الملك ميداس


الفصل الأول
(۱) عاشِقِ الذَّهَبِ
كانَ - في قَدِيمِ الزَّمانِ – مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ، اسْمُهُ: الْمَلِكُ «مَيْدَاسُ»، وَكَانَ لِهَذَا الْمَلِكِ بِنْتُ صَغِيرَةٌ، جَميلةُ الْوَجْهِ، عَظِيمَةُ الْخُلُقِ، أَسْمَاها: «مَرْيَمَ الذَّهَبِيَّةَ».
ولَعَلَّكَ تَعْرِفُ مِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ حُبَّ أبيها وشَغَفَهُ بِالذَّهَبِ إِلَى حَدٍّ أَنْ أَطْلَقَ اسْمَهُ عَلَى بِنْتِهِ.
وَلَقَدْ كانَ الْمَلِكُ «مَيْداسُ» يُحِبُّ بِنْتَهُ «مَرْيَمَ» حُبًّا شَدِيدًا. ولكنَّ ذلكَ الْحُبَّ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِذا قِيسَ إِلَى شَغَفِهِ بِالذَّهَبِ، وَوُلُوعِهِ بِالثَّرَاءِ.
كان ذلكَ الرَّجُلُ مَفْتُونَا بِحُبِّ الذَّهَبِ، وكانَ يُنْفِقُ أَيَّامَهُ فِي جَمْعِهِ، وَيُؤْثِرُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيا، ولا يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ سِواهُ، حَتَّى أَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ لَقَبَ: «عاشِقُ الذَّهَبِ».
(۲) كَنْزُ «مَيْدَاسَ»
وقَدْ أَحْرَزَ الْمَلِكُ «مَيْدَاسُ» تَلًّا كَبِيرًا مِنَ الذَّهَبِ، وجَمَعَ في قَصْرِهِ كَنْزًا، لَمْ يَجْمَعْ مِثْلُهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِهِ. وأذْهَلَهُ حُبُّ الذَّهَبِ عَنْ كلّ ما في الدُّنْيا مِنْ مَباهِجَ ومَشَاغِلَ، وَأَصْبَحَ لَا يُطِيقُ أَنْ يَرَى شَيْئًا أَمامَ عَيْنَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَسْجَدًا حُرًّا (ذَهَبًا خَالِصًا)!
وقَدْ تَعَوَّدَ أَنْ يَقْضِيَ شَطْرًا كَبِيرًا مِنْ يَوْمِهِ فِي سِرْدابٍ مُظْلِمٍ فِي قَصْرِهِ، لِيُمْتِعَ نَظْرَهُ بِرُؤْيَةِ ما في كَنْزِهِ مِنَ الذَّهَبِ. وكانَ قَدْ شَيَّدَ ذلكَ السِّرْدابَ الْمُظْلِمَ، وَخَبَأْ فِيهِ كَنْزَهُ الْمَمْلُوءَ بِالنَّفائِسِ الذَّهَبِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لِيُطِيقَ أَنْ يَبْقَى في هذا السِّرْدابِ الْمُوحِشِ إِلَّا الْمَلِكُ «مَيْدَاسُ» وحْدَهُ.
(۳) أَحْلامُ «مَيْدَاسَ»
وكان إِذا دَخَلَ سِرْدابَهُ أَغْلَقَ بِابَهُ عَلَيْهِ، وأَحْكَمَ رِتاجَهُ (قُفْلَهْ)، ثُمَّ أَجالَ بَصَرَهُ فِي كَنْزِهِ، وظَلَّ يَعُدُّ دَنانيرَهُ وسَبائِكَهُ الْعَسْجَدِيَّة (الذَّهَبِيَّةَ) ويَحْمِلُها إلى طاقَةٍ صَغِيرَةٍ يَنْفُذُ مِنْها شُعاعُ ضَئِيلٌ مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، لِيُمْتِعَ نَظَرَهُ برُؤْيَةِ بَرِيقِها ولَمَعانِهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى لِلشَّمْسِ فَائِدَةً أَكْبَرَ مِنْ أَنَّهَا تَعْكِسُ أَضْواءَها عَلَى ذَلِكَ الْمَعْدِنِ النَّفِيسِ الَّذِي لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ في الدُّنْيا كُلَّها – نَفَاسَةً وَخَطَرًا.
وَيَظَلُّ – طُولَ وَقْتِهِ – مَشْغُولًا بِتَعْدادِ ما في كَنْزِهِ مِنَ الذَّهَبِ، وَوَضْعِ الدِّينَارِ فَوْقَ الدِّينَارِ، وَالسَّبِيكَةِ فَوْقَ السَّبِيكَةِ.
وَكَانَ يُقَلِّبُ القِطَعَ الذَّهَبِيَّةَ، وَيَفْرُكُها بَيْنَ أَصابِعِهِ، مُغْتَبِطًا مَسْرُورًا، وَيُناجِي نَفْسَهُ قائِلًا: «ما أَسْعَدَ حَظَّكَ يا «مَيْدَاسُ»! وَمَا أَوْفَرَ ثَرَاءَكَ!»
وَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي الأُولى، وَصَدَقَ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَدْ كَانَ حَقًّا أَغْنى النَّاسِ فِي عَصْرِهِ. ولَكِنَّهُ – عَلَى وَفْرَةِ ذَهَبِهِ – لَمْ يَكُنْ سَعِيدًا؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ الشَّقِيَّةَ قَدْ حُرِمَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ سَعادَاتِ الْعَالَمِ وَمَباهِجِهِ. وَكان «مَيْداسُ» يَشْعُرُ – فِي نَفْسِهِ – أَنَّهُ لا يَزالُ فَقِيرًا إِلَى الْمَالِ، وَيَوَدُّ لَوْ أَصْبَحَ الْعالَمُ كُلُّه كَنْزًا مَمْلُوءًا بِالذَّهَبِ، وَلا يَرْتاحُ لَهُ بالٌ إِلَّا إِذا تَحَقَّقَتْ لَهُ هَذِهِ الْأُمْنِيَّةُ.
(٤) الزَّائِرُ الْغَرِيبُ
وَكَانَتْ تَحْدُثُ – في تِلْكَ الْعُصُورِ الْقَدِيمةِ – حَوادِثُ، نَراها عَجِيبَةً خَارِقَةً لِلْعَادَةِ في هذا الْعَصْرِ الذي نَعِيشُ فِيهِ، كما أَنَّ فِي عَصْرِنا – مِنَ الْعَجائِبِ التي أَلِفْناها، وَتَعَوَّدْنا رُؤْيَتَها – ما لَوْ رَأَى أَهْلُ تِلْكَ الْعُصُورِ الْقَدِيمِةِ بَعْضَهُ، لَتَمَلَّكَهُمُ الْعَجَبُ وَكَذَّبُوا أَعْيُنَهُمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُصَدِّقُوا بِوُقُوعِهِ.
وَإِلَيْكَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ مِنَ الْعَجائِبِ فِي تِلْكَ الْعُصُورِ الْغَابِرَةِ:
جَلَسَ «مَيْداسُ» فِي كَنْزِهِ، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بابَهُ. وإِنَّهُ لغَارِقُ فِي إِعْجَابِهِ بِرُؤْيَةِ أَكْوَامِهِ الْمُكَدَّسَةِ مِنَ الذَّهَبِ الْوَهَّاجِ، إِذْ رَأَى طَيْفًا يُدانِيهِ.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ «مَيْداسُ» مَدْهُوشًا. وَلَمْ يَعْلَمْ: كَيْفَ دَخَلَ هذا الزَّائِرُ الْغَرِيبُ كَنْزَهُ، بَعْدَ أَنْ أَحْكَمَ رِتاجَ الْبَابِ عَلَيْهِ.
فَأَدْرَكَ «مَيْداسُ» أَنَّ ذلِكَ الزَّائِرَ لَيْسَ مِنَ الإِنْسِ، وأَيْقَنَ أَنَّ ضَيْفَهُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تابعًا (جِنِّيًّا).
(٥) حوارُ التَّابِعِ
وَأَجالَ «مَيْداسُ» لحاظهُ فِي ذلِكَ التَّابِعِ، فَرَآهُ فَتًى في مُقْتَبَلِ شَبابِهِ، وَرَأَى وَجْهَهُ فِي مِثْلِ بَياضِ الْفِضَّةِ، وَشَعْرَهُ فِي مِثْلِ صُفْرَةِ الذَّهَب. وَقَدْ وَقَفَ ذلِكَ الشَّابُّ فِي شُعاعِ الشَّمْسِ الْبَرَّاقِ، فَابْتَهَجَ «مَيْداسُ» حِينَ رَآهُ، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى أَمامَهُ سَبِيكَةً مِنْ سَبَائِكِ الذَّهَبِ الْوَهَّاجِ الْحَبِيبِ إِلى نَفْسِه.
وأَجالَ الزَّائِرُ بَصَرَهُ فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ، وأطالَ تَأَمُّلَهُ فيما يَحْوِيهِ كَنْزُ «مَيْدَاسَ» مِنْ سبائِكَ ذَهَبِيَّةٍ ونَفَائِسَ، ثُمَّ الْتَفَت إِلَيْهِ سائِلًا: «ما أَوْفَرَ ثَراءَكَ يَا صَدِيقِي «مَيْدَاسُ»، فَما أظن أنَّ في الدُّنْيا كُلّها أحدًا قَدْ حَوَى مِثْلَ هذا الْكَنْزِ نَفاسَةً، وما أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا قَدِ اسْتَطَاعَ أن يجمعَ مِثْلَ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمَالِ!»
فَقَالَ لَهُ «مَيْداسُ»: «صَدقْتَ يا عَزِيزِي، وما أرانِي جَدِيرًا بِالتَّهْنِئَةِ، فَلَيْسَ كَثِيرًا عَلَيَّ أَنْ أَظْفَرَ بِهذا الْكَنْزِ، وقَدْ أنْفَقْتُ حياتِي كُلَّها فِي جَمْعِ الْمَالِ!»
فَقَالَ لَهُ الزَّائِرُ الْغَرِيبُ: «مِمَّ تَشْكُو أَيُّها الصَّديقُ؟ أَلَسْتَ مُبْتَهِجًا بِمَا ظَفِرْتَ بِهِ مِنَ المال؟ أتطلب الْمَزِيدَ يَا عَزِيزِي؟»
فَسَكَتَ «مَيْداسُ»، وأَوْمَا بِرَأْسِهِ إِيمَاءَةً خَفِيفَةً، تدل عَلَى سُخْطِهِ، وتُعَبِّرُ عَنْ تَبَرُّمِهِ وَضِيقِهِ وضَجَرِهِ بِحَظِّهِ التَّاعِسِ. ثُمَّ تَنَهَّدَ مُتَلَهّفًا عَلَى تَحْقِيقِ أُمْنِيتِهِ.
فَقَالَ لَهُ التَّابِعُ (الْجِنِّيُّ): «خَبِّرْنِي ماذا تُرِيدُ؟ وأَيُّ شَيْءٍ يُرْضِيكَ؟ تَمَنَّ عَلَيَّ الْأَمَانِيَّ، فَإِنِّي مُحَقِّقٌ لَكَ مَا تَتَمَنَّاهُ.»
(٦) أُمْنِيَّةُ «مَيْدَاسَ»
فَأَطْرَقَ «مَيْداسُ» بِرَأْسِهِ لَحْظَةً قَصِيرَةً، ثُمَّ الْتَفَت إِلى مُحَدِّثِهِ، وَقَدِ اهْتَدَى إِلَى فِكْرَةٍ بَدِيعَةٍ، مَلَكَتْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وسَحَرَتْ مِنْهُ لُبَّهُ (فَتَنَتْ عَقْلَهُ)، فَقالَ: «إِنَّ أَشَدَّ مَا يَحْزُنُنِي: أَنَّنِي أَنْفَقْتُ حَياتِي، وَأَضَعْتُ أَيَّامِي كُلَّها في جَمْعِ الْمَالِ. وما أرانِي قَدْ ظَفِرْتُ إِلَّا بِالْقَلِيل، بَعْدَ هذا الْعَناءِ وَالْكَدِّ. فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلى تَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِي العَزِيزَةِ؟»
فَأَجَابَهُ التَّابِعُ: «قُلْتُ لَكَ: تَمَنَّ عَلَيَّ ما شِئْتَ مِنَ الأَمانِي، فَإِنِّي مُجِيبُكَ إِلى ما تُرِيدُ.»
فَابْتَهَجَ «مَيْداسُ»، وتَهَلَّلَ وَجْهُهُ بِشْرًا (فَرَحًا)، والْتَمَعَتْ عَيْنَاهُ سُرُورًا.
ثُمَّ قَالَ لِلتَّابِعِ: «لَقَدْ عَشِقْتُ الذَّهَبَ، فَما أَعْدِلُ بِهِ بَدِيلًا. وَلَيْسَ لِي فِي الْحَيَاةِ إِلَّا أُمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ، وهي أَنْ يَتَحَوَّلَ كُلُّ شَيْءٍ أَلْمِسُهُ، فَيُصْبِحَ ذَهَبًا خَالِصًا وَهَّاجًا!»
فَقَالَ لَهُ التَّابِعُ: «هِذِهِ أُمْنِيَّةٌ عَزِيزَةُ الْمَنَالِ، وما أَظُنُّ أَنَّ إِدْرَاكَها يُرْضِيكَ! والرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ تُطِيلَ تَأَمُّلَكَ، قَبْلَ أَنْ أُجِيبَكَ إِلى مَا تَطْلُبُهُ.»
فَقَالَ لَهُ «مَيْداسُ»: «ماذا تَقُولُ يَا صَاحِبِي؟ أَفِي الدُّنيا كُلَّها أُمْنِيَّةٌ أَعْذَبُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْنِيَّةِ؟»
فَقَالَ لَهُ التَّابِعُ: «أَخْشَى أَنْ تَنْدَمَ إِذا أَجَبْتُكَ إِلى رَغْبَتِكَ!»
فَقَالَ لَهُ «مَيْداسُ»: «كُنْ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّنِي لَا أَرْضَى بِهِذِهِ الْأُمْنِيَّةِ بَدِيلًا.»
فَقالَ لهُ التَّابِعُ، وَهُوَ يُوَدِّعُهُ، مُبْتَعِدًا عَنْهُ: «لَقَدْ أَجَبْتُكَ إِلى طِلْبَتِكَ، وَسَأُنْفِذُ لَكَ أُمْنِيَّتَكَ في فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، فَلَنْ تَلْمِسَ شَيْئًا – بَعْدَ ذلكَ الْوَقْتِ – إِلَّا تَحَوَّلَ نُضَارًا (ذَهَبًا) خَالِصًا وَهَّاجًا!»
الفصل الثاني
(۱) تَحْقِيقُ الأُمْنِيَّةِ
وما أتمَّ التَّابِعُ كَلامَهُ، حَتَّى تَلَأْلَأَ وَجْهُهُ نُورًا، ثُمَّ اسْتَخْفَى عَنْ نَاظِرَيْهِ. وَتَلَفَّتَ «مَيْداسُ» – يَمْنَةً وَيَسْرَةً – فَلَمْ يَرَ أَحَدًا فِي الْحُجْرَةِ، إِلَّا شُعاعَ الشَّمْسِ الَّذِي انْعَكَسَ عَلَى سَبائِكِ الذَّهَبِ الَّتِي أَفْنَى حَياتَهُ فِي جَمْعِها وادِّخارِها.
وَلَمْ تَذْكُرْ لَنَا الأُسْطُورَةُ كَيْفَ قَضى «مَيْداسُ» لَيْلَتَهُ؟ وَهَلْ زَارَ الْكَرَى جَفْنَيْهِ، وَطَرَقَ النَّوْمُ عَيْنَيْهِ؟ أَمْ ظَلَّ – طُولَ لَيْلِهِ – ساهِدًا (ساهِرًا) يَحْلُمُ بِتَحْقِيقِ الأُمْنِيَّةِ التي وَعَدَهُ بها التَّابِعُ الطَّرِيفُ؟ عَلَى أَنَّ قُصارَى الظَّنِّ، بَلْ أَكْبَرَ الْيَقِينِ، أَنَّهُ كَانَ – مِنْ فَرْطِ سُرُورِهِ – أَشْبَهَ بِطِفْلٍ صَغِيرٍ وَعَدَهُ أَبُوهُ بِلُعْبَةٍ جَمِيلَةٍ يَشْتَرِيها لهُ في الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ؛ فَبَاتَ الطِّفْلُ يَحْلُمُ بِهِذِهِ اللُّعْبَةِ الْجَمِيلَةِ طُولَ لَيْلِهِ، وَيَرَى فِي مَنَامِهِ نُورَ ذَلِكَ الطَّيْفِ الْجَمِيلِ الطَّلْعَةِ الَّذِي وَعَدَهُ بِتَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ الْغَالِيةِ.
ولَمَّا لاحتْ تَبَاشِيرُ الصَّبَاحِ اسْتَيْقَظَ الْمَلِكُ «مَيْداسُ» مِنْ نَوْمِهِ. وَلَمْ يَكَدْ يَرَى أَوَّلَ شُعاعٍ مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ يَنْفُذُ إِلى حُجْرَتِهِ، حَتَّى رَأَى تَحْقِيقَ أُمْنِيَّتِهِ عِيانًا.
ولَقَدِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الدَّهْشَةُ، وَتَمَلَّكَتْهُ الْحَيْرَةُ، حِينَ رَأَى غِطاءَهُ – الذي كانَ يَلْتَحِفُ به – قَدْ أَصْبَحَ ذَهَبًا خَالِصًا وَهَّاجًا.
(۲) جُنُونُ الْفَرَحِ
وَلَا تَسَلْ عَنْ فَرَحِ «مَيْدَاسَ» بِما رَآهُ؛ فَقَدِ امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ بَهْجَةً وانْشِراحًا، وَفاضَ السُّرُورُ عَلَى قَلْبِهِ فَأَذْهَلَهُ، وشَرَّدَ عَقْلَهُ. وَأَنْساه فَوْزُهُ وَنَجاحُهُ كلَّ شَيْءٍ، فَأَسْرَعَ يَجْرِي فِي حُجْرَتِهِ، وَيَلْمِسُ كلَّ شَيْءٍ يُصادِفُهُ فيها؛ فَلا يَكادُ يَفْعَلُ، حَتَّى يُصْبِحَ ما يَمَسُّهُ ذَهَبًا خَالِصًا وَهَّاجًا!
ثُمَّ لَمَسَ «مَيْداسُ» أَحَدَ أَعْمِدَةِ سَرِيرِهِ، فَإِذا بِالسَّرِيرِ كُلِّهِ قَدْ ثَقُلَ وَزْنُهُ، وَأَصْبَحَ – في الْحَالِ – كُتْلَةً مِنَ الذَّهَبِ.
ثُمَّ عَجَّلَ بارتداء ملابِسِهِ، وَلَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ حَتَّى رَآها كُلَّهَا قَدْ أَصْبَحَتْ مِنَ الْجُوخِ الذَّهَبِيِّ النَّاعِمِ الْجَمِيلِ. وَرَآهَا سَهْلَةَ الإِنْثِناء، قَلِيلَةَ الثِّقَلِ، ظَرِيفَةَ الشَّكْلِ. وَلَمْ يَكَدْ يَلْمِسُ مِنْدِيلَهُ الصَّغِيرَ الَّذِي وَشَتْهُ لَهُ ابْنَتُهُ «مَرْيَمُ الذَّهَبِيَّةُ»، حَتَّى تَحَوَّلَ ذَهَبًا إِبْرِيزًا، وَتَحَوَّلَتْ خُيُوطُهُ وَوَشْيُهُ ذَهَبًا.
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْظَارَهُ مِنْ جَيْبِهِ، وَما وَضَعَهُ عَلَى أَنْفِهِ، حَتَّى تَمَلَّكَتْهُ الدَّهْشَةُ، وَحَارَ فِي أَمْرِهِ، إِذْ رَأَى أَنَّهُ لا يُبْصِرُ – بِمِنْظَارِهِ – شَيْئًا. فَلَمَّا أَنْعَمَ النَّظَرَ فِيهِ رَأَى زُجَاجَتَيْهِ قَدْ تَحَوَّلَنَا ذَهَبًا خَالِصًا. عَلَى أَنَّ «مَيْداسَ» رَأَى أَنَّ مِنْظارَهُ قَدْ أَصْبَحَ – بَعْدَ ذلِكَ – لا فَائِدَةَ مِنْهُ، وَإِنْ غَلَتْ قِيمَتُهُ، وارْتَفَعَ ثَمَنُهُ، فَقَدْ كانَتْ زُجَاجَتاهُ أَنْفَعَ لِعَيْنَيْهِ مِنْ قِطْعَتَي الذَّهَبِ اللَّتَيْنِ تَحَوَّلَنَا إِلَيْهِمَا، فَسَاوَرَ نَفْسَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقَلَقِ والضّيقِ. وَلكِنَّ فَرَحَهُ – بِتَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِهِ – قَدْ أَنْساهُ التَّفْكِيرَ فِي أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ!
واسْتَولَى الْفَرَحُ عَلَى نَفْسِهِ، وَطَغَى عَلَيْهِ السُّرُورُ، حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ أَسْعَدَ مَنْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَّ قَصْرَهُ الرَّحِيبَ (الْفَسِيحَ) أَضْيَقُ مِنْ أَنْ يَسَعَهُ مِنْ فَرْطِ السُّرُورِ.
ثُمَّ هَبَطَ السُّلَّمَ، وَلَمْ يَكَدْ يَلْمِسُ الدَّرابِزِينَ، حَتَّى تَحَوَّلَ ذَهَبًا، وَمَا فَتَحَ بَابَ الْحَدِيقَةِ، حَتَّى تَحَوَّلَ الْبَابُ ذَهَبًا كَذَلِكَ.
وَلَمَّا دَخَلَ الْحَدِيقَةَ رَأَى الْوُرُودَ وَالْأَزْهارَ الشَّذِيَّةَ الْمُزْدَهِرَةَ، وَقَدْ هَبَّتْ عَلَيْهِ نَفْحَتُها (رَائِحَتُها) الْعَطِرَةُ، مَعَ نَسِيمِ الصَّبَاحِ.
فَأَسْرَعَ إِلَيْهَا، يَلْمِسُها واحِدَةً بَعْدَ الأُخْرَى. وَما كادَ يَفْعَلُ حَتَّى تَحَوَّلَتْ ذَهَبًا خَالِصًا.
(۳) شَكْوَى «مَرْيَمَ»
ثُمَّ حانَ وقْتُ الْفُطُورِ، وكانَ هَواءُ الصَّباحِ قَدْ أَجاعَهُ، فَعادَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْقَصْرِ.
وبَحَثَ عَنْ فَتاتِهِ الصَّغِيرَةِ «مَرْيَمَ الذَّهَبِيَّةِ»، فَلَمْ يَرَها جَالِسَةً إِلَى الْمَائِدَةِ، فَأَمَرَ بِاسْتِدْعَائِها إِلَيْهِ، وجَلَسَ إِلَى الْمَائِدَةِ يَتَرَقَّبُ عَوْدَتَها. وبَعْدَ لَحَظاتٍ قَلِيلَةٍ رَآهَا قَادِمَةً عَلَيْهِ، مَحْزُونَةً بِاكِيَةً، فَدَهِشَ لِبُكائِها.
وكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يراها باكِيَةً حَزِينَةً، فَأَرادَ أبوها أنْ يُزِيلَ حُزْنَهَا، وَيُدْخِلَ السُّرُورَ عَلى قَلْبِها، ويُفاجِئَها مُفاجَأَةً سارَّةً، فَأَمْسَكَ بِقَدَحِها، فَتَحَوَّلَ الْقَدَحُ ذَهَبًا خَالِصًا وَهَّاجًا.
وحَسِبَ الْمَلِكُ «مَيْداسُ» أَنَّ هَذِهِ الْمُفاجَأَةَ سَتُدْخِلُ السُّرُورَ وَالْفَرَحَ عَلَى بِنْتِهِ الْعَزِيزَةِ «مَرْيَمَ الذَّهَبِيَّةِ». ولكِنَّهُ رَأَى أَنَّها لَمْ تَكُفَّ عَنِ النَّحِيبِ (البُكاء). فَسَأَلَها «مَيْداسُ»: «أَيُّ خَطْبٍ – يا عَزِيزَتِي – أَلَمَّ بِكِ؟»
فَقَالَتْ لهُ: «انْظُرْ إِلى هَذِهِ الزَّهْرَةِ!»
فقالَ لَها: «ما أَجْمَلَها وَرْدَةً، وما أَبْدَعَ مَنْظَرَها، وأَبْهَجَ شَكْلَها!»؛ فَقَالَتْ «مَرْيَمُ»: «بَلْ ما أَقْبَحَها وَرْدَةً، وما أَسْمَجَ مَرْآها، وأرْدَأَ شَكْلَها! إِنَّنِي لا أُطِيقُ رُؤْيتَها. وهي – في نَظَرِي – أَقْبَحُ وَرْدَةٍ فِي الدُّنْيَا إِلى الآن.»
ثمَّ اسْتَأْنَفَتْ «مَرْيَمُ» قائلةً: «أَتَدْرِي ماذا لَقِيتُ الْيَوْمَ، يا أَبَتاهُ؟ لَقَدْ ذَهَبْتُ إِلَى الْحَدِيقَةِ لِأَقْطِفَ – مِنْ شُجَيْراتِها – وَرْدَةً ... أَتَعْرِفُ ماذا حَدَثَ؟ وَيْلاهُ! يا لَهَا كَارِثَةً حَلَّتْ بِالْحَدِيقَةِ الْجَمِيلَةِ! لَقَدْ ذَبُلَ الْوَرْدُ فِي حَدِيقَتِنا، وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ، ولَمْ تَفُحْ مِنْهُ تِلْكَ الرَّائِحَةُ الذَّكِيَّةُ الَّتِي تَمْلَأُ الْأَرْجَاءَ عِطْرًا، وتُكْسِبُ النُّفُوسَ بَهْجَةً وانْشِراحًا، فَأَيُّ خَطْبٍ أَلَمَّ بِحَدِيقَتِنَا؟ وأَيُّ كارِثَةٍ أَصابَتْنَا فِي وُرُودِها وَأَزْهَارِهَا الشَّذِيَّةِ الْعَطِرَةِ؟»
فَخَجِلَ «مَيْداسُ» مِمَّا حَدَثَ بِحَدِيقَتِهِ الْجَمِيلَةِ، وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى إِخْبَارِهَا بِأَنَّهُ مَصْدَرُ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ.
ثُمَّ قَالَ لَها باسِمًا، لِيُنْسِيَها حُزْنهَا عَلَى وَرْدَتِهَا الْعَزِيزَةِ: «لا عَلَيْكِ – يا بُنَيَّتِي – ما أصابَ وَرْدَتَكِ مِنَ الاصْفِرارِ. عَلَى أَنَّنِي لَسْتُ أَدْرِي: لِمَ تَحْزَنِينَ؟ أَلَا يَسُرُّكِ أَنْ تَظْفَرِي بِوَرْدَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، تَبْقَى مِئَاتِ السِّنِينَ، دُونَ أَنْ تَذْبُلَ؟ أَلَا تَرْضَيْنَ بِها بَدِيلًا مِنْ وَرْدَةٍ لا تَلْبَثُ يَوْمًا كاملًا، حَتَّى تَذْبُلَ؟ هَوِّنِي عَلَيْكِ يا عَزِيزَتِي، وَاشْرَبِي مَا أُعِدَّ لَكِ مِنْ حَسَاءٍ (مَرَقٍ) لَذِيذ.»
(٤) عَلَى الْمَائِدَةِ
وجَلَسَتْ «مَرْيَمُ» الصَّغِيرَةُ إِلى الْمائِدَةِ، وقَدْ أَنْساها حُزْنُها كلَّ ما حَوْلَها مِنَ الْمُفَاجَاتِ والْعَجائِبِ، فَلَمْ تَفْطُنْ إِلى تَحَوُّلِ الصَّفائِحِ والأَطْباقِ كُلَّها ذَهَبًا خَالِصًا.
أَمَّا «مَيْداسُ» فَإِنَّهُ مَا لَمَسَ فِنْجَانَ الْقَهْوَةِ، حَتَّى تَحَوَّلَ الْفِنْجَانَ ذَهَبًا خَالِصًا، فَاشْتَدَّ سُرُورُهُ، وظَلَّ يُفَكِّرُ فِي الْوَسِيلَةِ التي تُمَكِّنُهُ مِنْ حِفْظِ هَذِهِ الْكُنُوزِ الذَّهَبِيَّةِ كَلَّها، حَتَّى لا يَسْطُوَ عَلَيْها أَحَدٌ، ولا تَمْتَدَّ إِلَيْهَا أَيْدِي اللُّصُوصِ.
وإِنَّهُ لَغَارِقٌ فِي تَفْكِيرِهِ، إِذْ رَأَى ما لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبانِ، وَأَبْصَرَ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَمُرَّ لَهُ عَلَى بَالٍ. تُرَى ماذا رَأَى؟
لَقَدْ وَجَدَ أَنَّ الْقَهْوَةَ – التي كانَتْ فِي فِنْجَانِهِ – لَمْ تَكَدْ تَمَسُّ شَفَتَيْهِ، حَتَّى تَحَوَّلَتْ ذَهَبًا سائِلًا وَهَّاجًا، ثُمَّ جَمَدَتْ – بَعْدَ لَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ – فَأَصْبَحَتْ قِطْعَةً صُلْبَةً مِنَ الذَّهَبِ!
(٥) حُزْنُ «مَيْدَاسَ»
فارْتاعَ «مَيْداسُ» وفَزِعَ وتَأَلَّمَ، واسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْحُزْنُ وَالْغَمُّ. وَصاحَ مَهْمُومًا: «آهِ! يَا لَشَقَائِي وحَيْرَتِي وتَعاسَتِي!»
ثُمَّ تَعاظَمَتْهُ الْحَيْرَةُ، وتَمَلَّكَهُ الدَّهَشُ، إِذْ رَأَى أَنَّ كُلَّ طَعَامٍ يَلْمِسُهُ، لَا يَلْبَثُ أَنْ يَسْتَحِيلَ ذَهَبًا خَالِصًا، مِنْ فَوْرِهِ. وَثَمَّةَ أَدْرَكَ أَنَّهُ لَنْ يَظْفَرَ بِغِذاء بَعْدَ الْيَوْمِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ هَالِكٌ جُوعًا.
فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى كُرْسِيِّهِ، وَأَطالَ تَأَمُّلَهُ فِي بِنْتِهِ وَهِي تَلْتَهِمُ طَعَامَها شَهِيًّا سَائِعًا.
فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «يَا لَشَقَائِي! فَإِنِّي أَرَى أَمامِي طَعامًا فاخِرًا شَهِيًّا، ثُمَّ لَا أَسْتَطِيعُ أَن أَتَذَوَّقَ مِنْهُ شَيْئًا!»
وَشَعَرَتْ «مَرْيَمُ» أَنَّ أَباها حَزِينٌ وَاجِمٌ عاجِزٌ عَنِ الْكَلامِ مِنْ شِدَّةِ الْغَمِّ. وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا جَمًّا، فَحَزِنَتْ لِحُزْنِهِ، وَقالَتْ لَهُ: «خَبِّرْنِي – يا أبِي – ماذا بِكَ؟ فَإِنِّي أَراكَ قَلِقًا مَهْمُومًا!»
فَقالَ لها «مَيْداسُ» وَهُوَ يُصَعِّدُ الزَّفَراتِ حُزْنًا وَألَمًا: «لِلَّهِ أَبُوكِ – يا بُنَيَّتِي العَزِيزَةَ – فَقَدْ حَلَّتْ بِهِ الْخُطُوبُ وَالْمِحَنُ (الْمَصائِبُ). وَما يَدْرِي والِدُكِ الْمِسْكِينُ: كَيْفَ تَكُونُ خاتِمَةُ أَيَّامِهِ التَّاعِسَةِ؟»
(٦) خَاتِمَةُ النَّكَبَاتِ
أيُّها الطَّفْلُ الْعَزِيزُ: هَلْ سَمِعْتَ – طُولَ عُمْرِكَ – أَنَّ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ مِنَ التَّعَاسَةِ وَالْخَيْبَةِ ما بَلَغَهُ هَذا التَّاعِسُ الْمِسْكِينُ؟
فَهُوَ يَرَى أَمامَهُ أَشْهَى طَعَامٍ، ثُمَّ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَذَوَّقَ مِنْهُ لُقْمَةً وَاحِدَةً! أَلَا تَرَى أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ فَقْرًا، قَدْ أَصْبَحَ أَغْنى مِنْ هذا الْمَلِكِ، وَأَسْعَدَ مِنْهُ حَالًا، وَأَهْنَأَ بِالًا؟ أَلَا تَرَى أَنَّ كِسْرَةً مِنَ الْخُبْزِ يَأْكُلُها عامِلٌ فَقِيرٌ، وَقَدَحًا مِنَ الْمَاءِ يَشْرَبُهُ، يَرْجَحانِ ثَرْوَةَ هَذَا الْغَنِيِّ التَّاعِسِ كُلَّها، وَيَزِيدَانِ عَلَى كُلِّ ما يَمْلِكُ مِنْ نَفَائِسَ وَكُنُوزِ؟ أَلَسْتَ تَرْثِي لِحَالِهِ، وَتَحْزَنُ لِمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ؟ فَاسْمَعْ – أَيُّها الطِّفلُ العَزِيزُ – خاتِمَةَ النَّكَبَاتِ، وَآخِرَةَ الْمَصَائِبِ الَّتِي أَلَمَّتْ بِهِ:
لَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْجُوعُ، وَجَهَدَهُ الْعَطشُ، وَتَمَلَّكَتْهُ الْحَيْرَةُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الأَلَمُ، وَاسْتَبدَّ بِهِ الْحُزْنُ، فَظَلَّ يَتَنَهَّدُ: حَسْرَةً عَلَى مَآلِهِ، وَفَزَعًا مِنْ مَصِيرِهِ التَّاعِسِ. وَحَاوَلَتْ «مَرْيَمُ» أَنْ تَعْرِفَ سِرَّ آلامِهِ، وَمَصْدَرَ أَحْزَانِهِ، فَلَمْ يَبُحْ لَهَا بِشَيْءٍ.
فَلَمْ تُطِقْ صَبْرًا عَلَى ما أصابهُ، وَدَفَعَها حُبُّها لَهُ، فَطَوَّقَتْ رُكْبَتَيْهِ بِذِراعَيْهَا، فَانْحَنَى عَلَيْهَا يُقَبِّلُها في جَبِينِها، شاكِرًا لهَا حُنُوَّها وبِرَّها، وَقَدْ شَعَرَ أَنَّ حُبَّ ابْنَتِهِ يَرْجَحُ مِلْءَ الدُّنْيَا ذَهَبًا.
وَلَمْ يَكَدْ يُقبِّلُها، وَيَشْكُرُ لَها إِخْلاصَها، حَتَّى رَأَى مَا لَمْ يَخْطُرْ لَهُ عَلَى بَالٍ.
فَصاحَ مَذْعُورًا خَائِفًا: «أَجِيبِينِي أَيَّتُها العَزِيزَةُ. أجِيبِي نِدَاءَ أَبِيكِ يا «مَرِيَمُ» الْحَبِيبَةُ الْمُخْلِصَةُ!»
ولَكِنَّ «مَرْيَمَ» لَمْ تُجِبْ أباها، ولَمْ تَنْطِقُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ. فَمَاذَا حَدَثَ؟
لَقَدْ حَلَّتْ بـ«مَيْدَاسَ» خاتِمَةُ النَّكَبَاتِ؛ إِذْ تَحَوَّلَتْ بِنْتُهُ الْعَزِيزَةُ قِطْعَةً مِنَ الذَّهَبِ، حِينَ لَمَسَتْ شَفَتَاهُ جَبِينَها!
(۷) شَقَاءُ الْوَالِدِ الْحَزِينِ
وَمَا إِنْ رَأَى مَا حَلَّ بِابْنَتِهِ الْعَزِيزَةِ، حَتَّى لَعَنَ الذَّهَبَ، وَلَعَنَ السَّاعَةَ الَّتِي ظَفِرَ فِيهَا بِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْأُمْنِيَّةِ الْحَمْقَاءِ.
فَقَدْ تَحَوَّلَ وَجْهُ تِلْكَ الْفَتاةِ الصَّغِيرَةِ عَنْ حُمْرَةِ الْوَرْدِ، إِلَى صُفْرَةِ الذَّهَبِ. وَكَانَ وَجْهُها – مُنْذُ لَحْظَةٍ – مُشْرِقًا بِالْحَياةِ، فَيَّاضًا بالإخلاص والْحُبِّ، فَأَصْبَحَ الْآنَ وَجْهَا أصْفَرَ بَرَّاقًا. وتَحوَّلَتْ حَلَقاتُ شَعْرها الْجَمِيلِ: حَلَقاتٍ ذَهَبِيَّةً مُصْفَرَّةً. وجَمَدَ جِسْمُها اللَّطِيفُ بَيْنَ ذِراعَيْ أبيها.
فَيا لَهَوْلِ الْمُصِيبَةِ! وَيَا لَشَقَاءِ وَالِدِهَا التَّاعِسِ الْحَزِينِ!
لَقَدْ ذَهَبتْ «مَرْيَمُ» العَزِيزَةُ فَرِيسَةَ أبيها، وَتَحَوَّلَتِ الطَّفْلَةُ تِمْثَالًا مِنَ الْعَسْجَدِ (الذَّهَبِ).
لَقَدْ كَانَ «مَيْداسُ» يَقُولُ فِي كُلِّ وَقْتٍ: «إِنَّ ابْنَتِي تُساوِي مِثْلَ وَزْنِهَا ذَهَبًا!»
أَمَّا الْآنَ، فَإِنَّهُ يَشْعُرُ – بَعْدَ فَواتِ الْفُرْصَةِ – أَنَّ كُنُوزَ الدُّنْيَا كَلَّها لا تُساوِي قَلْبَها الْحَنُونَ.
الآنَ يَرَى أَنَّ الدُّنْيا – إِذا مُلِئَتْ كلُّها ذَهَبًا، وتَكَدَّسَتْ أَكْوامُ الْعَسْجَدِ فَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ – لَنْ تَعْدِلَ بِنْتَهُ الْعَزِيزَةَ «مَرْيَمَ».
الفصل الثالث
(۱) عَوْدَةُ التَّابِعِ
وأَطالَ «مَيْداسُ» تَأَمُّلَهُ، واسْتَغْرَقَ فِي تَفكيرهِ، حَتَّى كَادَ يُسْلِمُهُ الْحُزْنُ إِلَى الذُّهُولِ.
وإِنَّهُ لَغَارِقٌ فِي أَحْزَانِهِ وآلامِهِ، إِذْ رَأَى أمامه ذلكَ التَّابِعَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُهُ بِالْأَمْسِ. فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ خَجِلًا، وَلَمْ يَجْرُؤْ على مُخاطَبَتِهِ.
فالْتَفَتَ إِلَيْهِ التَّابِعُ، وقالَ لَهُ سَاخِرًا: «لَعَلَّكَ سَعِيدٌ بِمَا ظَفِرْتَ بِهِ مِنْ كُنُوزِ الذَّهَبِ، أَيُّها الصَّدِيقُ الْعَزِيزُ؟»
فَقَالَ لَهُ «مَيْداسُ»: «لَيْسَ فِي الدُّنْيا كُلَّها أَشْقَى مِنِّي!»
فَقَالَ لَهُ التَّابِعُ: «كَيْفَ شَقِيتَ؟ أَجادٌّ أَنْتَ فِيمَا تَقُولُ؟ أَلَمْ أَبَرَّ بِوَعْدِي لَكَ، وَأُوفِ لَكَ بما عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ؟ أَلَمْ أُنْجِزْ لَكَ أُمْنِيَّتَكَ؟ فَمِمَّ تَشْكُو بَعْدَ ذَلِكَ؟»
فَقَالَ «مَيْداسُ»: «لَقَدْ آمَنْتُ الْآنَ أَنَّ الذَّهَبَ لَيْسَ – كما ظَنَنْتُ – أَثْمَنَ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ وَأَيْقَنْتُ أَنَّ السَّعادَةَ شَيْءٌ آخَرُ!»
فَقَالَ لَهُ التَّابِعُ: «لَقَدْ تَغَيَّرَ رَأْيُكَ الْيَوْمَ، وَأَصْبَحْتُ أَسْمَعُ مِنْكَ مَا لَمْ أَسْمَعْهُ بِالْأَمْسِ، وَإِنِّي سَائِلُكَ – يا «مَيْداسُ» – فَأَجِبْني فِي صَراحَةٍ: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَجْدَى عَلَيْكَ: مِلْءُ الْعَالَمِ ذَهَبًا، أَمْ قَدَحٌ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ؟»
فصاحَ «مَيْداسُ»: «إِنَّ قَدَحًا مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ – أَثْمَنُ – عِنْدِي – مِنْ كُنُوزِ الْأَرْضِ كُلِّها. فَمَنْ لِي بِهِ الْآنَ؟ فَقَدْ جَفَّ حَلْقِي، وَكِدْتُ أَهْلِكُ مِنَ الْعَطَشِ. آهِ! مَا أَعذَبَ الْمَاءَ! وَمَا أَعْظَمَ نَفْعَهُ لِلنَّاسِ! أَيُّهَا المَاءُ الْمُبارَكُ، أَنَّى لِي بِكَ؟»
فَاسْتَأْنَفَ التَّابِعُ قَائِلًا: «خَبِّرْنِي أَيُّها الصَّدِيقُ: أَيُّ الأَمْرَيْنِ أَجْدَى عَلَيْكَ، وَأَنْفَعُ لَكَ: مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا، أَمْ كِسْرَةُ خُبْز؟»
فَقَالَ «مَيْداسُ» مُتَلَهِّفًا حَزِينًا: «إِنَّ كِسْرَةً مِنَ الْخُبْزِ، لَتَرْجَحُ كُنُوزَ الدُّنْيَا قَاطِبَةً!»
فَقَالَ لَهُ التَّابِعُ: «فَخَبِّرْنِي: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَنْفَعُ لكَ: مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا، أَمْ بِئْتُكَ مَرْيَمُ؟»
فَصاحَ «مَيْداسُ» الْمِسْكِينُ نادِمًا، وَهُوَ يَعَضُّ بَنانَهُ (رُءُوسَ أصابعه): «آه! يا لَشَقائِي! إِنَّ كُنُوزَ الدُّنْيا كلَّها لا تُساوي عِنْدِي ابْتِسَامَةَ ابْنَتِي الْعَزِيزَةِ!»
(۲) خَاتِمَةُ الْحِوَارِ
فَقالَ التَّابِعُ جادًّا: «الْآنَ عَقَلْتَ يا «مَيْداسُ»، وَأَفَقْتَ مِنْ ضَلالِكَ. الْآنَ أَدْرَكْتَ – فِيمَا أَرَى – أَنَّ أَتْفَهَ الأَشْياءِ الَّتي لا يَعْجِزُ عَنْ إِدْراكِها أَفْقَرُ النَّاسِ، أَثْمَنُ مِنْ كُنُوزِ الأَرْضِ كُلّها! فَخَبِّرْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي الْقَوْلَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ كَمَا كُنْتَ، وَتَعُودَ سِيرَتَكَ الأُولَى؟»
فَقَالَ «مَيْداسُ»: «لَيْسَ أَحَبَّ إِلى نَفْسِي مِنْ تَحْقِيقِ هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ!»
فَقالَ لَهُ التَّابِعُ: «لا عَلَيْكَ – يا صَدِيقِي – فاذْهَبْ إِلَى الْغَدِيرِ الَّذِي يَجْرِي فِي حَدِيقَتِكَ، وَاسْتَحِمَّ فِيهِ. ثمَّ امْلَأَ مِنْ مائِهِ إِنَاءً وَاسْكُبْ مِنْهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ تُرِيدُ أَنْ تُعِيدَهُ إِلَى أَصْلِهِ.»
ثُمَّ اسْتَخْفَى التَّابِعُ مِنْ فَوْرِهِ.
(۳) السَّعادَةُ بَعْدَ الشَّقَاءِ
وَلا تَسَلْ – أَيُّهَا الطِّفْلُ العَزِيزُ – عَنْ فَرَحِ «مَيْدَاسَ» بِما سَمِعَهُ مِنَ التَّابِعِ (الْجِنِّيَّ)، فَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ السُّرُورُ.
وَلَمْ يُضِعْ وَقْتَهُ عَبَثًا، فَجَرَى مُسْرِعًا إِلَى جَرَّةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الفَخَّارِ، وَلَمْ يَكَدْ يَلْمِسُها، حَتَّى تَحَوَّلَتْ ذَهَبًا. ثُمَّ أَسْرَعَ يَعْدُو حَتَّى بَلَغَ الْغَدِيرَ، فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ فِيهِ. وَقَدْ أَنْسَاهُ فَرَحُهُ أَنْ يَخْلَعَ ثِيابَهُ وَحِذاءَهُ. ثُمَّ مَلَأَ الْجَرَّةَ مِنْ مائِهِ، فَتَحَوَّلَتِ الْجَرَّةُ فَخَّارًا كَمَا كَانَتْ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ بِذلِكَ، وَشَعَرَ بِالسَّعادَةِ كامِلَةً مَوْفُورَةً، وَتَخَلَّصَ مِنْ ذلِكَ الْهَمِّ الثَّقِيلِ.
ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى قَصْرِهِ، وَسَكَبَ قَطَرَاتٍ مِنَ الْمَاءِ عَلَى ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ «مَرْيَمَ»، فَعادَتْ – كَما كَانَتْ – مَوْفُورَةَ الصِّحَّةِ، مُوَرَّدَةَ الْخَدَّيْنِ، مُشْرِقًا وَجْهُها بِالْحَيَاةِ. وَقَدْ عَجِبَتِ الْفَتاةُ الصَّغِيرَةُ أَنْ رَأَتْ أباها يُبَلِّلُها بالماء، ولم تَدْرِ ما حَدَثَ وَلَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا وَقَعَ لَها.
وَأَخْفَى الْمَلِكُ «مَيْدَاسُ» عَنِ ابْنَتِهِ «مَرْيَمَ» حَقِيقَةُ ما حَدَثَ، حَتَّى لَا يُظْهِرَ لَهَا حَماقَتَهُ وَجُنُونَه، فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى شُجَيْراتِ الْوَرْدِ وَالْأَزْهَارِ فعادتِ الوُرودُ إِلَى حَالِها الأَوْلَى، وَعادَتِ الْحَدِيقَةُ بَهِيجَةَ، عَطِرَةَ الشَّذَى، رائِعَةَ الْحُسْنِ، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.
(٤) خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ
وَقَضَى «مَيْداسُ» بَقِيَّةَ حَياتِهِ سَعِيدًا، وادِعَ الْبالِ، مُرْتاحَ الْقَلْبِ، قَرِيرَ الْعَيْنِ (هَادِئَ النَّفْسِ).
وَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذِكْرَياتِ هَذَا الْحادِثِ إِلَّا شَيْءٌ واحِدٌ: هُوَ شَعْرُ ابْنَتِهِ الْجَمِيلُ، الذي ظَلَّ يَبْرُقُ لَمَّاعًا كَالذَّهَبِ!
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.