حكاية·HIKOYA

أسرار عمار

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy16 bob11 daqiqa
أسرار عمار
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.أحاديثُ «آزاد»
  2. 2.فِي مَزْرَعَةِ عَمَّارٍ
  3. 3.الْحِمَارُ الْمَحْظُوظُ
  4. 4.مَتَاعِبُ الثَّوْرِ
  5. 5.حِيلَةُ الْحِمَارِ
  6. 6.الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ
  7. 7.حَدِيثُ الْمَسَاءِ
  8. 8.نَصِيحَةُ الْحِمَارِ
  9. 9.الْعَوْدَةُ إِلَى الْعَمَلِ
  10. 10.السِّرُّ الْمَكْتُومُ
  11. 11.مَزْرَعَةُ الدَّواجِنِ
  12. 12.الْبَحْثُ عَنْ أَنْوَارَ
  13. 13.سَيْطَرَةُ الدِّيكِ
  14. 14.الْمُعَامَلَةُ بِالْحُسْنَى
  15. 15.الاحتفاظ بالسِّرِّ
  16. 16.لُغَةُ الْحَيَوانِ

(1) أحاديثُ «آزاد»أحاديثُ «آزاد»

فِي عَصْرِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ اجْتَمَعَتْ لُمَّةٌ مِنَ الصَّدِيقاتِ، كَانَتْ بَيْنَهُنَّ الصَّدِيقَةُ «شَهْرَزاد»، وَهِيَ بِنْت الوزير: «آزاد».

أَخَذَتْ لُمَّةُ الصَّدِيقَاتِ الْعَزِيزاتِ تَتَبادَلُ بَعْضَ الْقِصَصِ الْمُسَلِّيَاتِ، وَتَتَناقَشُ فِي شُتُونٍ مُخْتَلِفات.

الصَّدِيقاتُ الْعَزِيزاتُ طَلَبَتْ مِنْ صَدِيقَتِهِنَّ شَهْرَزادَ أَنْ تَحْكِيَ لَهُنَّ حِكَايَةً مِنَ الحكايات.

اسْتَجَابَتْ شَهْرَزَادُ بِنْتُ الْوزيرِ «آزاد» لِما تَطْلُبُهُ الصَّدِيقاتُ. وَبَدَأَتْ تَقُولُ: «سَأَحْكِي لَكُنَّ يا صَدِيقاتِي حِكَايَةً ظَرِيفَةً، حكاها لِي أَبِي ذاتَ لَيْلَةٍ. لَقَدْ تَعَوَّدَ أَبِي أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي بَعْضِ اللَّيَالِي لِلْمُؤانَسَةِ وَالْمُسامَرَةِ. تَعَوَّدْتُ مِنْ أَبِي فِي تِلْكَ الْجَلَاتِ، أَنْ أَسْتَمْتِعَ بِأَحَادِيثِهِ الْمُؤْنِساتِ حِكاياتُهُ دائِمًا تُعَرِّفُنِي بِالْكَثِيرِ مِمَّا فِي الْحَيَاةِ مِنْ شُتُونٍ وَأَسْرارٍ. أَبِي لَهُ خِبْرَةٌ وَتَجْرِبَةٌ، اكْتَسَبَهَا بِذَكائِهِ وَنَشَاطِهِ، فِي عُمْرِهِ الطَّوِيلِ. الْقِصَّةُ الَّتِي أَحْكِي حَوادِثَها الْآنَ، قِصَّةٌ مُسَلِّيَةٌ مُفِيدَةٌ فِي آنٍ.

(۲) فِي مَزْرَعَةِ عَمَّارٍ»فِي مَزْرَعَةِ عَمَّارٍ

عاشَ فِي قَدِيمِ الزَّمانِ، وسالِفِ الْعَصْرِ وَالْأَوانِ، رَجُلٌ مِنْ كِبَارِ الْأَعْيَانِ، مِنْ ذَوِي الْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ، أَصْحَابِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ.

اسْمُهُ عَمَّارُ بْنُ عِمْرَانَ»، لا يَرْتَكِبُ الظُّلْمَ وَالْعُدْوانَ، مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوانِ؛ كَانَ يُقِيمُ فِي بَلْدَتِهِ الْأَصِيلَةِ، مِنْ بِلادِ الرِّيفِ الْجَمِيلَةِ.

«عَمَّارٌ» لَهُ مَزْرَعَةٌ عامِرَةٌ بِحُقُولِ الْخُضَرِ، وَأَشْجارِ الْفاكِهَةِ، وَحَدَائِقِ الزُّهُورِ. كَانَ مُهْتَمًّا بِمَزْرَعَتِهِ، يَتَعَهَّدُها بِنَفْسِهِ، لِتَكُونَ عَلَى الدَّوامِ نامِيَةً. فِي أُمْسِيَّةٍ مِنَ الْأَمَاسِيِّ، أَرادَ «عَمَّارٌ» أَنْ يَتَفَقَّدَ زَرِيبَةَ الْمَzْرَعَةِ. خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ، وَمَشَى حَتَّى أَصْبَحَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الزَّرِيبَةِ ... أُذُنُ عَمَّارٍ» الْتَقَطَتْ فِي هُدُوءِ اللَّيْلِ، هَمَساتٍ تَنْبَعِثُ مِنْ هُناكَ! عَرَفَ أَنَّ هَذِهِ الْهَمَسَاتِ

(۳) الْحِمَارُ الْمَحْظُوظُالْحِمَارُ الْمَحْظُوظُ

الْمَسْمُوعَةَ، لَيْسَتْ أَصْوَاتَ الْخُفَراءِ أَوِ الْحُرَّاسِ. مَدَّ خُطاهُ إِلَى شُبَّاكِ الزَّرِيبَةِ، وَأَنْصَتَ، لِيَتَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ.

كَانَ الْهَمْسُ الَّذِي سَمِعَهُ يَدُورُ بَيْنَ الثَّوْرِ وَأَحَدِ الْحَمِيرِ.

اَلثَّوْرُ مُلْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، يَقُولُ لِلْحِمارِ وَهُوَ يَتَمَرَّغُ: أَنْتَ سَعِيدٌ فِي حَيَاتِكَ؛ يُقَدِّمُونَ لَكَ الشَّعِيرَ النَّظِيفَ، وَالْفُولَ الْمُنَقَّى، وَالتِّبْنَ الْمُغَرْبَلَ ... يَحْرِصُونَ عَلَى حُسْنِ هِنْدَامِكَ؛ بَرْزَعَةٌ مُزَخْرَفَةٌ عَلَى ظَهْرِكَ، نَعْلٌ حَدِيدِيَّةٌ فِي قَدَمِكَ، لَيْسَ لَكَ فِي هَذِهِ الْمَزْرَعَةِ أَيَّةُ مُهِمَّةٍ، وَلا عَلَيْكَ أَيُّ عَمَلٍ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ، يَتْرُكُونَكَ تَرْتَعُ فِي الزَّرِيبَةِ، كَأَنَّكَ فِي إِجازَةِ. إِنَّكَ — يا صاحِبِي — تَنامُ كَما تَشاءُ، وَتَصْحُو مِنْ نَوْمِكَ كَما تَشاءُ. لا يُزْعِجُكَ مِنَ الْحُرَّاسِ أَحَدٌ، وَلَا تَخافُ أَنْ يَضْرِبَكَ أَحَدٌ. فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، يَأْتُونَ لِيُنَظُفُوكَ، وَلِيَضَعُوا عَلَى ظَهْرِكَ

(٤) مَتَاعِبُ الثَّوْرِمَتَاعِبُ الثَّوْرِ

الْبَرْزَعَةَ. يَقُودُونَكَ إِلَى حَيْثُ يَقِفُ صاحِبُ الْمَزْرَعَةِ، لِتَكُونَ رَكُوبَةً لَهُ. تَتَنَزَّهُ مَعَهُ فِي طُرُقاتِ الْحُقُولِ، ثُمَّ تَعُودُ مِنَ النُّزْهَةِ بِلا تَعَبٍ.

سَكَتَ الثَّوْرُ بِضْعَ لَحَظاتٍ، اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنا عَلَى الْعَكْسِ مِنْكَ، لَسْتُ مِثْلَكَ — يا أَخِي — الْحِمارَ. إِذَا لَاحَ الْفَجْرُ بِنُورِهِ ظَهَرَ أَمامَ عَيْنِي حَارِسُ الْمَزْرَعَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَتَحَسَّسُ جَنْبِي بِقُوَّةٍ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِي لِأَجُرَّ الْمِحْراثَ، أَوْ يَجْعَلُنِي أُدِيرُ عَجَلَةَ السَّاقِيَةِ، أَوْ يَسُوقُنِي لِكَيْ أَلْفَ بِالطَّاحُونِ. أَخْرُجُ مِنَ الزَّرِيبَةِ مَعَ الشَّمْسِ، وَأَبْقَى مَعَها؛ مِنْ مَشْرِقِها إِلَى مَغْرِبِها. أَغْلَبُ ساعاتِ النَّهارِ بِطُولِهِ، أَقْضِيها فِي لَفٍّ وَدَوَرانِ، دُونَ انْقِطَاعِ. يَوْمِي كُلُّهُ عَمَلٌ شَاقٌّ مُتَواصِلٌ فِي الطَّاحُونِ، أَعانِي مِنْهُ أَشَدَّ الْإِرْهاقِ. إِنِّي أَرْجِعُ إِلَى الزَّرِيبَةِ، آخِرَ

(٥) حِيلَةُ الْحِمَارِحِيلَةُ الْحِمَارِ

النَّهارِ، وَأَنا مَهْدُودٌ مَكْدُودٌ. أَمَّا طَعامِي الْيَوْمِيُّ، فَلا عِنايَةَ بِتَنْظِيفِهِ، أَوْ غَرْبَلَتِهِ، أَوْ تَنْقِيَتِهِ. لا تَظُنَّنِي أَحْسُدُكَ عَلَى حَظِّكَ السَّعِيدِ، فِي حَياتِكَ النَّاعِمَةِ الْمُرَفَّهَةِ. لَيْتَنِي – يا صاحِبِي – حِمارًا مِثْلَكَ أَنْتَ، أَيُّهَا الْحَيَوانُ الْمَحْظُوظُ.

دَلْدَلَ الْحِمارُ أُذَنَيْهِ الطَّوِيلَتَيْنِ. تَأَلَّمَ لِشَكْوَى صَاحِبِهِ الثَّوْرِ. قَالَ لَهُ، بَعْدَ أَنْ فَكَّرَ: «أَلَيْسَ مِنْ حِيلَةٍ تُخَلِّصُكَ؟ لا تَرْضَ بِالَّذِي أَنْتَ فِيهِ. حَتَّى مَتَى أَنْتَ مُسْتَسْلِمٌ؟» الثَّوْرُ عَجِبَ لِقَوْلِ الْحِمارِ ... ماذا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ؟ أَيَّةُ حِيلَةٍ لَهُ يَقُومُ بِهَا؟ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ!

الْحِمارُ لَمْ يَقْتَنِعْ بِأَنْ يَظَلَّ الثَّوْرُ فِي حَالَتِهِ الْبَائِسَةِ الْمَهِينَةِ الَّتِي يَحْيَاهَا. فَكَرَ، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: «عِنْدِي لَكَ رَأْيٌ فِي مُعالَجَةِ مُشْكِلَتِكَ الْعَوِيصَةِ. سَأَعْرِضُ رَأْيِي عَلَيْكَ، يَا صَاحِبِي

(٦) الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِالْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ

الْعَزِيزَ، وَأَنْتَ حُرٌّ فِي قَبُولِهِ، أَوْ رَفْضِهِ.» الثَّوْرُ قالَ: «لا أَشُكُّ فِي صِدْقٍ مَوَدَّتِكَ، وَخُلُوصِ نِيَّتِكَ. ماذا تَرَى؟» اَلْحِمارُ قالَ: «عَلَيْكَ أَنْ تَتَصَنَّعَ الْمَرَضَ، وَتَتَظَاهَرَ لِلْحَارِسِ بِالضَّعْفِ.» اعْلَمْ أَنَّ الْحَارِسَ لا يُرِيدُكَ إِلَّا قَوِيًّا مُعافى، فِيكَ قُدْرَةٌ عَلَى الْعَمَلِ. إِذا لَمْ يَجِدْكَ كَمَا يُرِيدُ تَرَكَكَ وَشَأْنَكَ، وَمَضَى يَبْحَثُ عَنْ بَدِيلٍ.

الثَّوْرُ فَكَّرَ مَلِيًّا فِي الْأَمْرِ. اقْتَنَعَ بِصَوابِ ذَلِكَ الرَّأْي. تَصَنَّعَ الْمَرَضَ وَشِدَّةَ الضَّعْفِ. جَاءَ الْحَارِسُ فِي مَطْلَعِ الصَّباحِ. وَجَدَ الثَّوْرَ عاجِزًا عَنِ الْحَرَكَةِ. ذَهَبَ الْحَارِسُ إِلَى «عَمَّارٍ». أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الثَّوْرَ مَرِيضٌ. «عَمَّارٌ» فَهِمَ السِّرَّ الْخَفِيَّ. عَرَفَ سَرِيعًا حِيلَةَ ثَوْرِ الْمَزْرَعَةِ. الثَّوْرُ نَفَّذَ رَأْيَ صَاحِبِهِ الْحِمارِ.

«عَمَّارٌ» قَالَ لِحَارِسِ الْمَزْرَعَةِ: «اتْرُكِ الثَّوْرَ فِي الزَّرِيبَةِ، حَتَّى يَصِحَّ.» الْحَارِسُ قَالَ: «نَحْنُ مُحْتاجُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى تَدْوِيرِ الطَّاحُونِ.» «عَمَّارٌ» قَالَ: «أَخْرِجِ الْحِمارَ مِنَ الزَّرِيبَةِ، وَعَلَّقْهُ مَكَانَ الثَّوْرِ.» حارِسُ الْمَزْرَعَةِ ذَهَبَ إِلَى الزَّرِيبَةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْحِمارَ، كَمَا أَرادَ «عَمَّارٌ». الْحِمارُ وَجَدَ نَفْسَهُ مَسُوقًا بِيَدِ الْحَارِسِ إِلَى الطَّاحُونِ، مُعَلَّقًا فِيهِ، لِيُدَوِّرَهُ. قالَ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ يُدَوِّرُ الطَّاحُونَ، وَيَقْضِي أَشْأَمَ يَوْمٍ مَرَّ بِهِ فِي حَيَاتِهِ: «ما لِي أَنا وَلِلثَّوْرِ؟ لِماذا أَتَدَخَّلُ فِي شَأْنِهِ؟ أَنَا الْجَانِي عَلَى رُوحِي!»

(۷) حَدِيثُ الْمَسَاءِحَدِيثُ الْمَسَاءِ

عادَ الْحِمارُ فِي الْمَساءِ. كَانَ التَّعَبُ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ. أَرْهَقَهُ طُولُ اللَّفِّ وَالدَّوَرانِ. ارْتَمَى بِجَانِبِ صاحِبِهِ الثَّوْرِ. وَجَدَهُ فِي أَحْسَنِ حالٍ؛ صَحِيحَ الْجِسْمِ، مُرْتاحَ الْبَالِ. الْحِمارُ جَعَلَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: «هَلْ أَرْضَى بِما حَصَلَ لِي؟ تُرَى ماذا يَحْدُثُ فِي غَدٍ؟ هَلْ أَسْتَمِرُّ أُدَوِّرُ الطَّاحُونَ؟»

الحِمارُ فَكَرَ فِي حِيلَةٍ يَتَخَلَّصُ بِها مِنَ الْوَرْطَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْيَوْمَ. الثَّوْرُ وَجَدَ صَاحِبَهُ الْحِمارَ ساهِمًا، مَهْمُومَ النَّفْسِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَسْأَلُهُ: «ما لِي أَراكَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَيْرِ مَا تَعَوَّدْتُ مِنْكَ؟ أَخْبِرْنِي: ماذا يَشْغَلُكَ؟» الْحِمارُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُخْبَرَ صاحِبَهُ بِأَنَّهُ دَوَّرَ الطَّاحُونَ، طُولَ الْيَوْمِ، قَالَ لِلثَّوْرِ: «اسْتَعِدَّ لِلْخُرُوجِ مَعَ الْحَارِسِ، صَباحَ غَدٍ، إِلَى الْمَزْرَعَةِ. عَلَيْكَ أَنْ تَنْشَطَ، وَأَنْ تُؤَدِّيَ عَمَلَكَ كَمَا كُنْتَ تُؤَدِّيهِ قَبْلَ الْيَوْمِ. أَحْسَنُ لَكَ — يا صاحِبِي — أَنْ تَقْبَلَ نُصْحِي، وَأَنْ تُنَفِّذَ مَا أُشِيرُ عَلَيْكَ بِهِ!»

(۸) نَصِيحَةُ الْحِمَارِنَصِيحَةُ الْحِمَارِ

اَلثَّوْرُ قَالَ لِصاحِبِهِ الْحِمارِ: «ما هَذا الَّذِي تَقُولُ؟ لَقَدْ نَفَذْتُ نَصِيحَتَكَ لِي. اسْتَرَحْتُ مِنْ عَناءِ الْعَمَلِ. كَيْفَ أَعُودُ إِلَيْهِ فِي غَدٍ؟ سَأَظَلُّ مُتَمارِضًا بِضْعَةَ أَيَّامٍ. لِماذا غَيَّرْتَ رَأْيَكَ مَعِي؟ صارِحْنِي بِحَقِيقَةِ مَا فِي نَفْسِكَ. لَا تُخْفِ عَنِّي أَيَّ شَيْءٍ!»

الْحِمارُ قَالَ لِصاحِبِهِ الثَّوْرِ: «لَقَدْ عَرَّضْتُكَ لِلْأَذَى وَالْهَلاكِ وَسُوءِ الْمَصِيرِ. أَنا قَصَدْتُ مَصْلَحَتَكَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَنْفَعَكَ، وَلَكِنْ حَدَثَ الْعَكْسُ!» اَلثَّوْرُ قَالَ: «كَيْفَ تَقُولُ لِي ذَلِكَ، وَأَنْتَ أَرَحْتَنِي مِنَ الْعَمَلِ الْمُضْنِي؟» اَلْحِمارُ قَالَ: «سَمِعْتُ صَاحِبَ الْمَزْرَعَةِ يَتَكَلَّمُ مَعَ الْحَارِسِ فِي شَأْنِكَ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: عَلَيْكَ أَنْ تَفْحَصَ حالَةَ الثَّوْرِ، وَأَنْ تَتَبَيَّنَ أَمْرَهُ؛ إِذا وَجَدْتَ الثَّوْرَ — على حالِهِ — مَرِيضًا غَدًا، فَأَحْضِرْ لَهُ الْجَزَّارَ عَلَى الْفَوْرِ. خَيْرٌ لَنا أَنْ نَذْبَحَهُ، لِكَيْ نَنْتَفِعَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَيَهْلِكَ!»

(۹) الْعَوْدَةُ إِلَى الْعَمَلِالْعَوْدَةُ إِلَى الْعَمَلِ

ارْتَعَبَ الثَّوْرُ مِمَّا سَمِعَ. أَقْبَلَ عَلَى الْحِمارِ يَقُولُ لَهُ: «هَلْ يُنَفِّذُ الْحَارِسُ الْأَمْرَ؟ هَلْ يَدْعُو الْجَزَّارَ لِذَبْحِي؟» الْحِمارُ قَالَ لِصاحِبِهِ الثَّوْرِ: «نَعَمْ، إِذا وَجَدَكَ غَدًا مَرِيضًا. إِذا لَمْ تَخْرُجْ مَعَهُ إِلَى الْعَمَلِ، هَلْ يُخالِفُ صَاحِبَ الْمَزْرَعَةِ؟ إِنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. كَلَامُهُ مَسْمُوعٌ دائِمًا لا يُرَدُّ.»

الثَّوْرُ قَالَ لِصاحِبِهِ الْحِمارِ: «أَفِدْنِي بِرَأْيِكَ. بِماذا تَنْصَحُ لِي أَنْ أَفْعَلَ؟» الْحِمارُ قَالَ لصاحِبِهِ الثَّوْرِ: «عَلَيْكَ أَنْ تَعُودَ إِلَى سَابِقِ عَهْدِكَ، كَما كُنْتَ. عَلَيْكَ أَنْ تُقْبِلَ عَلَى الطَّعَامِ الْمُقَدَّمِ لَكَ بِشَهِيَّةٍ، كَما كانَتْ حالُكَ مِنْ قَبْلُ. حِينَما يَأْتِي الْحَارِسُ إِلَيْكَ صَبَاحَ غَدٍ، عَلَيْكَ أَنْ تَقُومَ مَعَهُ إِلَى عَمَلِكَ فِي نَشاط.» اَلثَّوْرُ قَالَ لِصاحِبِهِ الْحِمارِ: «إِذا لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ سَاقَنِي الْحَارِسُ إِلَى الْجَزَّارِ؟ الْحَياةُ عَزِيزَةٌ عَلَيَّ وَالْعُمْرُ غالٍ عِنْدِي، وَيَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَحْمِيَ حَياتِي مِنَ الْخَطَرِ. لَوْ حَضَرَ الْحَارِسُ عِنْدِي الْآنَ، لَقُمْتُ مَعَهُ فَوْرًا لِلْعَمَلِ، فِي اللَّيْلِ!»

(١٠) السِّرُّ الْمَكْتُومُالسِّرُّ الْمَكْتُومُ

حَضَرَ الْحارِسُ فِي الصَّباحِ. وَجَدَ الثَّوْرَ يَلْتَهِمُ طَعامَهُ. لَمْ يُبْقِ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلَ. أَظْهَرَ الثَّوْرُ لِلْحارِسِ نَشاطَهُ. قامَ إِلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ حِينَ رَآهُ. خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الطَّاحُونِ. أَدارَ الطَّاحُونَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ. عَجِبَ الْحَارِسُ مِنْ أَمْرِهِ. ذَهَبَ إِلَى صاحِبِ الْمَزْرَعَةِ. قَصَّ عَلَيْهِ شَأْنَ الثَّوْرِ النَّشِيطِ.

فَرِحَ صاحِبُ الْمَزْرَعَةِ «عَمّارٌ» بِنَجاحِ حِيلَتِهِ الَّتِي اتَّخَذَها مَعَ ذلِكَ الْحِمارِ. اطْمَأَنَّ الْحِمارُ بِأَنَّ الثَّوْرَ اسْتَمَعَ لِنَصِيحَتِهِ، وَرَجَعَ — فِي هِمَّةٍ — إِلَى سابِقِ عَمَلِهِ. «عَمّارٌ» جَلَسَ فِي الْبَيْتِ مَعَ زَوْجَتِهِ «أَنْوارَ»، يَقُصُّ عَلَيْها حِكايَةَ الثَّوْرِ وَالْحِمارِ. «أَنْوارُ» أَظْهَرَتْ لِزَوْجِها «عَمّارٍ» أَنَّها مُشْفِقَةٌ عَلَى الثَّوْرِ الَّذِي يُدَوِّرُ الطَّاحُونَ. طَلَبَتْ مِنْ «عَمّارٍ» أَنْ يَرْفُقَ بِهِ فِي الْعَمَلِ، فَوَعَدَها بِتَحْقِيقِ ما طَلَبَتْهُ مِنْهُ. سَأَلَتْهُ: «بِأَيَّةِ وَسِيلَةٍ اسْتَطَعْتَ مَعْرِفَةَ حِيلَةِ الثَّوْرِ، حِينَ تَظاهَرَ بِأَنَّهُ مَرِيضٌ؟» أَجابَها «عَمّارٌ»: «هذا سِرٌّ مِنَ الْأَسْرارِ، لا أُطْلِعُكِ عَلَيْهِ يا «أَنْوارُ»!»

(۱۱) مَزْرَعَةُ الدَّواجِنِمَزْرَعَةُ الدَّواجِنِ

«أَنْوارُ» عاتِبَةٌ عَلَى زَوْجِها. لِماذا هُوَ يُخْفِي عَنْهَا السِّرَّ؟ لماذا لا تَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ مِنْهُ؟ إِنَّهَا تَتَطَلَّعُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ. لَمْ يَرْضَ أَنْ يُطْلِعَها عَلَيْهِ. إِنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْكِتْمَانِ! فِي الْغَدِ، لَمْ تَخْرُجْ «أَنْوارُ». لَزِمَتْ حُجْرَتَها طُولَ النَّهارِ. أَبَتْ أَنْ تُغادِرَ الدَّارَ. لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ «عَمَّارٌ».

«أَنْوارُ» قَالَتْ لِنَفْسِها: «لِماذا يَتْرُكُنِي زَوْجِي فِي حَيْرَةٍ وَاشْتِعَالِ بال؟ لِماذا يَكْتُمُ عَنِّي حَقِيقَةَ هَذَا الْأَمْرِ؟ أَلَسْتُ أَهْلًا لِحِفْظِ السِّرِّ؟» كَانَ فِي حَدِيقَةِ بَيْتِ «عَمَّارٍ» مَزْرَعَةُ دَواجِنَ واسِعَةُ الْأَرْجَاءِ. فِي مَزْرَعَةِ الدَّواجِنِ الْواسِعِةِ يَمْرَحُ دِيكٌ وَاحِدٌ وَخَمْسُونَ دَجَاجَةً. «أَنْوارُ» هِيَ الْمُخْتَصَّةُ بِالْعِنايَةِ بِمَزْرَعَةِ الدَّواجِنِ، وَالْإِشْرافِ عَلَيْهَا. فِي صَبَاحٍ هَذَا الْيَوْمِ لَمْ تَخْرُجْ «أَنْوارُ» إِلَى مَزْرَعَةِ الدَّواجِنِ، كَعادَتِها. ظَلَّ الدِّيكُ مَعَ الدَّجَاجِ يَنْتَظِرُونَ أَنْ تَحْضُرَ «أَنْوارُ»، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْها.

(۱۲) الْبَحْثُ عَنْ أَنْوَارَ»الْبَحْثُ عَنْ أَنْوَارَ

«عَمَّارٌ» تَعَجَّبَ مِمَّا حَدَثَ. «أَنْوارُ» فِي الْبَيْتِ مُعْتَكِفَةٌ. لَزِمَتْ حُجْرَتَها، فَلَمْ تَخْرُجْ. بَعَثَ إِلَيْهَا، يَطْلُبُ حُضُورَها. أَرْسَلَتْ تَقُولُ: إِنَّها مُعْتَذِرَةٌ. فَكَرَ فِي مَزْرَعَةِ الدَّواجِنِ: مَنْ يَرْعَى شَأْنَهَا الْيَوْمَ؟ لا يَتْرُكُها دُونَ رِعايَةٍ. لا بُدَّ مِنَ الذَّهَابِ إِلَيْهَا. مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ؟

«عَمَّارٌ» لَمْ يَشَأْ أَنْ يُرْسِلَ أَحَدًا غَيْرَهُ إِلَى مَزْرَعَةِ الدَّواجِنِ، لِكَيْ يَرْعَاهَا. لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْمَزْرَعَةِ، وَجَدَ دِيكَ الدَّجَاجِ يَنْقُرُ بَعْضَ الدَّجاجاتِ. لَاحَظَ «عَمَّارٌ» أَنَّ الدِّيكَ يَنْقُرُ تِلْكَ الدَّجاجاتِ مَرَّاتٍ بِلا سَبَبٍ. «عَمَّارٌ» سَمِعَ دِيكَ الدَّجَاجِ يَقُولُ لِلْكَلْبِ «سَبْعِ اللَّيْلِ» بِجَانِبِهِ: «انْتَظَرْنا «أَنْوارَ» طَوِيلًا، فَلَمْ نَرَها. اذْهَبْ لِتَعْرِفَ: لِمَاذَا لَمْ تَحْضُرْ؟» ذَهَبَ «سَبْعُ اللَّيْلِ»، وَرَجَعَ يَقُولُ: «هِيَ فِي حُجْرَتِها، لَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا.» دِيكُ الدَّجَاجِ أَخَذَ يَنْقُرُ الدَّجَاجَاتِ فِي قَسْوَةٍ وَعُنْفٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ!

(۱۳) سَيْطَرَةُ الدِّيكِسَيْطَرَةُ الدِّيكِ

الدِّيكُ قَالَ لِـ «سَبْعِ اللَّيْلِ»: «لِماذا لَزِمَتْ «أَنْوارُ» حُجْرَتَها؟ لِماذا لَمْ تَحْضُرْ هُنا كَعَادَتِها؟»

الدِّيكُ انْتَفَشَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنا أَرْعَى خَمْسِينَ دَجَاجَةً، لا تَعْصِي لِي أَيَّ أَمْرٍ. لَا تَغِيبُ وَاحِدَةٌ عَنِّي. لا بُدَّ أَنْ تَسْتَأْذِنَ مِنِّي. أَنا أُسَيْطِرُ عَلَيْهَا كُلِّها. هِيَ دَائِمًا مُطِيعَةٌ لِي!»

الْكَلْبُ «سَبْعُ اللَّيْلِ» — بَعْدَ أَنْ سَمِعَ كَلامَ الدِّيكِ — قالَ لَهُ، مُعاتِبًا: «لِماذا أَنْتَ عَنِيفٌ هَكَذَا؟ أَراكَ تَنْقُرُ الدَّجاجات دائِمًا، بِغَيْرِ ذَنْبٍ! لِماذا لا تَكُونُ لَطِيفًا فِي مُعَامَلَتِكَ، مِثْلَ صَاحِبِ الْمَزْرَعَةِ وَزَوْجَتِهِ؟ أَخْلاقُهُما كَرِيمَةٌ، لا يَعْتَدِيانِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوانِ، فِي

(١٤) الْمُعَامَلَةُ بِالْحُسْنَىالْمُعَامَلَةُ بِالْحُسْنَى

أَيِّ مَكَانٍ.» الدِّيكُ الْمُنْتَفِشُ قَالَ: «صاحِبُ الْمَزْرَعَةِ لا يُعْجِبُنِي فِي تَصَرُّفَاتِهِ الْمُتَهَاوِنَةِ. أَرَاهُ فِي سُلُوكِهِ لا يُحِبُّ السَّيْطَرَةَ عَلَى أَحَدٍ، وَلا يُرِيدُ فَرْضَ إِرادَتِهِ بِالْقُوَّةِ!» «سَبْعُ اللَّيْلِ» قَالَ: «اَلْقُوَّةُ لَها مَوْضِعُها، لا تُسْتَعْمَلُ فِي الظُّلْمِ وَالْعُدْوانِ.»

الدِّيكُ أَمامَ «سَبْعِ اللَّيْلِ» مَشْغُولُ الذِّهْنِ بِالْحَدِيثِ مَعَهُ. دَجَاجَةٌ اقْتَرَبَتْ مِنَ الدِّيكِ. نَقَرَها الدِّيكُ بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ. صاحَ يَقُولُ لَها، وَهُوَ غَضْبَانُ: «ماذا جاءَ بِكِ إِلَى هُنَا الْآنَ؟ ابْعُدِي عَنِّي، وَأَنا أَتَكَلَّمُ!» ابْتَعَدَتْ الدَّجَاجَةُ عَنِ الدِّيكِ. جَعَلَتْ تُقَرْقِرُ وَهِيَ مُتَأَلَّمَةٌ. رَجَعَتْ إِلَى الدَّجَاجِ شَاكِيَةً.

«سَبْعُ اللَّيْلِ» قَالَ لِدِيكِ الدَّجاجِ، يَلُومُهُ عَلَى هَذا التَّصَرُّفِ السَّيِّئِ مِنْهُ: «لِماذا تَرْضَى لِنَفْسِكَ أَنْ تُعامِلَ دَجَاجَاتِكَ الْعَزِيزَةَ، هَذِهِ الْمُعامَلَةَ الْغَلِيظَةَ؟ حَاوِلْ أَنْ تَتْرُكَ ذَلِكَ السُّلُوكَ، وَأَنْ تُعامِلَ الدَّجاجاتِ بِالْحُسْنَى، وَلا تَعْنُفَ بِها.» دِيكُ الدَّجَاجِ رَدَّ عَلَى «سَبْعِ اللَّيْلِ» بِصَوْتٍ عالٍ، يَقُولُ لَهُ: «أنا لا أَتَسامَحُ فِي مُعامَلاتِي. إِذا غَضِبَتْ مِنِّي دَجَاجَةٌ، عَاقَبْتُها فِي الْحَالِ.» «سَبْعُ اللَّيْلِ» قالَ لَهُ: «عالِجْ أُمُورَكَ دَائِمًا مَعَ مَنْ تُصَاحِبُ بِغَيْرِ الْقَسْوَةِ. الْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ في حَيَاتِكَ لَطِيفًا مَحْبُوبًا، لا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا مَرْهُوبًا.»

(١٥) الاحتفاظ بالسِّرِّالاحتفاظ بالسِّرِّ

هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي دارَ، سَمِعَهُ فِي الْمَزْرَعَةِ «عَمَّارٌ». فَكَّرَ لَحْظَةً فِي ذَلِكَ الْحِوارِ. رَجَعَ بِسُرْعَةٍ إِلَى الدَّارِ. كانَ الْوَقْتُ مُنْتَصَفَ النَّهارِ. أَقْبَلَ عَلَى حُجْرَةِ «أَنْوَارَ». وَجَدَها فِي الْحُجْرَةِ جالِسَةً. قالَ لَها، وَمَلامِحُهُ عابِسَةٌ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَعْرِفِي السِّرَّ؟ أَنْ تَعْلَمِي حَقِيقَةَ الْأَمْرِ؟»

«أَنْوارُ» رَفَعَتْ بَصَرَها تَتَطَلَّعُ إِلَى زَوْجِها «عَمَّارٍ»، وَقالَتْ لَهُ بِاسِمَةً: «حَقًّا، أُرِيدُ أَنْ أَطَّلِعَ مِنْكَ عَلَى ذَلِكَ السِّرِّ، وَلَكِنْ لِماذا أَنْتَ عَابِسٌ؟»

«عَمَّارٌ» قَطَّبَ جَبِينَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَقالَ لِزَوْجَتِهِ «أَنْوَارَ»: «أَبُوحُ لَكِ بِالسِّرِّ، إِذا أَصْرَرْتِ عَلَى طَلَبِهِ، ثُمَّ لَا أَدْرِي مَا يَحْدُثُ لِي! اَلسِّرُّ عَرَفْتُهُ مِنْ سَاحِرٍ قَادِرٍ! فَإِنْ بُحْتُ بِهِ، لَمْ آمَنْ أَنْ يَنالَنِي مَكْرُوهُ.» «أَنْوارُ» انْزَعَجَتْ، وَأَسْرَعَتْ تُمْسِكُ بِكَتِفِ زَوْجِهَا بِقُوَّةٍ، وَتَقُولُ لَهُ: «لا تَبُحْ بِسِرِّكَ. اكْتُمْهُ عَنِّي! حَياتُكَ أَغْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدِي!»

(١٦) لُغَةُ الْحَيَوانِلُغَةُ الْحَيَوانِ

«أَنْوارُ» رَضِيَتْ عَنْ «عَمَّارٍ». عَدَلَتْ عَنْ أَنْ تَعْرِفَ الْأَسْرارَ. «عَمَّارٌ» قَالَ لِزَوْجَتِهِ «أَنْوَارَ»: «لَيْسَ — فِي الْحَقِيقَةِ — سِرٌّ. وَكَذَلِكَ لَيْسَ هُناكَ سِحْرٌ. سَأَكْشِفُ لَكِ جَلِيَّةَ الْأَمْرِ. الْفَضْلُ فِي ذَلِكَ لِإِعْمالِ الْفِكْرِ. بِالْعَقْلِ عَرَفْتُ حِيلَةَ هَذا الثَّوْرِ. انْتَبِهِي يا «أَنْوارُ» لِمَا أَقُولُ، لِكَيْ يَرْتاحَ بِالْكِ الْمَشْغُولُ.»

«أَنْوارُ» تَعَجَّبَتْ مِنْ كَلامِ زَوْجِها «عَمَّارٍ»، حِيْنَ سَمِعَتْهُ، وَقَالَتْ لَهُ: «أَكَادُ لَا أُصَدِّقُ مَا أَسْمَعُهُ الْآنَ! أَخْبِرْنِي بِما عِنْدَكَ يا زَوْجِي الْعَزِيزَ.» «عَمَّارٌ» ابْتَسَمَ لِزَوْجَتِهِ ابْتِسَامَةً رَقِيقَةً، وَرَبَّتَ كَتِفَها، وَقالَ لَها: «الَّذِي يَسْتَعْمِلُ فِطْنَتَهُ، وَيُدَقِّقُ مُلاحَظَتَهُ، يَفْهَمُ الْكَثِيرَ مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ. مَنْ يُراقِبُ الْحَيَواناتِ وَالطُّيُورَ فِي أَصْواتِها، وَحَرَكاتِها، وَتَصَرُّفاتِها؛ يَفْهَمُ لُغاتِها.» «أَنْوارُ» أُعْجِبَتْ بِما أَرْشَدَها إِلَيْهِ زَوْجُها «عَمَّارٌ»، وَقَالَتْ لَهُ فَرِحَةً: «سَأُحاوِلُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَكَ: أَفْهَمُ لُغَةَ الْحَيَوَانِ، كَمَا فَهِمْتُ لُغَةَ الْإِنْسَانِ.»

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH