خاتم الذكرى


الفصل الأول
(۱) في الغابة كَانَ الْمَلِكُ «دَشْيَنْتا» مَحْبُوبًا مِنْ رَعِيَّتِهِ ، لِما عُرِفَ بِهِ من الاسْتِقَامَةِ وَالْعَدْلِ. وَكَانَ مُوَلَعًا بِالصَّيْدِ ، جَارِيًا - في ذلِكَ - عَلَى عَادَةِ الْمُلُوكِ فِي عَصْرِهِ.
وفي ذاتِ يَوْمٍ خَرَجَ الْمَلِكُ «دَشْيَنْتا» لِلصَّيْدِ – مَعَ بَعْضِ حَاشِيَتِهِ – فَلَمَّا بَلَغُوا إِحْدَى الْغاباتِ الْواسِعَةِ، واصَلُّوا الصَّيْدَ إلى مُنْتَصَفِ النَّهارِ، ثُمَّ اسْتَرَاحُوا قَلِيلًا. وَعَنَّ لِلْمَلِكِ دَشْيَنْتا» أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ أَتْباعِهِ، ويَجُولَ وَحْدَهُ فِي الْغَابَةِ، بَيْنَ أَشْجَارِهَا الضَّخْمَةِ، وشُجَيْراتِها الْمُنَوَّرَةِ بِالْأَزْهَارِ الْبَهِيجَةِ.
(۲) الزَّاهِدُ «كَنْفا» وما زالَ يَنْتَقِلُ فِيها مَسْرُورًا بِجَمالِ الطَّبِيعَةِ، حَتَّى بَلَغَ أَجَمَةً مَكَانًا مَمْلُوءًا بِالشَّجَرِ الْمُلْتَفٌ). وقد انتَهَتْ بِه الأَجَمةُ إِلى بَيْتِ صَغيرِ لِنَاسِكٍ مِنَ النُّسَّاكِ الَّذِينَ يُواصِلُونَ عِبَادَتَهُمْ مُعْتَزِلِينَ النَّاسَ. وهُو كَبِيرُ السِّنِّ، يُسَمَّى: الشَّيْخَ كَنْفا»: عُرِفَ بِالْوَرَعِ والتَّقْوَى، وَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
(۳) بَيْتُ الزَّاهِدِ فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْمَلِكُ دَشْيَنْتا» مِنْ صَوْمَعَةِ النَّاسِكِ بَيْتِهِ الصَّغيرِ) أَدْهَشَهُ مَا رَآهُ حَوْلَها مِنْ جَمَالٍ وَادِعٍ، وَنَسِيمٍ عَلِيلٍ، يُعَطِّرُ الْجَوَّ بِما يَحْمِلُهُ مِنَ الرَّائِحَةِ الذَّكَّيةِ الْمُنْبَعِثَةِ مِنْ أَزْهَارِ الْيَاسَمِينِ. وَقَدْ شَاعَ الطَّرَبُ والْمَرَحُ في جوّ الغابةِ، فَغَمَرَ كلَّ ما تَحْوِيهِ مِنْ أَطْيَارٍ وَأَشْجَارٍ، فَغَنَّتِ الطُّيُورُ ، ورَقَصَتِ الْأَغْصانُ ، وازْدانَ المكانُ بَقَناةٍ تَحُفُّ بها – مِنْ جَانِبَيْها - أَزْهارُ اللُّوتَسِ مُمْتَدَّةً، حَتَّى تَبْلُغَ صَوْمَعَةَ النَّاسِكِ.
(٤) فَتاةُ الْغابة ورَأَى الْمَلِكُ دَشْيَنْتا» أَنْ يَنْتَهِزَ هذه الْفُرْصَةَ، لِيَزُورَ ذلكَ النَّاسِكَ الَّذِي طَالَما سَمِعَ بِزُهْدِهِ وَتَقْوَاهُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكَدْ يَدْخُلُ الصَّوْمَعَةَ حَتَّى وَجَدَها خالِيَةً لا عَرِيبَ بِها لَيْس فيها أَحَدٌ).
فَأَسِفَ عَلَى ضَياعٍ هَذِهِ الْفُرْصَةِ، وَهَمَّ بِتَرْكِ الْأَجَمَةِ، لِكِنَّهُ أَرادَ - قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَها – أنْ يَجْمَعَ طَاقَةً مِنَ الْأَزْهَارِ الْبَدِيعَةِ الَّتِي تَكْتَنِفُها (تُحِيطُ بها).
وإِذا بِصَوْتٍ لَطِيفٍ، يُناديهِ : تَفَضَّلْ - يا سيّدِي - عَلَى الرُّحْبِ والسَّعَةِ!»
فَتَلَفَّتَ الْمَلِكُ إِلى مَصْدَرِ الصَّوْتِ ، فَرَأَى فَتاةً تُدانِيهِ تَقْتَرِبُ مِنْهُ)، في أَدَبِ رائع، وقد أَشَعَ وجْهُها (نَشَرَ نُورَهُ) في تِلكَ الْغَابَةِ، بِرَغْمِ حَقارَةِ ِملْبَسِهَا الْمَصْنُوعِ مِنْ قِشْرِ الشَّجَرِ. وأُعْجِبَ الْمَلِكُ «دَشْيَنْتا» بِما تَمَيَّزَتْ بِهِ تِلْكَ الْفَتاةُ من جَمالِ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ حُسْنِ الصُّورَةِ، ولُطْفِ الطَّبْعِ).
ولَمْ يَدْهَشْ لِذلكَ، فَقَدْ عَرَفَ أَنَّ فَتاةً تَعيشُ في صَوْمَعَةِ ذلكَ الزَّاهِدِ الْوَرِعِ، لَا يُسْتَغْرَبُ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ أَطْهَرَ الْفَتَيَاتِ قَلْبًا، وَأَكْرَمَهُنَّ نَفْسًا.
(٥) كَرَمُ الفَتاةِ فَسَأَلَها مُتَلَطَّفًا: «أَهُنا يَقْطُنُ الشَّيْخُ الْعَظِيمُ «كَنْفا»؟»
فَأَجَابَتْهُ قَائِلَةً: «نَعَمْ يَا مَوْلايَ. ولكِنَّهُ سَافَرَ إِلَى الْحَجَّ – مُنْذُ أَيَّامٍ – وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أَسْتَقْبِل ضُيُوفَهُ وَمُرِيدِيهِ. فَهَلْ يَأْذَنُ مَوْلايَ أَنْ يَسْتَرِيحَ فِي دَارِنا قَلِيلًا ؟»
فأجابها إلى طِلْبَتِها مَسْرُورًا. وأسْرَعَتِ الْفَتاةُ فَأَحْضَرَتْ لهُ الْمَاءَ الْعَذْبَ، وَشَيْئًا مِنْ لذائِذِ الْفاكِهَةِ، وطَيِّبَاتِ الثَّمَرِ، لِتُنْعِشَه. ولَمْ تَدَّخِرْ وُسْعًا فِي الْحَفاوةِ بِهِ، فَامْتَلَأَ قَلْبُهُ شُكْرًا، لِحُسْنِ أَدَبِها، وكَرَمِ ضِيافَتِها ، مَعَ أَنَّها تَجْهَلُ - كما يَدُلُّ مَظْهَرُها – مَكَانَةَ ضَيْفِها، ولا تَعْلَمُ أَنَّهُ مَلِكُ تِلْكَ الْبِلادِ.
ولَمْ يَشَإِ الْمَلِكُ أَنْ يُخْبَرَها بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ، فَتَظاهَرَ بِأَنَّهُ صَيَّادٌ مِنْ عَامَّةِ الصَّيَّادِينَ الَّذِينَ يَرْتَادُونَ الْغَابَةَ.
(٦) حدِيثُ الفَتاةِ وقَدْ سَأَلَ الْفَتاةَ عَنِ اسْمِهَا، فَقالَتْ: «إِنَّنِي أُسَمَّى «ساكُنْتالا».» فَطَلَب إِلَيْهَا أَنْ تَزِيدَهُ مَعْرِفَةً بِأَمْرِها ، فَقَالَتْ: «إِنَّ الشَّيْخَ كَنْفا» قَدْ تَبَنَّانِي مُنْذُ نَشَأْتُ، فَما أَعْرِفُ لِي وَالِدًا غَيْرَهُ، لِأَنَّني تَيَتَّمْتُ – في طفولتي – فكَفَلَنِي هذا الشَّيْخُ الْكَرِيمُ الْقَلْبِ.»
وقَدْ عَرَفَ الْمَلِكُ - مِنْ حِوارِها - أَنَّهَا مِنْ أُسْرَةٍ غَنِيَّةٍ مَاجِدَةٍ، ولكِنَّها رَاضِيَةٌ بِتِلْكَ الْحَيَاةِ الْوَادِعَةِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي تَحْياها في الغابةِ النَّائِيَةِ، بَيْنَ الْأَطْيَارِ ذَاتِ الْأَلْحَانِ الشَّجِيَّةِ، والْأَزْهَارِ ذاتِ الْعُطورِ الذَّكِيَّةِ. وكانَ الْمَلِكُ - كلَّما حادَثَها – تَكشَّفَ له مِنْ حُسْنِ تَفْكِيرِها، وأَصالَةِ رَأْيِها - ما زادَهُ إِعْجَابًا بِها وَإِكْبَارًا لَها.
(۷) عَرُوسُ الْمَلِكِ فَلَمَّا وَدَّعها رَجَعَ إلى حاشِيَتِهِ، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوا خِيامَهُمْ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِ الصَّوْمَعَةِ. وظل يَذْهَبُ إِلَى الْأَجَمَةِ – كُلَّ يَوْمٍ - حَيْثُ يَلْتَقِي بِتِلكَ النَّاسِكَةِ الْمُهَذَّبَةِ، حَتَّى وَثِقَ بِها الْوُثُوقَ كُلَّهُ، وعَرَفَ أَنَّها أَكْمَلُ فَتاةٍ فِي مَمْلَكَتِهِ ، فَلَمْ يَخْتَرْ عَرُوسًا غَيْرَهَا، فَلَمَا أَخْبَرَها أَنَّهُ مَلِكُ الْبِلادِ، وَأَنَّهُ اعْتَزَمَ الزَّواج بها، لَمْ تَجْرُقْ عَلَى رَفْضِ أَمْرِهِ، بَلِ الْتَمَسَتْ مِنْهُ أَلَّا يَأْخُذَها إلى مَمْلَكَتِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعُودَ أَبُوها مِنْ حَجَّهِ، فَوَعَدَها بِذَلِكَ.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالي جَمَعَ الْمَلِكُ الْحاشِيةَ، وأقامَ حَفْلَةَ الْعُرْسِ فِي تِلْكَ الْأَجَمَةِ. وَعاشَ مَعَ زَوْجِهِ أَيَّامًا، ثُمَّ ودَّعها عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَيْها بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ، لأن واجِبَ شَعْبِهِ يَحْتِمُ يُوجِبُ) عَلَيْهِ أَنْ يُعْنَى بِشُئُونِهِ.
(۸) حَدِيثُ الزَّوْجَيْنِ وَقَدْ عَرِضَ عَلَيْهَا الْمَلِكُ «دَشْيَنْتا» أَنْ تَعُودَ مَعَهُ إِلى قَصْرِهِ، ملِكةً على رَعِيَّتِهِ، وتَرَى مَا أَعدَّهُ لَها من ثمِينِ الْحُلِيِّ، وفاخِرِ الثَّيابِ. ولكِنَّها ذَكَّرَتْهُ بِوَعْدِهِ قائلةً: «لَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَتْرُكَ الْغَابَةَ قَبْلَ أَنْ أُخْبَرَ والِدِي الْعَزِيزَ - الشَّيْخَ «كَنْفا» – بِزَواجِنا. كما أَنَّني لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتْرُكَ صَوْمَعَتَهُ خَالِيَةً حَتَّى لا يَرْجِعَ ضُيُوفُهُ، دُونَ أَنْ يَجِدُوا مَنْ يُعْنَى بِشُئُونِهِمْ وَالرَّأْيُّ أَنْ تَعُودَ وَحْدَكَ إِلى قَصْرِكَ، ومتَى جِئْتَ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ اسْتَأْذَنْتُ أَبِي فِي ذلِكَ.»
(۹) الْخَاتَمُ الْمَسْحُورُ فَأَقرَّ الْمَلِكُ رَأْيَها السَّدِيدِ، ووضَعَ في إِصْبَعِها خاتَمًا مَسْحُورًا ، مَنْقُوشًا عَلَيْهِ اسْمُ «دَشْيَنْتا»، وودَّعَها بَعْدَ أَنْ وَعَدَها بِالْعَوْدَةِ إلى أبيها – بَعْدَ زَمَن قَلِيلٍ.
ولَمْ يَكدِ الْمَلِكُ يُسافِرُ حَتَّى شَعَرَتْ «ساكُنْتالا» - دُونَ أَنْ تَعْرِفَ سَبَبَ ذَلِكَ - أَنَّ أَيَّامَ الشَّقاءِ مُقْبِلَةٌ عَلَيْها ، قَرِيبَةٌ مِنها ، وأَنَّ أَيَّامَ السَّعادَةِ لَنْ تَعُودَ.
(١٠) السَّاحِرُ الهِنْدِيُّ وَسَارَتْ مَعَ زَوْجِهَا الْمَلِكِ مَسافَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عادَتْ فِي الْمَساءِ – بَعْدَ تَوْدِيعِه – إِلى صَوْمَعَتِها ، ولَمْ تَدْرِ ما يُخَبِّئُهُ لَها الْقَدَرُ مِنْ سُوءِ الْبَخْتِ، ونَكَدِ الْحَظِّ. وَلَا تَسَلْ عَنْ حُزْنِها حِينَ رَأْتِ السَّاحِرَ الْهِنْدِيَّ العظيمَ دَرْفَاسِيسَ» يَهُمُّ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِها غَاضِبًا، بَعْدَ أَنْ مَكَثَ فِيها وقْتًا، دُونَ أَنْ يَحْتَفِلَ بِمَقْدَمِهِ أَحَدٌ.
فَأَيْقَنَ أَنَّ أَهْلَ الدَّارِ قَدْ أَنْكَرُوهُ (أَهْمَلُوهُ) ، واسْتَهانُوا بِخَطَرِهِ. وحاوَلَتْ «ساكنتالا» جَاهِدَةً أَنْ تُسَرِّيَ عَنْ نَفْسِهِ، ضارِعَةً إِلَيْهِ أَنْ يَتَجاوَزَ عَنْ خَطئها الَّذِي لَمْ تَتَعَمَّدْهُ، مُتَوَسِّلَةً - والدموعُ في عَيْنَيْها - أنْ يَغْفِرَ لَها ذَنْبَها ، وَيَقْبَلَ ضِيافَتَها. ولكِنَّ السَّاحِرَ دَرْقَاسِيسَ» كانَ جَافِي الطَّبْعِ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَها، بَلْ دَفَعها بِقُوَّةٍ ، وخَرجَ مِنَ الصَّوْمَعَةِ مُغْتَاظًا حَنِقًا.
(۱۱) لَعْنَةُ السَّاحِرِ أَراكَ تَسْأَلُني: «مَنْ هُوَ هَذا الرَّجُلُ؟»
فَاعْلَمْ - يَا بُنَيَّ - أَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ سَاحِرٍ في عَصْرِهِ. وكانَ لا يَغْفِرُ الْإِساءَةَ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ - في الْأَقْطَارِ الْهِنْدِيَّةِ كلّها - يَسْتِطِيعُ أَنْ يَقِفَ فِي وَجْهِهِ.
ولَقَدِ اضْطَرَبَتْ «ساكنتالا» حِينَ اقْتَرَفَتْ ذَلِكَ الْجُرْمَ الْكَبِيرَ، وَهِي عَالِمَةٌ أَنَّ التَّقاليد الْهِنْدِيَّةَ لا تَرْحَمُ مَنْ يُقْصِّرُ في تَكْرِيم ضَيْفِهِ، كما تَرَى أَنَّ رَحيلَ الضَّيْفِ – دونَ أَنْ يُشَرِّفَ الدَّارَ - ذَنْبٌ غَيْرُ مُعْتَفَرٍ. فَكَيْفَ بِمَنْ كانَ فِي مِثْلِ مَنْزِلَةِ سَاحِرِنَا الْعَظِيمِ؟
فَبِاتَتْ مُسَهَّدَةً (ساهِرَةً) طولَ لَيْلِها ، بعْدَ أَنْ سَمِعَتْ سَاحِرَ الْهِنْدِ يَلْعَنُهَا وَهُوَ خَارِجٌ، وأَيْقَنَتْ أَنَّ حُزْنَها سَيَطُولُ.
(۱۲) ضَياعُ الْخَاتَمِ وما أَسْرَعَ ما صَدَّقَتِ الْحَوادِثُ ظَنَّها ، فَقَد انْفَصَمَ - مِنْ إِصْبَعِهَا – الْخَاتَمُ الْمَسْحُورُ الَّذِي أَهْداهُ إِلَيْها زَوْجُها، ووَقَعَ فِي القَناةِ الَّتي كانَتْ تَسْتَحِمُّ فيها، وحَمَلَهُ الْمَاءُ إلى مكانٍ بَعيدٍ. وَبَحَثَتْ عَنْهُ طَوِيلًا فَلَمْ تَعْثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ.
فَبَكَتْ بُكاءً مُرَّا، وأَحَسَّتْ أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ يُكِلٌّ لَها - بعْدَ لَعْنَةِ السَّاحِرِ – نَكْبَةً لَا قِبَلَ لها باحتمالها.
(۱۳) عَوْدَةُ الشَّيْخِ «كنْفا» وقدْ كادَ الْحُزْنُ يُهْلِكُها، لَوْلا أَنَّ الشَّيْخَ «كنْفا» عادَ في ذلك الْيَوْمِ مِنْ حَجَّهِ، وبَارَكَ لَها زَوَاجَهَا الْمُوفَّقَ ، بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَتْهُ بِقِصَّةِ الْمَلِكَ – الْعادِلِ مَعَها.
وقالَ لَها مُهَنَّنَّا، فيما قالَ: «لَقَدْ شَرَّفَكِ الْمَلِكُ بِذلِكِ التَّكْرِيمِ. وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَعُودَ إِلَيْكِ قَرِيبًا، لِأُقَدِّمَكِ إِلَيْهِ مُبْتَهِجًا مَحْبُورًا (مَسْرُورًا).»
الفصل الثاني
(۱) وَسَاوِسُ الْحُزْنِ ومَضَتِ الْأَيَّامُ بَطِيئَةً ثَقِيلَةَ الْخُطَى ، لِأَنَّ أَيَّامَ الشَّقاءِ تَمُرُّ - لِطُولِها – كَأَنَّهَا سَنَوَاتٌ، وَأَيَّامَ السَّعادةِ تَمُرُّ مُسْرِعَةً كَأَنَّمَا هِيَ لَحَظَاتٌ.
وتَرَقَبَتِ الزَّوْجُ أَنْ يَعودَ إِلَيْها زَوْجُها أوْ يُرْسِلَ إليها رسولًا مِن قِبَلِهِ، فَلَمْ تَظْفَرْ مِنْ ذلك بطائِلٍ فَساوَرتْها ( بادَرَتْها وأسْرَعَتْ إِلَيْها الْهُمومُ والْهَوَاجِسُ، وَخَشِيَتْ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا، أو نادمًا عَلَى تَسَرُّعِهِ فِي الزَّواج، وإِلَّا فما بالُهُ لَمْ يَفِ بِوَعْدِهِ لَها!
ولَمَّا طالتْ غَيْبَتُهُ شاركها والِدُها قَلَقَها على زَوْجِها وقال لها: «إِنَّ وَاجِبَ الزَّوْجِ يَحْتِمُ عَلَيْكِ أَنْ تَفِي لِزَوْجِكَ حَتَّى تَبْرَئِي مِنَ التَّقْصِيرِ في أداء هذا الواجِبِ. وَلَوْلا أَنَّني لا أَسْتَطِيعُ مبارحةَ الصَّوْمَعَةِ، لَذَهَبْتُ مَعَكِ إِلَى قَصْرِهِ.»
(۲) رِحْلَة «ساكنتالا» فَلَمْ تَجْرُقْ عَلَى مُخالَفَةِ أبيها. عَلى أَنَّ قَلْبَها كَانَ يُحَدِّثُها بِشَرٍّ كَبِيرٍ: أَلَمْ يَقُلْ لَهَا زَوْجُها : انْتَظِرِيني حتَّى أَعُودَ إِلَيْكِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ. فما بالُها تَذْهَبُ إِلَيْهِ وَلا تَنْتَظِرُ. وَمَا بَالُها تَنْتَظِرُهُ فَلا يَعُودُ إِلَيْهَا ؟
فَوَدَّعَتْ والدها، ورَحَلَتْ خِلالَ تِلْكَ الْغَابَةِ الْواسِعَةِ - أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي حَياتِها – قاصِدَةً قَصْرَ الْمَلِكِ، فَبَلَغَتْهُ بَعْدَ أَيَّامٍ.
(۳) لِقَاءُ الزَّوْجَيْنِ والْتَمَسَتِ الْإِذْنَ بِالْمُثولِ (الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّها تَحْمِلُ إِلَيْهِ أَنْباءً خَطِيرَةً. فَلَمَّا دَخَلَتْ أَسْرَعَتْ دَقَّاتُ قَلْبِها حِينَ رَأتْهُ جَالِسًا عَلَى عَرْشِهِ، وَلَمَحَتْ وَجْهَهُ مِنْ خِلالِ خِمارِها (قناعها ) الْكَثِيفِ، فَسَأَلَها «دَشْيَنْتا» مُتَرَفِّقًا: «ماذا تُريدين؟» فَتَهَلَّلَ وَجْهُها فَرَحًا وَأَمَلًا ، حِينَ سَمِعَتْ صَوْتَهُ. وطَوَّحَتْ بِخِمارِها إلى الْخَلْفِ ، لِتُظْهِرَ له وجهَها، ثمَّ َقالَتْ: «لَا تَعْجَبْ مِنْ مَجِيئِي إِلَيْكَ - يا مَوْلايَ - فَقَدِ اضْطُرِرْتُ إِلَى الْبَحْثِ عَنْكَ، حينَ تَأَخَّرْتَ فِي إِنْجَازِ وَعْدِكَ.»
(٤) دَهْشَةُ الْمَلِكِ فَاسْتَوْلَى النُّهولُ (النِّسْيانُ عَلَى دَشْيَنْتا» وصاحَ مُتَحَيّرًا: «أَيُّ وَعِدٍ يا فَتاةُ؟ مَنْ أَنْتِ؟ وماذا تَعْنِينَ؟»
فَقَالَتْ لَهُ مُتَحَسِّرَةً: «وادٍ یا دَشْيَنْتا! أَتَسْخَرُ مِنِّي ؟ أَنَسِيتَ زَوْجَكَ الَّتِي تَرَكْتَها فِي الْغَابَةِ؟» فَاشْتَدَّتْ حَيْرَةُ «دَشْيَنْتا» وقالَ لَها: «أَيَّ زَوْجٍ تَعْنِينَ، وَأَنا لَمْ أَرَكِ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ قط؟
(٥) حَيْرَةُ «ساكنتالا» فاشْتَدَّتْ حَيْرَةُ «ساكنتالا»، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُصَدِّقَ ما تَسْمَعُهُ أُذُناها. وَحَدَّثَتْ نَفْسَها بِصَوْتٍ خَافِتٍ (مُنْخَفِضٍ): «لَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ نَدِمَ عَلَى زَواجِهِ السَّريع، ولكِنْ لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى إِنْكَارِي.»
وأَرادَتِ الْفَتاةُ أَنْ تَتَمادَى فِي مُناقَشَتِها ، فَقَاطَعَها الْمَلِكُ قَائِلًا: «ما أَظُنُّ هَذِهِ الْفَتاةَ إِلَّا مَعْتُوهَةً أَوْ مُخادِعَةً!»
فَلَمَّا يَئِسَتِ الْفَتاةُ مِنْهُ خَرَجَتْ بِاكِيَةً ، هائِمَةً عَلَى وَجْهِها (مُتَحَيِّرَةً لَا تَدْرِي أَيْنَ تَتَوَجَّهُ).
(٦) سِرُّ النَّسْيانِ لا شَلَّ فِي أَنَّكَ دَهِشْتَ - كما دَهِشَتِ الْفَتاةُ النَّاسِكَةُ - مِنْ قَسْوَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ وَمَكْرِهِ، وَإِصْرارِهِ عَلَى إِنْكَارِ «ساكنتالا»! عَلَى أَنَّ الْمَلِكَ - «دَشْيَنْتا» لَمْ يَكُنْ مَاكِرًا ولا مُتَجَاهِلًا، بَلْ كان صادقًا، يَقُولُ مَا يَعْتَقِدُ.
فَهُوَ قَدْ نَسِيَ «ساكنتالا» نِسْيانًا تامًا. وكانتْ لَعْنَةُ الْحَكِيمِ السَّاحِرِ سَبَبًا فِي شَقَاءِ النَّاسِكَةِ التَّاعِسَةِ. وقَدْ أَفْقَدَها الْخَاتَمَ الْمَسْحُورَ الَّذِي أَهْداهُ إِلَيْهَا الْمَلِكُ، فَاسْتَوْلَى النَّسْيانُ عَلَى ذاكِرَتِهِ، حَتَّى عَجَزَ عَنْ تَذَكَّرِها وهِيَ مائِلَةٌ ( واقِفَةٌ ) أَمَامَهُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ أَحَدٍ مِنَ الْإِنْسِ وَلَا مِنَ الْجِنِّ - أَنْ يَغْلِبَ السَّاحِرَ عَلَى أَمْرِهِ.
ولَقَدْ نَدِمَ الْمَلِكُ «دَشْيَنْتا» عَلَى غِلْظَتِهِ مَعَ الفَتاةِ، ووَدَّ لَوْ تَلَطَّفَ فِي مُعامَلَتِها، بِرَغْمَ جَهْلِهِ إِيَّاها ، لِأَنَّهُ أَيْقَنَ أَنَّ هُناكَ سِرًّا مَحْجُوبًا ، لَمْ يَتَبَيَّنْهُ - فيما بَعْدُ – إِلَّا بِمُصادَفَةٍ عَجِيبَةٍ.
(۷) خَاتَمُ الذِّكْرَى مَرَّتْ سَنَوَاتٌ عَلَى ذلِكَ الْحَادِثِ الْمُؤْلِمِ، ثُمَّ مَاتَ السَّاحِرُ الْهِنْدِيُّ، فَارْتَفَعَ الْشَّقاء، وزالَتِ اللَّعْنَةُ وَظَفِرَ أَحدُ الصَّيَّادِينَ بِسَمَكَةٍ جَمِيلَةٍ اصْطَادَها مِنَ النَّهْر.
فَلَمَّا شَقَّها رَأَى - فِي جَوْفِها - خاتَمًا ذَهَبِيًّا، مَنْقُوشًا عَلَيْهِ اسْمُ الْمَلِكِ «دَشْيَنْتا». فَأَسْرَعَ بِهِ إِلى مَلِيكِه ، ولَمْ يَكَدْ يَراهُ حَتَّى قَطَبَ حاجِبَيه، وقالَ مُتَحَيّرًا: «هذا خاتَمِي بلا شَكٍّ، فَكَيْفَ فَقَدْتُهُ؟»
ثم وضَعَ الْخاتَمَ فِي إِصْبَعِهِ، فَخُيّلَ إِلَيْهِ أَنَّ سُحُبًا تَرْتَفِعُ ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُخَيِّمَةً عَلَى ذاكِرَتِهِ. فَصَحا مِنْ ذهوله، وكادَ قَلْبُهُ يَتَمَزَّقُ إِشْفَاقًا عَلَى النَّاسِكِةِ التَّاعِسَةِ.
واعْتَزَمَ البَحْثَ عَنْها فِي كُلِّ مَكانٍ، وشَكَرَ لِلصَّيَّادِ هَدِيَّتَهُ النَّفِيسَةَ وَأَجْزَلَ لَهُ مُكافَأَتَهُ.
ثُمَّ أَعَدَّ عُدَّتَهُ لِرَحِيلٍ طويل.
الفصل الثالث
(۱) ذُهُولُ دَشْيَنْتا» كَانَ أَوَّلَ مَا فَكَّرَ فِيهِ «دَشْيَنْتا» أَنْ ذَهَبَ إِلى صَوْمَعَةِ الشَّيْخِ كَنْفا»: والدِ زَوْجِهِ. فَلَمَّا بَلَغَها رآها خاليةً لا يَسْكُنُها أَحَدٌ. ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ ماتَ مُنْذُ أَعْوامٍ، فَظَلَّ يَبْحَثُ عَنْ زَوْجِهِ النَّاسِكَةِ فِي كل مكان، فَلَمْ يَعْثُرْ لَها على أَثَر.
ففَأَيْقَنَ أَنَّ تِلْكَ التَّاعِسَةَ الْمِسْكِينَةَ قَدْ هَلَكَتْ حُزْنًا – بِلا شَكٍّ – أو الْتَهمتها الوحوش الضَّارِيَةُ.
فَلَمْ يُفِقْ مِنْ ذُهُولِهِ - لَيْلَ نهارَ - وشارَكَهُ الشَّعْبُ فِي حُزْنِهِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ سَبَبَهُ.
(۲) الْعَرَبَةُ الطَّائِرَةُ وذا صَبَاحٍ بَيْنَمَا كَانَ دَشْيَنْتا» يَسِيرُ فِي حَدِيقَتِهِ مُسْتَغْرِقًا فِي هُمُومِهِ، مُتَحسِّرًا على أَيَّامِ السَّعادَةِ الَّتِي قَضاها مَعَ النَّاسِكَةِ فِي الْغَابَةِ - مُنْذُ سَنَواتٍ - إِذْ رَأَى شَيْئًا يَلْمِعُ فِي السَّمَاءِ، وهُوَ أَشْبَهُ بِطَائِرٍ عَظِيمٍ يَقْتَرِبُ مِنْهُ . فَلَمَّا داناهُ (قَرُب مِنْهُ ، إِذا بِهِ يَرَى مَرْكَبَةً تَجُرُّها جِيادٌ مِنَ الْجِنِّ، تَجْرِي مُتَبَخْتِرَةً فِي مِشْيَتِها. وقَدْ أَمْسَكَ بِلُجُمِ الْخَيْلِ سَائِقٌ - لا يَعْرِفُه عَالَمُنا الإِنْسِيُّ - ويُخَيَّلُ إلى مَنْ يَنْظُرُهُ أَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ النُّورِ هَبَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلى عَالَمِنَا الْأَرْضِيِّ. ثُمَّ سَلَّمَ السَّائِقُ عَلَيْهِ قَائِلًا: «تَحِيَّتِي إِلَيْكَ يا دَشْيَنْتا». ألا تَعْرِفُنِي ؟ أنا «ماتالي» – حُونِيٌّ «إِنْدِرا» الْعَظِيمِ - أَوْفَدَنِي لِإِحْضَارِكَ إِلَى سَاحَتِهِ الْمُقدَّسَةِ.»
(۳) رِحْلَةٌ فِي الْفَضاءِ ولا تَسَلْ عَنْ حَيْرَةِ دَشْيَنْتا» مِمَّا رَأَى وسَمِعَ ، فَإِنَّ إِنْدِرا» لَمْ يَدْعُ أَحَدًا إِلَى حَضْرَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ. وهذا تَشْرِيفٌ لَمْ يَظْفَرُ بِهِ مَلِكٌ غَيْرُهُ مِنَ الْمُلُوكِ، وَلَمْ يَكَدْ يَسْتَقِرُّ فِي الْعَرَبَةِ حَتَّى طَارَتْ بِهِ فِي أطباق الْفَضاءِ، وما زالَتْ تَرْتَفِعُ حَتَّى أَبْصَرَ مَمْلَكَتَهُ كَأَنَّها حَبَّةٌ سِمْسِمٍ.
وظَلَّتِ الْخَيْلُ تَنْهَبُ فَضاء الْجَوِّ نَهْبًا، ثُمَّ وقَفَتِ الْعَرَبةُ فَجْأَةً بَيْنَ السُّحُبِ، وطلب «ماتالي» مِنَ الْمَلِكُ «دَشْيَنْتا» أَنْ يَنْزِلَ.
(٤) ساحَةُ «إِنْدِرا» وما كادَ يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمُقامُ حَتَّى تَبَدَّدَتِ السُّحُبُ وذابَتْ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ.
ثُمَّ رأى نَفْسَهُ وحِيدًا في عالَم يَفِيضُ بِالنُّورِ الْإِلهيّ، وسَمِعَ أغاريد الطُّيُورِ وَأَناشِيدَها الْعَذْبَةَ، تُرَتِّلُها عَلَى أَشْجَارِهَا الْمُثْقَلَةِ بِأَحْسَنِ الْأَزْهَارِ. وأحَسَّ قَلْبُهُ أَنَّهُ يَدْنُو مِن سَاحَةِ «إِنْدِرا» العظيم.
وظَلَّ يُسائلُ نَفْسَهُ مَدْهُوشًا : «أَيُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ «إنْدِرا» لِلْأَنَاسِيِّ مِنْ أَمْثَالِنَا؟»
(٥) قَاهِرُ الْجَبَابِرَةِ ولَمْ يَظْهَرْ «إِنْدِرا»، بَلْ ظَهَر – أمامَهُ - صَبِيٌّ قَوِيُّ الْبَأْسِ، مَفْتُولُ الْعَضَلِ، وَقَدْ حَمَل شِبْلًا بَيْنَ ذِراعَيْهِ. وظَلَّ الشَّبْلُ يُحاوِلُ الْفَكاكَ - بِقُوَّةٍ وَعُنْفِ - فلا يَسْتَطِيعُ. وَلَمْ يَبْدُ عَلَى الصَّبِيِّ خَوْفٌ أو اضْطِرابٌ فَدَهِشَ مِنْ شَجَاعَتِهِ ، وصاحَ - مِنْ فَرْطِ الدَّهَشِ وَالْإِعْجَابِ – يَسْأَلُه عَنِ اسْمِهِ. فَأَجَابَهُ الصَّبِيُّ فِي غَيْرِ مُبالاة: «لَسْتُ أَعْرِفُ اسْمًا لِي عَلَى أَنَّهُمْ يُنَادُونَنِي فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ – بِلَقَبِ: «قاهِرِ الْجِبابِرَةِ لِأَنَّنِي أَغْلِبُ الْوُحُوشَ الضَّارِيَةَ، أَمَّا اسْمِيَ الْحَقِيقِيُّ فَلَا عِلْمَ لِي بِهِ.»
(٦) أُمُّ الصَّبِيِّ فَعَجِبَ الْمَلِكُ مِمَّا سَمِعَ، وَشَعَرَ بحُنُوٌّ عَظِيمٍ لهُ. وَقالَ في نَفْسِهِ: «لَقَدْ كُنْتُ أُمَنِّي نَفْسِي بِأَنْ أُنْجِبَ غُلَامًا يَكُونُ وَلِيَّ عَهْدِي، وَيَرِثُ مُلْكِي مِنْ بَعْدِي. وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُسَمِّيَهُ «بهارات». ولَكِنَّ حَظَّيَ الْعَاثِرَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ «ساكُنْتَالا». وَلَوْ بَقِيَتْ لَأَنْجَبَتْ لِي مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ!»
ثُمَّ دَنا مِنْهُ، وَرَفَعَ ذِراعَيْهِ وَهُوَ يَهُمُّ بِمُعانَقَتِهِ ، فَارْتَدَّ الصَّبِيُّ إِلَى الْخَلْفِ صَائِحًا: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمَسَّنِي هَلُمِّي يا أُمَّاهُ فَانْظُرِي مَنْ هَذَا الْقَادِمُ؟»
فَأَجَابَهُ صَوْتٌ رَقِيقٌ: «لَبَّيْكَ يَا وَلَدِي، فَإِنِّي قَادِمَةٌ إِلَيْكَ.»
فَسَرَتِ الرِّعْشَةُ فِي جِسْمِ دَشْيَنْتا»، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَ زَوْجِهِ. وَلاحَ لَهُ أَمَلٌ لَمْ يَكَدْ يَمُرُّ بِخَاطِرِهِ حَتَّى تَمَثَّلَ أَمَامَهُ حَقِيقَةً رَاهِنَةً.
وَسُرْعَانَ ما رَأَى «ساكُنْتالا» ماثِلَةً ( واقِفَةً) أَمامَهُ - وَقَدْ عَلَتْ وَجْهَهَا صُفْرَةٌ وكَابَةٌ - وَلَكِنَّ اصْفِرارَها وَحُزْنَها لمْ يُقلّلا مِنْ جَمالِها، فَقَدْ أَبْصَرَها أَكْثَرَ جَمالًا مِنْها في الغابة.
(۷) الصَّفَاءُ بَعْدَ الْجَفاءِ فَلَمَّا الْتَقَى بَصَرُها بِهِ، لَمْ تُقْبِلْ عَلَيْهِ، بَلْ وَقَفَتْ ساكِنَةً، في إباءٍ وَأَنَفَةٍ. ولكن «دَشْيَنْتا» أَسْرَعَ إِلَيْها ضارِعًا ، وَقالَ لَها مُسْتَعْطِفًا: «لا تَنْفِرِي مِنِّي لا تَتَباعَدِي عَنِّي، بَلِ اسْتَمِعِي إلى قِصَّتِي، ثُمَّ احْكُمِي فِيهَا بِمَا تَشَائِينَ.»
فَأَنصَتَتِ النَّاسِكَةُ إِلى قِصَّتِهِ، فَلَمَّا عَرَفَتْها تَأَلَّقَ وَجْهُها أضاءَ وَلَمَعَ سُرُورًا، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ ذلِكَ مِنْ أَثَرِ لَعْنَةِ السَّاحِرِ.
فَسَأَلَها «دَشْيَنْتا» عَنْ ذلكَ السَّاحِرِ. فَقَصَّتْ عَلَيْهِ قِصَّتَها معَهُ، وَكَيْفَ أَفْقَدَها خاتَمَها – بَعْدَ أَنْ لَعَنَها - وَكَيْفَ عاشَتْ تِلْكَ السِّنين، يتَجَدَّدُ حُزْنُها كُلَّما ذَكَرَتْ قَسْوَةَ زَوْجِهَا عَلَيْها.
(۸) جَبَلُ «إندِرا» فَقالَ لَها «دَشْيَنْتا»: «ولكِنْ خَبَرِينِي: أَيْنَ كُنْتِ مُسْتَخْفِيَةً طُولَ هَذِهِ السَّنَواتِ؟ وَمَا اسْمُ الْمَكَانِ؟ وَكَيْفَ حَلَلْتِهِ؟»
فَأَجَابَتْهُ قائِلةً: «هذا جَبَلُ إِنْدِرا» الْعَظيمِ. وَقَدْ حَلَلْتُهُ بَعْدَ أَنْ خَرَجْتُ مِنْ قَصْرِكَ والهم يَكادُ يَقْتُلُنِي، فَارْتَمَيْتُ على الْأَرْضِ بِاكِيَةً مَحْزُونَةً.
فَأَرْسَلَ إِلَيَّ إِنْدِرا» عَرَبتَهُ ، فَحَمَلَتْني - مِنَ الْأَرْضِ – إِلَى هَذَا الْمَكَانِ.»
فصاحَ الصَّبِيُّ مُتَعَجِّبًا: «مَنْ هذا الرَّجُلُ الَّذِي تُكَلِّمِينَ يا أُمَّاهُ؟» فَأَجَابتُهُ، ودُموعُ الْفَرَحِ تَنْحَدِرُ مِنْ عَيْنَيْها: «هَلْمَّ - يا وَلَدِي – فَعانِقُهُ، فَإِنَّهُ أَبُوكَ!»
(۹) نَصِيحَةُ «ماتالي» وأَيْقَنَ الْمَلِكُ أَنَّ سعادتهُ قد تَمَّتْ، وأَمانِيَّهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أَمامَهُ السَّائِقُ «ماتالي» حُونِيُّ الْعَرَبةِ الطَّائِرَةِ، وصاحَ بِهِ : لَقَدْ بَلَغْتَ ما تَمَنَّيْتَ أَلَيْسَ كذلكَ؟ فَارْجِعْ إِلَى عَالَمِكَ الْأَرْضِيَّ، كما أَمَر «إِنْدِرا» الْعَظِيمُ!»
ثُمَّ اسْتَأْنَف «ماتالي» حديثه إلى الزَّوْجَيْنِ، ونصحهما قائلا: «هَلُمَّ أَيُّهَا الزَّوْجَانِ الْوَفِيَّانِ، وارْعَيا وَلَدَكُما الشَّجَاعَ، فَإِنَّ لَهُ لَشَأْنَا عَظِيمًا فِي الْفُرُوسِيَّةِ والشَّجَاعَةِ. وَسَيكونُ رَأْسَ أُسْرَةٍ كَرِيمَةٍ تُنْجِبُ - أَشْجَعَ مُلُوكِ الْهِنْدِ وَقادَتِها.»
(۱۰) خَاتِمَةُ القِصَّةِ ثُمَّ أَقَلَّتْهُمُ (حَمَلَتْهُم ) الْعَربَةُ إلى عالَمِهِمُ الْأَرْضِيِّ، وهَبَطَتْ بِهِمْ أَمَامَ الْقَصْرِ الْمَلَكِيِّ. وَفَرِحَ الزوجانِ بِاجْتِمَاعِ الشَّمْلِ، وسَمَّيا ولَدَهُما الأمير «بهارات» وَقَدْ صَدَقَ فِيهِ قَوْلُ «ماتالي».
وَعاشَ الْجَمِيعُ فِي أَسْعَدِ حالٍ، وَأَهْنا بال.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.