جلفر في جزيرة الجياد الناطقة


الفصل الأول
(۱) بعد خمسة أشهر
قَضيتُ أَشْهُرًا خمسةً مع زَوْجَتِي وولديَّ. وما أحسبُني أُخْطِئُ الصَّوابَ إِذا قَرَّرْتُ أنني كنتُ خِلال هذه الْمُدَّةِ سعيدًا. وليتَني فَطِنْتُ إلى هذه السعادة، وقدَّرْتُ تلك الْحَياةَ الرَّغْدَةَ الْوادِعَةَ التي نَعِمْتُ بها حِينًا مِنَ الدَّهْرِ.
ولكن الشَّقاء أبى عليَّ إِلَّا أَنْ أَكفَرَ بهذه النِّعْمَةِ، وأُوثِرَ الْمُغامرة في الأسفارِ، وَأَقبل رياسَة سفينة تجارية كبيرة، اختارني أصحابها رُبَّانًا لها، فأعددتُ العُدَّةَ للسفر، وفرحت بهذا الْمَنْصِبِ الجديد الذي أراحَنِي من أعباء مِهْنَتِي الْأُولى، وهي الجراحة، فاستدعيتُ إلى سفينتي جَرَّاحًا ماهرًا اسْمُهُ «روبرت»، وانْتَوَيْتُ مُعَاوَنَتَهُ إِذا اضْطَرَّتْنِي الأحوال إلى ذلك.
ثم أقْلَعَتِ السفينة من ميناء بورتسموث» في الْيَوْمِ السابع من سبتمبر عام ١٧١٠م. ولما جاء اليوم الرابِعَ عَشَرَ من هذا الشهر الْتَقَيْنا بالرُّبَّانِ «بروك»، وكان – حينئذ – رُبَّانًا للسفينة «بِرِسْتول»، وقد جَعل قِبْلَتَهُ خليج «كمبيش»؛ حيثُ يَقْطَعُ الخُشُبَ ويعودُ بِها إلى بلاده.
وسارت السفينتان جَنْبًا إلى جنب؛ حتى إذا جاء اليومُ السَّادِسَ عَشَرَ من الشهرِ هَبَّتْ عاصفة شديدة، انتهت بالفُرْقة بين السفينتين؛ فلم يُكتب لنا اللقاء بعد ذلك اليوم.
وقد علمت – بعد أن عُدْتُ إلى بلدي - أن السفينة «بِرِسْتول» هذه قد غرِقتْ، وغَرِقَ رُبَّانُها وبَجَّارُوها، ولم يَنْجُ منهم إلَّا بَدَّارٌ صغيرٌ هَيَّأ له الْقَدَرُ أَسبَابَ النَّجَاةِ بِأُعْجُوبةٍ.
وكان هذا الرُّيَّانُ مثالاً من أمثلة الظَّرْفِ والبراعة، وقد شهد له كلُّ من عرفه بالمهارة في قيادة السُّفُن. ولكنه كان – على ذلك – شَدِيدَ العِنادِ، لا يقبلُ الْخُضُوعَ لرأي غيره، بالغا ما بَلَغَ من الرَّجاحَةِ والأَصالة. وأَعْلَبُ الظَّنَّ أَن هذا الْعَيْبَ هو الذي أَسْلَمَهُ إِلى حَتَّفِه، وكان سبب هلاكه وهلاكِ رفاقه.
ولو أنه أَقْلَعَ عن عناده، وترك الاستبداد برأيه، وأخذ بنصيحتي، لكُتِبَتْ له الْعَوْدةُ إلى بلاده سالِمًا، فلقي أُسْرَتَه كما لقيتها، ولكن هكذا كان!
(۲) مُؤَامَرَةُ الْهَمَجِ
وأراد الله أن تُصاب جمهرةٌ من رفاقي بالمَرضِ - في أثناء الرحلة – وأَن يُسْلِمَهُمُ المرضُ إلى الهلاك. فلم أَرَ بُدا من الاستعانة بجماعة مِنَ الْهَمَجِ؛ لِيَحُلُّوا مَحَلَّ رفاقي في السفينة، وكان سوادهم من صَيَّادِي الثَّيرانِ الْوَحْشِيَّةِ.
وقد ندمتُ أَشدَّ النَّدم لاختيار هؤلاء الْخَوَنِةِ؛ فقد تكشَفَتْ لِي مَساوِتُهم، وتَبَيَّنَ لِي خُبْثُ نفوسهم، ولُوْمُ طَبَائِعِهِمْ.
وبعد قليل من الزمن أمرني هؤلاء الْهَمَجُ بالرُّسُوِّ في بلدٍ قريب. وكان معي بالسفينة خمسون رجلًا، وكنتُ مُوَزَّعَ الفِكْرِ بين ثلاث: الاِتِّجار مع أَهْلِ «إفريقية»، وكَشْفِ الْأصقاع المجهولة جُهْدَ طاقَتِي، وقيادةِ هذه السفينة. فانتهز الْأَوْغَادُ الفرصة؛ فأفسدوا علي بقية البَحَارِينَ، ثم اثْتَمَرُوا بي، وأَبْرَمُوا خُطَّتَهُمُ الخبيثة للقبض علي، والاستيلاء على سفينتي.
(۳) تنفيذ المؤامرة
وذا صباح اقْتَحَمُوا غُرفتي، وانقضُوا عليَّ، وشَدُّوا وَثَاقِي، وتوعَدُوني بالهلاكِ، وأقسمُوا لَيَقْذِفُنَّ بي إلى البحرِ، إِذا هَمَمْتُ بمقاومتهم، أو فكَرْتُ في الدفاع عن نفسي.
فقلتُ لهم وقد رأيتُ أن كلَّ مقاومة لن تُثْمِرَ إِلَّا شَرًّا: «لقد أصبحت – منذ اليوم – سجينكم. وإني أُقسم لكم على الخضوع، ولن أَعْصِيَ لكم أمرًا.»
فاطمأنوا إِليَّ، ووثقوا بقسَمِي؛ فَحَلُّوا وَثاقي، واكْتَفَوْا بربطِي إلى عمودِ سَرِيرِي الخشبي. ووكَّلُوا أَحدَ الحُرّاسِ بمُراقَبَتِي وحِراسَتِي، وأَمرُوهُ بشَجّ رأسي وتحطيمه إذا حاولت الفَكاكَ مِنَ الْأَسْرِ، وَأَوْصَوْهُ بتقديمِ الطَّعامِ والشراب لي، ثم تَوَلَّوْا قيادة السفينة إلى حيثُ يشاءُونَ.
وكان أَكبَرَ هَمِّهِم أَنْ يَتَّخِذُوا من هذه السفينة أداةً لِلصُوصِيَّةِ، وسَلْبِ السفن التجارية كلَّ ما فيها. فقر رأيهم على بَيْعِ ما في سفينتي - من البضائع – في أقرب مدينةٍ يَحُلُّون بها؛ فإذا تم لهم ذلك، ذهبوا إلى جزيرة «مَدَغَشْقَرَ»؛ فأخذُوا منها جمهرة من الأهْلِينَ، ليعاونوهم في قيادة السفينة. وكانوا مُضْطَرِّينَ إلى ذلك؛ لأن المرض قد أهلك كثيرًا من البحارة، بعد أن تم لهم اعتقالي.
وقد سارت السفينة أسابيع عدةً، وظلُّوا يبيعون ما لديهم من البضائع، ويَسيرون في مجاهِلَ - من البحر - لا عَهْدَ لي بها؛ لأنني كنتُ أجهلُ – بعدَ أَن أَسَرُوني – خُطَّةَ السير التي اختاروها. وظللْتُ أَرتقب حيني بين لحظة وأخرى؛ لأنهم هَدَّدوني بالقتل أكثر من مرَّةٍ، ولم يكن يمنعهم عن تنفيذ وَعِيدِهم أي مانع.
(٤) خَاتِمَةِ الْمُؤَامَرِةَ
وفي اليوم التاسع من مايو/ أيار عام ۱۷۱۱م دخل غُرفَتِي أَحدُ المُؤتَمِرِينَ وَاسْمُه «جاك» وقال لي: «لقد أَمَرنِي رُبَّانُ السفينة أَن أُنْزِلَك إِلى الشَّاطِئِ.»
فسألته عن السبب فلم يُجِبْني بشيء. وحاولت عبثًا أَن أَعْطِفَه عليّ، وظَلَّلْتُ أَضْرَعُ إليه مرةً، وأَحْتَج عليه مرةً أخرى؛ فلم تُجِدْنِي الضَّراعةُ، ولم ينفعني الاحتجاج. فسألته عنِ اسْمِ الرُّيَّانِ الجديد، فكان جوابَهُ الصَّمْتُ.
على أن المؤتمرين قد أذِنُوا لي أن أرتدي أفخر ثيابي، وأن أحمل معي كل ما أحتاج إليه من متاع.
وتلطَّفُوا بي؛ فلم يفتشوا عَمَّا في جُيُوبِي، وكان بها قليلٌ من النقود، وبعض الأدوات الصغيرة الضرورية.
ثم حملوني إلى زَوْرَةٍ صغير، وساروا به نحو ميل، حتى وصلنا إلى الشاطئ، فسألتهم: «أي البلاد هذه؟»
فأقسَمُوا إِنهم يَجْهَلُونها، ولا يعرفون عنها أكثرَ مِمَّا أعرِفُ، وأخبروني أن الربان قد أصدر قراره – منذ أيامٍ - بالتَّخَلُّص منّي في أول فرصة، بعد أن تم له بَيْعُ كلّ ما في السفينة من بضائع.
(٥) فِي أَرْضِ مَجْهُولَةٍ
ثم تركوني واقفًا على الشاطئ، ونصَحُوا لي أنْ أُعَجِّلَ بالذَّهاب بعيدًا عنه؛ حتى لا يُغْرِقَنِيَ الْمَد – وهو وشيك - ثم ودعوني وعادُوا بِزَوْرَقِهِم إلى السفينة مسرعين، ينهبون البحر نَهْبًا.
ولم أجد مناصًا في ذلك الموقف الحرج منَ الْإِسراع - كما أوْصَوْنِي – إلى تلك الأرض المجهولة التي لا أعلم عنها شيئًا.
وما زِلْتُ سائرًا حتى تَخطَّيتُ رِمال الشاطئ كُلَّها، وحَلَلْتُ بِالْأَرْضِ الصُّلْبَةِ؛ فجلستُ أستريح من عناء السير، وأفكّر فيما أنا قادم عليه من أخطار وأهوال.
وأَكْسَبَتْنِي الرَّاحة شيئًا من القوة؛ فتقدَّمتُ سائِرًا في تلك المجاهل، وقد تملك نفسي اليأس؛ فاعتزمت أن أُسْلِمَ نفسي إلى أوّل من يلْقانِي في الطريق، ورأيتُ أن أرْشُوَ من يقابلني مِنَ الأَهْلِينَ ببعض الخواتم والطَّرَفِ الصغيرة التي لا يخلو منها جَيْبُ سائح، وكانت جُيُوبي مَلْأَى بأمثال هذه الهدايا والتحف.
ورأيتُ جَمهرةً من الأشجارِ مُبَعْثَرةً في أثناء الطريق على غير ترتيب، كأنما أخرجتها الطبيعة، ولم تُنَظَّمها يد إنسانٍ، وما اجْتَزْتُها، اسْتَقْبَلَتْنِي مَراعٍ فسيحةٌ، وحقول واسعة مِنَ الشَّوفان؛ فمشَيْتُ خِلالَها منتبها حَذِرًا خَشْيَةَ أن يفاجِتَني سَهْمٌ من سهام الأهلينَ؛ فيقضي على حياتي.
(٦) آثارُ السُّكَّانِ
ورأيتُ أمامي سبيلًا مَطْرُوقةً، فيها آثار أقدام إنسانية، وآثار حوافر البقر والخيل. ورأيتُ دواب جاثِماتٍ على شجرة، وبدا لي منها وُجوهٌ غريبةٌ مُشَوَّهَةٌ؛ فَدَبَّ دبيب الخوف إلى قلبي، وأسرعتُ إلى كَوْمَةٍ من العلف، فاسْتَخْفَيْتُ في أثنائها، وظَلَّلْتُ أُنْعِمُ النظر فيما أرى أمامي من تلك الوجوه المشوَّهة. وقد هالَني ما رأيتُه من الشعر الطويلِ الْمُتَدَلِّي على وجوهها ورقابها، وأَبْصَرْتُ لبعضها شَعْرًا جَعْدًا، وللبعض الآخَرِ شَعْرًا سَبْطًا مُرْسَلًا.
وزاد عَجَبِي منها حينَ رَأَيتُ صُدُورَها وظهورها وأرْجُلَها مُغَطَّاةً بشعر كثيف، وقد نَبَتَتِ اللَّحَى - في أذقانِها - فكانتْ في وُجُوهِها أشبه باللّحَى التي تَنبُتُ فِي أَذْقَانِ الْجِدَاء.
أما بقيةُ أجْسادِها العارية، فَلَيْسَ فيها شَعْرٌ؛ وَألْوانُها تَمِيلُ إِلَى السُّمْرَةِ، وقد تَدَلَّتْ على ظهورها خُصَلٌ طويلةٌ من الشَّعرِ، وليس لها ذيول في مُؤَخِّراتها.
ورأيت هذا الحيوان يجلس - كما يَجْلِسُ النَّاسُ - ويقفُ على رِجْلَيْهِ كما نَقِفُ، ويتسلق الأشجار في سرعة عجيبة، ويقفز إليها في مِثْلِ خِفَّةِ السِّنْجَابِ، وله مَخالِبُ طويلة مُلْتَوِيَةٌ في أَرْجُلِهِ الخلفية والأمامية.
وإناث هذا الحيوان أضألُ جسمًا من ذُكُورِه، ولها شعر طويلٌ مُرْسَلٌ ناعم، وليس في وجوهها شعر، ولا يَنْبُتُ في أَجسادِها منه إلَّا خُصَلٌ قليلةٌ. وأَقْداؤُها مُدَلَّاةٌ بين أرجلها الأمامية، وربما مَسَّتْ ثُدِيُّها الأرضَ، في أثناء سيرها. ورأيتُ لبعضها شعرًا أسمر، وللبعض الآخر شعرًا أَحمر، أَوْ أَسودَ، أَو أَصْفَرَ.
وجُمَّاعُ القول أن هذا الحيوان قد تمثّل لي في أَبْشَعِ صُورَة رأتْها عَيْناي، وإنني لم أَشعُرْ - طُول حياتي - لأي جنس من أجناس الحيوان، بِمِثْلِ ما شَعرتُ به من الكراهية والْمَقْتِ لهذا الحيوان المخيف.
(۷) مَخْلُوقاتٌ بَشِعَةٌ
ورأيتُني قد ضِقْتُ ذَرْعًا بهذا المخلوقِ التَّعِسِ، فلم أُطِقِ النَّظَرَ إِليه؛ فخرجْتُ من مَخْبَئِي نافِرًا مُشْمَئِزًا مُتَقَرِّزَ النَّفْسِ، واستأنفت السير في طريقي، آملا أن أهتدي إلى كُوخِ بعض السُّكَانِ. ولكني لم أَلْبَثْ أَنْ فُوجِئْتُ بَعْدَ خُطُواتٍ يَسِيرَةٍ بِحَيَوان من ذلك الجِنْسِ البَشِعِ الذي وصفته. فما أَبْصَرَنِي حتى تَملَّكَتْه الدَّهْشَةُ، وبَدَتْ على أَسارِيرِهِ أَماراتُ الْوَحْشِيَّةِ؛ فكَثَّرَ عن أَنْيابِه، فَكَأَنَّما لم يَرَ طَوال حياته حيوانًا في مثلِ صورتي. فدَنَا مِنِّي، ورفع إحدى رجليه الأماميّتين، وما أدري لذلك سببًا؛ فلم أستطِعْ أَن أَتبَيِّنَ مَقْصِدَه من هذه الحركة: أهو التَّرْحِيبُ أَمِ الْغَدْرُ!
فاسْتَلَلْتُ سَيْفِي، وضربتُ بِصَفْحَتِهِ ذلك الحيوان، وقد أثرْتُ أَن أَضْرِبَه بِمِثْنِ السَّيْفِ - دُونَ حَدَّه - لأنني لم أقصد إلى قتلِهِ أَو جَرْحِه، حتى لا أُسيء إلى أصحاب هذا الحيوان.
ولما رأى ما فعلتُ فَرَّ هاربًا، وانْطَلَق يُصَوِّتُ، ويُرْسِلُ صَرَخات عاليةً مُدَوِّيَةً في الفضاء؛ فأقبل – لنجدته - أربعون دابَّةً في مثْلِ شكله وهيئته، واندفعت صَوْبِي، وهي تصيحُ مُكَشِّرَةً عن أنيابها، مُنذِرةً مُتَوَطَّدَةً. وعلا صَخَبُها؛ فانطلقتُ أعدو حتى بلغت شجرةً، فاعتمدت على جِذْعِها، ولَوَّحْتُ بسيفي أمام هذه الجمهرة الشَّرِسَةِ؛ فقفز كثير منها على أغصان الشجرة، وأمطرني وابلا من أقذاره. ورأيتُ الخَطرَ يشتد؛ فتشبَّثْتُ بالشجرة – بكل قوتي – حتى آمن شر هذا الحيوانِ الشَّرِسِ وأَتَّقِيَ أَذاهُ، ولكنني كنتُ أختنق من رائحة أقذاره الكريهة التي غمرني بها.
(۸) صَهِيلُ الجَوادَيْنِ
وإِنِّي لَأُعاني - من هذا المأزق الحَرِج - ما أُعانِي، إِذْ تَنَسَّمْتُ الفرج بعد الضيق، حين رأيتُ أسراب هذه الدَّوابِّ الكريهة تَفِرُّ هاربَةً، وتَعْدُو مُنْطَلِقةً في سُرْعَةِ الخَائِفِ المذعور. فشجعني ما رأيتُ عَلى تَرْكِ الشجرة، واستأنَفْتُ سَيْرِي، وأنا شديدُ العَجَبِ مما حدث، وظللْتُ أُحِدِّثُ نفسي، مدهوشا: «تُرى ما الذي أخاف الدَّوابَّ وفَزَّعها، فَانْطَلَقَتْ فِي عَدْوها، لا تلوي على شَيْء؟»
ونظرتُ - يَمْنَةً ويَسْرةً - لعلي أتعرَّفُ السببَ؛ فرأيتُ جَوادًا مُقْبِلًا عَلَيَّ، يَمْشِي مُتَبَخْتِرًا - في وَقارِ عَجِيبٍ - وَسطَ حَقل قريب. وكان مَقْدَمُ هذا الجواد النبيل سببًا في إنقاذي من الورطة، وفكاكي من الحصار.
ثم دنا مني هذا الجواد، ووقف أمامي، ثم تراجع إلى الوراء، ثم أجال بصره في، وظل يُنعِمُ النظر، ويُجِيلُ لِحاظهُ في كل ناحية، ويدورُ حَوْلي مراتٍ عدةً، وقد بَدَتْ عليه أمارات الدهشة والعَجَبِ.
وبدا لي أن أستأنف السير في طريقي، ولكنه اعترضني، ووقف أمامي ينظر إليَّ بعين وادِعَةٍ مُؤْنِسَةٍ، ولم يُبْدِ شيئًا من الشَّراسَةِ والعُنْفِ، وَظَلَّ كِلانا يُنْعِمُ النظر في صاحبه وقتًا غير قصير. ثم عَنَّ لي أنْ أُرَبِّتَ رَقَبَتَهُ مُتَوَدِّدًا، كما يُرَبِّتُ السَّائِسُ الجواد الغريبَ لِيُؤْنِسَهُ ويُلاطِفَه.
وكأنما أغضبته مني هذه الجُرْأةُ، ورأى في تَحِيَّتِي تَوَقَّحًا عليه فبدت على وجهه دلائل الاحتقارِ والاِزْدِراءِ، وهَزَّ رأسَه، وقَطَبَ حاجِبَيْه، وشَمَخَ بأنفه، ورفع إحدى رِجْلَيْه الأماميتين - في عِزَّة واستكبار - مُشِيرًا إلي أن أرفع يدي. ثم صَهِل الجواد ثلاث مرات أو أربعًا، وحَمْحَمَ. فَدَهِشْتُ من صهيله وحَمْحَمَتِهِ، فقد سمعتُ في جَرْسِهِ ما لم أسمعه من جواد قبله، وخُيِّلَ إِليَّ أنه يتكلم لغةً بعينها، فقد سمعتُ من اخْتِلافِ نَبَراتِ صَوْتِهِ، وَتَنَوُّعِ لَفْظِهِ، وتَبايُنِ جَرْسِهِ، ما أشْعَرنِي أَنها تَنْطَوِي على مَعَانٍ شَتَّى.
ولم يَنْتَهِ من حَمْحَمَتِهِ وصَهِيلِه، حتى أقبل عليه جواد ثان، وظل يتهادى في مِشْيَتِه، حتى داناه؛ فلمَسَ بحافره الأمامية حافِرَ صاحبه، ثم أجابه عن صهيله بِصَهِيلٍ آخر. وَظَلَّ كِلاهُما يُجِيبُ صاحبَه مُتَفَنِّنا في صهيلِه بَنَبرات شتّى، ومقاطع مُتباينة (مُخْتَلِفة)، تُشعِرُ سامِعَها أنَّها ألفاظ مستقلة، تؤدي معاني بِأَعْيانها.
ثم سارَ الْجَوادَانِ بِضْعَ خُطُواتٍ، وهما يُحَمْحِمانِ ويَصْهَلانِ؛ فَكَأَنَّما يتشاوران في أمري. وما زالا يمشيان - جيئة وذهابًا - في جَلالٍ ووَقارِ خَيَّلا إليَّ أن رجلين يتشاوران في بَعْضِ الشُّئُونِ الخطيرة. وكانا لا يكُفَّان عن النظر إلي – في أثناء حوارهما – كأنما خَشِيا أن أُفْلِتَ منهما!
(۹) سادَةُ الجزيرة
واشتدَّتْ دَهْشَتِي وعَجَبِي مما رأيتُ، وقلتُ في نفسي: إذا كانت جياد هذا البلد على مِثْلِ هذه الرَّجَاحَةِ والوَقارِ، فكيف بسادَتِه من الأَناسِيَّ؟ لا رَيبَ أنهم أرجح الناس عقلا، وأوفرهم ذكاء، وأعظمهم أصالة رأي، وصِدْقَ نظر!
و تملكت نفسي هذه العقيدة، فاعتزمتُ التَّجوال في هذه البلاد، لعلي أهتدي إلى قرية أو منزل، أو أُوَفَّقُ إلى لقاء أحد من الأهلينَ. وما هَمَمْتُ بتركِ الجوادين حتى قَطَعا حَدِيثَهما، واتَّجَه إليَّ أحدهما - وكان أزرق تُرَقِّشُه نُقَطٌ بِيضٌ - فظلَّ يَصْهَلُ خَلْفِي صهيلًا مُتتابعًا، واضِحَ النَّبَراتِ، بَيْنَ المقاطع، يُشْعِرُ سامِعَه أن في طَيَّاتِه مَعانِيَ تكاد ألفاظها تُفْصِحُ عن مَدْلُولِها.
فعدت إليه حتى دانيته، وبذلت جهدي في إخفاء ارتباكي واضطرابي، وكانا قد بلغا بِي كل مبلغ، فقد كنتُ حائرًا لا أدري مصير أمري. وفي وُسْعِ القارئ أن يتصوَّرَ حَرَجَ هذا المركز الدقيق وخطورته.
وتكنفني هذان الجوادان، وراحا يُجِيلان لحاظهما، ويُطيلانِ التَّأَمُّلَ فِي وَجْهِي ويدي، زمنا يسيرا.
ثُمَّ دَنا مني أحد الجوادين – وهو الأَزْرَقُ المُرَقَّشُ - فرفع رِجْلَيْهِ الأماميتين إلى قُبَّعَتي، وعَبِثَ بها؛ فنزعتها من فَوْرِي. ودَهِش الجوادُ الْآخَرُ – وهو الجوادُ الأَحْمَرُ – حين أمسك بذَيْلِ ثوبي، فرآه غير مُلْتَصِقٍ بِجَسَدِي؛ فَلَبِثا ينظرُ أحدهما إلى الآخَرِ، وقد بَدَتْ عليهما أمارات الحيرة والعَجَبِ.
ثم وضع ذلك الجواد رِجْلَه على يدي اليُمْنَى، وبدا على سيماه أنه مُعْجَبٌ بلطفها، ورقة ملمسها، وصفاء لونها. ثم ضَغَطَ عليها بين سُنْبُكَيْه وشكاله؛ فاشتد ألمي لذلك، وصَرَخْتُ بأعلى صَوْتِي مُوَلُولًا. فعطف علي الجوادان، ورق قلباهما لي، وظهرت على ملامحهما دلائل الرحمة لما أصابني.
ثم أجالا لحاظهُما في حذائي وجَوْربي، وظَلَّا يَلْمسان الحذاء مرةً، والجَوْرَبَ مرةً. ثم دار بينهما حِوار طويلٌ، هو أقرب إلى حوار فيلَسُوفَيْنِ يُريدان أن يتعرفا ظاهرة غريبة، لا عهد لهما برؤيتها من قبل.
شَدَّ ما عجبت من رزَانَةِ الجوادين، واتّزانِ حَرَكاتِهما، ولم أدْرِ كيف أُعَلِّلُ ما بدا لي منهما من تَعَقَّلٍ وحِكْمَةٍ.
وَخَطَر ببالي أنهما – فيما أُرَبِّحُ - ساحِران، وأنهما قد أُوتِيا القدرة على الحَوْلَةِ (التَّحَوُّلِ) - بما عرَفاه من فُنونِ السِّحْرِ وأساليبه - فاختارا أن يَتَحَوَّلا إلى صُورَةِ الجَوادِ؛ لإنجاز خُطة رسماها، وانْتَوَيا مَعًا أن يُحَقِّقاها. أو لعلهما رأياني قادمًا في طريقهما، فاختارا أن يتمثَّلا في صُورَةِ جوادَيْنِ، لِيَلْهُوا بهذه المفاجأة.
ولعلهما دَهِشا لغرابة مَلْبَسي، واخْتِلافِ سَحْنَتي عن أبناء البلاد، فراحا يُجِيلان أبصارهما في زيّي، ليتعرفا من أي البلاد السحيقة أتيتُ!
(۱۰) لُغَةُ الجياد الناطِقَةِ
وما مَرَّ بِخَلَدِي هذا الخاطر حتى اعتقدته وآمنتُ به، فأنشأتُ أقول لهما: «سَيِّدَيَّ العزيزين! إذا كُنْتُما ساحِرَيْنِ - وما إخالُكُما إِلَّا هكذا - فأنتما بلا رَيْبٍ عارفان بجميع لغاتِ العَالَمِ، وهذا يُتيح لي الفرصة لمخاطبتكما بلُغَتِي، وما إخالُكما تجهلانها على أي حال. فأنا سائح مسكين، رمَتْنِي الأقدارُ - التي لا مَرَدَّ لأحكامها - إلى شاطئ هذه الجزيرة النائية، بعد أن أشْرَفْتُ على الغرقِ. وقد بَرَّح بي التعب؛ فإذا أذِنْتُما لي في ركوب أحدكما – إِنْ صَحَّ أنكما جوادان حقا – حتى تبلغاني بعض المنازل أو القُرَى، فإني أعيشُ بَقِيَّةَ حَياتي شاكرًا لكما هذا الصنيع، وليس عندي ما أُعْرِبُ به عَنْ تقديري وعرفاني لهذا الجميل، إلا هذه المُدْيَةُ الصغيرة وهذا السِّوارُ الجميلُ؛ فاقْبَلاهُما هديّةً مني تُذَكِّرُكُما بي في قابل الأيام.»
ولما أتممت كلامي أخرجتُ المُدْيَةَ والسّوارَ من جيبي، وقدمتهما إلى الجوادين.
وكان الجوادان - فيما رأيتُ يُنْصِتان إلى ما أقولُ إِنْصاتًا. وما أَتْمَمْتُ خِطابي، حتى اسْتَأْنَا حِوارهما صَهِيلًا وحَمْحَمةً، وظَلَّا يتحدثان كأنهما آدميان يتكلمان لغةً غَرِيبَةً لا أَفْهَمُها. وكانَتْ نَبَراتُهما ومَقاطِعُ لَهْجَتِهما تَدُلُّ على ألفاظ مَخْبُوةٍ فِي تَضَاعِيفِها، وتُؤَكِّدُ لِلسامعها أنها كلماتٌ لا يَبعُد أن تكونَ مُرَكَّبَةً من حُروفِ هِجائية، لعلها أيسر وأبسط من الألفاظ والحروف في اللغة الصينية!
(۱۱) الْكَلِمَةُ الْأُولَى
وسمعتهما يُردِّدان - في أثناء حوارهما - كَلِمَةَ «ياهو»؛ فَمَيَّرْتُ هذا اللَّفْظَ مِن خِلالِ حوارهما، وارْتَسَمَتْ أَحْرُفُهُ في خَلَدِي، دون أن أعرِفَ لَهُ مَعْنَى. ولقد أَجْهَدْتُ نفسي، وأرهفتُ أُذُنِي، متتبعا حوارهما؛ لَعَلِّي أَتَبَيَّنُ مَدْلُولَ هذا اللَّفْظِ، فلم أُوَفِّقْ إلى فهم معناه الصحيح. على أنني حاولتُ جُهْدِي أن أنطِقَ بِهِ، مُحاكِيًا نَبَراتِ الجواديْنِ، ودَرَّبْتُ نفسي على ذلك. حتى إذا انْتَهَيا من حوارهما، رُحْتُ أَصِيحُ - بكل قُوَّتِي - مُرَدِّدًا لَفْظَ: «يَاهُو» مَرَّةً بعد أُخرى. وبَذَلْتُ وُسْعِي، حتى لفظتُ هذه الكلمةَ: حَمْحَمَةً وصَهِيلًا، كما يفعلُ الجوادان!
وقدِ اسْتَولَتِ الدهشة على الجوادَيْنِ، فكرَّرَها الجواد الأزرق المُرَقِّشُ مرتين، كأنما أراد أن يُعَلِّمَنِيها، ويُدَرِّبَني على النُّطْقِ بها صحيحةً؛ فلم أتردد في تلبية رغبته، وحاولت إمكاني حتى نطقتها بلهجةٍ مُرْضِيَةٍ قريبةٍ من الإجادة، فيما يلوح لي.
(۱۲) الْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ
وأراد الجواد الأحمر أن يُعَلِّمَني كَلِمَةً أُخرى، ولكنها كانت أصعب من سابقتها، وأشدَّ تعقيدًا في نطقها من الكلمة الأولى.
وسأحاول أن أقرِّبَها إلى القارئ، وأرْسُمَ حُروفَها، على قدر الإمكان؛ فقد عجزت عن النُّطْقِ بها – بادِئَ بَدْءٍ - ولم أستطع ذلك إلَّا بعد مرانةٍ طويلة. أما هذه الْكَلِمَةُ العسيرة النطق، فهي «هويهنهمْ»!
على أنني لم أكد أدانيهما في النُّطْقِ بهذه الكلمة الصعبة، حتى اشتدَّتْ دهشتهما.
ثم تحدثا: صَهِيلًا، وتكلَّما: حَمْحَمَةً. وما أشُكٍّ في أنَّ حِوارهما لم يَعْدُ الحديثَ عَنِّي. ولما انتهيا من حديثهما، اسْتأْذَنَ كلُّ منهما صاحبه في الانصراف؛ فحيا كل منهما الآخر – في أدب ولُطْفٍ - وتلامَسَتْ قَدَماهُما، كما تتصافح يَدَا الصديقين. ثم ذهب الجواد الأحمر في طريقه، وأشار الجواد الأزرق إليَّ أنْ أسير أمامه؛ فلم أتَرَدَّدْ في إطاعَةِ أمره، ولم يكن في وسعي أن أهتدي إلى دليل خير منه.
وكنتُ – إذا تَلَكَّأْتُ في سيري – أسمعه يصيحُ بي مُحَمْحِمًا، يستحِثُني على الإسراع في سيري. وقد أدركتُ غرضه؛ فأشرت إليه إشاراتٍ لِأَفهمه أن السير قد جَهَدني وأضْنَى قُوايَ، وأنني قد عَجَرْتُ عَنْ مُواصلةِ الْمَشْيِ، لشدة ما استولى علي من التعب والإعياء.
وقد فهم الجواد إشارتي، وأدرك ما أَعْنِيه؛ فوقف إلى جانبي متلطفا كريمًا، وأشار إليَّ أَن أَكُفَّ عن السير، وأَنْعَمَ بنصيبي مِنَ الرَّاحِةِ.
الفصل الثاني
(۱) في ضيافة الجواد
وما زِلْنا سائِرَيْنَ، حتى قَطَعْنا أميالاً ثلاثة تقريبًا، ثم انْتَهَيْنا إلى منزل كبير، ولكنه منخفض شديد الانخفاض؛ حيطانه من الخشب، وسَقْفُه من القَشِّ. وما وَصَلْتُ إلى المنزل حتى سرى عني، وبدأت أشعر بشيءٍ كثير من الراحة، ثم اعتزمت أن أُهْدِيَ إلى أهل المنزل لعبا صغيرة – مما تعوّد السائحون أن يُقدِّموها إلى الهَمَج من سُكَّانِ البِلادِ – لِأُدخلَ على نفوس أهل البيت شيئًا من الفَرَحِ والابتهاج.
وقد أدخلني ذلك الجوادُ حُجْرَةً كبيرةً، أَرْضُها من التراب الكَثِيفِ، وهي مُنَسَّقَةٌ أَجملَ تنسيق، وفي أحد أركانِها مَعْلَفٌ طويلٌ. وكان ذلك الجواد على غاية من الأدب والاحتشام. وما أدخلني حتى رأيتُ فيها جيادًا ثلاثةً، وفَرَسَيْنِ أُنْثَيَيْنِ. ولم تكن تلك الأفراس الخمسة تأكل شيئًا - حينئذ - وكان بعضُها جالسًا جِلْسَةَ المُحْتَبِي؛ فزاد ذلك في دَهْشَتِي، وعجِبتُ من قُدْرَةِ هذه الجياد على التَّشَبُّهِ بِالرِّجال في كثير من حركاتها.
ثم تعاظَمَتْنِي الحَيْرَةُ حين رأيتُ الجياد الخمسة مائِلَةً لِخِدْمَةِ هذا السِّيدِ الجواد الذي صَحِبَني إلى بيته.
وكُنْتُ كُلَّمَا أَنْعَمْتُ النَّظَرَ فيها أيقنت أنها جيادٌ حَقًّا، وليستْ سَحَرَةً – كما توهمتُ من قبل - وتمثَّلَ لخاطري رُقِيُّ الشَّعْبِ في هذه البلاد، وقلتُ لنفسي: «إِنَّ شَعْبًا يستطيعُ أن يُهَذِّبَ حيوانه مثل هذا التهذيب، ويَسْمُوَ بِخَيْلِهِ إلى هذا الأَوْجِ، لا بُدَّ أَنْ يكونَ أَوْفَرَ شُعُوبِ العالَمِ ذكاء، وأَرْجَحَهم عقلا!» ودخل السيد الجواد الأزرقُ الْمُرَقْشُ فِي أَثَرِي؛ حتى لا يُصِيبَنِي مِنَ الجياد الأخرى مَكْرُوهُ ولا أَذًى، ثم تحدَّثَ إليها صاهِلًا مُحَمْحِمًا، فِي لَهْجَةِ السَّيِّد الأمر المطاع، فأجابته الأَفْراسُ الأُخْرَى - صاهِلَةً مُحَمْحِمَةً - تَرُدُّ عَلَى خطابه إليها.
(۲) هَوَاجِسُ «جَلِفَر»
ثم استأنفَ الْجَوادُ سيره - وأنا في أَثَرِه - حتى اجْتَزْنَا حُجْرَتَيْنِ أُخْرِيَيْن، وأشار إلي هذا السيد أن أتريث في مكاني حتى يعود، وتركني مُنفردًا، ثم دخل حُجْرَةً ثالثةً.
وأعددت الهدايا لأقدِّمها إلى صاحب البيت وزوجته، وأخرجت من جيوبي مُدْيَتين، وثلاث أساوِرَ مِنَ اللُّؤْلُؤ الزَّائِفِ، ومِرْأَةً صغيرةً، وقلادةً مِنَ الزُّجاج.
وسمعت صوت الجواد - وهو يصهل مرتين أو ثلاثًا – فأرهفتُ أُذْنَيَّ؛ لَعَلِّي أسمعُ جواب إنسان، أنَسُ بقُرْبِه بعد وحشة، واعتقدت أنَّ صاحب البيت سيحضر بعد قليل.
ولكن ما توقعته لم يَحْدُثْ، فقد سمعتُ صهيلاً وحَمْحَمةً - داخل البيت – جوابًا عن صهيل السيد الجوادِ وحَمْحَمَتِه، ولم تَتَبَدَّلْ تلك اللغة.
على أنَّ الصَّهِيلَ - في هذه المرة - ازداد وضوحًا، وأصبحتْ نَبَراتُ الصَّوْتِ – في أُذُنِي - أكثرَ جَلاءً، وكان جَرْسُ الصَّاهِل - حينئذ - أَدَقَّ وأَبْينَ من جَرْسِ السيد الجوادِ الذي قدم معي إلى البيت.
ودار بخلدي أن صاحب البيت عظيم – بلا ريب – من عُظَماء البلد، وأَنَّ خَدَمَه يَحْجُزُونَنِي في هذه الْحُجْرَةِ حتى ألقاه.
ولكن حيرتي كانت شديدةً، فقد كانَ من المحال عليَّ أن أَفْهَمَ أَنَّ عظيمًا من الناس يخْتارُ لِخِدْمَتِه جمهرة من الجِيادِ.
وخشِيتُ أن تُسْلِمَني هذه الوساوس والأوهام إلى الْهُتُرِ والْخَبَالِ، فيتم بذلك شقائي، وظللْتُ أُجِيلُ البصر في أنْحَاءِ الْحُجْرَةِ التي حَلَلْتُ فيها، وكانت شديدةَ الشَّبَهِ بِالْحُجْرَةِ السَّابِقَةِ، وإن امتازت عنها بشيء من الأناقة.
ولم أدْرِ: أَحالِمٌ أنا أم يَقْطانُ؟ فَفَركْتُ عينيَّ لأتثبت مما يكتنفني؛ فلم أَرَ غَيْرَ ما رأيتُ من قبل. ثم شدَدْتُ ذِراعي، ودَلَكْتُ جَنْبِي، لعلِّي أَصْحُو من هذا الْحُلْمِ العَجِيبِ؛ فلم يتبدَّلْ شيء من المناظِرِ الْمُحَيَّرَةِ. وثَمَّةَ أيقنت أنني حَلَلْتُ - بلا شَكٍّ – بِلادَ السَّحَرَةِ والعفاريت.
(۳) سادَةُ البيت
وإنِّي الغارق في هواجسي وخواطري، إذْ عاد إليَّ الجواد الأزرقُ الْمُرَقَّشُ، فقطعَ عَليَّ سِلْسِلَة هذه الأفكار، ثم أشار إليَّ أَن أَدْخُلَ معه الْحُجْرَةَ الثالثة. وما دَخَلْتُها حَتَّى رَأَيتُ فَرَسًا أُنْثَى جالسةً على حَصِيرٍ غاية في النظافة وحُسنِ التنسيق. وكانت هذه الفرسُ آية من آيات الْجَمالِ والْحُسْنِ، ومعها مُهْرٌ جميلٌ ومُهْرَةٌ رَشِيقَةٌ، وكانت ثلاثتها جالسة على سوقها الخلفية، وقد ثَنَتْها تحت أعجازها.
وما دَخَلْتُ هذه الْحُجْرَةَ، حتى وقفتْ تلك الفرسُ، ومَشَت نَحْوِي حتّى دانتني، ثم أجالتْ بَصَرَها فيَّ، وأنعمتِ النظر في وجهي ويَدَيَّ، ولم تَنْتَهِ من ذلك حتى نظرت إليَّ بازدراء واحتقار.
والتفتت تلك الفرس إلى الجواد، وظَلَّتْ تَصْهَلُ – وهي مُحْنَقَةٌ غَضْبَى – وكان زَوْجُها يجيبها بلغته، ثم تَرُدُّ عليه، وهكذا دَوَالَيْكَ.
واسترعى سَمْعِي أنهما كانا يُكثِرانِ من ترديد كلمة «ياهو»، وكنتُ – إلى هذه اللحظة – أجهل معناها، وإن كانت هي أول كلمةٍ دَرَّبْتُ نفسي على النُّطْقِ بها من هذه اللغة الصاهلة.
على أنني استطعتُ أن أتعرّف معنى هذه الكلمةِ الْمَشئُومةِ فيما بعدُ. وَمَا عَرَفْتُ مَدْلُولَها حَتَّى تَمَلَّكَنِي الْغَمُّ، واستولى على الحزن والألم.
(٤) «الياهو»
وقد أشار إليَّ الجواد برأسه أن أتْبَعَهُ؛ فَسِرْتُ في إِثْرِه حتى وَصَلْنَا إِلى فناء يصلح لتربية الدَّواجِنِ من دَجَاجِ وَطَيْرٍ. فلما اجْتَزْناهُ رأيتُ فناءً آخرَ على مسافة قريبة منه. فَلمَّا دخلناه استرعى بصري ثلاثة مخلوقات مقلوبُو السَّحَنَاتِ، مُشَوَّهُو الوجوه، ذكرتني بتلك الْمَخلوقاتِ التَّاعِسَةِ التي اعترضتني عندما حللت الجزيرة.
ورأيتُ في أعناقها سلاسل وأغلالاً، وكانت حينئذ مشغولة بالتهام بعض الْجَزَرِ، وتمزيق ما أمامها من اللحم. وقد علمتُ - حينئذ - أنَّ اللَّحْمَ الذي قدموه إليها هو لحم حمار، ولحم كلب، ولحم بقرة. وكان النَّهَمُ بادِيًا على أساريرها، وهي مُقْبِلَةٌ على تمزيقه في شَرَةٍ عجيب.
ثم أمر السيد الجواد حصانًا صغيرًا أَشقَرَ أنْ يأتي بأحد هذه المخلوقاتِ التَّعِسَةِ، بعد أَن يَفُكَّهُ من قَيْدِه. فذهب الخادم إلى أكبر حيوان منها وأحضره، ثم وقف السيد الجواد ومُهْرُهُ الخادم يتأمَّلانِ في وجْهَيْنا، ويُطيلان الفحص في دِقَّةٍ واهتمام، ثم ردَّدا كلمة «ياهو» مَرَّاتٍ عِدَّةً.
وليس في مَقْدُودِي أَنْ أَصِفَ ما استولى عليّ من الهَلَعِ والدَّهْشَةِ وَالْحَيْرَةِ، حين تبينَ لي أن «الياهو» - في مظهَرِه وشكله الخارجي - أقرب المخلوقاتِ شَبَها بالإنسان، وإن لم يَكُنْه عَلَى التَّحْقِيقِ.
وما أراه يختلف – عن بَنِي الإنسان – اخْتِلَافًا جَوْهَرِيًّا، فلستُ أُنكِرُ أنه عريض الوجه، مُسَطَّحُهُ، وأنه أَفْطَسُ الأنف، غليظُ الشَّفَتَيْنِ، واسعُ الفم. ولكن هذه السمات – وإِن فَرَّقَتْه عَنَّا - لا تفصله عن الْجِنْسِ الآدمي كُلِّهِ؛ فإن أكثر الهمج وسَوادَ المتوحشين يُشْبِهُون هذا المخلوق، أو يُدَانُونه في الشَّبَهِ.
والأمهات – في تلك الشعوب - يُرْقِدْن أبناءَهُنَّ ووجوههم إلى الأرض، ويحملنهم على ظهورهنَّ؛ فتَضغَط أكتافُ الأمهات على أُنُوفِ الأبناءِ فَتُفَلْطِحُها. ومتى كبر أطفالهن، أَصْبَحُوا فُطْسَ الأُنُوفِ.
ولهذا «الياهو» يدانِ تُشْبهانِ أَيْدِينَا، وإن كانتِ الأَظافِرُ طويلةً جِدًّا. أَمَّا بَشَرَتُه فهي سمراء صُلبَةٌ، مُغَطَّاةٌ بالشعر، وساقاه تُشبهان سوقنا، وأظافرُ قَدَمَيْه طويلة كأظافر يَدَيْهِ.
ولا تختلف بقية أعضاء جسمه عن أعضائنا في شيء، ما خلا اللون والشعر.
وإِنما أَدْهَشَ الجواديْنِ وحَيَّرَ عَقْلَهُما ما رَأَيا من الفَرْقِ العظيم بيني وبين «الياهو» الممقوتِ. وكان مصدر هذا الخلاف يرجع إلى ثيابي التي تستر جسمي، ويَحْسَبُها الجياد فارقًا جَوْهَرِيًّا بيني وبين هذا الحيوان. وللجياد العذر؛ فلم يَكُنْ لَها سَابِقُ عَهْدٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الثَّيابِ؛ فلا عَجَبَ إِذا دَخَلَ فِي رُوعِها أَنَّهَا جُزْءٌ من جِسْمِي.
(٥) طَعامُ «الياهو»
ثم قدم إلي ذلك الجواد الصغير شيئًا من الجزَرِ، وكان يُمسِكُ به بين حافره وسُنْبُكه. وما تَعَرَّفْتُهُ حتى رَجَعْتُه إليه، في أدب واحترام عظيمين. فذهب إلى مكان «الياهو»، وعاد بقطعة من لحم حمار، فلما شمَمْتُ رائحتها تَقَزَّزْتُ، واشتدَّ نُفُورِي واشْمِثْزازي منها؛ فألقى بها الجواد إلى «الياهو»، فَالْتَهَمَها في شَرَةٍ وَنَهَمٍ.
ثم أشار الجواد الخادِمُ إِلى كَوْمَةٍ من العلَفِ، وكِيس مملوء بالشوفان، فهزَزْتُ رأسي إيذانا بالرفض؛ فأدرك أنني لن أقبل شيئًا من هذه الأطعمة المختلفة كلها.
واشْتَدَّ بِيَ الْجُوعُ، وخَشِيتُ أَن أَهْلِكَ في هذه الجزيرة، بعد أن عَجَرْتُ عن الاهتداء إلى طعام صالح لغذائي، أو إنسانٍ يَشْرَكُني في الحديثِ، ويهديني إلى غذاء أُقِيمُ به أَوَدِي.
أما أولئك «الياهو» الحُقَراءُ، فإني لا أُطيقُ رؤيتهم. ولستُ أُنكِرُ أنني صاحبت كثيرًا من أشباههم من بني الإنسان في بلادِي من قبل، ولكنني شَعَرْتُ بنفُورٍ شديد، وكراهية نادرة لهم في هذه البلاد الموحِشَةِ، وأصبحتُ كُلَّما أطَلْتُ التأمل فيهم، اشتد مَقْتِي لهم وبُغْضِي إياهم.
ورأى السيد الجواد في سيماي دلائل الضَّجَرِ والألم؛ فأمر خادمه أن يَرجِعَ «الياهو» إلى مكانه، ثم رفع إحدى قدميه الأماميتين في سُهُولةٍ عجيبة أدهشتني، وأشار بها إلى فيه، كأنما أراد أن يسألني عما أكله؛ فلم أعرف كيف أُجِيبُه، وما أظنُّه قادرًا على تهيئة الطَّعامِ الذي تشتهيه نفسي إذا طلبته منه.
ومرَّتْ - في هذه الأثناء - بقرة - فأشرت إليها بإصبعي. فلما وقفوها أشرتُ إلى ضَرْعِها؛ فأدرك السيد الجواد أنني أُريدُ أن يَحْلُبُوا لي شيئًا من لبنها؛ فأشار إلي أن أَتْبَعَه إلى منزله، ثم أمر خادمه أن يفتح لي حُجْرَةً أُخْرى؛ فرأيتُ فيها كثيرًا من الآنية مملوءةً لَبَنًا، وقد صُفّتْ بعضُها إلى بعض، وهي غاية في النظافة وحُسْنِ التنسيق.
ثم أعطاني الخادم طَبَقًا مملوءًا بالْحَلِيب؛ فَشَرِبتُه سائِعًا هنيئًا، وشعرتُ – حينئذ – بالحياة تدبُّ في عُرُوقِي بعد أَن جَهَدَنِي الْجُوعُ.
(٦) فِي حُجْرَةِ المائدة
ولما حان وقت الظهر، رأَيتُ مَرْكَبَةً يجرُّها أربعة من «الياهو» إلى المنزل، وقدِ اعْتَلاها جَوادٌ حسن المنظرِ، يَلُوحُ لي أنه جليلُ القَدْرِ، عظيمُ الخَطَرِ. ثم نزل ذلك الجواد من الْمَرْكَبَةِ على قائِمَتَيْهِ الخلفيتين؛ لأن رِجْلَه الأمامية اليسرى كانت مجروحة، فلم يستطع السير عليها.
وكان هذا السيد الجواد قادمًا إلى البيت ضيفًا كريمًا على صاحبه؛ فَلَقِيَه رَبُّ البيتِ في أدب واحترام، وجلسا يَأْكُلان في أفخمِ حُجْرَةٍ. وكانت المائدة حافلة بالشوفانِ أُغْلِيَ في اللبن، وقد شربه الجواد الهرم ساخنًا، أما بقيةُ الجِيادِ الأخرى، فقد آثرت أن تشربه باردًا.
وكانت الموائد مَصْفُوفَةً في وَسَطِ الحُجْرَةِ على شكل دائرة، وهي مقسمة أقسامًا عدَّةً، وجلست الجيادُ أَمامَها عَلَى كوماتٍ من القَشِّ. وكان في وسَطِ الْحُجْرَةِ مَعْلَفٌ كَبِيرٌ مقسَّم أقسامًا كثيرةً، بحيثُ يأكل كلُّ فرس منها نصيبه منَ العَلَفِ والشوفان واللبن على انفراد. وكانوا يأكلون ويشربون في أدب واحتشام عجيبَيْنِ.
وكانت المهور الصغيرة غاية في الدَّماثَةِ، وحُسْنِ الذَّوقِ، وقد بدا إجلالُها وتَوْقِيرُها لشيوخ الجِيادِ واضِحَيْنِ لِلْعِيانِ. وكان أصحاب البيتِ غاية في اللُّطْفِ والسَّماحة مع ضُيُوفِهِمُ الْأَعِزَّاءِ.
وقد استدعاني الجواد الأزرق المرقَّشُ، وأمرني بالجلوس إلى جانبه. وسمعتُه يُلْقِي إلى جاره محاضرة طويلة، أغلب الظَّنِّ أنها كانت عَنِّي فإني رأيتُ ذلك الجار ينظر إلي مرةً بعد أخرى، وسمعتهما يردّدان كلمة (ياهو» في حوارهما الطويل.
ثم عَنَّ لِي أَنْ أَلْبَسَ قُفازي، ولم أَكَدْ أفعل حتى دَهِش السيد الجواد الأزرق المرقش، وحار فيما رآه، وعجب كيف تغير شكل يدي، واستحال إلى ما يراه. فأشار إليَّ إشارات تدلُّ على دهشتِه وعَجَبِه، ولَمس يديّ برجله مرتين أو ثلاثًا، ثم أشار إلي أن أُعيدهما إلى شكلهما الأول. فلم أتردد في تلبية رغبته. وخَلَعْتُ القُفَّازَ – من فَوْرِي – ووضعته في جيبي كما كان. فلما رأوا ما صنعتُ تَعاظَمَتْهُمُ الحيرة. واسْتَوْلَتْ عليهم الدهشة.
وقد اشتدَّ عَجَبُ الحاضرين، حينَ طلب إليَّ رَبُّ البيتِ أن أنْطِقَ بالكلمات الصاهِلَةِ التي تعلّمتُها منه، وكان قد علَّمني - في أثناء العشاء – أسماء الشوفان واللبن والنار والماء، وما إلى ذلك منَ الضَّرُوريّات. وكان ينطقُ الكلمةَ فَأُردِّدُها أمام الحاضرين في سهولة نادِرِةٍ. وقد أعانني على ذلك ما أَكْسَبَتْنِيه مَرانتي على تعلم اللغات المختلفة – في أثناء تجوالي وأسفاري المختلفة - فلم أجد عناءً في فهم هذه الكلمات وترديدها في زمن وجيز.
(۷) طعام «جلفر»
ولما انْتَهَوْا من طعامِ العَشَاءِ انْتَحَى بي ربُّ البيتِ جانبًا، وأَعْرَبَ لي عن ألمه وحُزْنِهِ بِإِشارات شتّى، وألفاظ مُوجَزةٍ مُقْتَضَبَةٍ، وذكر لي ما يُساوِرُ نفسَه مِنَ الْحُزْنِ وَالْقَلَقِ عليَّ، لأنني لم أشركهم في طعامهم.
ثم ردَّدتُ أَمامَه لَفْظَ «الشوفان» - وكنتُ قد تعلَّمتُهُ في لغتهم – ونطقته مرتين أو ثلاثًا؛ فأدرك أنني أُوثرُ هذا الطعام على غيره من ألوان الأطعمة عندهم.
وقد اقتنعت - بعد طول التأمُّلِ والرَّوِيَّةِ - أن الشوفان أقرب الأغذية إليَّ – إذا مزج باللبن - ليَحْفَظَ كياني حتّى لا يتهدم. ولم يكُنْ لي بد من ذلك بعد أن رأيتُ الْأَغذية كلها لا تلائمني. وقد عَوَّلْتُ على أن أُعَوِّدَ نفسي هذا الطعامَ الكَرِية، حتى تُتاح لي فرصة للفرار من هذه البلاد إلى مكان آخر فيه ما تشتهيه نفسي من الطعام.
فأمر السيد الجواد فرسًا بيضاء - من خَدَمه - أن تُحضر لي شيئًا من الشوفان. ولم تمض لحظة قصيرة حتى عادت تحملُ صَحْفَةً كبيرةً من الخشب، مملوءة بالشوفان.
فوضعت الشوفان في الفُرْنِ، وصَبَرْتُ عليه حتى أنضجَتْه النارُ. ثم فَرَكْتُه بِيَدَيَّ – بعد أن برد - حتى فَصَلتُ قِشْرَه عنه، ثم طَحَنْتُ حَبَّهُ بين حَجَرَيْنِ، وصببت عليه الماء، وصنعت من عجينتِه فَطِيرةً، ثم خبزتها في الفرن حتى إذا نضجتْ غَمَستُها في اللبن، وأكلتُ منها ما يكفيني. وبذلك ذَهَبَ عني ألم الجوع.
ولم أستمرئ هذا الطعام - أولَ أمْرِي - وإن كان كثير من المتحضّرِينَ يألفونه في بلادنا، ولكنني تعودت أن أستسيغه وآلَفَهُ بعد زمن قصير.
وللضرورة أحكام قاهرة لا سبيل إلى مُغالِبَتِها، تُرْغِمُ الإِنسان على أن يرى حسنًا ما لَيْسَ بالحَسَنِ، ويستمرئ منَ الطعام ما لم يكُنْ لِيَسْتَسِيغَه من قبل.
ورأيتُ أنَّ جَوَّ الجزيرة يلائمني أشدَّ المُلاءَمَةِ، وكنتُ - في بعض الأحايين – أصطاد أرنبا أو طائرًا، بعد أن أصنع لي حِبالة (شَبكة) من شَعْرِ «الياهو».
واهْتَدَيْتُ إلى حَشائِشَ أُخرى؛ فصنعت منها بعضَ الكَوامِخِ. وكنتُ أَتَغَذَّى – أحيانًا – بقطعة منَ الزُّبْدِ الذي أصنعه بنفسي، ولم يكن يُعْوِزُني – حينَئِذٍ – إِلَّا الملح، ولكنَّ الحاجة أرغمتني على أن أستسيغ الطعام بدونه.
وقدِ اسْتَخْلَصتُ من ذلك نتيجةً صحيحة، هي أن التجاءنا إلى الملح هو نتيجة إفراطنا في الشَّرَةِ والنَّهَمِ. وقد رأيتُ أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يَشِدُّ عن بقية أجناس الحيوان، إذ يخلط الملح بطعامه. وقد بذلت جهدًا كبيرًا – بعد أن تركت الجزيرة - حتى ارْتَضَيْتُ الرُّجُوعَ إلى استعمال الملح واستساغتِه.
(۸) فِرَاشُ «جلفر»
حَسْبِي أَن أَجتزئ بهذا القَدْرِ من الحديث عن غذائي؛ فقد طالما أخذتُ على غيري من السَّائِحِينَ عنايتهم بالكلام عن ألوان الأغذية والأطعمة، وطالما نَدَّدْتُ بهم لأنهم يملئُون كُتبَهم بتلك الأحاديث التافهة عن الطعام، ويُعْنَوْنَ بها عنايةً نادرةً، ويعظمون من خطرها ما حَقُر؛ ليعرف القارئ هل تمتَّعوا بالطعام واسْتَمْرَءُوه، أم نَقَصَ حظهم منه فلم يَهْنَؤُوه؟
على أنني اضْطُرِرْتُ في هذا المقام إلى الإفضاء بهذا التفصيل المُوجَزِ، لأنني لم أَجِدْ بُدا من إثباته في كتابي؛ حتى لا يتهمني أحَدٌ من القُرَّاءِ بالمغالاة والخداع فيما أَقُصُّه عليه من أنباء الجزيرة. فليس من السهل عليهم أَن يَتصوَّرُوا هذا النظام الغذائي الذي اتَّخَذْتُهُ في أثناء مقامي بين الجياد الناطقة ثلاث سنوات كاملة.
بقي علي أن أُحدِّثَ القارئ عن أُسلوبِ نَوْمِي في تلك البلاد، وهو حديث موجز قصير. فقد خصَّنِي السيد الجواد بحجْرةٍ على بُعْدِ خُطُواتٍ سِتُّ من بَيْتِهِ، وهي مُنْعَزِلةٌ عن بيتِ «الياهو». وقد فرشتها بكومات عدةٍ منَ القش؛ لتكون لي فراشا في أثناء النوم.
وكنتُ أرتدي ثيابي في الْيَقَظَةِ والنَّوْمِ، وأقضي الليل هادئًا مستريحًا، ولم يَمْضِ علي زمن يسير، حتى انْتَظَمَتْ أحوالي، واستقامَتْ أُمُوري في هذه الجزيرة، كما يرى القارئ في الفصول القادمة من الكتاب.
الفصل الثالث
(۱) دَرْسُ اللُّغَةِ الصَّاهِلَةِ
كان أكبرَ هَمِّي، وقصارى أُمنيّتي: أن أدْرُسَ اللغة الصاهلة، التي يُحَمْحِمُ بها السيد الجواد. وكان أبناء هذا السيّدِ وَخَدَمَتْهُ يُبادِرُونَ إِلى تحقيق هذه الرغبة، وبهم من الشوق إلى تعليمي مثل ما بي من الرغبة في التعلم.
وقد رأوا في ذكائي معجزةً نادرةً، وأَدْهَشَهم أن يعثروا على واحد من «الياهو» يستطيع أن يفهم ويفكّر؛ لأنهم لا ينظُرُونَ إِلى الأناسِي مِنْ أمثالي في بلادهم، إلَّا كما ننظر نَحْن إلى الجيادِ مِنْ أمثالهم في بلادنا!
وكانوا يَعْجَبُونَ أَشدَّ العَجَبِ، إذ يَرَوْنَ دابَّةً مثلي تُجِيبُ عن إشاراتهم، وتبادلهم الحديث. ولم أكن أتوانى في درْسِ هذه اللغة، ولم أُضِعْ شيئًا من وَقْتِي عبثًا. فَظَلَلْتُ أُشيرُ إلى كلّ ما يكتنفنِي من الأشياء؛ لأتعرَّفَ من هؤلاءِ السَّادَةِ أسماءها. فَإِذا حَمْحَمُوا بِه حَفِظْتُه - من فَوْرِي - وردَّدتُه مراتٍ عدةً. فإِذا خَلَوْتُ إلى نفسي قيَّدتُه في دَفْتَرِ سياحاتي؛ حتى لا أنساه.
وكنت أحاول إمكاني أن أُحاكِيَ الجياد في صُهالِها وحَمْحَمَتِها؛ حتى يَمْرُنَ لساني على نُطْقِ مَا أَسْمَعُه. وقد وَكَلُوا بي جوادًا أَدْهَمَ - في مُقْتَبَلِ صِبَاهُ - لِيلازِمَنِي وَيَتَعَهَّدَني بالحديث طول الوقت. وكان هذا الجواد خادِمًا من عامة خدمهم، وقد بذل جهده في ترديد الكلمات التي طلبت سماعها منه، ولم يُقَصِّرْ في تعليمي وتدريبي على الحَمْحَمَةِ والصَّهِيلِ.
ومِنْ عادة هؤلاء الجِيادِ أَن يُحَمْحِمُوا مِنَ الأنف والْحُلْقوم جميعًا. وقد رأيتُ أَنَّ جَرْسَ هذه اللغةِ أَدنَى إِلى جَرْسِ اللُّغتين: الهولندية والألمانية، مِنْهُ إِلى أَيَّةِ لغة أخرى من لغاتِ «أوروبا». ولكنَّ جَرْسَ اللغة الصاهلةِ أَعذبُ مَسْمَعًا، وأبلغ تعبيرًا، من هاتين اللغتين. وقد فطن الإمبراطور «شَرْلَكان» إلى هذه الملاحظة؛ فأودعها كلمته المأثورة:
«لو أردت أن أتحدَّثَ إلى جواد الخاطبته بالألمانية!»
(۲) في خلال أشهر ثلاثة
وكان السيدُ الْجَوادُ يكاد يلتهب شوقًا إلى مُحاوَرَتِي بلغته الصَّاهِلَةِ، ولا يألو جهدًا في تذليل كل عقبة تعترض هذه الرغبة. واشتدَّ شَغَفُه بتعليمي هذه اللغة؛ فكان يلازمني – في أوقات فراغه كلّها - ويُؤْثِرُ أن يتعهدني بالدرس على أن يُريح جسمه من عناء العمل.
وكان هذا السيد لا يَشُكُّ في أنني إنسان، أي أنني «ياهو»، وهو اسم الإنسان في لغتهم. وهم يَعُدُّونَ هذه الدابَّةَ الْآدَمِيَّةَ مِثال الانحطاط والتَّرَدِّي. ولكن ما رآه السيد من أدبي، ودماثَةِ خُلقي وعنايتي بالنظافة، واستعدادي للتعلم، وإقبالي على الدرس: قد أدهشه، وحير لبه؛ لأنه كان مؤمنًا إيمانًا وثيقًا أن هذه الخِلال المحمودة تتنافى مع ما أَلِفُوهُ من طبيعة الدواب الإنسانية التي تعيش في بلادهم.
وكانت ثيابي تزيد في ارتباكه وحَيْرَتِه. ولطالما راح يُسائلُ نفسه عن حقيقة هذه الثياب، وهل هي جزء من أجزاء جسمي؟ أم هي شيء خارجي منفصل عنه؟ وكنتُ إذا أَوَيْتُ إلى فراشي ليلا لم أنزِعِ الثَّيابَ عن جَسَدي، إِلَّا في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن أستوْثِقَ من نَوْمِ كُلَّ مَن في الدار.
وكان السيد شديد الرغبة في أن يتعرَّفَ: من أَيّ البلاد أتيتُ؟ وكيف انفردت - من بين الناس جميعًا - برجاحة العقلِ التي تتجلى في أعمالي كلها؟
وجُمَّاعُ القول أن السيد الجواد كان تَوّاقًا إلى سَماعِ تاريخي مُفَصَّلا، وكان ينتظر اليوم - الذي أُفضِي فيه بهذا البيان - بفارغ الصبر، كما كان شديد الإعجاب بذكائي وتقدمي في درس اللغة الصَّاهلة، يوما بعد يوم.
ورأيتُ أن أخطو خُطُوةً أُخرى؛ فأنشأتُ من نَبرات هذه اللغة حروفا هجائيةً، أَثْبَتها تحت كل كلمة. وكتبتُها – ذات يوم – أَمَامَ السيدِ الْجَوادِ؛ فَلَمَّا رَآهَا تَحَيَّرَ فِي تَعْلِيلِها، وسألني أن أُفَسِّر له ذلك. وقد ارتبكتُ – حينئذ - فَلَمْ أَدْرِ كيف أَقولُ. ولمْ يكُنْ من اليسير علي أن أُفْهِمَهُ شيئًا عن الكتابة؛ لأن الجياد الناطقة لا تدرك شيئًا عن الكتابة والهجاء وما إلى ذلك.
وَلم يَمُرَّ عليَّ عشرة أسابيع، حتى أصبحتُ قادرًا على إجابة السيد عن أكثر أسئلته. ولم يَنْقَضِ ثلاثة أشهر حتى مَرَنْتُ على فهم هذه اللغة، والتعبير بها، وأداء كل ما أحتاج إليه من أغراضٍ حَمْحَمَةً وصهيلا!
(۳) الحوار الصاهل
وكان أكبر ما يعنيه أن يسألني عن موطني – كما أسلفت القول - وأن يتعرف بأي معجزة خارقة ظفِرْتُ بنعمة العقل والتمييز، مع أنني من بني الإنسان، أي من أبناء «الياهو» - وهو اسم الأناسي عندهم - وهُمْ يَعُدُّونَهم أَحَطَّ جِنْسٍ من أَجناس الدواب التي يعرفونها في تلك الجزيرة النائية؛ فإنَّ «الياهو» معروفٌ في تلك البلاد بالْغَدْرِ وَالْخَدِيعَةِ ولُؤْمِ الطبع، مشهور بالتمرد والعصيان، كلما أَمْكَنَتْه الفرصةُ.
وقد صدق السيد في حُكْمِه عليَّ بأنني من جنس الياهو»؛ إِذْ رَآنِي أُشْبِهُهُ فِي الْوَجهِ والْيَدَيْنِ، وهذه هي الأجزاء الظاهرة من جسمي.
وقد أخبرت السيد: أنني قادمٌ من بلادٍ نائية، وأنني لم أصل إلى جزيرته إلَّا بعد أن رَكِبْتُ الْبِحارَ، وتعرَّضتُ لكثير من المخاوف والأخطار، وكان معي جمهرة من أبناء جنسي في سفينة كبيرة من الخشب، بَنَيْناها من جذوع الشجر، لتَمْخُرَ بنا عُبَابَ البحر. ثم حدَّثْتُهُ بما فعله رفاقي، وكيف غدروا بي فقذفوني إلى الشاطئ، وأَسْلَمُوني إلى هذه الجزيرة النائية وحيدًا.
وقد بذلت جهدًا عظيمًا في إفهامه كلَّ هذه المعاني، تارةً صهيلًا وَحَمْحَمَةً، وتارةً إشارات وحركات حتى أدركَ ما أَعْنِيه.
فَحَمْحَمَ السيدُ الْجواد صاهلًا: «شَدَّ ما خَدَعَتْكَ نَفْسُكَ فيما قرَّرته؛ فليس إلى فهم ما تقول من سبيل!»
وأُحِبُّ أن يعلم القارئ أن لغة الجياد الناطقة ليس فيها كلمة واحدة تدلُّ على الكَذِبِ أو التَّزْوِيرِ. ولهذا حَسِبَنِي الْجَوادُ مَخْدُوعًا، ولم يتَّهِمْني بِالْكَذِبِ والتلفيق؛ لأن هذا المعنى لا يَجُولُ بِخَاطِرِه، ولا تَحْوِيهِ لُغَتُهُ!
وقد رأى السيد الجواد أنَّ منَ المُحالِ أن توجد - فيما وراء البحر - أرضُ أُخرى، وأنَّ الدُّنيا كلها تنحصر في الجزيرة التي يعيش فيها مع قومه: سادةً وأَعيانًا، لا تُرَدُّ لَهُمْ كلمةٌ، ولا يُعصَى لَهُم أمرٌ.
ولم يدُرْ بخَلَدِهِ قَطَّ أن من المعقول أن تتمكَّنَ جَمهرةٌ حقيرة الشأن – من الدواب الإنسانية - من بناء سفينة كبيرة من الخشب يمخُرون بها عُباب البحرِ، وَفْقَ ما يريدُونَ.
ثم ختمَ حَمْحَمَتَه صاهلًا: «إننا معشر الجياد قادرون على مثل ذلك، ولكن على شريطة ألا نعهَدَ إِلى أَحدٍ مِنْ دَوَابٌ «الياهو» أن يُسَيّرَها. وقد كنتُ أظنُّ أننا وَحدَنا قدِ اسْتَأْثَرْنا بهذه المزايا الطبيعية، وأن أي أحدٍ منَ الدَّوابِّ - أمثالكم – لا يَشْرَكُنا في شيء منها.»
فَحَمْحَمْتُ للسيد الجوادِ صاهلًا: «ما زِلْتُ قاصِرًا عن التعبير والإجابة عن كل ما يطلبه سيّدي - في دِقَّةٍ وتفصيل - ولكنني آمل أن أصل إلى تحقيق هذه الغاية في مدى قصير.»
(٤) بعد أشهر خمسة
وقد ألهبتُ السَّيِّدَ الجواد شوقًا إلى سَماعِ قصتي مفصَّلةً وافية، في وقت قريب. فأمر زوجته الفرس، وابْنَهُ الْمُهْرَ، وابْنَتَهُ المُهْرَةَ، وَخَدَمَه جميعًا، أَلَّا يتركوا فرصةً تمر من غير أن ينتهزوها لتعليمي هذه اللغة. وكان لا يكتفي بذلك؛ فخصَّني بساعتين أو ثلاث – في كل يوم - ليتعهدني هو نفسه بالتعليم.
وكان يحضر إلى المنزل، في أغلب الأحيان، بعضُ الأفراس الكريمة، من ذُكور وإناث؛ يَحْفِزُهُم الشَّوْقُ إلى رؤية «الياهو» العجيب الذي سمعوا من أخباره ما أَدهَشَهُمْ، وحير ألبابهم، وهم لا يكادون يُصدِّقُون ما سمعوه، ولا يَتَصَوَّرُون أَن دابة إنسانية مثلي لها – من مخايل العقل ودلائل المعرفة – مثل ما لهم!
وكانت وجوههم تنطلق بِشْرًا وابتهاجًا، كُلَّما أجبتهم عن سؤال يوجهونه إليَّ، جَهْدَ ما أستطيع. وقد أكسبَتْني هذه المناقشات قوةً، في اللغةِ، ومَرانةً عليها؛ فلم تَمْضِ خمسة أشهر حتى أصبحت قادرًا على فهم كلّ ما يتفوّهون به، وكنتُ موفقًا في الإجابة عن أكثر أسئلتهم، فتهافت على دار السيد كثير من أصحابه الجياد الراغبين في محادثتي وحواري. وقد ساورهُمُ الشكٍّ في أمري، فلم يصدّقوا أنني «ياهو» حقًا؛ لأن بشرتي تختلفُ الإِخْتِلافَ كُلَّهُ عَنْ جُلُودِ تِلْكَ الدَّوابِّ، ولأنني لا أُشْبِهُها فيما عدا الوجه واليدين.
(٥) افتضاح السِّرِّ
وظَلَّ السَّادةُ الجِياد حائرينَ في أمري، وهم يحسبون أن ثيابي ليست إلا جزءًا طبيعيا من جسمي. ثم افْتَضَحَ السرُّ بعد أن وقع لي حادث - لم يكُنْ فِي حُسباني – أَرْغَمَنِي عَلَى الإفضاء بحقيقة أمري إِلَى السَّيِّدِ الْجَوادِ. وإِنِّي مُوجِزُه للقارئ فيما يلي:
لقد أسلفت القول: إنني كنتُ لا أنزِعُ ثيابي عن جَسَدِي – كلَّ ليلةٍ – إلَّا بعد أن أستوثق من نوم كلّ من في الدارِ، فإذا تمَّ ذلك غَطِّيتُ جسدي بتلك الثياب.
وظللْتُ على ذلك شهورًا عِدّةً، ثم حدث ما لم يكُنْ في الحسبان. فقد بعث السيد إلي - في ذات صباح باكر - بخادمه الجواد الأشقر الصغير. ولما وصل الخادم إلى حُجْرَتِي، دخلها من غير أن أفطنَ إلى حضوره؛ فقد كنت مستغرقا في النوم، وكانت الثياب قد سقطت عن جسدي - في أثناء النوم – وكان قميصي مرفوعًا. فلمَّا اسْتَيْقَظْتُ على أَثَرِ الضَّجَّةِ التي أحدثها الجواد، بَدَا الارتباك والقلق على سيماه. ثم عاد إلى سَيِّدِه، فَقَصَّ عليه ما رآه، وهو لا يكاد يُبِينُ لِاخْتِلاطِ الْأَمْرِ عليه.
وقد رأيتُ أثر الحادث في نفس السيد، حين ذهبت إليه لِأُحَيِّيَهُ وأَتَلَقَّى أَوامره. فَبَدَأَنِي بالسؤال عمَّا سَمِعَه من خادمهِ، وأَخبرني أن الخادِمَ قد أَدْهَشَه أن يراني في صورتين مُخْتَلِفَتَيْنِ أَشدَّ الاختلاف، في يَقَظَتِي ومَنامِي؛ لأنه رأى أجزاء بيضًا من جسمي، ورأى أجزاءً أُخرى سُمْرًا وَقَائِمَةً.
وكنت – إلى هذه اللحظة - أُخفِي سِرِّي عن السيد وغيره منَ الجِيادِ؛ حتى لا أُسْلَكَ في زمرة الأَناسِيّ الجُبَناءِ الممقوتين. ولكني اضطررتُ إلى الإفضاء بحقيقة أمري – على الرغم مني - - بعدَ أَنِ افْتَضَح السر.
وكان من الطبيعي المحتوم أن تظهر الحقيقة التي حاوَلْتُ إخفاءها جُهْدي؛ فقد بدأ البِلَى يَدِبُّ إلى حذائي وثيابي - من طُولِ الاِسْتِعْمالِ - ولم يكن لي بُدُّ مِنَ الاستعاضة عنها بأخرى من جِلْدِ «الياهو»، أو غيره من الدواب. وكان ذلك كلُّه مُؤْذِنًا بافتضاح السِّرِّ بعد زمن قليل.
وقد اضْطُرِرتُ – حينئذ - أن أخبر السيد أن من عادتي، وعادة أبناء جنسي – من الآدَمِيِّينَ - أن يُغَطَّوا أجسادهم بثياب يصنعونها من صُوفِ بعض الدواب، بأسلوب فنّي يحذِقه النساج عندنا؛ ليستروا بها أجسادهم عن الأنظارِ، وَيَتَّقُوا وَطْأَةَ الحَرِّ والبَرْدِ.
فتعاظمته الدهشة، واسْتَوْلَتْ عليه الحيرة مما سمع؛ لأنه لم يكن يظن أن أحدًا من المخلوقات في حاجة إلى ارتداء إهاب صناعي غير إهابه (جِلْدِهِ) الطبيعي الذي وهبه الله إِيَّاهُ.
وأردت أن أُقنعه بصحة ما أقولُ؛ فرفعتُ شيئًا من ثيابي، وخلعت حذائي وجَوْرَبي؛ فدهش حين رأى بَياضَ صَدْرِي وقَدَمِي، وأمسك ثيابي بسُنْبُكِه، وظَلَّ يُنْعِمُ النظرَ ويُمْعِنُ الفكر فيما يراه، ثم يَلْمس جسدي، ويدور حولي – حينًا فَحِينًا – وهو لا يكاد يصدق بصره فيما يُخبره به، وبعد افتكار طويل، الْتَفَتَ إِليَّ السيّد، وحَمْحَمَ صاهلًا في احترام وأدب وإعجاب: «لستُ أشك في أنك «ياهو»؛ لأنني لا أرى فَرْقًا جَوْهَرِيًّا بينك وبينه؛ فالْجِسْمانِ مُتَمائِلان، والوجه والقَدَمانِ لا تختلفُ عنه إلَّا اختلافًا يسيرًا، فإنَّ الشعر كثيف مُرْسَلٌ على جَسَدِ «الياهو»، ولا كذلك جَسدُكَ، لأن أَغْلَبَه لا يُغطّيه الشعر. وأسنانك قصيرة جدًّا، على الْعَكِسِ مِنْ أَنْيابِ الْياهو» الطويلة. وأَنتَ تمشي على قدمينِ اثْنَتَيْنِ، على حين يمشي «الياهو» على أَرْبَعٍ.»
وراني السَّيِّدُ – حينئذ - أَرتَجِفُ مِنَ الْبَرْدِ؛ فرثَى لحالي، وأمرني أن أرتدي ثيابي، حتى لا يُصيبني سُوء.
فشكرت له عطفه علي، وبرَّه بي، ثم ضَرَعْتُ إليه متوسلًا أَن يُعْفِيَني من إطلاق اسْمِ «الياهو» عليّ، وأظهرت له تَقَزُّزي وارْتِياعِي وسُخْطِي على هذه الدواب الخبيثة، التي تتجلى فيها الفظاظة والغِلْظَةُ واللُّؤْمُ، وأقسمت عليه أن يكُفَّ عن هذه التسمية المُفَزِّعِةِ، وأن يأمرَ أُسرته وخدمه وأصدقاءَه أَن يُعفُوني من سماع هذا الاِسْمِ البغيض الممقوت. ثم خَتَمتُ رجائي برجاء آخر، هو أن يحتفظ بسِرِّي هذا، فلا يُفْضِي إلى أَحدٍ من السادة الجِيادِ وخَدَمِهم بما عَرَفه عن ثيابي وحقيقة أمري، في ذلك اليوم. واسْتَحْلفتُه أَن يأمر خادمه الصغير بكتمان السر عن أي كائن كان.
فتفضل السيد الجواد بقبول هذا الرَّجاءِ كُلِّهِ، وتلطّف معي، فَوَعَدَنِي – في وداعةٍ وأدب - أَن يَظَلَّ سِرِّي مَكْتُومًا كما طلبتُ.
وما زال سِرِّي مَحْجُوبًا حتى خَلُقَتْ ثيابي، وأصبحتْ أَسْمَالًا باليةً؛ فَاسْتَبدَلْتُ بها ثيابًا أخرى، سأحدِّثُ القارئ عنها فيما بعد.
(٦) سَفِينَةُ «جلفر»
وقد شاق السيد الجواد مني هذا الحديث الطريف؛ فنصح لي بالمثابرة والجِدِّ في دَرْسِ لغته الصَّاهلةِ. وأنساه ما رآه من أصالة رأيي، وَرَجاحةِ فِكْرِي: اشمئزازه من بياض بشرتي، وعُرْبِها مِنَ الشَّعرِ الذي يُجَلِّلُ أجسام الْجِيادِ. وقد اشتدت رغبته في أن أُجيب عن أسئلته الأخرى، التي يَعْنِيه أن يقف على الحقيقة فيها؛ فوعدته بالتبسط معه في الحديث والشرح فيما بعد.
وظللْتُ أُضاعف الجهد في مواصلةِ الْحِفْظِ والدَّرسِ، وصار يصحبني معه في غُدُوِّهِ وَرَواجِه، ويُعرفني بأصحابه ورفاقه، ويعاملني مُعاملة الصديق، ويحترمني، ولا يَأْلُو جهدًا في رعايتي وإكرام وفادتي، حتى يُسَرِّيَ عني، ويُؤْنِسَني من وَحْشَتِي، ويُزيلَ هَمِّي.
وكان يُكثر من سؤالي عما يَعِنُّ له من المسائل التي تَشْغَلُ باله، وأَنا أُجِيبُهُ، على قَدْرِ ما أستطيع. وكان يفهم أكثر حديثي فهما ناقصًا، وأنا أَعِدُهُ بِمُواصلة الشرح في القريب العاجل؛ حتى أسْعَفَتْني اللغةُ، وأَمْكنني الدَّرسُ من الإِفْضاء إليه بالحقائق التالية: «جئتُ من بلاد بعيدة جدًّا، وكان معي في رحلتي خمسُونَ رجلًا - من أبناء جنسي – في سفينة بنَيْناها من الْخَشبِ، واجْتَزْنا بها ذلك البحر الواسع العظيم.»
ثم صورت له السفينة – جُهْدَ طاقَتِي - ونشرت أمامه منديلي؛ لأُمَثَّلَ له صورة الشَّراعِ، وأُصَوِّرَ لهُ كيف تَدْفعه الريحُ، فَيُزْجِي السفينة.
ثم شرحت له كيف اثْتَمر أصحابي – في السفينة – بي، وكيفَ انْتَهَتْ مُؤامرتُهم بإلقائي إلى شاطئ هذه البلاد، حتى لقيَتْني شِرْذِمَةٌ شِرِّيرةٌ من «الياهو»، وكيف هَمُّوا أن يَبْطُشُوا بي، لولا مقدم السيد النبيل.
فسألني مُتعجبًا: «وَمَنِ الذي بنى السفينة؟ وكيف سَمَحَ السادةُ الْجِيادُ - في بلادكم - أن يُسْلِموا قيادتها إلى تلك الدَّوَابِّ الإنسانية الشريرة؟»
فَحَمْحَمْتُ صاهلًا: «ليس في قدرتي أن أَكاشِفَكَ بِالْحَقيقةِ، إِلَّا إذا أقسمت لي بِشَرَفك أَلَّا تَألَمَ لما أُخبرك به، فإني أخشى أن يتملَّك نفسك الغضبُ إِذا أَفْضَيْتُ إِليك بالصحيح، فإذا عاهدتني على ذلك لم أتردد في إخبارك بكلِّ ما وَعدْتُكَ به من الحقائق.»
فحمحم السيد الجواد صاهلا: «كُنْ على ثقة أنني لن أغضَبَ من شيء، ولا يُخامِرْكَ في عَهْدِي أَيُّ شكٍّ؛ فإنني لا أتوفَّى غيرَ الْمَعْرِفَةِ. فَحَدِّثني بكلِّ ما تعلَمُ.»
فقلتُ له: «الآن اطْمَأْنَنتُ إلى وَعدِك الكريم، فاعْلَمْ - يا سيدي – أن الذين بَنَوْا تلك السفينة إنما هم أَناسِيُّ مثلي، وأن هؤلاء الأناسي - في بلاد العالم قاطبةً – هُم السادة العقلاء الذين يُهَيْمِنُون على جميع المخلوقات، ويُسَخّرون الدواب كلَّها لِخِدْمَتِهم، وأن الحيرة قد اسْتَوْلَتْ عليّ حين رأيتُ - أول مرة في حياتي - جيادًا عاقلةً متكلمةً. ولم تكُنْ دَهْشَتي من ذلك بأقل من دهشتك ودهشة أصحابك من رؤية دابَّةٍ مثلي من دواب «الياهو» - في بلادكم - تنطقُ وتُبين عن أغراضها. واعْلَمْ - يا سيدي – أن الناس في بلادي لن يصدِّقُوا ما أقصُّه عليهم من أنبائِكم؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يَتَصَوَّروا أن جِيادًا تَعْقِلُ وتتكلم. وسيتَّهِمُني الناس بأنني أرْوِي لهم قصةً خيالية لا أصل لها، ولن يصدق أحدٌ مِنْهُمْ أنَّ من الجياد ما يعقِلُ ويفكر ويتكلم، ويُتوَّجُ سَيّدًا على بلد، ويُهَيْمِنُ على غيره من الدواب؛ لأنهم لا يتصورون الجواد إلا دابةً من الدواب التي لا تعقل ولا تنطق.»
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.