ عَلَى الْوالِى طَلَبَ الْوَالِي مِنْ أَعْوانِهِ، أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ «رَأْسَ الْوَزَّةِ». قَدَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَرَآهُ إِنْسَانًا سَوِيًّا فِي شَكْلِهِ، وَمَلامِحِهِ، وَزِيِّهِ. سَأَلَهُ: «أَخْبِرْنِي ماذا مَنَعَكَ مِنْ أَنْ تَرُدَّ أَمْوالَ الدَّائِنِينَ؟»
صَمَتَ «رَأْسُ الْوَزَّةِ» ، فَزَجَرَهُ الْوالِي ، قَائِلًا: «هَلْ أَصَابَكَ الْخَرَسُ؟»
كانَتْ إِجَابَةُ الرَّجُلِ عَنْ ذَلِكَ، أَنَّهُ أَطْلَقَ مِنْ حَلْقِهِ النُّبَاحَ.
(٤) عاقِبَةُ النُّبَاحِ
ضَجِرَ الْوَالِي، أَشَدَّ الضَّجَرِ، مِنْ تَصَرُّفِ، رَأْسِ الْوَزَّةِ» مَعَهُ. قَالَ لَهُ: «غابَ عَنْكَ أَنَّكَ فِي حَضْرَةِ وَال لَهُ مَهابَتُهُ. كَيْفَ سَوَّلَتْ لَكَ نَفْسُكَ أَنْ تَتَّخِذَ أَمامِي هُذِهِ الْأَلاعِيبَ؟ إِنَّكَ تَخْدَعُ مَنْ أَقْرَضُوكَ أَمْوالَهُمْ، بِاصْطِنَاعِ نُبَاحِكَ الْمُنْكَرِ. كَيْفَ سَاغَ لَكَ فِعْلُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِي، دُونَ حَيَاءٍ؟! أَتَجْهَلُ أَنِّي فِي مُسْتَطَاعِي أَنْ أُعَاقِبَكَ، وَأَنْ أُنَكِّلَ بِكَ؟»
أَصَرَّ «رَأْسُ الْوَزَّةِ» عَلَى أَنْ يَكُونَ جَوابُهُ : النُّباحَ، لا غَيْرُ. أَدْهَشَ الْوَالِيَ أَنَّ ذَلِكَ النُّبَاحَ كَأَنَّهُ صَوْتُ الْكِلابِ الْعاوِياتِ عَبَّرَ الْوالِي عَنْ ثَوْرَتِهِ وَغَضَبِهِ بِمُخْتَلِفِ أَلْوانِ الْوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. أَمْضَى وَقْتًا طَوِيلًا ، يُحاوِلُ أَنْ يَدْفَعَ «رَأْسَ الْوَزَّةِ» إِلَى الْكَلَامِ. اِسْتَعْمَلَ الْحِيَلَ الْمُتَعَدِّدَةَ مَعَهُ، لِيَكْشِفَ ما يَصْطَنِعُهُ مِنَ الْخِداعِ : تارَةً يَقْسُو عَلَيْهِ، وَيُذَكِّرُهُ بِما سَوْفَ يُلْحِقُهُ بِهِ مِنَ الْعَذابِ. حِينَ لا يُجْدِى ذَلِكَ، يَتَّخِذُ أَسْلُوبَ الْمُلايَنَةِ وَالْمُلاطَفَةِ والتَّرْغِيبِ. مِمَّا لَجَأَ إِلَيْهِ: وَعْدُهُ بِأَنْ يَكُونَ عَوْنًا لَهُ عَلَى أَداءِ دُيُونِهِ. لَمَّا أَخْفَقَتْ حِيلَةُ الْوَالِي مَعَ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» أَمَرَ بِحَبْسِهِ. وَكَّلَ بِهِ حارِسًا يَتَقَطَّى خَبَرَهُ، لِيَتَبَيَّنَ أَمْرَهُ، وَيَعْرِفَ سِرَّهُ.
(٥) إِطْلاقُ السَّراحِ
دَخَلَ « رَأْسُ الْوَزَّةِ» السِّجْنَ، وَلَمْ تَبْدُ عَلَيْهِ أَيَّةٌ مُبالاةٍ. ظَهَرَ عَلَيْهِ الْأَرْتِياحُ إِلَى خَلاصِهِ مِنْ أَنْ يُطَارِدَهُ دَائِنُوهُ. لَمْ يُقَصِّرْ حَارِسُهُ فِي التَّضْيِيقِ عَلَيْهِ، وَمُلاحَظَةِ حَرَكَاتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ.
كانَ «رَأْسُ الْوَزَّةِ» أَذْكَى مِنْ أَنْ تَفُوتَهُ تِلْكَ الرَّقابَةُ عَلَيْهِ. تَعَمَّدَ أَنْ يَقْسِمَ وَقْتَهُ بَيْنَ النباح العالي، والْهَرِيرِ الْخافِتِ. كَانَ كَأَنَّما هُوَ فِي نُباحِهِ يَسْتَغِيثُ، وَفِي هَرِيرِهِ يَتَوَجَّعُ. نَقَلَ الْحَارِسُ إِلَى الْوَالِي حَالَ « رَأْسِ الْوَزَّةِ»، كَما عَهِدَها مِنْهُ. شَهِدَ الْحَارِسُ بِأَنَّ الرَّجُلَ الْحَبِيسَ لَا يَنْطَوِي أَمْرُهُ عَلَى خِداعٌ.
قال الوالِى فِي نَفْسِهِ : «حَبْسُ الرَّجُلِ - إِذَنْ – ظُلْمٌ مُبِينٌ.»
اِسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ، وَتَرَفَّقَ بِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ سَيُخْلِى سَبِيلَهُ. لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى إِطْلَاقِ سَراحِهِ، بَلْ أَرْصَدَ الْعُيُونَ لِمُراقَبَتِهِ. كَمَنَ الرُّقَباءُ حَوْلَ دارِهِ، وَتَبِعُوا ظِلَّهُ فِي غَدَواتِهِ وَرَوْحَاتِهِ.
لَمْ يَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَيَّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَصَنِّعٌ كَذُوبٌ . رَثَى الْوَالِي لِحَالِهِ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مَخْبُلٌ، أَصَابَهُ مَسٌ مِنْ جُنُونٍ.
(٦) إِسْقَاطُ الدُّيُونِ
قُلْتُ لِـ «أَبِي عَامِرٍ»: «لا بُدَّ أَنَّ «رَأْسَ الْوَزَّةِ» أَسْتَرَاحَ رَأْسُهُ!»
أَجابَ بِقَوْلِهِ: «كَيْفَ يَسْتَرِيحُ لَهُ رَأْسٌ، والدَّائِنُونَ حَوالَيْهِ؟»
قُلْتُ لَهُ: «وَمَاذَا فِي وُسْعِهِمْ أَنْ يَصْنَعُوهُ، بَعْدَمَا كَانَ؟»
قَالَ لِي: «اِنْطَلَقَ عَدَدٌ مِنْهُمْ إِلَى الْوَالِي، يُعاوِدُ الشَّكْوَى.»
قُلْتُ: «لَسْتُ أَدْرِى، ماذا فِي مَقْدُورِ الْوالِي أَنْ يَفْعَلَ؟»
قالَ: «صَرَّحَ لِلشَّاكِينَ بِأَنَّهُ مُقْتَنِعٌ بِبَراءَةِ رَأْسِ الْوَزَّةِ». قَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ لِلرَّجُلِ يَدٌ فيما نابَهُ، فَبِأَيِّ ذَنْبٍ نُعَاقِبُهُ؟» أَصْدَرَ الْوالِى أَخِيرًا حُكْمَهُ الْقَاطِعَ بِإِسْقَاطِ دُيُونِ «رَأْسِ الْوَزَّةِ». تَسامَعَ الدَّائِنُونَ بِهُذا الحُكْمِ ، فَامْتَلَأَتْ نُفُوسُهُمْ أَسَفًا وَحَسْرَةً. عَلِمَ «رَأْسُ الْوَزَّةِ» بِذلِكَ، وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَى يَأْسِ دائِنِيهِ. أَخَذَ يَغْدُو فِي الطُّرُقِ وَيَرُوحُ، يَأْمَنُ تَعَقُبَهُمْ لَهُ، وَثَوْرَتَهُمْ عَلَيْهِ. بَعْضُ الدَّائِنِينَ لَمْ يَكُفُّوا عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَأَوْهُ، بِارْتِيابِ. هُناكَ دَائِنُونَ صَدَّقُوا أَنَّهُ مُصابٌ بِالْخَبِالِ، وَأَنَّهُ جَدِيرٌ بِالرِّثَاءِ. هُكَذَا انْتَهَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» ودائِنِيهِ، كَمَا شَاءَ!»
(۷) إِنْكَارُ الْجَمِيلِ
قُلْتُ لِـ «أَبِي عَامِرٍ»: «تَمَّتْ قِصَّةُ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» وَدائِنِيهِ، كَمَا رَسَمْتَ. مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدِ ابْتَدَأَتِ الْآنِ الْقِصَّةُ الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. اَلْحَقُّ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ هُما قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، لَهَا طَرَفانِ أثْنَانِ. خَبِرْنِي: ماذا كَانَ مِنْ أَمْرِ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْقِصَّةِ؟»
أَمْسَكَ «أَبُو عَامِرٍ» عَنْ مُواصَلَةِ الْكَلامِ، وَهُوَ مُطْرِقٌ بِرَأْسِهِ. ظَلَّ وَاحِمًا، وَقَدْ بَدَتْ عَلَى وَجْهِهِ أَماراتُ الْحَسْرَةِ والاِنْقِباضِ. رَفَعَ أَخِيرًا رَأْسَهُ، كَأَنَّمَا أَفَاقَ مِنْ إِغْفَاءَةٍ مَلَكَتْ عَيْنَيْهِ.
قالَ لِي: «لا بُدَّ أَنَّكَ تَعْنِي بِالطَّرَفِ الْآخَرِ : رَدَّ الْجَمِيلِ. أَلَسْتَ تَسْأَلْنِي: هَلْ رَدَّ لِي دَيْنِي مُضاعَفًا، كَما وَعَدَ؟ لَقَدْ تَخَلَّصَ بِفِكْرَتِي الَّتِي أَمْلَيْتُها عَلَيْهِ، مِمَّا كَانَ يَحِيقُ بِهِ. لَمْ يَعُدْ دَيْنُهُ هَمَّا لَهُ فِي لَيْلِهِ، أَوْ ذُلَّا فِي نَهارِهِ. يُؤْسِفُنِي إِخْبارُكَ بِما أَظُنُّهُ لَا يَخْطُرُ لَكَ، أَوْ لِغَيْرِكَ، ببال.»
قُلْتُ لَهُ عِنْدَئِذٍ: «سَأُقاطِعُكَ، لِأُخْبَرَكَ أَنا بِكُلِّ ما جَرَى. لا رَيْبَ أَنَّ تِلْمِيذَكَ النَّجِيبَ وَعَى فِكْرَتَكَ، وَأَنْفَذَ خُطَّتَكَ. لَمْ يَجِدْ قِيدَ أُنْمُلَةٍ عَمَّا رَسَمْتَهُ ، لِاِغْتِيالِ أَمْوالِ دَائِنِيهِ. أَنْفَذَهَا نابِحًا فِي وَجْهِكَ، كَنُبَاحِهِ مَعَ مُطالِبِيهِ، أَوْ مَعَ وَالِيهِ.»
(۸) يَأْسُ «أَبِي عَامِرٍ»
قَالَ «أَبُو عَامِرٍ» مُتَعَجِّبًا: «ما أَبْرَعَ ذَكَاءَكَ، وَأَلْمَعَ فِطْنَتَكَ ؟! لَمْ تَعْدُ الصَّوابَ فِيمَا قُلْتَ، كَأَنَّكَ كُنْتَ مَعَنا : رَأَيْتَ وَسَمِعْتِ قَصَدْتُ دارَ «رَأْسِ الْوَزَّةِ » بَعْدَ أَنْجِلاءِ غُمَّتِهِ، وَانْقِضَاءِ مِحْنَتِهِ. قُلْتُ فِي نَفْسِي سَأَلْقَاهُ ، بَعْدَ أَنْ هَدَأَ بالهُ، وَصَلَحَتْ حَالُهُ. عَزَمْتُ – فِي لِقَائِي لَهُ – أَنْ أُذَكِّرَهُ عَهْدَهُ، وَأَسْتَنْجِزَهُ وَعْدَهُ. لَمْ يُخالِجْنِي أَى شَكٍّ فِي أَنِّي مُلَاقٍ مِنْهُ مَا أَحْمَدُهُ لَهُ. ما فَتَحْتُ فَمِي بِالسَّلامِ، حَتَّى أَجابَنِي بِالْعُواءِ بَدَلَ الْكَلَامِ دَهِشْتُ أَشَدَّ الدَّهَشِ مِنْ غَرِيبٍ جُرْأَتِهِ، وَإِغْرَاقِهِ فِي صَفَاقَتِهِ. مَا خَطَرَ لِي قَطُّ بِبالٍ، أَنْ يَلْقانِى وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. قُلْتُ لَهُ مُؤَنِّبًا: «لَكَ أَنْ تَصْطَنِعَ ذَلِكَ مَعَ أَيّ صاحِبٍ. أَمَّا أَنْ تُمَثَّلَهُ مَعِي، فَذَلِكَ الْعَجَبُ الْعَاجِبُ، والرَّأْسُ الْخَائِبُ. دَعْ - أَيُّهَا الْأَحْمَقُ - ذَلِكَ النُّبَاحَ، وَكَلِّمْنِي كَمَا أُكَلِّمُكَ بِإِفْصَاحٍ.» كَانَ يُشِيحُ بِوَجْهِهِ عَنِّى كَيْ لا تَقَعَ عَلَى عَيْنِهِ عَيْنِي. كُلَّمَا كَرَّرْتُ لَهُ – فِي غَضَبٍ – قَوْلِي، تَمادَى فِي نُباحِهِ حَوْلِي. لَمْ يَنْتَهِ الْمَوْقِفُ، بَيْنَهُ وَبَيْنِي إِلَى نَتِيجَةٍ تَبْعَثُ عَلَى الإِطْمِثْنَانِ. غَادَرْتُ دَارَهُ حَيْرَانَ لا أَدْرِى كَيْفَ أَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِيَ الْآنَ؟»
الفصل الثالثأَخْلاقُ النَّاسِ
(۱) خَصْلَةُ الْغَدْرِ
لانَ «أَبُو عَامِرٍ» بِالصَّمْتِ حِينًا، كَأَنَّمَا يُفَكِّرُ فِيمَا هُوَ صانِعُ مَا شَهِدْتُهُ عَلَى أَسارِيرِهِ يُوحِي بِأَنَّ مَرارَتَهُ تَكادُ تَنْشَقُّ غَيْظًا. عَبَّرَ ذَلِكَ عَنْ شُعُورِهِ بِوَبَالِ تَصَرُّفِهِ، وَأَنَّهُ يَكْتَوِي بِحَرِّ نارِهِ.
قُلْتُ لَهُ: «خَلَّ عَنْكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ عَذابِ التَّفْكِيرِ. لَنْ تَنْجْوَ مِنْ إِحْسَاسِكَ بِالْهَمِّ، إِلَّا بِأَنْ تَنْسَى ما كانَ ما فَقَدْتَهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرٌ لا يُسْتَهانُ بِهِ، وَلَكِنْ مَا الْعَمَلُ؟ لَنْ يُعَوِّضَكَ طُولُ التَّفْكِيرِ الْمَرِيرِ ، عَمَّا أَصَابَكَ مِنَ الْخُسْرانِ.»
قالَ لِي: «أَكَانَ يُنْتَظَرُ مِنْ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» هذا السُّلُوكُ ؟! أَيَكُونُ مِنْهُ خُلُقُ الْغَدْرِ بِي، بَعْدَ كُلِّ ما أَسْدَيْتُهُ لَهُ؟ أَهْذِهِ خَصْلَةٌ يَجُوزُ لِأمرِئٍ عَاقِلٍ كَرِيمٍ أَنْ يَتَّصِفَ بِها؟»
قُلْتُ لَهُ: «لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَجَبًا سَلْبُ الْحُقُوقِ، وَلُؤْمُ الْعُقُوقِ. اِعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَكَ «رَأْسَ الْوَزَّةِ» يَتَّصِفُ بِأَخْلاقِ بَعْضِ النَّاسِ الْغَدْرُ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ نَمِيمَةٌ، وَلَكِنَّهَا فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ قَدِيمَةٌ. اَلْغَدْرُ لَوْنٌ مِنْ أَلْوانِ الشَّرِّ، وَلَيْسَ الشَّرُّ فِي الدُّنْيَا بِسِرِّ.»
(۲) أَنْتَ الْمَلُومُ
سَمِعَ «أَبُو عَامِرٍ» ما أَفْضَيْتُ بِهِ إِلَيْهِ مِنْ تَوْضِيحٍ وَتَفْسِيرٍ. جَعَلَ يَهُزُّ كَتِفَيْهِ، وَيَعَضُّ عَلَى شَفَتَيْهِ، كَأَنَّهُ يَسْتَوْعِبُ ما قُلْتُ. بَعْدَ وَقْتِ قَلِيلٍ، وَجَدْتُهُ يُحَدِّقُ بِعَيْنَيْهِ فِي وَجْهِي بِشِدَّةٍ.
قالَ يَسْأَلْنِي: «كَيْفَ اسْتَبانَتْ لَكَ خاتِمَةُ الْقِصَّةِ ، يا أبا الْغُصْنِ»؟ لَقَدْ أَوْضَحْتَ لِي تَفْصِيلَها، قَبْلَ أَنْ أَتَفَوَّهَ بِشَيْءٍ مِنْهَا!»
قُلْتُ لَهُ: «الْمُقَدِّماتُ تَدُلُّ مَنْ يُعْمِلُ عَقْلَهُ عَلَى النَّتائِجِ السُّلُوكُ الَّذِي اتَّخَذَهُ «رَأْسُ الْوَزَّةِ» مَعَ دَائِنِيهِ، صَارَ طَبِيعَةً فِيهِ. هذا التَّصَرُّفُ الْمُنْكَرُ الْعَجِيبُ، لَكَ مِنْهُ – يَا أَخِي – نَصِيبٌ. كَيْفَ تَعْجَبُ مِنْهُ فِيمَا صَنَعَ، وَأَنْتَ أَجْدَرُ مِنْهُ بِالْعَجَبِ؟ لَيْسَ عَلَى «رَأْسِ الْوَزَّةِ» أَيُّ ذَنْبٍ، فَلا يَكُنْ مِنْكَ عَتْبٌ. ماذا يَرِيبُكَ فِيمَا جَرَى مِنْ إِخْلافِهِ لِوَعْدِهِ لَكَ، وَعَهْدِهِ مَعَكَ؟ أَلَمْ تَشُقَّ لَهُ طَرِيقَ غَوايَةٍ، وَهَدَيْتَهُ إِلَيْهِ شَرَّ هِدايَةٍ؟ بِحَقِّكَ : ماذا تُنْكِرُ أَنْتَ مِنْ عَمَلِهِ؟ وَمَا وَجْهُ شَكْواكَ مِنْهُ ؟ لَوْ تَدَبَّرْتَ أَمْرَكَ فِي تَعَقُلِ ، لَمَا غَضِبْتَ عَلَيْهِ فِيمَا يَعْمَلُ.»
(۳) عاقِبَةُ السُّوءِ
كانَ هذا مُجْمَلُ حَدِيثِى مَعَ «أَبِى عامِرٍ»، لِأُهَوِّنَ عَلَيْهِ ما بِهِ. رَأَيْتُ أَنْ أُتَابِعَ الْحَدِيثَ عَلَى هذا النَّحْوِ، لِكَيْ أُقْنِعَهُ.
قُلْتُ: «صارِحْنِي، يا «أبا عامِرٍ»: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِنْكَارَ مَسْئُولِيَّتِكَ؟ أَلَمْ يَكُنْ مِنْكَ تَعْلِيمُ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» مَا حَفِظَهُ وَوَعَاهُ؟ أَلَمْ يَتَلَقَّنِ الدَّرْسَ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ كَيْفَ يَحْتالُ وَيَغْتَالُ؟ لَمْ يَزِدْ - فِيمَا الْتَزَمَ - عَلَى أَنْ وَثِقَ بِكَ، وَأَنْ أَطاعَكَ. لَقَدْ حَسَّنْتَ لَهُ أَنْ يَخْدَعَ النَّاسَ، وَأَنْتَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ. حَسْبُكَ مِنْهُ صِدْقُ أَمَانَتِهِ فِي تَطْبِيقِ الْمَنْهَجِ، وَاتَّبَاعِ الْقِياسِ. كَيْفَ تُرِيدُهُ إِذَنْ عَلَى أَنْ تَنْفَرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِوَفائِهِ ؟! أَلَيْسَ ما وَعَدَكَ بِهِ، وَعَاهَدَكَ عَلَيْهِ، حَقًّا گسائِرِ الْحُقُوقِ ؟ لِماذا يَخُصُّ حَقَّكَ وَحْدَكَ بِالْوَفاءِ، وَحَقَّ سَائِرِ النَّاسِ بِالْعُقُوقِ؟! ما أَجْدَرَكَ - يا صاحِبِي - بِأَنْ تَشْكُرَ صَاحِبَكَ، بَدَلًا مِنْ مَلامَتِهِ. أَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَهُ يُقْدِمُ عَلَى الْغَدْرِ والاِحْتِيالِ، واغْتِيالِ الْأَمْوالِ. لَوْ أَنَّكَ زَيَّنْتَ لَهُ الْوَفاءَ، لَكَانَ لَكَ مِنْهُ أَحْسَنُ الْجَزَاءِ.»
(٤) الذِّئْبُ وَالْغَنَمُ
أَحَسَّ «أَبُو عَامِرٍ» بِأَنَّهُ شَرِيكُ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» فِي سُوءِ عَمَلِهِ.
قُلْتُ لَهُ: «بَقِيَ أَنْ تَصْدُقَنِى الْقَوْلَ فِيمَا أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ أَكُنْتَ تَشْكُو غَدْرَ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» بِالنَّاسِ، لَوْ لَمْ يَغْدِرْ بِكَ؟ أَكُنْتَ تَنْقَمُ مِنْهُ لَوْ أَدَّى دَيْنَكَ وَحْدَكَ، وَاغْتَالَ دُيُونَ غَيْرِكَ؟
هَبْكَ سَمِعْتَ أَنَّ رَجُلًا هَدَى إِلَى الْغَنَمِ أَحَدَ الذِّئاب. هذا الرَّجُلُ أَخَذَ عَلَى الذِّثْبِ عَهْدًا أَلَّا يَنالَ غَنَمَهُ بِمَكْرُوهِ. أَثْرَى الذِّئْبَ كَانَ يُعْفِى غَنَمَ الرَّجُلِ مِنَ الْعُدْوَانِ عَلَيْهَا؟ قِصَّةُ عَهْدِ الذِّنْبِ والرَّجُلِ، هِيَ قِصَّةُ عَهْدِ «رَأْسِ الْوَزَّةِ» مَعَكَ. حَقِّقِ النَّظَرَ فِي مِرْآتِكَ: عَلَّمْتَ «رَأْسَ الْوَزَّةِ» الْغَوايَةَ، فَغَوَى زَيَّنْتَ لَهُ حِيلَةَ الْعُواءِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنِ احْتَالَ بِهَا، وَعَوَى. اسْتَباحَ مِنَ الْحُقُوقِ ما لا يُسْتَباحُ بِما أَتْقَنَ مِنَ النُّباحِ . لَيْسَ هَذا أَوَّلَ مِنْ نَبَحَ، فَكَسَبَ – بِفَضْلِ نُبَاحِهِ - وَرَبِحَ كَمْ مِنَ النَّاسِ بَلَغُوا الْمَجْدَ بِباطِلِ الْأَقاويلِ، وَكَاذِبِ الْأَضَالِيلِ احْتَالُوا بِذَلِكَ لِيُصْبِحُوا كَأَنَّهُمْ أَعِزَّةٌ، كَمَا فَعَلَ «رَأْسُ الْوَزَّةِ»!»
(٥) الْجَزَاءُ الْعَادِلُ
ازْدَادَ إِحْساسِي بِاقْتِنَاعِ «أَبِي عامِرٍ»، وَهُوَ إِلَى قَوْلِي مُنْصِتُ. رَأَيْتُ أَنْ أَسْتَمِرَّ عَلَى هُذَا النَّحْوِ مِنَ الْحَدِيثِ، لِيَقْوَى أَطْمِثْنانُهُ.
قُلْتُ لَهُ: «أَنْتَ جَدِيرٌ بِارْتِضاءِ ما نالَكَ مِنْ عَدْلِ الْجَزاءِ. مَا ظَلَمَكَ «رَأْسُ الْوَزَّةِ»، ولا غَبَنَ ما حَقَدَ عَلَيْكَ، وَلا ضَعْنَ إِنَّكَ - بِمَشُورَتِكَ الْجَائِرَةِ – لَمْ تَرَ فِي ظُلْمِ غَيْرِكَ مِنْ بأس. لا عَجَبَ إِذا ظَلَمْتَ نَفْسَكَ، مَعَ مَنْ ظَلَمْتَ مِنَ النَّاسِ. لا تَجْزَعْ – يا «أَبا عامِرٍ» – مِنْ سُنَّةٍ سَنَنْتَها، وَخُطَّةٍ نَهَجْتَها. لَكَ أَسْوَةٌ فِي شَبِيهِ لَكَ قَدِيمٍ، حَادَ عَنِ النَّهْجِ الْقَوِيمِ. عامَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ بِمِثْلِ مُعَامَلَتِهِ، وَكافَأَهُ مِنْ جِنْسِ مُكافَأَتِهِ. أَسْرَعَ إِلَى مُجازاتِهِ ظُلْمًا بِظُلْمٍ، فَلَمْ يَجُرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. صَرَخَ الرَّجُلُ باكِيًا مُعْوِلًا، كَما صَرَخْتَ أَنْتَ شَاكِيًا مُوَلُولًا. أَرَى مِنَ الْخَيْرِ لِي وَلَكَ، أَنْ أَقُصَّ قِصَّتَهُ الْعَجِيبَةَ عَلَيْكَ. سَوْفَ تَتَجَلَّى لَكَ فِي قِصَّةِ هُذَا الشَّبِيهِ، عِبْرَةٌ وَمَوْعِظَةٌ وَتَنْبِيهُ فِي سَماعِكَ لَها - إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ - عَرَاءٌ وَتَسْلِيَةٌ وَتَرْفِيهُ.»
(٦) الشَّبِيهُ النَّمِيمُ
بَدا عَلَى «أَبِي عَامِرٍ» تَطَلُّعُهُ إِلَى سَماعِ حِكَايَةِ الشَّبِيهِ. غَرَائِبُ الْقِصَصِ تَبْعَثُ عَلَى الإِنْتِباهِ، وَتُجَدِّدُ الشَّوْقَ إِلَى السَّمَاعِ.
قُلْتُ لَهُ: «كَانَ فِي بَلَدِنا – هذا – سَيِّدٌ عَظِيمُ الشَّانِ. كَانَ يَعِيشُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ أَنْتَ، أَوْ أُولَدَ أَنا، بِأَزْمَانٍ. عُرِفَ بِسَدادِ الرَّأْيِ وَنَفَاذِ الْبَصَرِ، وَرِفْعَةِ الْقَدْرِ وَجَلالَةِ الْخَطَرِ. أَصْبَحَ لِسُمُو مَكانَتِهِ، وَسَعَةِ حِيلَتِهِ، إِمامًا لِجماعَتِهِ، وَزَعِيمًا لِعَشِيرَتِهِ. شَدَّ ما كانَتْ تَلْجَأُ إِلَيْهِ، وَتَجْعَلُ مُعَوَّلَها - بَعْدَ اللَّهِ - عَلَيْهِ. تَلُوذُ بِكَنَفِهِ إِذا أَلَمَّتْ بِهَا الْحَوادِثُ، وَدَهِمَتْهَا الْخُطُوبُ وَالْكَوارِثُ تَسْتَطْلِعُ فِكْرَهُ كُلَّما تَعَقَّدَتْ أُمُورُها، وَضاقَتْ بِحادِثاتِ الدَّهْرِ صُدُورُها تَتَفَقَّدُهُ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ، كَما نَتَفَقَّدُ نَحْنُ الْبَدْرَ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْمَاءِ. تَهْتَدِي – عَلَى الدَّوامِ - بِهَدْيِهِ الصَّائِبِ، وَتَسْتَنِيرُ بِرَأْيِهِ الثَّاقِبِ مِنْ سُوءِ حَظِّهِ أَنَّهُ حَادَ عَنِ السَّدادِ، وَتَنَكَّبَ سَبِيلَ الرَّشادِ. دَفَعَتْهُ الْأَنانِيَّةُ إِلَى أَنْ يُعامِلَ أَبْنَ عَمِّهِ مُعامَلَةً عَادِرَةً. ارْتَضَى السَّيِّدُ لِنَفْسِهِ - عَلَى غَيْرِعادَتِهِ – خُطَّةً مُلْتَوِيَةً مَاكِرَةً.»
(۷) السُّنَّةُ السَّيِّئَةُ
قالَ «أَبُو عَامِرٍ»: «أَيُبِيحُ لِنَفْسِهِ مَسْلَكَ الْغَدْرِ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ؟!»
قُلْتُ: اِنْحِرافُ النَّفْسِ يُسَهَّلُ عَلَيْها الاِسْتِهانَةَ ، والتَّفْرِيطَ فِي الْأَمَانَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، يَتَساوَى عِنْدَهُ الْغَدْرُ بِالْقَرِيبِ، وَغَيْرِ الْقَرِيبِ كَانَ جَزاءُ السَّيِّدِ مِن ابْنِ عَمِّهِ، أَنْ كَافَأَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ. قابَلَ السِّئَ مَنْ غَدْرِهِ وَخِيانَتِهِ، بِمِثْلِ السَّيِّءِ مِنْ فَعْلَتِهِ. صَرَخَ السَّيِّدُ - عَظِيمُ قَوْمِهِ - كَمَا صَرَخْتَ، وَشَكا كَما شَكَوْتَ انْطَلَقَ يَسُبُّ خَصْلَةَ الْأَنانِيَّةِ وَالْأَنانِيِّينَ، وَيَلْعَنُ خُلُقَ الْغَدْرِ والْعَادِرِينَ. أَتَعْرِفُ كَيْفَ كَانَ جَوابُ ابْنِ الْعَمِّ لِذَلِكَ السَّيِّدِ الْعَظِيمِ؟ أَعْرَضَ عَنْهُ فِي اسْتِكْبَارٍ، وَأَغْلَظَ لَهُ الْقَوْلَ فِي احْتِقارِ. أَنْشَدَهُ هُذَا الشِّعْرَ، يَصِفُ حالَهُ وَحَالَ جُنُوحِهِ إِلَى الْغَدْرِ:
وَكُنْتَ إِمَامًا لِلْعَشِيرَةِ تَنْتَهِي إِلَيْكَ ، إِذا ضَاقَتْ بِأَمْرٍ صُدُورُها. فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيَرَةٍ أَنْتَ سِرْتَها فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً: مَنْ يَسِيرُها!
(۸) يَقَظَةُ الضَّمِيرِ
اسْتَيْقَظَ ضَمِيرُ «أَبِي عَامِرٍ» بِما ضَرَبْتُ لَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْثَالِ. تَجَلَّى لَهُ – عِنْدَئِذٍ – طَرِيقُ الصَّوابِ، فَارْعَوَى عَنْ باطِلِهِ وَأَنَابَ. تَبَيَّنَ لَهُ سُوءُ مَا قَدَّمَ لِـ«رَأْسِ الْوَزَّةِ» مِنْ تِلْكَ الْمَشُورَةِ. اِنْفَرَجَتْ أَسارِيرُهُ وَتَطَلَّقَ مُحَيَّاهُ، وَتَجَلَّتْ أَماراتُ الْبِشْرِ عَلَى سِيمَاهُ.
عِنْدَئِذٍ قَالَ لِي «أبو عامِرٍ»: «ما أَعْدَلَ قَضاءَكَ، وَأَصَحَ آراءَكَ. شُكْرًا لَكَ عَلَى مَا بَذَلْتَهُ مِنْ رِعايَةٍ، وَأَسْدَيْتَهُ مِنْ نُصْحٍ وَهِدايَةٍ أَنْتَ بَصَّرْتَنِي بِما أَصَابَنِي مِنْ عَيْبٍ، وَمَا أَقْتَرَفْتُهُ مِنْ ذَنْبِ. صَدَقَ الْقَائِلُ: «الْمَرْءُ لا يَرَى عَيْبَ نَفْسِهِ ، بَلْ يَرَى عَيْبَ سِواهُ»! مَا أَحْسَنَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: «الصَّاحِبُ لِصَاحِبِهِ: نِعْمَ الْمِرْآةُ»! ما أَجْدَرَكَ بِالثَّناءِ وَالتَّكْرِيمِ، لِأَنَّكَ هَدَيْتَنِي إِلَى الصِّراطِ الْمُسْتَقِيمِ فَتَحْتَ عَيْنَيَّ بِحَدِيثِكَ الْبَارِعِ الْعَظِيمِ، عَلَى الْمَسْلَكِ الصَّائِبِ الْقَوِيمِ. صَبَرْتَ مَعِى صَبْرًا جَمِيلًا ، لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا صَدِيقٌ حَمِيمٌ.»
سَمِعْتُ هذا مِنْهُ، فَانْشَرَحَ مِنّى الصَّدْرُ، لِمَا عَمِلْتُ مِنْ خَيْرٍ.
ابْتَهَجْتُ أَنا، كما ابْتَهَجَ هُوَ، بِانْكِشَافِ الضُّرِّ، وَصَلاحِ الْأَمْرِ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.