أصدقاء الربيع


الفصل الأول
(۱) العالم البهيج
فِي أَصِيلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ شَهْرِ «مارِسَ» هَبَّ نَسِيمٌ دَافِيٌّ يُبَشِّرُ بِمِقْدَمِ الرَّبِيعِ : مَلِكِ فُصولِ السنة، ويُؤْذِنُ بانقضاء فصل الشتاء.
وَقَدِ اسْتَقْبَلَتِ الكائنات كُلُّها هذا الْفَصْلَ الْبَهِيجَ فَرْحانَةً مُتهلَّلَةً، وَدَبَّتْ حَرارَةُ الشَّمْسِ فَأَنْعَشَتِ النُّفُوسَ، وَأَخَذَتِ الْأَرْضُ زِينَتَهَا فَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
(۲) يَقَظَةُ النَّائِمِ
وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَطَلَّ صَاحِبُنَا النَّشِيطُ : «أَبُو بُرَيْصٍ مِنْ حُفْرَتِهِ - وَكَانَتْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الطَّرِيقِ – وَحَاوَلَ أَنْ يَتَنَسَّمَ الهَواءَ (يَشُمَّهُ) بَعْدَ أَنْ حُرِمَهُ زَمَنًا طَوِيلًا. وَمَا أَخْرَجَ أَنْفَهُ مِنْ حُفْرَتِه حَتَّى بَهَرَ عَيْنَيْهِ شُعاعُ الشَّمْسِ غَلَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ نُورَهُما فَكادَ يُعْمِيهما) فَلَمْ تَقْوَيا عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ ، لِاعْتِيَادِهما ظَلامَ الْحُفْرَةِ أَشْهُرًا عِدَّةً ، فَأَسْرَعَ أَبُو بُرَيْصٍ» عَائِدًا إِلَى جُحْرِهِ الْمُظْلِمِ.
وَكَانَ أَبُو بُرَيْصٍ» قَدْ نَامَ فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ - الَّتِي اتَّخَذَهَا دَارًا لَهُ – خَمْسَةَ أَشْهُرٍ كَامِلَةً، وَلَمْ تَرَ عَيْناهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ؛ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ – الآنَ – أنْ يُواجِهَ شُعاعَها السَّاطِعَ، دَفْعَةً وَاحِدَةً.
(۳) «أَبو بُرَيْصٍ»
أَرَاكُمْ تَسْأَلُونَ، وَقَدْ عَرَتْكُمْ أَلَمَّتْ بِكُمْ، وَعَرَضَتْ لَكُمْ دَهْشَةٌ تُرَى: ما هو «أَبُو بُرَيْصٍ»؟ وَلَوْ أَمْعَنْتُمُ الْفِكْرَ قَلِيلًا لَعَلِمْتُمْ حَقِيقَتْهُ.
وَإِنِّي ذاكِرٌ لَكُمْ بَعْضَ أَوْصَافِهِ، لَتَتَعَرَّفُوهُ بِلا عَناءٍ.
أَمَّا لَوْنَهُ فَهُوَ رَمادِيٌّ، وَأَمَّا ذَنَبهُ فَطَوِيلٌ نَحِيفٌ. وَلَهُ - إِلَى هذا - عَيْنَانِ حَادَّتا الْبَصَرِ ، وأَرْجُلُ أَرْبَعٌ غايَةٌ فِي الْقِصَرِ، وَجِسْمٌ تُغَطِّيهِ الْقُشُورُ. وَهُوَ يَأْوِي إِلَى جُحْرٍ ضَيِّقٍ، في حائِطِ قَدِيمٍ مُتَهَدِّمٍ، أَوْ حُفْرَةٍ مَهْجُورَةٍ، حَيْثُ يَتَّخِذُ مِنْهَا بَيْتًا يَسْكُنُهُ.
أَظُنُّكُمْ قَدْ عَرَفْتُم حَقِيقَةً «أبي بُرَيْصٍ» الآنَ! أَلَيْسَ كَذلِكُمْ؟ نَعَمْ: فَإِنَّ أَبا بُرَيْصٍ» هُوَ الْبُرْضُ الَّذِي تَعْرِفُونَهُ وَتَرَوْنَهُ يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْنِ فَاحِصَتَيْنِ (باحِثَتَيْنِ) يَعْرُوهُما (يُصِيبُهُما) دَهَشُ وَحَيْرَةٌ ، وَهُوَ يُطِلُّ عَلَيْكُمْ مِنْ سَقْفِ الْحُجْرَةِ أَوْ حَائِطِها.
(٤) الرُّفْقَةُ النَّائِمَةُ
وما اسْتَقَرَّ أَبُو بُرَيْصٍ فِي جُحْرِهِ الْمُظْلِمِ زَمَنًا يَسِيرًا، حَتَّى عَاوَدَهُ نَشَاطُهُ؛ فَنَظَرَ إِلَى رِفَاقِهِ الْبَرَصَةِ، فرآها لا تَزالُ نائِمَةً مُنْذُ الْخَرِيفِ؛ فَضَحِكَ مِنْها ساخرًا، وقال: «ها ها ها! يا لها من مُتَكاسِلَةٍ نَؤُومٍ كَثِيرَةِ النَّوْمِ ) ! إِنَّها لا تَزالُ رَاقِدَةً مُنْذُ الْخَرِيفِ، وَأَفْواهُها مَفْتُوحَةٌ ... هيه! أمَا آنَ لَها أَنْ تَسْتَيْقِظَ مِنْ سُباتها (نَوْمِها)، لِتَسْتَقْبِلَ الرَّبِيعَ الْبَهِيجَ!»
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ أَبُو بُرَيْصٍ» كلامه ( عادَ إِلَى حَدِيثِهِ ، وَهُوَ يَبْتَعِدُ عَنْ رِفَاقِهِ (أَصْحَابِهِ)، وَيَعْجَبُ مِنْ تَكاسُلِها، وَيَقُولُ: «إِنَّهَا غَارِقَةٌ فِي نَوْمِها ، فَهيَ صُمٌّ لَا تَسْمَعُ، وَكَأَنَّني - إِذْ أُنَادِيها - أُنَادِي حِجارةً، فَوَدَاعًا، أَيَّتُهَا الرِّفَاقُ!»
(٥) بَهْجَة الربيع
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بُرَيْصٍ مِنْ جُحْرِهِ، لِيَنْعَمَ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ تَارِكًا رُفْقَتَهُ (أَصْحَابَهُ) مُسْتَسْلِمَةً إلى النَّوْمِ، وَأَنْشَبَ مَخَالِبَه (عَلَّقَ أَظفارَهُ الصَّغِيرَةَ في حائِطٍ قَرِيبٍ مِنْ جُحْرِهِ، وَاسْتَقبِلَ الرَّبِيعَ فَرْحانَ مُبْتَهِجًا.
(٦) الفَرِيسَةُ
أَتَعْرِفُونَ سَرَّ هذا الْفَرَحِ؟ إِنِّي مُخْبِرُكُمْ بِهِ: لَقَدْ سَمِعَ «أبو بُرَيْصٍ» حَرَكَةً خَفِيفَةً طالما أُعْجِبَ سَمْعُهُ بِطَنِينِها ( صَوْتِها)؛ فابتهج وظَهرَ نَشاطُهُ، وَتَرَبَّصَ انْتَظرَ وَتَرَقَّبَ) لانْتِهَانِ تِلكَ الْفُرْصَةِ السَّائِحَةِ، وَأرْهِفَ سَمْعَهُ أَصْغَى وَتَسمَّعَ ، َحتَّى يَتَبَيَّنَ صَاحِبَ الصَّوْتِ.
ورَأَى أَبُو بُرَيْصٍ» ذُبابةً زَرْقاءَ، تَطيرُ مِنْ حَوْلِهِ، وتَطِنُّ بِالْقُرْبِ مِنْهُ: «زِي ... زي ...»؛ فاشتغلَ بِصَيْدِها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وترصد لها حتَّى لا تُفْلِتَ منه، وحدَّق بَصَرَهُ فِيها.
ولو رأيْتَهُ حِينَئِذٍ لرأيتَ مَنْظَرًا عَجَبًا؛ فَقَدْ كان يُخرجُ لِسانَه ويَلْحَسُ شَفَتَيْهِ، مُتَحَفِّزًا لِاقْتِنَاصِ فَرِيسَتِهِ فِي شَرَةٍ حِرْصٍ شَدِيدٍ) لا مَثَيلَ لَهُ.
ثُمَّ أَعادَتِ الْحَشَرَةُ طَنِينَها: «زي ... زي ....» ، وطارَتْ إِلَى حَجَرٍ نَاتِي (مُرْتَفِعٍ خَارِج) فِي طَرَفِ الْحَائِطِ.
فَغَضِبَ أَبُو بُرَيْصٍ مِنْ فِرَارِها (هَرَبِها ) ، وَحَزَنَهُ أَنَّهَا لا تَكادُ تَسْتَقِرُّ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَحُلُّ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ دَقِيقَتَيْنِ.
وَلَمْ تَمْضِ لَحْظَةٌ أُخْرَى، حَتَّى اقْتَرَبَتْ مِنْ أَبِي بُرَيْصٍ»، وحامَتْ دَارَتْ) حَوْلَ طَائِفَةٍ مِنَ الْحَشَائِشِ، وَلَمْ تَفْطِنِ الْحَمْقَاءُ إِلى عَيْنَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ تَرْقُبَانِهَا، وَتَتَرَبَّصَانِ لَها.
فَقالَ صَاحِبُنا وهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: «لَقَدْ حَانَتِ الْفُرْصَةُ، وَإِنِّي - إِنْ أَضَعْتُها - لَأَكُونَنَّ مِثالًا لِلْحَماقَةِ وَالْكَسَلِ!»
ثُمَّ اسْتَعَدَّ «أَبُو بُرَيْصٍ» وَتَهَيَّأَ لِاقْتِنَاصِها - فِي حَذَرٍ وانتباه – وقال: «واحد ... اثنان .... ثُمَّ هَبَّ نَهَضَ وَقَفَزَ) فِي الثَّالِثَةِ هَبَّةً واحِدةً ، فَأَصابَ طِلْبَتَهُ (حَاجَتَهُ)، وظَفِرَ بِصَيْدِهِ السمين.
وامْتَلأَتْ نَفْسُ أَبِي بُرَيْصٍ غِبْطَةً وسُرُورًا لِنَجَاحِهِ وَظَفَرِهِ بِتَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ، وَالْتَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَاهْتَزَّ ذَيْلُهُ فَرَحًا وابْتِهَاجًا.
ثُمَّ قَالَ وِلِسانُهُ يَخْتَلِجُ يَتَحَرَّكُ ويَرْتَعِشُ مِنْ فَرْطِ السُّرُورِ: «مَا أَلَذَّهُ طَعَامًا، وَمَا أَشْهَاهُ غِذاءً فَلْنَتَلَمَّسْ وَاحِدَةً أُخْرَى.»
الفصل الثاني
(۱) فِي عُرْضِ الْحَائِطِ
وبَعدَ أَيَّامٍ قَليلة استَيْقَظَتِ الْبَرَصَةُ مِنْ سُباتها (نَوْمِها) العميقِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهَا – مع صَدِيقِها «أبي بُرَيْصٍ » النَّشيط - لِتَنعمَ بِحَرارةِ الشَّمْسِ، وَانْتَشَرَتْ عَلَى الْحَائِطِ الْقَدِيمِ تَسْتقبِلُ الرَّبِيعَ مُبتهجةً. وكانت تلك الطَّائفة تتألفُ من آباء بَدِينَةٍ (سمينة) ممتلئة، وأُمَّاتٍ نحيفةِ الْجِسمِ جَميلة المنظر أُمَّهات. والأُمَاتُ لِلْحيوان كالأُمهات لِلإِنسان)، وجمهرة ( جَماعة) من الْأَبْناءِ يَتجَلَّى فيها النَّشاط والطَّيْشُ.
وكان «أَبُو بُرَيْص» النَّشيطُ جَالِسًا عَلَى حَجَرٍ - بِالْقُرْبِ مِنْ رِفَاقِهِ – وَقَدْ شَغَلَهُ التفكير عنها فَلَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِه.
(۲) «دابَّةُ النَّهْرِ»
فَاقْتَرَبَ مِنهُ أحد أصحابه، وسأله قائلا: «هِيهِ يا صاح! ما بالُكَ مُسْتَسْلِمًا لِلتَّفكير، مُبتَعِدًا عن رفاقك؟»
فَدَهِشَ «أبو بُرَيْصٍ» لهذهِ المُفَاجأَةِ، وَقَفَزَ مِنَ الدُّعْرِ (نَطَّ مِنَ الْخَوْفِ)، ثُمَّ قَالَ لصاحبَتِهِ: «لَقَدْ أَسَأْتِ إِلَيَّ - يا «أُمَّ سَلْمى» - وقَطَعْتِ عَلَيَّ تفكيري في صديقتي القديمة: دابَّةِ النَّهْرِ!»
فقالت له «أُمُّ سلمى»: «ماذا تَقُولُ؟ «دابَّةُ النَّهْرِ»! مَنْ هِيَ ؟ فَإِنِّي لَا أَكَادُ أَذْكُرُها !»
فقال لها «أبو بُرَيْص»: «كلا يا صاحبتي، بلْ أَنْتَ تَعْرِفينها ولا تجهلينها. وما أَظُنُّكِ قدْ نَسيتِ الضَّفْدِعَةَ الْخَضْراءَ الْجَمِيلةَ التي كانت تتحدَّثُ إِلَيَّ فِي الصَّيفِ المَاضِي، وقدْ كُنَّا ندعوها: «دَابَّةَ النَّهْرِ».
ما كان أَجْمَلَ عينَيْها ، وأَبْدَعَ مَنظَرَها، وأشهى حديثها ..... لقدْ نَعِمْنَا بِلقَائِها زَمَنًا، ثُمَّ تَفَرَّقْنا فِي الْخَرِيفِ؛ فَذَهَبَتْ «دابَّةُ النَّهْرِ» إلى حُفرتها - في أسفل هذا الْحَائِطِ - هَرَبًا منَ البَرْدِ.
(۳) عَوْدَةُ الْحَزِينِ
وَإِنِّي لَأُسائِلُ نَفْسي : كيف حال هذه الصَّديقة العزيزة؟ وماذا آل إليهِ أَمْرُهَا؟ فَهَلْ تَتَفضَّلِينَ يا «أُمَّ سلمى» فتناديها، فإِنِّي لِلقَائِها لَعَلَى شَوْقٍ شَدِيدٍ.»
فصاحتْ «أُم سلمى»، وَصَرَخَ «أبو بُرَيْصٍ» - في نَفَسٍ واحدٍ – يُنادِيانِ صاحبتهما: «دابَّةَ النَّهْرِ». ولكنَّ «دابَّةَ النَّهْرِ» لَمْ تُجِبْ نِداءَهُما، وقدْ دَعَواها بِأَعْلَى صَوْتِيْهِما مَرَّاتٍ عِدَّةً.
فَعادَ «أبو بُرَيْصٍ» إلى مَخْبَئِهِ مَحزُونًا مُتأَلَّمًا، يُفكّرُ في مصير صاحبته العزيزة، ويَخْشَى عَلَيْهَا أَحْدَاثَ الزَّمَنِ وخُطُوبَهُ (نَوَائِبَهُ وَمَصَائِبَهُ).
(٤) بعد أسبوعين
ومَرَّ على هذا الحادِثِ أُسبوعان كامِلانِ، فَدَبَّتِ الْخُضْرَةُ فِي الشَّجَرَاتِ الَّتِي تَكْتِنِفُ جُحْرَ الأبارص ( تُحيط به. واجتمعت الْحَشَراتُ أَسْرابًا ( جَماعات)؛ فَغَصَّ بها (ضاق) الفضاء على رُحْبِه ، وَامْتَلأَ الْجَو بطنِينها وأهازيجها (أغانيها) الْمَرِحَةِ. ولكنَّ «أبا بُرَيْص» كان في شُغْلِ شَاغِلٍ - عَنْ ذلكَ الْعَالَمِ الْبَهِيج - بِالتَّفْكِيرِ فِي مَصِيرِ صَاحِبَتِهِ: «دابَّةِ النَّهْرِ». فقَدْ شَعْلَهُ الأَلَمُ لِفِرَاقِ تلكَ الضَّفْدِعَةِ الصَّغيرةِ الخَضْراء وأُدْخِلَ فِي رُوعِهِ (قَلْبِهِ) أَنَّهَا لَقِيَتْ حَتْفَها (هلاگها).
(٥) فَرْحَةُ اللقاء
وإِنَّهُ لَغَارِقٌ فِي تَأَمُّلِهِ – ذاتَ يَوْمٍ - إِذْ رَأَى نَمْلَةً تَسْقُطُ فِي الْمَاءِ. واسْتَرْعَى بَصَرَهُ ما رَآهُ على سَطْحِ الْمَاءِ مِنْ فَقاقيع الهواءِ الْمُتَصَاعِدَةِ إِلَيْهِ. وَلَمْ يَكَدْ يُنْعِمُ النَّظَرَ (يُدَقِّقُهُ) فِي مَصِيرِ تلكَ النَّمْلِةِ التَّاعِسِةِ، حَتَّى رَأَى فَمَا عَرِيضًا يَظْهَرُ على سَطْحِ الْمَاءِ. فصاح «أبو بُرَيْص»، وقد فاضَ قَلْبُهُ سُرُورًا: «يا للسَّعادة! لقدْ ظَفِرْتُ بِصَديقتي العزيزة: «دابَّةِ النَّهْرِ»، وقد عَرَفْتُ جِلْبَابَهَا الْأَخْضَرَ الَّذِي يَزْدانُ (يَتحلَّى) بتلك النُّقط السُّودِ. آه ... لقدْ ظَهَرَتْ عَيناها الْكَبِيرَتَانِ، وظَهَرَتْ تلكَ الدَّائِرَةُ الذَّهَبِيَّةُ الَّتي تُحيط بِهِمَا إِليَّ يَا دَابَّةَ النَّهْرِ»! تَعالَيْ، أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ. عَجِيبٌ ... إنها لا تُجِيبُ فَلْأَرْفَعْ صَوْتِي لَعَلَّها تَسْمَعُنِي ...
عِمِي صَباحًا يا «دابَّةَ النَّهْرِ»، وَلْيَكُنْ نَهَارُكِ طَيِّبًا!»
(٦) «أُمُّ هُبَيْرَةَ»
فَسَمِعَ «أبو بُرَيْصٍ صَوْتًا أَجَشَّ (غَلِيظًا)، هُو نَقِيقُ صَاحِبَتِه. وقدْ أَجَابَهُ فِي بُيَّةٍ غِلَظ وخُشُونَةٍ) طالما أَلِفَ سَماعَها مِنْها.
«مَنْ ذَا الَّذِي يُناديني؟»
فقالَ لَها وقَدِ اشْتَدَّ فَرَحُه: «هلم يا دابَّةَ النَّهْرِ»! إِليَّ يَا «أُمَّ هُبَيْرَةَ»! فَأَنا صَدِيقُكِ الْقَدِيمُ «أبو بُرَيْ» الصَّغِيرُ الرَّمَادِيُّ اللَّوْنِ.»
فأجابته «دابَّةُ النَّهْرِ»: «آه ... أَأَنتَ صَاحِبِي الْعَزِيزُ : «أبو بُرَيْصٍ»؟ مَعْذِرَةً يَا صَدِيقِي؛ فَإِنَّني لَمْ أَسْتَطِعْ رُؤْيتَكَ - أَوَّلَ وَهْلَةٍ أَوَّلَ شَيْءٍ أراهُ ) - لِأَنَّني لا أزالُ عَاجِزَةً عَنِ التَّحْدِيقِ في الضَّوْءِ، وقدْ بهرني نُورُ النَّهارِ، بَعدَ أنْ طَالَ مُكْثِي في ظلام القاع.
والآنَ أَحْمَدُ الله على لِقائِكَ؛ فقد طالَ شَوْقي إليكَ.
فَخَبِّرْنِي: كَيْفَ قَضَيْتَ فَصْلَ الشَّتاءِ، يا أبا بُرَيْصٍ؟»
فقال لها: «لَقَدْ قَضَيْتُهُ نَائِمًا مَعَ رِفَاقي. فَكَيْفَ قَضَيْتِهِ أَنْتِ يا أُمَّ هُبَيْرَةَ؟»
فقالتْ لَهُ : «لم يُصِبْنِي مَكْرُوهُ؛ فَقَدْ غَمَسْتُ رَأْسِي فِي الطِّينِ – كما فعل رفاقي في الْخَرِيفِ الْمَاضِي - وأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ. ثُمَّ ... ثُمَّ ماذا حَصَلَ ؟ هذا ما لا أَذكُرُهُ. لَقَدْ نَسِيتُ كُلَّ مَا حَدَثَ لِي بَعْدَ ذلِكَ.
لَعَلَّ أَجْسَامَنَا قَدْ جَمَدَتْ - حِينَ اشْتَدَّتْ وَطْأَةُ البَرْدِ - وَأَصْبَحَتْ كَالْأَحْجَارِ الصُّلْبَةِ؛ فقد طالما سَمِعْتُ مِنْ جَدَّاتي أَنَّ ذلِكَ يَحْدُثُ لنا فِي كُلِّ شِتَاءٍ.»
(۷) الثَّوْبُ الجَديدُ
فَقالَ لَها أَبو بُرَيْصٍ، وَقَدْ داناها (اقْتَرَبَ مِنْها ) ، وَوَقَفَ أمامَها مَزْهُوا فَخُوَرًا: «أَنْعِمي النَّظَر في شَكْلِي، لَعَلَّكِ تَكْشِفِينَ عَمَّا جَدَّ مِنْ أَنْبَائِي أَخْبَارِي). أَعِيدِي فِي نَظْرَةَ فَاحِصٍ مُدَقِّقِ. أَجِيلِي بَصَرَكِ.
أَلَا تَرَيْنَ شَيْئًا جَدِيدًا؟»
فَقالتْ لَهُ «دابَّةُ النَّهْرِ»: «كَلَّا ، لا أَرَى شَيْئًا جَدِيدًا، يا صاح!»
فَقَالَ «أبو بُرَيْصٍ»: «أَلَا تَرَيْنَ الثَّوْبَ الَّذِي البَسُه في هذا العام؟ ألا تُبْصِرِينَ جِدَّتَه؟»
فَقالتْ لَهُ : «يا لَلْعَجَبِ أَأَنْتَ لَبِسْتَ ثَوْبًا جَدِيدًا؟»
فَقَالَ أَبُو بُرَيْصٍ»: «نَعَمْ يَا صَدِيقَتِي الْعَزِيزَةَ، فَقَدْ رَأَيْتُ ثَوْبِيَ القَدِيمَ يَخْلُقُ وَيَرِثُ، وَلَمْ نَفْتَرِقْ - قُبَيْلَ انتِهَاءِ الْفَصْلِ المَاضِي - حَتَّى بَلِيَ ذَلِكِ الثَّوْبُ، وَبَدَتْ فِيهِ شُقُوقٌ كَثِيرَةٌ، فَضَجِرْتُ بِهِ (ضاقتْ نَفْسِي مِنْهُ وكَرِهَتْهُ ، وَاضْطُرِرْتُ إِلى تَرْكِهِ؛ فَحَكَكْتُ جَسَدِي بِحَجَرٍ شَدِيدٍ صَلْدٍ ؛ فَتَهَرَّأَ الرِّداءُ الخَلَقُ تَقطَّعَ الثَّوْبُ الْبالِي وَتَمَزَّقَ ، واستَبْدَلْتُ به – حينئذ – ثَوْبِي الجَدِيدَ الذي تَرَيْنَهُ الآن. وقد ارتَدَيْتُهُ طُولَ فَصْلِ الشَّتَاءِ.»
(۸) «أَبُو سَلْمَى»
فقالتْ «دابَّةُ النَّهْرِ»: «تَقَبَّلْ - يا أبا بُرَيْص» - تهنئاتي بهذا الثَّوبِ الأَنِيقِ الَّذِي ارتَدَيْتَهُ. ولكن ... خبرني، يا صاح: كَيْفَ حالُ عَشِيرَتِكَ وأَهْلِكَ؛ فقدْ شَغَلَنِي حَدِيثُكَ الْمُمتِعُ عَنْ سُؤَالِكَ عن أَنبَاءِ أُسرتك؟ كَيف تَجِدُ أَبَاكَ وَإِخْوتَكَ وَأَخَوَاتِكَ؟»
فقالَ لَها: «كُلُّهُمْ بِخَيْرٍ، ما عدا أخي المِسْكِينَ: «أَبا سلمى» التَّاعِسَ الحَزِينَ!»
فَقالتْ «دابَّةُ النَّهْرِ»: «وَكَيفَ تَكْتُمُ عنِّي هذا النَّبَأَ الخَطِيرَ؟ كَيفَ يَمْرَضُ أخوك فلا تُخْبِرُني أنه مريض؟»
فَقَالَ أَبو بُرَيْصٍ»: «صَدَقتِ - يا عَزِيزَتِي - فَقَدْ نَسِيتُ أَن أُخْبِرَكَ أَن أَبا سلمى» يُعانِي أَلَمًا مُبَرِّحًا (مُتْعِبًا مُؤْذِيًا) ، مُنذُ وَقعَ لَهُ ذلك الحادِثُ الجَلَلُ (العظيمُ). ولكلِّ مَخْلُوقٍ حَظُّهُ مِنَ السَّعَادَةِ والشَّقَاءِ جَمِيعًا.»
(۹) قاذفُ الحَصَى
فَقالتْ «دابَّةُ النَّهْرِ»، وَقَدْ تَمَلَّكَها الذِّعْرُ الخَوْف): «تُرَى أَيُّ حادث مِنْ أَحْداثِ الدَّهْر قد أَلَمَّ بـ «أبي سلمى» الطَّرِيفِ الطَّيِّبِ القَلْبِ؟»
فَقالَ أَبُو بُرَيْصٍ»: «لَقَدْ أَلَمَّ به حادثُ خَطيرٌ في الخَرِيفِ المَاضِي ... أَلَا تَذكَّرينَ يا «أُمَّ هُبَيْرَةَ» - ذلكَ الطَّفْلَ الَّذِي كَان يَمُرُّ بِدارِنَا كُلَّ يَوْمٍ؟»
فَقالتْ لهُ: «أَتَعْنِي ذَلِكَ الفَتَى الصَّغِيرَ الَّذِي يُنادِيهِ رِفَاقُهُ بِاسْمِ «كَمَالِ»، وَيُلَقِّبُونَه (يُنادونه) بَلَقَبِ «طَارِقٍ»؟
إِنْ كُنتَ تَعْنِيهِ، فَإِنِّي أذكُرُهُ، فقد طالَما صَفَّرَ وَغَنَّى – بالقُرْبِ مِنَّا - صغيرًا مُستَعذَبًا، وغناءً مُطرِبًا.»
فقال «أبو بُرَيْص»: «هُوَ بِعَيْنِهِ يا «أُمَّ هُبَيْرَةَ». وَهُوَ طَفْلٌ ظَرِيفٌ، لَا عَيْبَ فِيهِ إِلَّا أَنهُ كَانَ يَلْهُو – أَحْيَانًا – بِقَذْفِ الأَحْجارِ. وما أَظنُّه يقْصِدُ بذلك إلى الإضرار بكائن كانَ؛ فَهُوَ - فِيمَا أَعْلَمُ - طَيِّبُ القَلْبِ.
ولكن : آه من هؤُلاءِ الصَّبْيَةِ وَوادٍ مِنْ ذَلِكِ الحَصَى الَّذِي يَقْذِفُونَنَا بِهِ يَمْنَةً وَيَسْرةً، دُونَ أَن يَعْرِفُوا مَدَى ما يُلْحِقونه بنا - مَعشرَ الحَشَراتِ والدَّوابِّ - مِنْ أَذًى!»
(۱۰) قِصَّةٌ مُحْزِنَةٌ
فَقَالَتْ «دابَّةُ النَّهْرِ»: «خَبَرْني: ماذا حَدثَ لِأَخِيكَ؟»
فَقَالَ أَبو بُرَيْصٍ»: «لقدْ كانَ «أبو سَلْمى» جاثِمًا (قاعِدًا) – في هذا المكان – في الخَرِيفِ المَاضِي، يَتلَمَّسُ الدّفعَ في حَرارةِ الشَّمْسِ وَإِنَّهُ لَغَارِقٌ فِي أَحْلامِهِ اللَّذِيدَةِ، إِذْ رَمَاهُ كَمَالٌ» بِحَجَرٍ صَغِيرٍ كَانَ يَلْهُو بِهِ، فصاح «أبو سَلْمي» مُتَوَجِّعًا مِمَّا أَصَابَهُ، فَأَسْرَعْتُ إلى نَجْدَةِ شَقِيقِي، فرأَيْتُهُ يَتَقَلَّبُ عَلَى الْأَرْضِ - ظَهْرًا لِبَطْنٍ - وَيَتَوَجَّعُ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ. واجْتَمَعَتْ أُسْرَتُنا حَوْلَهُ تُؤَسِّيهِ، وَتُسَرِّي عنْهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَشْهَقُ – وما أَجْدَرَهُ بِذَلِكِ – فقد كادَ الحَجَرُ يَقْتُلُه.
مَثَلِي لِنفسكِ (تصَوَّرِي مِقْدَارَ ما يُعانِيهِ أَبو سَلْمى»، بعد أن قَطَعَ الحَجَرُ ذَنَبَهُ، وَكَادَ يُودِي بِهِ (يُهْلِكُه)، وَيَقْضِي عَلَى حَيَاتِهِ!»
فَقالَتْ «دابَّةُ النَّهْرِ»: «يا لَشَقائكَ يا أبا سلمى» أَعْزِزْ عَلَيَّ مَا كَابَدْتَ من ألم! ما أَشدَّ حُزني مُصابِكَ!
فَقَالَ «أبو بُرَيْص»: «لقد ظلَّ يُعاني الآلامَ زَمَنًا طَوِيلًا ، وَكَانَ أَبَوايَ يَجِيئانِهِ بِالطَّعَامِ لعجزه عن الحَرَكَةِ. وما زالَ إِلى اليَوْمِ مَحْرُونًا ، شَارِدَ الفِكْرِ. وَقَدْ آثَرَ العُزْلَةَ والوَحْدَةَ، فَما يَكادُ يَبْرَحُ قَلَّمَا يَتَركُ) رُكْنَ الْحَائِطِ.»
فَقالَتْ دَابَّةُ النَّهْرِ»، فِي لَهْجَةِ الْمُشْفِقَةِ الحانية: «لا بُدَّ لي أَنْ أَعُودَهُ (أَزُورَهُ) فِي بَيْتِه، وَمَعي هَدِيَّةٌ فَاخِرَةٌ. لَقَدِ اعْتَزَمْتُ أَن أُهْدِيَ إِلَيْهِ أَوَّلَ عَنْكَبٍ أَو عَنْكَبَةٍ أَصْطادُ؛ لَعَلَّهُ يَرَى فِي هَذَا الطَّعَامِ شَيْئًا مِنَ السَّلْوَى (النسيان) والعزاء (الصبر).»
الفصل الثالث
(۱) «أَبُو مَعْبَدٍ»
مالَتِ الشَّمْسُ لِلغُرُوبِ، والصَّدِيقَانِ لا يَزالانِ يَتحدَّثانِ أَحادِيثَ شَتَّى. وإِنَّهُما لَكَذَلِكَ إِذِ الْتَفَتَ «أبو بُرَيْصٍ فَجْأَةً إلى صاحبَتِهِ ، وقال: «هذا ابن عمّكِ قادمًا عَلَيْنَا، يَا أُمَّ هُبَيْرَةَ». وهو آية من آياتِ القُبْحِ والدَّمَامَةِ ، وقَدْ نَسِيتُ اسْمَه؛ فَهَلْ تَذْكُرِينَه لِي مُتَفَضَّلَةً؟»
فالْتَفتت «دابَّةُ النَّهْرِ» إلى القادِمِ ، وحَيَّتْهُ قائِلةً: «عِمْ مَسَاءً يَا ابْنَ عَمِّي «النَّقَاقُ»، ولْيَطِبْ لَيلُكَ كَيْفَ تَجِدُكَ يا أَبا مَعْبَدٍ؟»
فقالَ لَها «النقَّاقُ»: «بِخَيْرٍ - يَا ابْنَةَ العَمِّ – مادُمْتِ أَنتِ بِخَيْرٍ.»
فاسْتَأْنَفَتْ دَابَّةُ النَّهْرِ» قائِلةً: «ما لِي أَراكَ تُسْرِعُ فِي خُطَاكَ، يَا أَبا مَعْبَدٍ»؟ أَلا تَستَرِيحُ مَعنا قليلًا؛ لِتَشْرَكَنا في أَسْمارِنا وأَحَادِيثِنا الْمُعْجِبَةِ، وتَتَعرَّفَ بِصَدِيقِي العَزِيزِ «أَبِي بُرَيْص»؛ فهوَ يُحِبُّ أَن يَرَاكَ وَيَأْنسَ بِكَ؟»
فقال لها «النقّاقُ»: «مَعْذِرةً - يا ابْنَةَ العَمِّ - فَلَسْتُ أَسْتطِيعُ البَقَاءَ مَعَكُما؛ لِأَنَّني في حاجة إلى زيارةِ حَديقة الكُرُنْبِ، قَبْلَ أَن يَضِيعَ الوَقْتُ. فَوَداعًا!»
(۲) ابْنُ العَم
فقال «أبو بُرَيْصٍ»: «إِنَّ ابنَ عَمِّكِ «النقَّاقَ يَجْمَعُ إِلَى دَمَامَةِ المَنظُرِ (قُبْحِ الهَيْئَةِ) قِلَّةَ الذَّوْقِ، فهلْ أَنْتِ وَاثِقَةٌ أَنَّهُ ابنُ عَمِّكِ حَقًّا؟»
فقالتْ دَابَّةُ النَّهْرِ»: «لَيْسَ في هذا أقلُّ شَكٍّ ولَوْ أَنْعَمْتَ النَّظَرَ، لَرَأَيْتَنَا مُتَشَابِهَيْنِ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْطِنُهُ البَرَّ ، ومَوطنِي البَرَّ والبَحْرَ مَعًا عَلَى أَنَّ لَه مِثلي ...»
فقاطعها «أبو بُرَيْص»: «كَيفَ يَكُونُ «النقّاقُ» ابنَ عَمِّكِ، وهوَ بَطِيءُ الخُطَى، يمشي مُتَثَاقِلًا، ولا يَقْدِرُ عَلَى القَفْز كما تَقْفِزِينَ؟ وكَيفَ تَزْعُمِينَ أنَّه يُشْبِهُكِ، وَأَنتِ جَمِيلَةُ المَنظَرِ، حَسَنةُ التَّكْوِينِ، رَقِيقَةُ الْجِلْدِ، لَمَّاعَةُ البَشْرَةِ؛ عَلَى حِينٍ أَرَى جِسمَ «النقَّاقِ» مُشَوَّهًا، تُغطَّيه بُثُورٌ (خُرَّاجات صغيرةٌ ودَمامِيلُ) كريهة بَشِعةٌ؟»
(۳) فَضلُ «النقَّاقِ»
فقالتْ لهُ: «لَسْت أُنْكِرُ عَلَيْكَ أَنَّهُ يَبْدُو - لِمَنْ يَراهُ - قَبِيحَ الْمَنظَرِ دَمِيمَ الْخِلْقَةِ. ولكِنْ: أَيُّ ذَنْبٍ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ أتُراه كان قادِرًا عَلَى تَجْمِيلِ صُورتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ؟ كَلَّا - يا «أبا بُرَيْصٍ» – فَإِنَّ مِن كمال عَقْلِكَ وأَصَالَةِ رَأْيِكَ أَلَّا تَغْتَرَّ بالظواهر؛ فهِيَ لا تَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ النَّفْسِ الْمُحَجَّبَةِ عَنَّا الْمَسْتُورةِ الْمُخبَّأَةِ) . إِنَّ النَّقاقَ - لَوْ عَلِمْتَ - مِن كِرَامِ الضَّفادع وَهُوَ طَيِّبُ القَلبِ مَحْمُودُ الأَثَرِ. وما أَجْدَرَ النَّاسَ أَنْ يُحِبُّوه؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ وَقْفٌ عَلَى مُحارَبةِ الْحَشَراتِ الضَّارَّةِ الَّتي تُتْلِفُ الْحَرْثَ (الزَّرْعَ ) ، وتُفْسِدُ البُقُولَ وَالْخُضَرَ. ولكنَّ النَّاسَ - لسُوءِ حَظِّه - لا يُنْصِفُونَهُ ، ولا يَقْدُرُونَ هذا الصَّنِيعَ ( لا يَشْكرُونَ لَهُ هذا الْجَمِيلَ). فَكَيفَ لا أُحِبُّ هذا التَّاعِسَ الْمَظْلُومَ؟»
فقال «أبو بُرَيْصٍ»: «لَقَدْ حَبَّبَتْهُ إِلَى نَفْسِي تِلكَ المآثرُ (المفاخِرُ) الَّتِي قَصَصْتِها عَلَيَّ؛ فما أكرمه دابَّةً! وما أَبَرَّهُ مُصْلِحًا».
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ «أبو بُرَيْصٍ» قائلا: «لَقَدْ جَنَّ اللَّيلُ أَظْلَمَ)، ولا بُدَّ لِي مِنَ العَوْدَةِ إِلَى داري. وأنا على ثقةٍ أَنَّ أُسْرَتي ستَلْقَانِي غَاضِبَةً؛ لأنَّنِي تَأَخَّرْتُ – فِي هَذَا اليَوْمِ – عَنِ العَوْدَةِ حَتَّى هَذِهِ السَّاعَةِ. فَوَداعًا أَيَّتُهَا الرَّفِيقَةُ العَزيزةُ!»
فقالتْ لهُ: «إِلَى اللقاء القريب، يا أبا بُرَيْصٍ.»
(٤) المَطَرُ
وكانَ «أبو بُرَيْصٍ» يَنامُ عَلَى صَوْتِ الضَّفادِعِ - كلَّ لَيْلَةٍ - ويُطْرَبُ لأَناشيدها الجميلة، ونَقِيقِها الَّذِي طَالَما أَلِفَ الاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ.
وبعد أسابيعَ عِدَّةٍ ، أَمَطَرَتِ السَّمَاءُ – فَجْأَةً - فِي وَقتِ الصَّبَاحِ، ثُمَّ هَطَلَتْ (تَتَابِعَ مَطرُها)، وانْهمَر المَطرُ ( سالَ غَزِيرًا كَثيرًا ) . حتَّى إذا كادَ النَّهارُ يَنتَصِفُ، بَدَّدتْ أَضْواءُ الشَّمسِ ما تَراكَمَ مِنَ السُّحُبِ الكَثيفَةِ . وكَانَ «أبو بُرَيْصٍ» - في أَثْنَاءِ هُطُولِ الْأَمطار - مُلازِمًا جُحْرَه فِي نَفَرٍ – (جَماعةِ) مِن أَسْرَتِه، وهُم: «بُرَيْصٌ» و«أَبْرَصُ» و«سام أبرص»، وَغَيْرُهُم مِنَ الْأَبَارِضِ.
الفصل الرابع
(۱) حديثُ الصَّدِيقَين
فَلَمَّا تَقَشَّعَتِ السُّحُبُ وانْجَلَتِ الْغُيُومُ عَنِ السَّمَاءِ، زال عَنْهُ مَا أَلَمَّ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ لِطُولِ احْتِباسِهِ، وهَمَّ بالْخُرُوجِ مِنْ جُحْرِه؛ فرأى أمامَهُ صاحبتَهُ أُمَّ هُبْيْرَةَ»، فَقَالَ لَهَا: «آهِ ... لقد كُنتُ أُفكِّرُ في لقائِكِ الآن. وإنَّما منعني مِنَ الذَّهَابِ إِلَيْكِ مَا كَابَدْتُهُ - فِي هَذَا الصَّبَاحِ - مِنَ الشَّجَرِ والأَلَم ؛ فقدْ نَزَلَ الْمَطرُ مِدْرَارًا ، فلم أَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ مِنْ جُحْرِي.
آهِ! مَا كَانَ أَسْمَجَهُ صَبَاحًا!»
فقالتْ «دابَّةُ النَّهْرِ»: «شَدَّ ما أخْطَأْتَ فِي حُكْمِكَ - يا أبا بُرَيْص» – فقدْ كان أَجْمَلَ صَبَاحٍ عِندَنَا - مَعْشَرَ الضَّفادِعِ - ولقدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بهذا الْمَطَرِ – لِحُسْنِ حَظِّي – وأنا أَحْوَجُ ما أكُونُ إِلَيْه.
وما أَدْرِي كَيْفَ كُنتُ أَصْنَعُ لو ظلَّتْ حَرارةُ الشَّمْسِ مُرْتَفِعَةً، كما كانتْ فِي الْأَيَّامِ السابقة؟»
(۲) القُر
ثُمَّ استأنفتْ «دابَّةُ النَّهْرِ» قائلة: «ولكنَّ الله - سبحانه - قد أغاثني بهذا المطر، وأنقذ الْقُرَّ - أعني : بويضاتي - منَ التَّلَفِ.»
فقال «أبو بُرَيْصٍ»: «بَوَيْضاتِكِ ؟ متى كان ذلك؟ كيفَ لَمْ تُخبريني؟
يا لَكِ مِنْ صَديقة عجيبة ! أَعَنْ مِثْلِي تُخْفِينَ هذا السِّرَّ ؟»
فقالت له : «كلا ... لمْ أُخْفِ سِرِّي عَنْكَ. ها هي ذِي بُوَيْضاتي في قاع البركة الصغيرة. انْظُرْ هَذِهِ الصُّرَّةَ الصَّفْرَاءَ وَمَا فِيهَا مِنْ نُقَط سُودٍ صَغِيرةٍ. أَجِلْ فِيها بَصَرَكَ، وَأَدِرْ نَظَرَكَ، واعْلَمْ أَنَّ كُلَّ نُقْطَةٍ - مِنْ هَذِهِ النُّقَطِ - هِيَ بُويْضَةٌ مِنْ بُوَيْضاتي التي حدَّثْتُكَ بها الآن.»
فقال «أبو بُرَيْص»: «وما بالْكِ تُلْقِينَ بها في الْمَاءِ، أَيَّتُها التَّاعِسَةُ؟ إِنَّكِ – إِذْ تَفْعَلِينَ ذلكَ - تُعَرِّضِينَها لِلتَّلَفِ!»
فَقَالَتْ «دابَّةُ النَّهْرِ» مُتَأَلَّمةً مُتَملْمِلةً: «لمْ أخْتَرِعْ ذلك اخْتِرَاعًا، وَلَسْتُ فِيهِ بِدْعًا لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ هذا). وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِي لَمْ يَمُرَّ بِخَاطِري) أَنَّني أُعَرِّضُ ذَرَارِيَّ - وَهِيَ قِطَعٌ مِنِّي - الْخَطَرِ حِينَ أُلْقِي بها في الماء ... فإِنِّي رأيتُ الضَّفادِعَ - كُلَّها – لا تَبِيضُ إِلَّا في الْمَاءِ ... وقد فَعَلْتُ مثْلَ فِعْلِها، ولَمْ أَشِدَّ عَنْ هذا العُرْفِ الشَّائِعِ بِينَ «بناتِ نَقْ نَقْ» جميعًا.»
(۳) بَعْدَ ثَمَانِيةِ أَيَّامٍ
وَمَرَّ عَلَى هذا الحوارِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ، ثُمَّ ذَهَبَ «أبو بُرَيْصٍ إِلَى صَدِيقَتِهِ دَابَّةِ النَّهْرِ» ليَزُورَها؛ فأَلْفَاهَا جَاثِمَةً فِي المَاءِ - بِلا حَراكٍ - وَقدِ امْتَدَّتْ يَدَاهَا إِلَى خَلْفِها، وظَهَرَتْ عَلَى سِيمَاها هَيْئَتِها) أَمَارَاتُ الفَرَحِ والغِبْطَةِ. ولما رأتْ صَدِيقَها صَاحَتْ مُتَهلَّلةً فَرِحةً: «هَلُمَّ، يا «أبا بُرَيْص». تَعالَ فَانظُرْ صِغاري خارجاتٍ مِنَ البَيْضِ الَّذِي رَأَيْتَهُ مُنذُ أَيامٍ. آه يا لَسَعَادَتِي وَهَنَائِي!»
فَقَالَ «أبو بُرَيْصٍ»: «كَيْفَ تَزْعُمِينَ أَنَّ هَذِهِ الدَّوَابَّ الغَرِيبَةَ الشَّكلِ هِيَ صِغَارُكِ؟ كَلَّا يَا عَزِيزَتِي كَلَّا . مَا أَنْتِ بِمُصَدَّقةٍ ذَلِكِ مُحَالٌ، يَا دَابَّةَ النَّهْرِ.»
فَقَالَتْ لَهُ مُرْتَاعَةً (خَائِفَةً): «لَسْتُ أَشُكٍّ فِي أَنَّهُمْ أَوْلادِي، أَلَا تَرَى هَذِهِ الصَّغَارَ خَارِجَةً مِنْ بُوَيْضَاتِي ؟ أَلَا تَرَى جَمَالَ مَنْظَرِها، وحُسْنَ شَكْلِها؟»
(٤) ذَواتُ الْأَذنَابِ
فَقَالَ لَهَا «أبو بُرَيْصٍ وَهُو يَهْتَزُّ ضَاحِكًا: «أَيُّ جَمَالٍ تَرَيْنَهُ فِي هَذِهِ الرُّءُوسِ الضَّخْمَةِ؟ لعَلَّكِ تَمْزَحِينَ ما أَظُنُّكِ جادةً في قَوْلِكِ، أَيَّتها الصَّدِيقَةُ العزيزة؟
ألا تَنظُرِين إلى أذنابها ؟ فكَيْفَ تَجْلِسُ هذه الأَوْلادُ عَلَى الْحشائِشِ كَمَا تَجْلسِينَ؟ ومتى كان للضفادع أذنابٌ، أَيَّتُها العزيزة البلهاء؟»
فاشتَدَّتْ حَيْرَتُها، وَلَمْ تَعْرِفْ كَيْفَ تُجِيبُ صَاحِبَها . وَساوَرَها الرَّيْبُ أَسْرَعَ إِلَيْهَا الشَّلُّ)؛ فَلَمْ تَجْزِمْ بِشَيْءٍ. وإِنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الحُزْنُ؛ لأَنها رأتْ تِلكَ الدَّوابَّ الرَّمَادِيَّةَ اللَّوْنِ لَيسَ لها أَيْدٍ تَسْبَحُ (تعُومُ) بها في الماءِ ، وعَجِبَتْ من أذنا بِهِنَّ عَجَبًا شديدًا.
(٥) آكِلُ النَّبات
وَحانت من «أبي بُرَيْص» التفاتة، فصاح مدهوشا: «انظري - يا صديقتي - هاكِ مَوْلُودًا يَأْكُلُ مِنَ النَّبَاتِ الَّذِي في قاع الماءِ فَخَبِّريني بِرَبِّكِ : هل رأيْتِ - طُولَ عُمرِكِ – ضِفْدِعًا يَأْكُلُ النَّبَاتَ ؟
فَقالَتْ «دابَّةُ النَّهْرِ» وقدْ كادَ البُكاءُ يَعْقِدُ لِسانها : «مهما يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ، فَإِنِّي عَلَى يَقِينِ أَنَّ هَذِهِ الدَّوابَّ قَدْ خَرَجَتْ من بويضاتي!»
فَقَالَ أَبو بُرَيْص»: «هِيهِ يا «دابَّة النّهْرِ». لقدْ عَرَفْتُ حَقِيقَةً أَمْرِ هَذِهِ الدَّوابِّ الصغيرة، وقَدْ أَيقَنْتُ الآنَ أَنَّهَا : سَمكٌ.»
فودَّعَتْه «دابَّةُ النَّهْرِ»، وقالَتْ وهيَ مَحْزُونةٌ مُتألّمةٌ : «لقدْ جَهِلْتُ – مَعَ حِرْصِي عَلَى المعرفة - فما أَدْرِي شَيْئًا!»
(٦) أُمْنِيَّةٌ تَتَحقَّقُ
وفِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ «أُغْسِطْسَ الْحَارَّةِ، تَمَدَّدَتْ جَمهرَةٌ مِنَ الْأَبَارِصِ عَلَى الْحَائِط، وَاسْتَقْبَلَتْ أَشِيَّةَ الشَّمْسِ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِلدَّفْعِ والرَّاحَةِ، وكانَ من عادَتِها أَنْ تَقْضِيَ وقتَ الهَضْمِ فِي مثْلِ هَذَا الْمَكانِ، مُخْلِدَةً مُرْتكِنةً مُسْتَسْلِمةً) إلى الرَّاحِةِ في تَلْكَ الْجِهَةِ الْمُشْمِسَةِ الْحَبِيبَةِ إلى نفوسها.
وإِنَّهَا لَكَذلِكَ، إِذْ أَقْبَلَتْ عليها «دابَّةُ النَّهْرِ بَعدَ أَنْ صَعِدَتْ إِلى سَطْحِ الْمَاء، وصاحتْ تنادي «أبا بُرَيْصٍ» بأَعْلى صَوْتِها - وقدِ اسْتَوْلَى عليها الْفَرَحُ – قائلةً: «إِلَيَّ يَا صَدِيقِي العَزِيزَ. هَلُمَّ لِأَزْفَ إِلَيْكَ بُشْرَى مِنَ البُشْرَياتِ السَّارَّةِ الَّتي تَمْلَأُ قَلْبَكَ غِبْطَةً وتُسْكِنُ البَهْجَةَ خَلَدَكَ (نَفْسَكَ)!»
فَأَقْبَلَ عليها «أبو بُرَيْصٍ» مُسْتَفْسِرًا عَنْ جَلِيَّةِ الْخَبَرِ (حَقِيقَتِه)؛ فَابْتَدَرَتْ أَسْرَعَتْ) قائلة: «لقد أيقنت – اليوم - أنَّ تلك الدَّوابَّ الَّتي شكَّكْتَني فِي حَقِيقَتِها – مُنذُ أَيَّامٍ – ليست إلا أولادي.
وقد زالَ اللَّبْسُ والشَّكُ، وتأَكَّدَ لِي ذَلِكَ مِنْ كلامٍ عَمِّي حِينَ رَآهَا. وَهَا أَنَا ذِي أَدْعُوكَ لزيارتها، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالِعِيانِ.»
(۷) «بَناتُ هُبَيْرَةَ»
فَسارَ مَعها «أَبُو بُرَيْصٍ حَتَّى وَصلا إلَى شَاطِئِ البَرْكَةِ، فَرأى ما أَدْهَشَهُ وحَيَّرَه. أَتَعْرِفُونَ ماذا رأى؟
لقدْ أَبْصَرَ بَناتِ هُبيرة»: تلكَ الدَّوابَّ الرَّمادِيَّةَ اللَّوْنِ، قد نبتَتِ الْأَيْدِي فِي أَجْسادِها، وقَصُرَتْ أذْنَابُها ، فاشْتَدَّ عَجِبُهُ ، والْتَفَتَ إلى دابَّةِ النَّهْرِ يَسْأَلُها الصَّفْحَ قائلًا: «لَقَدْ أَخْطَأْتُ حينَ شَكَكْتُكِ فِي أَمْرِ هَذِهِ الدَّوابٌ؛ فَاسْمَحِي لي أَنْ أَزْفَ إِلَيْكِ تَهْنِئَاتِي الْخَالِصَةَ بِأَطْفَالِكِ الصغيرات.»
فقالتْ «دابَّةُ النَّهْرِ» مَزْهُوَّةً فَخُورَةً: «أشكُرُ لكَ إخْلاصَكَ ووَلاءَكَ. وقَدْ حَمِدْتُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى أَنَّهُ لَمْ يَفجَعْني في أَمَلِي. وقدْ أَخْبَرَنِي عَمِّي – حين سألْتُهُ – أن هذه البناتِ الصَّغيرة - حينَ تَنْتَهِي مِنْ فَتْرَةِ الطُّفولة - تَصْغُرَ رُءُوسُها شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى تتناسب هي وأجْسادُها. ثُمَّ تُصْبِحُ – بعد ذلك - ضفادع تامَّةَ التَّكْوِينِ مِثْلُنَا، جَمِيلَةَ الشَّكلِ، مُخْضَرَّةَ اللَّوْنِ، حَسَنةَ التَّقْسِيمِ والتَّقْويمِ.»
(۸) عاقبةُ الطَّيش
ثُمَّ سَمِعَ الصديقانِ صَوتًا ضعيفًا ينادي ويُغَوِّثُ (يَستَغيث) طالبًا النَّجْدة. فالتفتا يتعرفان مَصْدرَ الصَّوْتِ . وما أَدْرَكا جَلِيَّةَ الأمْرِ ( حقيقته) ، حتى هالهما ورَوَّعهما (خَوفَّهما ورعبهما ) ما حَدَثَ . فقدْ رَأيا طفلًا مِن أطفال « دابَّةِ النَّهْرِ» اسمُه: «العُلْجُومُ»، دفعه الطَّيشُ والغُرُورُ إِلَى الخُرُوجِ مِنَ البَرْكَةِ إلى الشاطئ. ولم يَكَدْ يَفعل حتى اشتبك في الحشائش، ولم يَقْدِرْ عَلَى العَوْدةِ مِن حَيثُ أَتَى. وارتمى ذلك الطِّفلُ عَلَى ظَهرِهِ، وَسَرَتِ الرِّعْدةُ والرعشة في جسمه الصغير.
فسأل «أبو بُرَيْصٍ صَديقته مُتَعجِّبًا : ماذا أصابَ التاعِسَ المسكينَ؟ لَقَدْ يُخَيَّلُ إلى رائيه أنه يَخْتَنِقُ ويُوشِكُ أَنْ يَفْقِدَ الحَياةَ.»
فقالت «دابَّةُ النَّهْرِ»: «صَدَقْتَ – يا صاحِ فقد أخبرني عمِّي أن أطفالنا تَتَنَفَّسُ فِي المَاءِ كَمَا يَتَنَفَّسُ السَّمَكُ. ولقد أخطَرَ هذا الطَّائِشُ نَفْسَه (أدْخَلَها في الخطر، وعرَّضَها للهلاكِ حين خرج إلى الشاطئ. وها هو ذا يخْتنِقُ - كما تَرَى – فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟»
ثمَّ عَنَّتْ (عَرَضَتْ) لها فِكْرَةٌ مُوَفَّقَةٌ سَدِيدةٌ ؛ فأَسْرَعَتْ إلى طِفْلِهَا، وَدَفَعَتْهُ بِفِمِها قَلِيلًا، ثمَّ قَذَفَتْ به إلى الماء.
فَلَبِثَ المسكينُ طَافِيًا عَلَى وَجْهِ الماء بِلا حَرَاكٍ، وقدْ يَئِسَ مِنْ حَياتِهِ كُلُّ مَن رآه. ولكنَّ إخوته وأصدقاءه أسرَعُوا إِلَيْهِ، وظَلُّوا يَسَبِحُون (يَعومُون) حَوْل «العُلْجُومِ»، وَيَنظُرُون إِلَيْهِ بِعُيونِ مِلْؤُها الجَزَعُ والأَسَفُ. فقالَتْ أُمُّ هُبَيْرَةَ» في حُنُفٌ وإِشْفَاقٍ: «لقد ماتَ وَلَدِيَ العَزِيزُ. فَوا حَزَنَا عَلَيْهِ!»
فَصَاحَ «أبو بُرَيْصٍ» فَجْأَةً: «كَلَّا . لمْ يَمُتْ، ولا يَزالُ فِي الْأَمَلِ فُسْحَةٌ – يا صديقتي – فإِنِّي أَرَى جِسمَه يَتَحرَّكُ. ها هو ذا يُحَرِّكُ إِحْدَى يَدَيْهِ.»
(۹) نَجَاةُ الْعُلْجُومِ»
فَدَبَّ الْأَمَلُ في نُفوسِ الحاضرين، حين رأوا ذلِكَ الضَّفْدِعَ الصَّغيرَ يَعودُ إلى الحَياةِ شَيْئًا فشيئًا. وَلَمْ يَلْبَثْ أَنِ اسْتعادَ ذاكِرَتَه، وسألَ مَن حَوْلَهُ: «تُرَى أَيْنَ أنا؟ وماذا أَصَابَنِي؟ آه! لقد ذكرْتُ الآنَ كلَّ شَيْءٍ، وعرَفْتُ خَطَرَ ما أَقْدَمْتُ عليه حينَ قَفَزْتُ مِنَ الْمَاءِ إِلى كُوْمَةِ الْحَشائش. وإِنَّما حَفَزَني إلى ذلك شَوْقي إلى رُؤْيَةِ هذا السَّيِّدِ الطَّوِيلِ الْأَنْفِ، الَّذِي يَتحدَّثُ - أَكْثَرَ الْوَقْتِ - مَعَ أُمِّيَ الْحَنُونِ. ولَنْ أُجازِفَ مَرَّةً أُخْرَى، حَسْبِي أَنْ كُتِبَتْ لِيَ السَّلامةُ بَعدَ الْيَأْسِ!»
ثمَّ هَتَفَ الضَّفْدِعُ قائلًا: «شُكْرًا لِلمَاءِ!»
فردَّدَتْ إِخْوَتُهُ هُتافَهُ، فَرِحةً مُستبشِرَةً.
ثمَّ عاودهُ المَرَحُ، وَشَارَكَهُ في مَرَحِه أخَواتُهُ الشَّرْغُ والشُّرْنوغُ، وأبو هُبَيرة، ودابَّةُ الماء، والقُرَّةُ ، والعُدْمُولُ، والهاجَةُ ، والهُوَيْجَةُ. وَغَاصُوا مَعهُ إِلى قاع الماء مسرورينَ بِنَجَاتِهِ من هَلَالٍ مُحَقَّقٍ.
(۱۰) دُرُوسُ النَّطَّ
وَلَمْ يُوفِ الصَّيْفُ عَلَى نِهَايَتِهِ حَتَّى كَبِرَتْ أَطفَالُ «دابَّةِ النَّهْرِ وَاسْتَخَفَّتْ أَذْنَابُها الطويلة، وسَمِنتْ أجْسادُها النَّحيلة. وكانت بناتُ هُبَيْرَةَ» - في تلك الأثناء – تُقْبِلُ على الطَّعَامِ في شَرَةٍ عَجيبٍ. وقد نشَأَتْ لكُلِّ ضِفْدِعٍ مِنهُنَّ يَدانِ قصيرَتانِ، وَرِجْلَانِ طَوِيلَتانِ.
وقَدْ عَرَاهُنَّ أَلَمَّ بِهِنَّ الخَوْفُ حِينَ خَرَجْنَ مِنَ الماء - لِلْمَرَّةِ الْأُولى – ولكنَّ أُمَّهُنَّ شَجَّعتْهُنَّ على اتِّباعها؛ حتَّى إذا وَصَلْنَ إِلى الحَشَائِشِ، ظَلَلْنَ يُمَرِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ عَلَى القَفْنِ والنَّطَّ. وَقد أَوْصَتْ أُمُّ هُبَيْرةَ» بناتِها أَن يَقْتَصِدْنَ في قَفْزِهِنَّ؛ حَتَّى لا يَدْفَعَهُنَّ الطَّيْشُ والحماقة إلى الهَلاكِ. وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الضَّفادِعُ الكَبِيرَةُ أَسْرابًا (جماعات)؛ لتَشْهَدَ ذلك التَّمْرِينَ، وَأُعْجِبَتْ بِما أَظْهَرَتْهُ تِلكَ الصَّغيراتُ مِنَ الحِذْقِ والبراعة والذكاء. على أنَّ إحْدى هذه الضَّفادِعِ، واسْمُها «القُرَّةُ»، قَفَزَتْ – بِلا تَبَصُّرٍ - قَفْزَةً عاليَةً؛ فَهَوَتْ على أَنْفِها، فَتَهشَّمَ وتَحَطَّمَ.
(۱۱) دُرُوسُ الصَّيْدِ
وما زالَتْ «دابَّةُ النهرِ» تُعَلِّمُ ذَرارِيَّها (أَوْلادَها ) : كَيْفَ تَبْتَلِعُ الحَشَرَاتِ والخَنافِسَ التي تُصادِفُها في طريقها، وَكَيْفَ تَصْطادُ أَسْرابَ الذُّباب ( جَماعاتِهِ الرَّاقِصَةَ حَوْلَ الغَدِيرِ، وهُوَ أَشْهَى طَعَامٍ تَرْتاحُ إِلَيْهِ الضَّفادِعُ. وما تَذَوَّقَتْهُ صِغَارُهَا حَتى آثَرَتْهُ اخْتَارَتْهُ وَفَضَّلَتْه) على كلِّ شَيْءٍ وَلَمْ تَرْضَ بِهِ بَدِيلًا.
(۱۲) دُرُوسُ الْمُوسِيقَى
وَاعْتَزَمَتْ أُمُّ هُبَيْرَةَ» أن تُعَلَّمَ صِغارها : كَيْفَ تَنِقٌ (كيف تَصِيح)، وَكَيْفَ تُنَقْنِقُ (كَيْفَ تُصَوِّتُ صَوْتًا يَفْصِلُ بَيْنَهُ مَدُّ وتَرْجِيعُ ، وَكَيْفَ تُنْشِدُ أَجْمَلَ الْأَناشِيدِ، وَتُغَنِّي أَحْسَنَ الْأَغانِيِّ الْمُسْتَفِيضَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ الضَّفادِعِ ؟ وَكَانَ صَوْتُها أَبَحٌ فِيهِ بُحَةٌ وخُشُونَهُ وَغِلَظٌ شَأْنُ أُمَّاتِ الضَّفادِعِ دائمًا؛ فَلَمْ تَرَ بُدًّا مِنْ أَنْ تُوحِيَ شَيْخَ الضَّفَادِعِ أَنْ يُلَقِّنَهُنَّ الْمُوسِيقَى بِصَوْتِهِ الجميل.
وكانت هذه الأَبْنَاء تُقبل على دروسها في جِدّ واجتهادٍ وَحَماسةٍ، فَإِذَا انْتَهَتْ مِنْ حِفْظِ التمريناتِ الْمُوسِيقِيَّةِ، انْتَقَلَتْ إِلى التَّدَرُّبِ على إلقاء الأغاني الشَّعْبِيَّةِ الذَّائِعَةِ بَيْنَ الضَّفَادِعِ.
(۱۳) أناشيد الضفادع
وكانت الضَّفادِي (الضَّفادع ) تُنَظِّمُ صُفوفَها عَلَى شَاطِئِ الغَدِيرِ، حَيْثُ تَقْضِي السَّاعَاتِ الطوال، وَهيَ لا تَكِلُّ ولا تَنِي لا تَضعُفُ هِمَّتُها ولا يَفْتُرُ عَزْمُها عَنْ مَوَاصَلِةِ النَّقِيقِ. ومَتى تَأَلَّقَتْ (أضاءَتْ ولَمَعتْ) كواكِبُ السماءِ، رَأَيْتَ صِغار الضفادع جاثمات (مُقيمات) عَلَى أَوْرَاقِ «النِّيلُوفَرِ»، حَيثُ تَقُصُّ عَلَى العَالَمِ أَحْلامَ سَعادتِها. ولا تزال تُحَيِّي مصابيح السَّماء (نُجومها) بأناشيدها حتى تستسلم إلى رُقادِها الهَنِي فِي أَمْنٍ وسَلام.
(١٤) خاتمةُ القِصَّة
وهكذا عاشَتْ «دابَّةُ النَّهْرِ» هائِئَةً وَسْطَ أُسرَتِها الْجَميلة، وعاش – إلى جانبها – صديقها الوَفِيُّ الْمُخْلِصُ : «أبو بُرَيْص» ، يُقاسِمُها السعادة والهناء.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.