حكاية·HIKOYA

الوزير السجين

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy4 bob10 daqiqa
الوزير السجين
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.
  2. 2.
  3. 3.
  4. 4.

الفصل الأول

عاش – في قديم الزمان – سُلْطَانٌ هَنْدِي، قويُّ الْبَأْسِ غليظُ الْقَلْبِ. وكان يَخْضَعُ لهذا الظالِمِ الطَّاغِيَةِ جَماعةٌ مِنَ الوُلاةِ ، يَحْكُمُونَ كَثِيرًا مِنْ مُدْنِ الهَنْدِ وَبِلادِهَا الزَّاخِرَةِ (الْمَمْلُوءَةِ) بِالأُلُوفِ مِنَ الأَهْلِينَ. وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُخالِفُوا لَهُ قَوْلًا، أَوْ يَعْصُوا لَهُ أمْرًا.

وكَانَ كلَّما رأَى تِلْكَ الطَّاعَةَ الْعَمْيَاءَ، أَضَلَّهُ الاستبداد ، فأَسْرَفَ فِي ظُلْمِهِ. وتَمادى بِهِ الزَّمَنُ عَلَى ذلِكَ، فَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ مُنَزَّهُ عَنِ الْخَطَأ، وأَنَّ مَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ – مِن الْوَهْمِ والنسيانِ وَالْغَلَطِ – لا يَجُوزُ عَلَيْهِ.

ولَوْ كَانَ الْأَمْرُ مَوْكُولًا إِلَى ذلكَ الْمُسْتَبِدُ الطَّاغِيَةِ، لَزُلْزِلَ حُكْمُه ، وَاضْطَرَبَ أَمْرُهُ - فِي وَقْتِ قصير - لِأَنَّ الْعَدْلَ أساسُ الْمُلْكِ، وَالْبَغْيَ مَرْتَعُهُ وَخِيمٌ.

عَلَى أَنَّ هذا السُّلْطَانَ الظَّالِمَ كانَ لَهُ وزيرٌ عادِلٌ يَثِقُ بهِ؛ يُسَمَّى «سيلا». وَقَدْ كان هذا الْوَزِيرُ - إِلَى عَدْلِهِ – رَحِيمًا ، بَصِيرًا بِعَواقِبِ الأُمورِ ، أصيل الرّأيِ، حَسَنَ التَّدْبِيرِ، لا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي إِسْعَادِ الشَّعْبِ، وتأمين البِلادِ مِنْ أعدائها. فهو يُعالِجُ حَماقَةَ السُّلطانِ بِبَراعَتِهِ وكِياسَتِهِ، وَيَمْنَعُ طُغْيَانَهُ بِذَكَائِهِ ولُطْفِ حِيلَتِهِ.

وقَدْ عَرَفَ السُّلطانُ فَضْلَ وزيرِه، ورَأَى سَدادَ تَدْبِيرِهِ، وأَصالَةَ رَأْيِهِ، فِي حَلَّ مُشْكِلاتِ الدَّوْلِةِ، فَأَحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، ومنحهُ ثِقَتَهُ، فَلَمْ يُخالِفْ لَهُ مَشُورةً، ولم يَنْقُضُ لَهُ رَأْيًا. ووَهَبَهُ الجزيل مِنَ الْعَطايا، والنفيس مِنَ الْهدايا.

أَمَّا الشَّعْبُ فَقَدْ أَحَلَّ الْوَزِيرَ - مِنْ نَفْسِهِ - أَسْمَى مَكَانَةٍ، وَقَدَّرَ إِخْلَاصَهُ وَعَدْلَهُ وَكَرَمَ خُلُقِهِ أَجْمَلَ تَقْدِيرٍ.

وفي أواخر أَيَّامِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ اخْتَبَلَ عَقْلُهُ واشْتَدَّ طُغْيانُهُ. وضَجِرَ بِهِ الوَزِيرُ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْبَقَاءَ مَعَهُ ، لِما رَآهُ مِنْ سُوءِ تَصَرُّفه، وَشِدَّةِ عَسْفِه.

وَأَدْرَكَ الوَزِيرُ - بِثَاقِبِ فِكْرِهِ، ونافِذِ بَصِيرَتِهِ - أَنَّ الْقَوانِينَ الْجَدِيدَةَ الظَّالِمَةَ الَّتِي أمَرَهُ السُّلطانُ بتَنْفيذها ، غَيْرُ مَحْمُودَةِ الْعَواقِبِ. فَاضْطُرَّ إِلَى تَبْصِيرِ مَوْلاهُ بِمَا تَجُرُّهُ عَلَيهِ مِنَ الْأَذِيَّةِ وَسُوءِ الْمَصِيرِ.

وَلَمْ يَكَدِ الْوَزِيرُ يُكاشِفُ سَيِّدَهُ بِنَصِيَحتِهِ الصَّادِقَةِ، حَتَّى ثارَ ثَائِرُهُ، وتَوَعَّدَهُ بِالْوَيْلِ، إذا قَصَّرَ في تَنْفِيذِ مَشيئَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَ وَعِيدَهُ قائِلًا: «لا بُدّ أنْ تُنَفِّذَ مَشِيئَتِي، وَتُطِيعَنِي طاعَةً عَمْياءَ، وَإِلَّا عَرَّضْتَ نَفْسَكَ لِبَطْشِي وَانْتِقَامِي.»

وعَرَفَ الْوَزِيرُ صِدْقَ وَعِيدِ مَوْلاهُ. وأَيْقَنَ أَنَّهُ لَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْبَطْش به، متى وقَفَ فِي سَبيلِ طُغْيَانِهِ، وكَبْحَ هَواهُ الجَامِحَ، ولكِنَّهُ عَرَفَ - إلَى ذلك – أَنَّهُ سَيَقْضِي حَياتَهُ كُلَّها - إذا شارَكَ سَيِّدَهُ فِي جَوْرِهِ - مُضْطَرِبَ الْبالِ، وأنّ ضَمِيرَهُ سَيُؤَذِّبُهُ عَلَى ذلكَ طُولَ عُمْرِه، فَآثَرَ الْمَوْتَ اخْتارَهُ) على تَعْذِيبِ الضَّمِيرِ.

واشْتَدَّ غَضَبُ السُّلْطَانِ وَهِيَاجُهُ - مِنْ عِنادِ وزيرِهِ - فَنادَى حُرَّاسَهُ، فَلْبَوْا نِدَاءَهُ مُسْرِعِينَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى وَزِيرِهِ مُتَوَعّدًا، وأنْذَرَهُ قائِلًا: «الآنَ أَدَعُ لَكَ آخِرَ فُرْصَةٍ قَبْلَ أَنْ أَبْطِشَ بِكَ. فإذا أَفْلَتَتْ مِنْكَ هَذِهِ الفُرْصَةُ، فَلَنْ تَظْفَرَ بِمثْلها أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَنْتَظِرُكَ مَتَى أَصْرَرْتَ عَلَى عِنادِكَ. فَخَبِرْنِي الآن: هَلْ قَبِلْتَ تنفيذ مَشِيئَتِي؟»

فَهنَّ الْوَزِيرُ سِيلا» رَأْسَهُ رافِضًا أَمْرَ مَوْلاهُ، فِي ثَبات وإصرار.

فَصَاحَ السُّلْطَانُ - فِي حُرَّاسِهِ - قَائِلًا: «هَلُمُوا، فَاقْبِضُوا عَلَى هَذا الأَثِيمِ، وَاسْجُنُوهُ فِي أَعْلَى بُرْجِ الْهَلَاكِ، حَيْثُ يَقْضِي بَقِيَّةَ أَيَّامِهِ مُعَرَّضًا لِحَرارَةِ الشَّمْسِ الحَامِيةِ – دونَ طعام أو ماء - حتَّى يَهْلِكَ جُوعًا وَعَطَشًا، جَزَاءً لَهُ عَلَى عِنادِهِ.»

وتحيَّرَ الْحُرّاسُ فِي أَمْرِهِمْ ، فَلَمْ يَدْرُوا ما يَصْنَعون. واقْتَرَبوا مِنَ الْوَزِيرِ الْعَظِيمِ مُتَبَاطِئِينَ مُتَرَدِّدِينَ. فَقَدْ عَرَفوا مَكَانَهُ الْخَطيرَ ، ولَمْ يَنْسَوْا أَنَّهُ أَصْدَرَ الْأَحْكامَ - سِنِينَ عِدَّةً – بِاسْمِ السُّلْطانِ، وأَنَّهُ أَكبَرُ رَجُلٍ - بَعْدَهُ - فِي الْمَدِينَةِ . وكَذلكَ عَرَفوا لَهُ عَدْلَهُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَرَحْمَتَهُ بالضُّعَفَاءِ والْمُذْنِبِينَ. فَلَمْ يَجْرُؤُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى مَسِّهِ بِيَدِهِ.

ولكِنَّ الْوَزِيرَ أَنْقَذَهُمْ مِنْ حَيْرَتِهِمْ وارْتباكِهِمْ، وَسَرَّى عَنْ نُفُوسِهِمُ الْمُكْتَتَبَةِ (الْمَحْزُونَةِ) ، حينَ قالَ لَهُمْ هَادِنَّا: «لا تخافوا ولا تنزعجوا ، أيُّها الأمناء الْكِرَامُ، ولا يَقْلَقْ بالُكُمْ، فَإِنَّني لَنْ أُحْوِجَكُمْ إِلَى الْقَبْضِ عَلَيَّ. وَهأَنَذا أتقَدَّمُكُمْ إِلَى بُرْجِ الْهَلَاكِ، تَنْفِيذًا لإرادة مولانا السلطان.»

ثُمَّ خَرَجَ الْوَزِيرِ مِنْ حُجْرَةِ السُّلْطَانِ ، وقد اكْتَنَفَهُ الْحُرّاسُ أحاطوا به). وما زال سائرًا أمامهُمْ، فِي هُدوءٍ وَاطْمِثْنَانِ، وهُوَ مَرْفُوعُ الرَّأْسِ، مَوْفُورُ الْكَرَامَةِ، وَقَدِ امْتَلأَ قَلْبُه رِضًا، بَعْدَ أَنْ أَدَّى وَاجِبَهُ أَحْسَنَ أَداء.

الفصل الثاني

كَانَ الْوَزِيرُ «سيلا» عالِمًا بما هُوَ قادِمٌ عَلَيْهِ مِن الشَّقاء في بُرْجِ الْهَلَاكِ. وَلَمْ يَكن يَجْهَلُ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سُجِنُوا - في هذا الْبُرْجِ - ماتُوا ولم يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَأَيْقَنَ الْوَزِيرُ بِقُرْبِ أَجَلِهِ، وَدُنْوَ آخِرَتِهِ. وعَرَفَ أَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَّا مَيّتًا، أَوْ يُدْفَنَ فِيهِ حَيًّا. وَلَكِنَّهُ – مَعَ ذَلِكَ لم يُظْهِرْ شَيْئًا مِنَ الْجَزَعِ ، بَلِ اعْتَصَمَ بِالصَّبْرِ، وَأَسْلَم أَمْرَهِ الله.

وقد فكر الْوَزِيرُ طويلًا فِيما هُوَ مُقْبِلْ عَلَيْهِ مِنَ الْهَوْلِ ، ثمّ هَداهُ ذَكَاؤُهُ إِلَى حِيلَةٍ بارعة، تُنْقِذُهُ - إِذا نَجَحَتْ - مِمَّا تَعرّضَ لَهُ مِنَ الْمَخاوِفِ ، واسْتَهْدَفَ لَهُ مِنَ الْمَخاطر، في ذلك الْبُرْجِ الْمَشْئُومِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ صَديق يَثِقُ بهِ، ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فِي إِنْفاذ خُطَّتِهِ الْبَارِعَةِ، غَيْرُ زَوْجَتِه.

وقَدْ تَطَوّعَ أَحَدُ الحُرّاسِ بإخبارها بكُلِّ ما حَدَثَ فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ وخَيْمَ الظَّلامُ. خَرَجَتْ زَوْجَةُ الْوَزِيرِ، حَتَّى بَلَغَتْ سُورَ الْبُرْجِ.

ولَمَّا لَمَحَها «سِيلا» حَيَّاها ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ تَحِيَّتَهُ، وسَأَلَتْهُ مَحْزُونَةً فِي صَوْتٍ مُنْخَفِ: «أَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَقُومَ بِشَيْءٍ يَنْفَعُكَ؟»

فقَالَ لَها فِي هَمْسٍ وخُفُوتٍ: «بَلَى (نَعَمْ) تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تُسْدِي ( تُقَدِّمِي إِلَيَّ نَفْعًا جَزِيلًا. وَلكِنِّي أُوصِيكِ بِالصَّبْرِ والثَّقَةِ بِاللهِ، لِيَنْجَحَ سَعْيُنا ، ويَتِمَّ فَوْزُنا. وحَذارِ أَنْ يَتَسَّربَ الْيَأْسُ إِلَى قَلْبِكِ، فَإِنَّ الْيَأْسَ طَرِيقُ الْخِذْلانِ، وَالصَّبْرَ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ.»

فَقالَتْ لَهُ فِي صَوْتٍ هامس: «مُرْنِي بِما تَشاءُ، فَإِنِّي سَامِعَةٌ مُلَبِّيَةٌ.»

فقال «سيلا»: «أسْرِعِي بِالْعَوْدَةِ إِلَى بَيْتِكِ، ثُمَّ أَحْضِرِي ما يأتي:

• أَوَّلا: خُنْفَسَاءَةً كَبِيرَةً.

• ثانيًا: سِتِّينَ مِتْرًا مِنَ الْخَيْطِ الْحَرِيرِيِّ الدَّقِيقِ الَّذِي لَا يَزِيدُ فَتْلُهُ عَلَى خُيوطِ الْعَنْكَبُوتِ.

• ثالثًا: سِتِّينَ مِتْرًا مِنْ خَيْطِ الْقُطْنِ الدَّقِيقِ الْقَوِيِّ النَّسْجِ.

• رابعًا: سِتِّينَ مِتْرًا مِنَ الْخَيْطِ الْغَلِيظِ الْفَتْلِ.

• خامسًا: حَبْلًا غَلِيظًا مِنْ أَمْتَنِ الْحبال وأقواها ، لِيَحْمِلَ ثِقْلَ جِسْمِي كُلَّهُ، دُونَ أَنْ يَنْقَطِعَ.

• سادسًا: نقطة من الشهدِ عَسَلِ النّحْل) ، وهي آخِرُ ما أَطْلُبه مِنْكِ، ولكنَّهُ لَا يَقِلُّ خَطَرًا عَمَّا ذَكَرْتُهُ لَكِ.»

أَرْهَفَتْ زَوْجَةُ الْوَزِيرِ أُذُنَيْها، وأَصْغَتْ إِلى حَدِيثِهِ إِصْعَاءً. فَلَمَّا أَتَمَّهُ، أَعادَتْ عَلَيْهِ نَصَّ حَدِيثِهِ - كَلِمَةً كَلِمَةً - ليتأكَّدَ لَهَا مَا سَمِعَتْهُ مِنْهُ.

وَأَرادَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ: لِماذا طَلَبَ الْخُنْفَساءَةَ، وَما فائِدَةُ نُقْطَةِ الشَّهْدِ؟ ولكِنَّهُ قاطَعَ كلامها، قائلا: «لا تُضيعي دقيقةً أُخْرَى فِيما لا فائِدَةَ مِنْهُ الْآنَ، بَلِ ارْجِعِي – يا عزيزتي وأَحْضِري ما طَلَبْتُ، فَلَيْسَ لَدَيْنا فُسْحَةٌ مِنَ الْوَقْتِ نَقْضِيها فيما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وَحَسْبِي أَنَّنِي سَأَقْضِي يَوْمًا آخَرَ، أُعانِي فِيهِ ما أُعانِيهِ مِنْ حَرارَةِ الشَّمْسِ الْمُلْتَهِبَةِ دُونَ طَعَامٍ أو ماء.

عُودِي مُسْرِعةً إِلى بَيْتِكِ، وَأَنْجِزِي ما رَغِبْتُ إِلَيْكِ فِيهِ، وستَعْلَمِينَ فائِدَةَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ.»

فأدركَتِ الزَّوْجَةُ حَرَجَ الْمَازِق الَّذِي يُعانِيهِ زَوْجُها . وَلَمْ تُضِعْ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهَا، بَلْ عَادَتْ مُسْرِعةً إلى بيتها.

أَمَّا الْوزيرُ «سِيلا» فَقَدْ بَقِيَ فِي مَكَانِهِ يَنْتَظِرُ عَوْدَتَها بِفَارِغِ الصَّبْرِ. وَقَدْ تَنَازَعَهُ الشَّلُّ والرَّجَاءُ فِي نَجَاحِ خُطَّتِهِ. وَهُوَ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ أَيْسَرَ خَطَا َيقَعُ ، كافٍ لإخْفَاقِ خُطَّتِهِما، وإحباط مَسْعَاهُما، ورُبَّما عَرَّضَ أَحَدَهُما أَوْ كِلَيْهِما، لِلْهَلَاكِ.

الفصل الثالث

عادَتْ زَوْجَةُ الْوَزِيرِ – قُبَيْلَ الْفَجْرِ - إِلَى سَفْحِ الْبُرْجِ. وَمَا إِنْ سَمِعَ الْوَزِيرُ نِدَاءَهَا الْخَافِتَ، وصَوْتَهَا الْحَنونَ، حَتَّى أَجابَ نِداءَها مِنْ قِمَّةِ الْبُرْجِ. ولَمْ يَسْتَطِعِ الْوَزِيرُ – لِضِيقِ الْوَقْتِ - أَنْ يُفَصِّلَ لَها خُطَّتَهُ كامِلَةً ، فاكْتَفَى بِتَلْقِينِها إيّاها مُجَزَّأَةً، حَتَّى لَا يُفاجِتَهُما ضَوْءُ الصباح.

وكانَ أَوَّلُ ما قالهُ لَها: «أُرْبُطِي الْخُنْفَسَاءَةَ بِطَرَفِ الْخَيْطِ الْحَرِيرِيِّ الدَّقِيقِ الْعَنْكَبوتِي النسج ، ثُمَّ ادْهُنِي أَنْفَ الْخُنْفَسَاءَةِ بِالْعَسَلِ.»

فلَمَّا أَتَمَّتْ ذلِكَ، قال لها الْوَزِيرُ : ضَعِي الْخُنْفَساءَةَ عَلَى حَائِطِ الْبُرْجِ، وَاجْعَلِي رَأْسَها إلى أَعْلَى وسَتَشمُّ الخُنْفُساءَةُ العَسَلَ - دُونَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لاصِقٌ بِأَنْفِها – فَتَحْسَبُ أَنَّ فِي أَعْلَى الْحَائِطِ خَلِيَّةَ نَحْلٍ ، فتُواصِلُ صُعودَها طَمَعًا فِي الْوصُولِ إِلَى مَوْطِنَ الْعَسَلِ، ولا تزالُ جادةً في صعودِها حَتَّى تَبْلُغَ قِمَّةَ الْبُرْجِ.»

فَفَعَلَتْ زَوْجَةُ الْوَزِيرِ مَا أَمَرَها بِهِ وتَحَقَّقَ ظَنُّ «سيلا»، فَسارَتِ الخُنْفَسَاءَةُ صَاعِدَةً عَلَى حائِطِ الْبُرْجِ، فَقَالَ لَهَا: «أَرْجُو أَنْ تَمُدِّي لَها الْخَيْطَ ، وتَتَرَفَّقِي فِي ذلِكِ، حَتَّى يَسْلَسَ يَسْهُلَ ويَنْقَادَ لَها فَإِنِّي أخْشَى أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْها حَملُهُ ، فَيُعَوِّقَها يَمْنَعَها) عَنْ مُواصَلَةِ الصُّعُودِ. ولا تَنْسَيْ أَنْ تُمسكي الطَرَفَ الآخَرَ مِنَ الْخَيْطِ، حَتَّى لا تَتَعَرَّضَ خُطَّتُنَا لِلْإِخْفَاقِ لِلخَيْبَةِ)، فَيَضِيع أملنا فِي الْخَلاص.»

وما زالَتِ الْخُنْفَساءَةُ صَاعِدَةً حَتَّى بَلَغَتْ ذِرْوَةَ الْبُرْجِ. ولَمْ تَكَدْ تَصِلُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمَعَ فِي السَّمَاءِ أَوَّلُ شُعاعٍ مِنْ أَشِعَةِ الشَّمْسِ، وَبَدَتْ تَبَاشِيرُ الصَّبَاحِ.

ولا تَسَلْ عَنْ فَرَحِ الْوَزِيرِ «سيلا» بِوُصولِ الْخُنْفَساءَةِ إِلَى قِمَّةِ الْبُرْجِ، وَابْتِهَاجِه بِذلِكَ النَّجَاحِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُضِعْ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ عَبَثًا. فَالْتَقَطَ الْخُنْفَسَاءَةَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِه: «أَسْرِعي الآن - يا صاحِبَتي - فَارْبُطي طَرَفَ الْخَيْطِ الْقُطْنِيِّ بِالْخَيْطِ الْحَرِيرِيِّ.»

فَلَمَّا رَبَطَتْهُ جَدْبَ الْوَزِيرُ الْخَيْطَ الْحَرِيرِيَّ - في رِفْقٍ – حَتَّى أَمْسَكَ بِطَرَفِ الْخَيْطِ القطني.

فَقالَ «سيلا»: «الآن» فَارْبُطِي الْخَيْطَ الْغَلِيظَ بِطَرَفِ الْخَيْطِ الْقُطْنِيِّ.»

فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ما أراد، جذَبَ إِلَيْهِ الْخَيْطَ الْقُطْنِيِّ، حَتَّى أَمْسَكَ بِالْخَيْطِ الْغَلِيظِ.

وأَدْرَكَتْ زَوْجَتُهُ ما يَعْنِيهِ زَوْجُها ، فَرَبَطَتِ الحَبْلَ فِي آخِر الْخَيْطِ الْغَلِيظِ، دُونَ أَنْ يُأْمُرَها بذلك. فَجَذَبَهُ «سِيلا» بِسُرْعَةٍ ، حَتَّى إِذا أَمْسَكَ بِطَرَفِ الْحَبْلِ الْمَتِينِ، تَهَلَّلَ وَجْهُهُ بِشْرًا وحُبورًا بَعْدَ أَنْ ظَفِرَ بِوَسِيَلِةِ النَّجاةِ، وأَصْبَحَتْ فِي قَبْضَةِ يَدِهِ. عَلَى أَنَّ فَرَحَهُ لَمْ يُبَدِّلْ مِنْ هُدُوئِهِ وَثَبَاتِهِ، ورزَانَتِهِ وَبَصَرِهِ بِالْعَواقِبِ. فَرَبَط الْحَبْلَ بِقِمَّةِ الْبُرْجِ، ثُمَّ هَزَّ الْحَبْلَ بِقُوَّةٍ، لِيَتَعَرَّفَ مِقْدارَ صَلابَتِهِ. وَرَمَى ثِقْلَهُ عَلَيْهِ - مَرَّةً أُخْرَى – حَتَّى إِذا وَثِقَ بِإِحْكامِهِ ومَتانَةِ فَتْلِهِ، واسْتَوْثَقَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى حَمْلِهِ دُونَ أَنْ يُفَكَّ رِباطُهُ، أَوْ تُحَلَّ عُقْدَتُهُ، أَمْسَكَ بالحَبْل - هابطًا عَلَيْهِ - حَتَّى لَمَسَتْ قَدماهُ الْأَرْضَ، وَاسْتَردَّ حُرِّيَّتَهُ الْأُولَى.

واسْتَوْلَتِ الْبَهْجَةُ والدَّهْشَةُ على زَوْجَتِهِ، فَامْتَزَجَتْ فِي صَوْتِهَا رَنَّاتُ الفَرَحِ بِأَنَّاتِ الْبُكَاءِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ تُعانِقُه - وَهِيَ ضَاحِكَةٌ باكِيَةٌ - مِنْ شِدَّةِ السُّرُورِ. وَأَسْرِعَ الزَّوْجَانِ إلى مغارَةٍ قريبةٍ فِي الْجَبَلِ، لِيَقْضِيا فيها نَهارَهُما ، حَتَّى إذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، هَرَبا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، حيْثُ يَسْتَأْنِفَانِ حَيَاةً وادِعَةً.

خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ

أَمَّا السُّلْطَانُ الحائِرُ فَقَدْ حَدَثَ لَهُ مالا يَخْطُرُ بِبالِكَ - أَيُّها الصَّديقُ الْعَزِيزُ - فَقَدِ اسْتَوْلَتْ عَليهِ الهُموم والأحزانُ، وَأَسِفَ لَتَسَرُّعِهِ فِي الإِنْتِقامِ مِنْ وزيرِهِ السَّجِين. وأَدْرَكَ أَنَّهُ سَيَعْجِزُ عن سياسَةِ مَمْلَكَتِه، ومُغالَبَةِ أَعْدائِهِ الْمُحِيطِينَ بِهِ بَعْدَ أَنْ فَقَدَ وزِيرَهُ الْمُجَرَّبَ الذَّكِيَّ. فَندِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَمْ يَنَمْ طُولَ لَيْلِهِ. فلمَّا لاحَ نورُ الْفَجْرِ، أَخَذتْهُ سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ نَوْمَةٌ خَفِيفَةٌ)، فَرَأَى - في مَنامِهِ – خُنْفَساءَةً صَغِيرَةً صَاعِدَةً إِلَى أَعْلَى الحَائِطِ، وَهِيَ مَلْفُوفَةٌ في خُيوط وحِبالٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْحَرير والْقُطْنِ، وما زالَتْ صاعِدَةً حَتَّى اقْتَرَبَتْ مِن أَعْلَى الحائط. ثُمَّ نَفَضَتِ الْخَنْفساءَةُ عَلَى الحائِطِ ما تحمِلُهُ مِنَ الْخُيوط والْحِبالِ، فَتَأَلَّفَتْ مِنْها جُمْلَةٌ بَدِيعَةُ الْخَطَّ، رائعَةُ الْمَعْنى. فَقَرَأَها ، فإِذا هِيَ: «الْعَدْلُ أَساسُ الْمُلْكِ».

ونَظَرَ أمامهُ. فَرَأَى الْوَزِيرَ السَّجِينَ جَالسًا عَلَى عَرْشِهِ.

فَاسْتَيْقَظَ الْمَلِكُ خائِفًا ، ونادَى حُرَّاسَهُ مَذْعُورًا ، وأَمَرَهمُ أَنْ يَفْتَحُوا لَهُ الْبُرْجَ. وما كادَ بابُهُ يُفْتَحُ حَتَّى أَسْرَعَ السُّلْطَانُ إِلَى قِمَّةِ الْبُرْجِ، فَرَأَى - في طريقه – الْخُنْفَسَاءَةَ الَّتِي أَبْصَرَها في منامه. فارْتاعَ وارْتَبَكَ، ثُمَّ بَحَثَ عَنِ الْوَزِيرِ السَّجِينِ، فَلَمْ يَجِدْهُ.

وَلَاحَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَى حَبْلًا مَرْبوطًا فِي قِمَّةِ الْبُرْجِ، مُتَدَلَّيًا إِلَى أَسْفَلَ، فَأَسْرَعَ إِلَى شُرْفِةِ الْبُرْجِ لِيَرِى جَلِيَّةَ الْخَبَرِ - دُونَ أَنْ يَتَبَصَّرَ فِي أَمْرِهِ - فَزَلِقَتْ قَدَمُهُ، وَهَوَى جِسْمُهُ مُحَطَّمًا - مِنْ أَعْلَى الْبُرْجِ – إِلَى قَاعِدَتِهِ.

وَبَعْدَ قليل ذاعَ الْخَيْرُ فِي أَنْحَاءِ الْبِلادِ كُلِّهَا، وَسَرَى فِي النَّاسِ سَرَيانَ الْبَرْقِ، وَعَرَفُوا كُلَّ ما حدَثَ فَهتفوا بالْوَزيرِ «سيلا» سُلْطَانًا عَلَيْهِم. واجْتَمَع أَعْيَانُ الْبِلادِ وَكُبَرَاؤُهَا لِتَنْفِيذِ مَشِيئَةِ الشَّعَبِ مَسْرُورِينَ بِخَلاصِهِم مِنْ ذلِكَ الْعَهْدِ الْمَشْمُومِ. وَبَعَثُوا رُسُلَهُم يَبْحَثُونَ عَنْهُ فِي أَرْجَاءِ الْمَدِينِةِ، فَلَمْ يَعْثُرُوا لَهُ على أثر، وعادُوا إِلَيْهِم – فِي الْمَساءِ - خَائِبِينَ.

أَمَّا الْوَزِيرُ «سيلا» ، فَقَدِ انْتَظَرَ حَتَّى مَدَّ الظَّلامُ رُواقَهُ، فَخَرَجَ مَعَ زَوْجَتِهِ - مِنَ الْغَارِ - لِيَهْرُبا إِلَى بَلَدٍ آمِنٍ يَعيشانِ فِيهِ فَرأَيا فَرَحَ النَّاسِ ، وسَمِعا نِدَاءَهُمُ الْجَدِيدَ؛ فَدَهِشا. وسأَلَتِ الزَّوْجَةُ أَحدَ النَّاسِ عَن جَلِيَّةِ الأَمْرِ ، فَحَسِبَها غَرِيبَةً عَنِ الْمَدِينَةِ، وقَصَّ عَلَيْها كل ما حَدَث.

فَأَسْرَعَ «سيلا» إلى قَصْرِ السُّلْطَانِ. وَلَمْ يَكَدْ أَعْيانُ الدَّوْلَةِ وَسَرَاتُها يُبْصِرُونَهُ، حَتَّى أَقْبَلُوا عَلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ فَرِحِينَ.

وأَصْبَحَ الْوَزِيرُ السَّجِينُ - مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ – سُلْطَانَ الْبِلادِ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH