الملك لير


Ochishجدول المحتويات
تمهيدتَمْهِيد
(۱) قِصَّةُ عَجُوزٍ
كانَتْ مَمْلَكَةٌ «إِنْجِلْتَرةَ» - حينَ وَقعَتْ حَوادِثُ هُذِهِ القِصَّةِ – تَمُرُّ بِأَحْداثِ وخُطُوبٍ (مَصائِبَ)، لا عَهْدَ لَها بِأَمْثالِها مِن قَبْلُ. وإِلَيْكَ ما تَقُصُّهُ عَجوزٌ نَيَّفَتْ (زادَتْ) عَلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِن السِّنينَ. َقالَتِ العَجوز : « لَقَدْ عِشْتُ أكْثرَ مِن مِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا. ورَأَيْتُ في طفولتي - مِن الكَوارِثِ وَالْمِحَنِ - ما لَمْ يَخْطُرْ الإنسان على بال. ولا زِلْتُ أَذْكُر تلك العَواصِفَ الْهُوجَ حينَ اكْتَسَحتِ الغابات، ثمَّ أعْقِبَها فَيَضانُ الأَنْهَارِ؛ فَأَغْرَقَ مِن البلاد ما أغْرَقَ وأَهْلِكَ مِن الْحَرْثِ (الزَّرْع ) والنَّسْلِ (الأَوْلادِ) ما أَهْلَكَ لا أزالُ أذكُرُ - إلى اليَوْمِ ذلكَ العَهْدَ الَّذي شَهِدْتُه في طُفولتي، وأتمثَّلُ (أَتَصَوَّرُ) حَوادِثَهُ البعيدَةَ، كَأَنَّمَا وَقَعَتْ أَمْسِ. ولكِنَّ ما حدَثَ في هذا العام، قد محا - أو كاد - كلَّ مَا اسْتَعْظَمْتُهُ مِن الأَحْداثِ الْمَاضِيَةِ. وَلَيْسَتْ تلكَ الْمَصَائِبُ الَّتي حَلَّتْ ببلادنا - في ذلكَ الزَّمَنِ البَعِيدِ – إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا تَفِهَا لا قيمة له)، إذا قِيسَتْ بِما َوقَعَ في هذا العامِ. فَقَدْ تَأَلَّبَتْ (تَجَمَّعَتْ) قُوَى الشَّرِّ، واجْتَمَعَتِ الكَوارِثُ، وتتابعتِ الأَحْداثُ ، وتَفَنَّنَتِ الأَبالِسَةُ والشَّياطينُ فِي إِغْرَاءِ النَّاسِ بغُرُوبِ (أَصْنَافٍ) مِنَ الظُّلْمِ والقَسْوَةِ والأَنانِيَّةِ حُبِّ الذَّاتِ)، وَمَا إِلى ذلكَ مِن أَلْوانِ الشَّرِّ، وأفانين الشَّقاء (أنواعِ الشِّدَّةِ والعُسْرِ) . وفي شَمالِ «إنْجِلتَرَةَ» طَغَتْ أَمْواهُ البُحَيْرَاتِ، وأغْرَقتْ مِنَ السُّكَّانِ والمَساكِنِ آلافًا. ثمّ جاء الشَّتاء؛ فَخَرجَتِ الذِّئابُ وأَصْنافُ الْوُحُوشِ الضَّارِيةِ مِنْ مَكامِنها، والْتَهَمَتِ الأَغْنامَ في رائِعَةِ النَّهَارِ ، دُونَ أَنْ تُبَالِيَ كَائِنَّا كَانَ. وعاثَتِ الْخَنازِيرُ الْبَرِّيَّةُ فِي أَزِقَّةِ القُرَى؛ فَمَلَاتِ الْقُلُوبَ ذُعْرًا ( خَوْفًا ) ، وقَسَتْ قُلُوبُ النَّاسِ، وَنَمَتْ بَيْنَهُمْ بُذُورُ الشَّقاقِ والتَّفْرِقَةِ، وحَلَّ الْخِصامُ مَحلَّ الْوِئَامِ (الْوِفاقِ). وسَرَى الْخُلْفُ بِينَ الأَزْواج، ثم انتقلَتْ عَدْواهُ إِلى الأَطْفالِ ؛ فأَصْبحتِ الْبِلادُ جَحِيمًا لا يُطاقُ.»
(۲) مِهْرَجَانُ الْمَلِكِ
هذا بَعْضُ مَا قَصَّتْهُ عَجوزٌ ذُلِكُم الزَّمانِ، ورَأَتُهُ رُؤْيَةَ الْعِيانِ. وَقَدْ تَوَخَّيتُ (تَعَمَّدْتُ) أَنْ أُثْبِتَهُ لكُم - أيُّهَا الْأَصْدِقاءُ الأَعِزَّاءُ - لتَعْرِفُوا متى وَقَعَتْ حوادِثُ هذهِ القِصَّةِ؟ وفي أي عهْدٍ - مِن عُهُودِ الِاضْطِرابِ – مُثْلَتْ فُصُولُها الْمُحْزِنَةُ؟
وكَانَ بَدْءُ هُذِهِ الأَحْداثِ الْمُفَزِّعَةِ يَوْمَ الْمِهْرَجانِ الَّذِي أَقامَهُ الْمَلِكُ «لير» في قَصَرِهِ الكَبِيرِ، مُنْذُ أَلْفَيْ عَامٍ.
وقدِ اعْتَزَمَ الْمَلِكُ أَنْ يَقْسِمَ مُلكَهُ العَظِيمَ بين بَناتِه الثَّلاثِ، وَيَرْفَعَ عَن كَاهِلِهِ أَعْبَاءَ الْمُلْكِ أَثْقالَ الْحُكْمِ)، ويُرِيحَ شَيْخُوخَتَهُ، ويَقْضِيَ أَيَّامُهُ الأخيرةَ فِي أَمْنِ وَسَلَامٍ، وَادِعَ الْخَلَدِ (مستريح القلب)، ناعِمَ الْبَالِ.
وكانَتِ الأنوار ساطعةً في كلّ مكانٍ مِنْ قَصْرِ الْمَلِكِ، تَنْعَكِسُ أَضْواؤُهَا الْبَهِيجَةُ عَلَى أَعْمِدَةِ القَصرِ الذَّهَبِيَّةِ، وتصاويرِهِ الْمُبْدَعَةِ الفَنِّيَّةِ. وهِيَ تُمثَّلُ انْتَصارَ المَلكِ «لير» على أَعْدائِه، في زَمنِ صِبَاهُ.
وكان المتأمِّلُ لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِن الْحَسَرَةِ والأَسَف، كُلَّما وَقعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى هُذَا الْفَتَى القَوِيِّ «لير»، الْجَرِيءِ الْبَاطِشِ (الآخِذ بعُنْفِ) ، الَّذِي تُمثّلُهُ تِلكَ التصاويرُ الْمُعْجِبَةُ، وقابَلَها بهذا الشَّيْخِ «لير»، الْمائِلِ (الواقف) في الْحَفْلِ، وقدْ جَلَّلَ الشَّيْبُ رأْسَهُ، وَقَوَّسَتْ قَناتَهُ السِّنُونَ حَنَتِ الأَعْوامُ ظَهْرَهُ؛ فَانْتَظمَتِ الرِّعْشَةُ يَدَيْهِ النَّاحِلَتين، وأَصْبَحَ يَمْشِي إِلى الفَناءِ (الْمَوْتِ)، بِخُطُواتٍ سَريعَةٍ.
وَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِي ذُلِكَ الْمِهْرَجانِ حَاشِيَةُ الْمَلِكِ وقُوَّادُهُ وسَرَاةُ البِلادِ (رُؤَسَاؤُها)، وجَلَسَ إلى جانبِهِ وزيرُهُ الْمُخْلِصُ الأَمينُ: «كَنْتُ» ، ونَدِيمُه ( صاحِبُهُ الْمُخْتَارُ: «بُهْلُولٌ».
الفصل الأولالْفَصْلُ الْأَوَّلُ
(۱) عَهْدُ الشَّيْخُوخة
تَبْدَأُ هُذِهِ الْقِصَّةُ حِينَ بَلَغَ الْمَلِكُ لِير» الثَّمانينَ مِن عُمُرِهِ، وأَصْبَحَ شَيْئًا يَجْمَعُ – إلى ضَعْفِ الْجِسْمِ – خَطَلَ الرَّأْيِ (فَساد التفكير)، وسُوءَ التَّدْبِيرِ.
وكان الشَّيْخُ «لير» - في هذِهِ الْمَرْحَلِةِ الأَخيرةِ مِن سِنِيهِ – شَدِيدَ السَّامَةِ والضَّجَرِ. وقد زَهَدتُهُ الشَّيْخوخة في كُلِّ شَيْءٍ مِن مَباهِجِ الْحَيَاةِ ؛ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِن أُمْنِيَّةٍ (رَغْبَةٍ) يَرْجُوها، ويَأْنَسُ بِها في الحياةِ إلَّا بناتُه الثَّلَاثُ.
وكان الملك «لير» يُحِبُّ هُؤُلاءِ البناتِ حُبًّا شَدِيدًا ، ولا يُطِيقُ الصَّبْرَ على بِعادِهِنَّ.
(۲) بَناتُ الملك «لير»
وكانت فتاتان – من بناته الثلاث قد زُوِّجَتا أَميرَيْنِ. أَمَّا الثَّالثة – وهيَ صُغْرَاهُنَّ – فقَدْ جَاءَ الآنَ ملكُ «فَرَنْسا» وأَحَدُ أُمراءِ «إنجلترة» ، وَنَزَلا ضَيْفَيْن على الملك «لير» وأقاما في قَصْرِه، وكان كِلاهُما راغِبًا في أَنْ يَتَزَوَّجَ كُرْدِلْيا»: صُغْرَى بناته. وَأَمرَ الْمَلكُ «لير» باستدعاء بناته الثَّلاثِ، َوقالَ لَهُنَّ : «لَقَدْ عَنَّ لي - يا بناتِيَ العَزيزاتِ - أَن أَقْسِمَ مُلْكِي بَيْنَكُنَّ. ولَكِنَّنِي أُحِبُّ أَن أَتعَرَّفَ - قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ - مَدَى (مُنْتَهَى) حُبِّكنَّ إِيَّايَ، لِأَرَى رأيي.»
(۳) حَدِيثُ «جُنْرِيل»
فَتَقَدَّمَتْ كُبْرَى بناتِه ، واسمها «جُنْرِيلٌ » ؛ وكانَتْ - عَلَى الحقيقة - امرأةَ سَوْءٍ (خَبِيثَةٌ)، تَجْمَعُ - إلى رِيائِها النَّادرِ - لُؤْمًا وخُبْثًا عَظِيمَيْنِ. ولم تكن تُضْمِرُ لأبيها شَيْئًا مِن الْحُبِّ، ولَكِنَّها رَأَتْ أَمامَها فُرْصَةً سَائِحَةً لِتَمْلِيقِه ( مُخادَعَتِهِ ) والتَّوَدُّدِ إلَيهِ، طَمَعًا فِي الْمِيرَاتِ الَّذِي لوَّحَ (أَشَارَ) لَها بِهِ.
فقالَتْ لَهُ، وهي تتظاهرُ بِالْحُبِّ والوفاءِ والْحُنُوِّ: «إِنَّ حُبِّيكَ مَحَبَّتِي لَكَ) - يا أبي لَأَجَلُّ وأَعْظَمُ من أَن تُعَبِّرَ عنه الألفاظ. كَيْفَ لا ، وأَنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِن إِنسَانِ عَيْنِي سَوادِها وَحَدَقَتها) ، وأَثْمَنُ لَدَيَّ من نفسي، وحُرِّيَّتي وجمالي، وصِحَّتِي!»
فابتهج الْمَلكُ «لير» بِسَماعِ هذا الثَّناءِ الزَّائِفِ الْمَغْشُوشِ)، وقالَ لَها مَسْرُورًا: «ما دُمْتِ تُحِبِّينَنِي إِلَى هُذَا الْحَدِّ، فَإِنِّي جَدِيرٌ بأن أَمْنَحَكِ ثُلُثَ مُلْكي. فَأَنْتِ – فِيمَا أَرَى – حَقِيقَةٌ بِهَذِهِ الْمُكافأة.»
(٤) حديث «ريجان»
ثُمَّ التفتَ إلى بِنْتِه الوُسْطَى قَائِلًا: «إِلَى أَيّ حَدٍّ بلغتْ مَحَبَّتُكِ أَباكِ، يا ريجان؟»
فقالت له مُرائِيَةً مُتَوَدِّدَةً (مُظْهِرَةً مِنَ الْمَحبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ خَلافَ مَا هِيَ عَلَيْهِ): «إِنِّي أُحِبُّكَ - يا أبتاه - قَدْرَ ما تُحِبّكَ أُخْتي «جُنْرِيلُ إِنْ لَمْ أَزِدْ عليها؛ فليس لي في هذه الدُّنيا كُلِّها شُغْلٌ يَشْغَلُني عَنْ ذِكْراكَ، أَوْ يُحَوِّلُني عَنْ حُبِّيكَ، أَوْ يُنْسِيني بِرَّكَ بِي. وما أذكر أنَّني غَفَلْتُ عَنِ التَّفْكِيرِ فِيكَ - يا أَبَتِ – لَحْظَةً واحدةً.»
ففَرِحَ الْمَلكُ «لير»، وتملَّكَهُ الزَّهْوُ والإعجاب، وتَطَلَّقَتْ أَسارِيرُهُ (تَهَلَّلَ وانْفَرَجَتْ تَجَاعِيدُهُ) بَهْجَةً وحُبورًا بما سمِعَ ، وأَثْنَى عَلَى بِنتِه «ريجانَ أَحْسَنَ الثَّناءِ، وَشَكَرَ لها هذا الإخلاصَ النَّادرَ ، وأكبرَ فيها وفاءَها العجيب، ثُمَّ قال لها: «لكِ مِنِّي - أَيَّتُها البنتُ البارَّةُ ثُلُثُ مُلْكِي. فَأَهْنِئِي به؛ فأنتِ بهُذِهِ الْمُكافَأَةِ جَدِيرَةٌ.»
وأَكْبَرَ الْمَلكُ ذلك الْحُنُو ، واشْتَدَّ إعجابه بما سَمِع، وشكَرَ لِابْنَتَيْهِ هُذَا الْحُبَّ النَّادِرَ، والوفاء العجيب.
(5) حديثُ «كُرْدِلْيا»
ثُمَّ التفت الملكُ «لير» إلى فَتاتِه الصُّغْرَى: «كُرْدِلْيا»، وقال لها: «لقد جاء دَوْرُكِ – يا نُورَ قَلْبِي - وَلَسْتُ أَشُكٍّ فِي أَنَّ حُبَّكِ إِيَّايَ أَعظمُ مِنْ حُبِّ أُخْتَيْكِ. وَقَدِ ادَّخَرْتُ (احْتَفَظْتُ) لَكِ ثُلُثَ الْمُلْكِ، وَهُوَ أَحْصَبُ بُقْعَةٍ في مَمْلَكَتِي وَأَغْناها فَحَدِّثِينِي بِمِقْدار ما تُضْمِرِينَه لِي (ما تُخْفِينَهُ فِي ضَمِيرِكِ) من حُبِّ وَوَلاء.»
فقالت له «كُرْدِليا»: «ليس لَدَيَّ ما أُحدِّثُكَ به، يا أبتاه!»
فقال لها مَدْهُوشًا: «ماذا تقولين؟ أليْسَ لَدَيْكِ مَا تُحَدِّثِينَنِي بِهِ؟»
فقالت له «كُرْدِلْيا»: «لا شَيْءَ عِنْدِي، يا أبتاه.»
فقال لها الْمَلكُ «لير»: «كأنَّكِ لا تُحبِّينَنِي، أَيَّتُها الفَتاةُ أَعِيدِي عَلَى مِسْمَعَيَّ جَوابَكِ الأخير.»
فقالت «كُرْدِلْيا»: «إِنِّي أُحِبُّ جَلالَتَكَ بِمِقدارِ ما يَحْتِمُهُ عَلَيَّ الواجِبُ الأَبَوِيُّ، لَا أَكْثَرَ، ولا أقل.»
(٦) نُبْلُ «كُرْدِلْيا»
وإِنَّما قالتْ كُرْدِلْيا» ذلك، ولَمْ تَصُغْ لأبيها عباراتِ المديح والثَّناءِ الخَلَّابَةَ – كما فَعَلَتْ أُختاها مِنْ قَبْلُ - لأَنَّها أَنفَتْ كَرِهَتْ) أَن تَسْلُكَ مسالِكَ الرِّيَاءِ، وَسَمَتْ بنفسها عن أَنْ تكون مُخادِعَةً مُمَلَّقَةً (تقُولَ بلسانها ما لَيْسَ في قلبها).
وكانت على يقين من لُؤْمِ أُخْتَيْها وخُبْثِ طَوِيَّتهما (نِيَّتِهِما)؛ فَاحْتَقَرَتْ مِنْهُما ذلكَ الثَّناءَ الزَّائِفَ الَّذِي نَطقَتا به لِتَخْدَعا أباهُما عن حَقيقةِ نَفْسَيْهِمَا، رَغْبَةً فِي أَنْ تَظْفَرَا بِمُلْكِهِ الْعَظِيمِ.
وكانتْ كُرْدِلْيا» عارِفَةً أَنَّ أُخْتَيْها تَنْوِيانِ الغَدْر بأبيهما الشَّيْخِ، وأنَّهما لا تَمْحَضَانِهِ الوُدَّ لا تُضْمِرانِ لَهُ صَادِقَ المَوَدَّةِ) ، ولا تُؤَدِّيانِ له شَيْئًا مِنْ واجِباتِ الأُبُوَّةِ عَلَيْهما، وإن كانَتا قَدْ أَغْرَقَتاهُ بعباراتِ الْمَدِيحِ والثناءِ الَّتي لا طائلَ تَحْتَهَا لا فَائِدَةَ مِنْهَا)، لِتَظْهَرا بغير مَخْبَرِهِما (باطِنِهما) الحقيقي.
ثُمَّ قالت «كُرْدِلْيا» مُسْتَأْئِفَةً: «ما أنا إِلَّا بِئْتُكَ.. وقَدْ أَوْجَدْتَنِي مِن الْعَدَمِ، وَخَصَصْتَني بِحُبِّكَ وعَطْفِكَ. وَلَيْس لي إِلَّا أَنْ أَقْدُرَ ذَلِكَ لَكَ؛ فَأُبادِلَكَ حُبًّا بِحُبِّ، وَعَطْفًا برعايةٍ. فَإِنَّ وَاجِبَ أُبُوتِكَ يَقْضِي عليّ أَن أَكُونَ وَفِيَّةً لَكَ، بارّةً بِكَ ، وأَنْ أُطِيعَ أَوامرَكَ، وأُحِبَّكَ وأُجِلَّكَ الإجلال كله.»
(۷) غضب «لير»
كان الْمَلكُ «لير» يُفْرِدُ (يَخُصُّ) بِنْتَهُ الصَّغيرةَ كُرْدِلْيا بِحُبِّ عظيمٍ، ويُؤْثِرُها (يُفَضِّلُها) عَلَى أُخْتَيْها الكُبْرَى والوُسْطَى، ولا يُطيقُ فِراقَها. وكان يُرْهِفُ أُذُنَيْهِ لِسَماعِ آيَاتِ الإِعجابِ به، والثَّناء عليهِ، وَيَحْسَبها مُتفنِّنَّةً في صَوْغِ عِباراتِ الوَلاءِ (الإخلاص)، أكثر من أُخْتَيْها. فلما سَمِعَ منها ذلك الكلامَ الفاتِرَ، خابَ أَمَلُهُ فيها، وامتلأت نفسُهُ سُخْطًا (غَضَبًا) عليها، وتَبَرُّمًا (تَضَبُّرًا ) بها؛ لأنَّهُ ظَنَّ أَنَّ حُبَّها إِيَّاهُ أَقَلُّ مِنْ حُبِّ أُخْتَيْها.
وَلَوْ عَرَفَ الْخُبْرَ (لَوْ عَلِمَ الْحقيقةَ ) ، لأَيْقَنَ أَنَّ كُرْدِلْيا» أَخْلَصُ إنسان له، وأَبَرُّ ابْنِةٍ بِهِ، وأَنَّها لَمْ تَشَأْ أَن تَتَّجِرَ بِحُبّها أباها، كما فَعَلَتْ أُخْتاها.
ولَوْ أَنَّ أَباها سَأَلها مِثْلَ هذا السُّؤالِ، في غَيْرِ هذا الوقت، لأَفْضَتْ إِلَيهِ (صَرَّحَت لَهُ) بما تُضْمِرُ له من وفاء وبر لا مثيل لهما.
أَمَا وقدْ سَأَلها في ذلك الوَقْتِ الَّذِي يَقْسِمُ فيه ميراثه بين بَنَاتِهِ الثَّلَاثِ، وَرَأَتْ مِن رِياءِ أُخْتَيْها ما رَأَتْ ؛ فقد سَمَتْ بِها عِزَّةُ نَفْسِها ، وأبَى لها إباؤُها وسُمُو أَخْلاقِهَا أَنْ تُجَارِيَهُما في هذا التعليق، وتَنْدَفِعَ مَعَهُما في ذلك التَّلْفِيقِ.
أَمَّا أبوها «لير» فَقَدْ أَنْسَتْهُ الشَّيْخُوخَةُ واجِباتِ الْحَزْمِ، وَدفَعَهُ الْهُتْرُ (ضَعْفُ العقلِ) إلى سُوءِ الرَّأْيِ، وخَطَلِ التَّقْدِير (خَطَئِهِ)؛ فَلَمْ يَرَ في كلامِ كُرْدِلْيا» إِلَّا زَهْوًا وَكِبْرًا وَتَعَالِيًا وغَطْرَسَةً. وما هُوَ - من شيءٍ - من هذه المعاني بِسَبِيل.
وتمادى (استَمرَّ) «لير» في غضبِهِ، وَأَسْلم لِسُخطهِ العِنانَ تَرَكَ لِعْضَبِهِ الزَّمَامَ)؛ فانْتَهرَ كُرْدِلْيا» (زَجَرها)، وَأمرَها بالاسْتِخْفاءِ عن ناظِرَيْهِ في الحال، ثمَّ قَسَمِ الثُلُثَ الباقي من مُلْكِهِ - الَّذي كان يَدَّخِرُه لها – بَيْنَ أُخْتَيْها الغَادِرتَيْنِ.
(۸) مِهْرَجَانُ الْمَلِكِ
وأقام الملك «لير» مِهْرَجانًا عَظِيمًا ، جَمَعَ فيه سَراةَ الدَّوْلِةِ وَأَعْيانَها، وأَعْلَنَ أمامهُمْ مَا قَرَّرَهُ واشْتَرَطَهُ. وَلَمْ يَحْتَفِظُ لِنفسهِ بِشيءٍ مِنَ المَظاهرِ إِلَّا بَلَقَبِ الْمَلِكِ، وبمائة فارس يكونون له حاشِيَةً، على أَنْ يَنْزِلَ ضَيفًا عَلَى إِحْدَى بِنْتَيْهِ شَهْرًا ، ثُمَّ يَقْضِيَ الشَّهْرَ التَّالِيَ فِي قَصْرِ الثَّانِيةِ، ثُمَّ يُقيم – في الشهر الثالث - في قَصْرِ الأُولَى ، فإِذا جاءَ الشَّهرُ الرَّابِعُ عاد إلى الأخرى، وهُكَذَا حَتَّى يَنْتِهِيَ أَجَلُهُ.
وَقَدْ عَجِبَتِ الْحَاشِيةُ مِنْ هُذَا الْقَرارِ وَدَهِشُوا له. ولكِنَّهُمْ لَمْ يَجْرُوا عَلَى مُخالَفتِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ كَائِنْ كانَ أن يُعارِضَ الْمَلِكَ في رَأيهِ، ما خلا وزيرَهُ الحكيم الراشد «كَنْت»، الَّذِي أَقْدَمَ عَلَى النُّصْحِ لَهُ بالإقلاع عنْ فِكْرَتِهِ الخاطئة (تَرْكِها)؛ فكانَ نَصِيبَهُ – على صِدْقِ نَصِيحَتِهِ - التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ. فَلَمْ يَخْشَ الوزيرُ النَّاصِحُ تَهْدِيدَ الشَّيخِ «لير»، ولم يَخَفْ وَعِيدَهُ.
فاغتاظ الشَّيْخُ «لير»، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: «إِنَّ القَوْسَ مُحْضَرَةٌ، وَقَدْ أُعِدَّ فِيهَا السَّهْمُ. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَةٌ حَتَّى يَنْطَلِقَ السَّهْمُ القاتِلُ منها. فاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ هَدفًا لَهُ فَتَهْلِكَ.»
ثمَّ أَنْشَد، يُنْذِرُهُ ويتوعَدُهُ: انحَنَتِ القَوْسُ، وَكَادَتْ تَرْمِي وَفُوقَ السَّهْمُ، وَكَادَ يُصْمِي فَلا أَجِدْكَ هَدَفًا لِسَهْمِي
فأجابه الوزير الشجاع: «إذا انْدَفَعَ سَهْمُ الْمَوْتِ إِلى قَلْبِي فَمَزَّقَهُ، فَإِنِّي لَا أَخْشَى شَيْئًا. وَلْتَفْعَلْ بِي أَقْدَارُ الدَّهْرِ وَأَحْوَالُ الزَّمَن مَا تَشَاءُ.»
ثمَّ أَنْشَدَ: إِنْ يَنْطَلِقُ سَهْمُ الرَّدَى، مِنَ الوَتَرْ إلى فُؤَادِي مُصْمِيًا، فَيَنْفَطِرْ فَلَسْتُ هَيَّابًا تَصَارِيفَ الْقَدَرْ
فصاحَ فِيهِ الشَّيْخُ «لير»: «وَيْلَكَ أَيُّهَا الْغَبِيُّ. أَلَا تُقلِعُ عن لَجَاجَتِكَ وَعِنادِكَ؟» فأجابه الوزيرُ مَحْزُونًا يُحَذِّرُهُ عاقبة أمْرِهِ، وَيُظْهرُهُ على هَوْلِ ما يَعتَزِمُ إِنفَاذَهُ: «إِنَّكَ تَرْمِي نَفْسَكَ في حُفْرَةِ الظُّلْمِ والاعْتِداء.. فَعَلَى مَهْلِكَ إِنَّ مَا تَفْعَلُهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وَإِنَّ الظُّلْمَ آخِرَتُهُ سَيِّئَةٌ، وخَطَرُهُ جَسِيمٌ.» ثُمَّ أَنْشَدَ: فِي وَهْدَةِ الْبَغْيِ أَراكَ تَنْحَدِرْ فلا تُسارِعْ، إِنَّهَا إِحْدَى الكُبَرْ إنَّ طَرِيقَ الْبَغْيِ مَخْشِيُّ الْخَطَرْ
فاشتد غضبُ الْمَلِكِ وسخطه على وزيره، وأمر بطرده ونفيه من المدينة، وتوعده بالقتل إذا بَقِيَ في مملكته بعد اليوم.
فقال الوزير: «إِنِّي أَخْلَصْتُ لكَ في نَصِيحَتِي؛ فَلْتَتَّعِظُ بِما أقولُ. والنُّصْحُ أَثْمَنُ ما يُحْفَظُ، وهوَ دَليلٌ على الْوَفاء والإخلاص في أوقاتِ الشِّدَّةِ وَحَوادِثِ الزَّمَنِ.» ثُمَّ أَنْشَدَ: مَحَضْتُكَ النُّصْحَ؛ فَحَاذِرْ، وَاعْتَبِرْ واعْلَمْ بِأَنَّ النُّصْحَ أَغْلَى مُدَّخَرْ من صادِقِ الوُدِّ، إِذا الدَّهْرُ غَدَرْ
ثُمَّ خرجَ مَحْزُونًا مَقْهُورًا، وقد أدْرَكَ أَنَّ آخِرَةَ مَلِيكِه قد قرُبَتْ، وأَنَّ مَصْرَعَهُ وشِيلٌ (هَلاكَهُ مُسْرِعٌ إِلَيهِ).
(۹) وَدَاعُ كُرْدِلْيا»
قُلْنا – آنِفًا - إِنَّ خاطِبَيْنِ قد جاءَا يرغبانِ في الزَّواجِ بِالأَميرة «كُرْدِلْيا»، وهما مَلِكُ «فَرَنسا»، وأحدُ أُمَراءِ إِنجِلْتِرَةَ».
فأَمَّا الأميرُ الْإِنْجِلِيزِيُّ، فقد كَفَّ (امتنع عن طلب الزواج بالأميرة «كُرْدِلْيا»، بعد أن فقدت حقها في ميراث أبيها.
وهنالِكَ تَوَجَّهَ مَلِكُ «فَرَنْسَا» إلى الأميرة «كُرْدِلْيا»، وأصرَّ (عَزَمَ) على الزواج بها، بعد أن خَذَلها أبوها وخطيبها الآخر.
وقد أُعْجِبَ مَلِكُ «فَرنْسا» بِصراحَةِ كُرْدِلْيا»، وأكبرَ فيها العزَّةَ الَّتِي أَظْهَرَتْها في تلك السَّاعَةِ، إِذْ رَضِيَتْ بِالنُّزولِ عَنْ نَصِيبها في الْمُلكِ، ورأَتْ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا فِقِيرَةً مُعْدِمَةً لا تَمْلِكُ شيئًا ) ، مُؤْثِرَةً مُفَضَّلَةٌ) ذَلكَ عَلَى أَنْ تَتَّجِرَ بِحُبِّ أَبيها، وتَتَّخِذَهُ سُلَّمًا إِلى مُشارَكَةِ أُخْتَيْها في الميراث.
وَبَعْدَ زَمَن قَصير رَأى مَلكُ «فَرَنْسا» أَنْ يَعُودَ بِزَوْجَتِهِ كُرْدِلْيا» إِلَى وَطَنِهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ في وَداعِ أُخْتَيها. وَقَدْ فَارَقَتْهما دامعةَ العَيْنِ، مَحْزُونَةَ القَلبِ، وَأَوْصَتْهُما خَيْرًا بِأبيهما.
فأغلظتا لَها الْقَوْلَ، وخاشَنَتاها في الْحَدِيثِ اشْتَدَّتْ كُلٌّ مِنهُما عَلَيْهَا فِي الْكَلامِ، وَقَالَتا لها ساخِرَتَيْنِ: لَسْنا في حاجة إلى تَوصِيَتِكَ؛ فَلَسْتِ بِأَبَرَّ مِنْ كِلْتَيْنا به، وما هُوَ بِأَكْرَمَ عَلَيْكِ مِنْهُ عَلَيْنَا.»
أَمَّا أَبُوهَا الْمَلكُ «لير»، فقد قالَ لِزَوْجها غاضِبًا: «اذْهَبْ بِها إِلى حَيثُ شِئْتَ؛ فَما أُطِيقُ رُؤْيَةَ وَجْهِهَا بَعْدَ الآنَ.»
فقالَ لَهُ مَلكُ «فَرنْسا»: «لِيَكُنْ مَا تَشَاءُ، فَوَداعًا.»
ثُمَّ سَافَرَتْ كُرْدِلْيا» - صُعْرَى بَناتِ الشيخ «لير» - مَعَ زَوْجِهَا مَلِكِ «فَرنْسا» إلى وَطَنِهِ، حَيثُ اتَّخَذَتْهُ لَها مُقامًا (مكانًا تُقِيمُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
الفصل الثانيالْفَصْلُ الثَّانِي
(۱) في قصر «جُنريل»
هدأت ثائرةُ الْمَلِكِ «لير» ، بَعْدَ أَنْ أَقْصَى ( أَبْعَدَ) بنتَه المخلِصَة الوفيَّةَ كُرْدِلْيا» عَنْ مَملكَتِهِ، وَهُوَ يَحْسَبُها مِثَالَ الْعُقُوقِ عَدَمِ الْقِيامِ بِالْواجِبِ نَحْوَ أبيها) والْغَدْرِ والكبرياء.
وذَهَبَ الْمَلِكُ عَلَى الْفَوْرِ إِلى قَصرِ بنتِهِ «جُنْرِيلَ». ولكِنَّهُ مَا عَلَّمَ (مَا لَبِثَ أَنْ أَدْرَكَ حقائق الأشْياءِ الَّتي كانَ الرِّياءُ والنِّفاقُ يَسْتُرانِها عَنْ نَاظِرَيْهِ، وَيَحْجُبَانِها عَنْ عَيْنَيْهِ. وَعرَف أَنَّ الألفاظ المَعْسُولَة، والمدائح المُنَمَّقَةَ الْمُزَخْرَفَةَ الزَّائِفَةَ، لا تُغْنِي عَنِ الْحَقِّ شيئًا.
لَقَدْ تَمَلَّكَتِ الْبَلادَ - بَعْدَ أبيها - وَظَفِرَتْ (فازَتْ) بِكُلِّ مَا مَنَحهَا إِيَّاهُ مِنْ سُلطَانٍ وقوة، واستَتَبَّ (اسْتَقَرَّ) لها الْمُلكُ؛ فكانَ أوَّلَ همّها أنْ تَتَنكَّرَ (تتغيّر) لِمَنْ أَحْسَنَ إليها، وتَجْزِيَه على صَنِيعِهِ الْمَشْكور أقبَحَ جَزاء، وتكافِئَهُ إساءَةً بإحسانٍ، وعُقُوقًا بِبَر، وَغَدْرًا بوفاء.
(۲) خُبْثُ «جُنريل»
ورأَتْ جُنْرِيلُ» أنَّ أباها قد أصْبَحَ - بَعْدَ أَيَّامٍ قَليلة - مُمِلًا ثقيلًا لا يُطاقُ، وَاسْتَكْثَرَتْ عليه مائة الفارس الَّذِينَ اسْتَبقاهُم لِنفْسِهِ، ليُرافقوهُ في حَلِّهِ وتَرْحالِهِ (في إقامَتِه وسَفَرِهِ).
وأَصْبَحَتْ «جُنرِيلُ» تَلْقَى أباها - كُلَّما وقَعَ نظرها عليه – بوجْهِ عَبُوس، وتَقِطب حاجبيها (تَعْبِس) كُلَّما ناداها ، ولا تُلَبِّي ( لا تُجِيبُ) له رجاءً، ولا تُنَفِّذُ له مَشِيئَةً.
واقتدى بها خَدَمُها في معاملة هذا الشَّيخ؛ فأصبحوا لا يُلَبُّونَ له أمرًا، ولا يُعاملونه بغَيْرِ الإهمال والاحتقار وقلة الاكتراث.
(۳) وفاء الوزير
أما الوزير الوفي «كَنْت»، الَّذي طَرَدهُ الشَّيخُ «لير» مُكافأةً له على صِدْقِ وَفائه، وأَمَرَ بنفيه من مَدينَتِهِ، فقد أبَى عَليهِ إِخلاصه لمليكه أن يتركَهُ نَهْبَ الْمَصَائبِ والأَحْداثِ تَنْهَبُهُ وتَفْتَرِسُهُ)، ونُهْزَةَ الْخُطُوبِ والكوارِثِ فُرْصَةً للبلايا والنَّكَباتِ). فلم يَخْرُجُ مِن الْمَدِينِةِ؛ ولكنَّهُ غَيْرَ مِن هَيْئته، وبدَّلَ من شكلِهِ، وتَزَيَّا بِزِيّ الْخَدَم، ثم عاد إلى مليكه خادِمًا أمينًا، يَرْعاهُ وَيَحْرُسُهُ، ويَرْقُبُهُ عَن كَثَبٍ عَنْ قُرْبٍ).
ورَضِيَ الملك «لير» بهذا الخادم الجديد، وهو لا يعرِفُهُ. ولم ينقَضِ عَلَى عودته إلى مليكه يوم كامل ، حتّى رَأى خادمًا مِن خَدَمِ «جُنريلَ» يُجادِلُ المَلِكَ «لير»، ويستهين به، لِيُرْضِيَ بذلك سَيِّدَتَه «جُنْرِيل».
فغَضِبَ الوزير، ولم يَحتَمِل وقاحة ذلك الخادمِ الجريء، وثارَتْ ثَائِرتُه (غَضِبَ) عَليهِ : فَصَفَعه ( ضَرَبَهُ) صَفْعَةً كَادَتْ تُذْهِلُه (تُذْهِبُ عَقْلَهُ) وتُرْدِيه (تُهْلِكُه)، جزاءً له على سَفَاهَتِه وتَطاوُلِهِ على سَيِّدِهِ. فابتهج الملك «لير» بوفاء هذا الخادمِ الْجَدِيدِ وَإِخْلاصِه، وهُوَ لا يَعْرِفُ أَنَّهُ وزيرهُ النَّاصِحُ كَنْت»، الَّذِي لم يأْلُ لَمْ يُبْقِ) جُهْدًا فِي تَحْذِيرِهِ عَواقِبَ التَّسَرُّعِ والبَغْي.
(٤) «البُهْلُولُ»
ولَقَدْ تَفَرَّقَ أَصْحابُ «لير»، بَعْدَ أن زالَ عَنْهُ سُلْطانُهُ، ودالَتْ دَوْلتُهُ انْقَلَبَتْ رَأْسًا عَلَى عَقِبِ). وَلَمْ يَبْقَ إِلى جَانِبِهِ – بَعْدَ وزيرِهِ الأَمينِ – غَيْرُ نَدِيمِهِ الَّذِي كَانَ يُلَقِّبُه مَرَّةً بالْبُهلول؛ لِخِفْتِهِ ودُعابَتِهِ (ظرفه وفكاهته) ، كما يُلَقِّبُه - مَرَّةً أُخْرَى – بِالْمَجْنُونِ؛ لِما أعْتادَهُ مِن خَلْطِ الْجِدّ بِالْهَزْلِ والْمُجُونِ عَدَمِ المُبالاة) ، وإِلْباسِ الْحَقيقَةِ ثَوْبَ الْباطِلِ.
وكانَ الْبُهْلُولُ» يُحاوِلُ جاهدًا أَنْ يُدْخِلَ السُّرُورَ والْبَهْجَةَ عَلَى نَفْسِ مَلِيكِهِ، وَيَتَفَنَّنُ في تَسْلِيَتِهِ بِكُلِّ وسيلة.
(٥) ذَكَاءُ «الْبُهْلُولِ»
وكَانَ الْبُهْلُولُ» يُحاوِلُ أَنْ يُبَصِّرَ (لِينَ» بعاقِبَةِ ما فعل. وقدْ أَدْرَكَ – بِثَاقِبِ بَصَرِهِ بِنَظَرِهِ النَّافِذِ) ما تُدبّره «جُنرِيلٌ لِأَبِيها مِن الْمَكايِدِ، وَعَرَف أَنَّهَا تَوَدُّ جَاهِدَةً أَنْ تَتَخَلَّص منه.
وقدْ عَلِمَ «البُهلُولُ» أَنَّ جُنْرِيلَ لَنْ تَغْفِرَ لِأَبِيها وخادِمهِ مَا لَقِيَهُ مِنْهما خادِمُها، وهي الَّتِي أَوْعَزَتْ (أَشَارَتْ إِليهِ كما أَسْلَفْنا – بِأَنْ يَعْصِيَ أَمْرَ أبيها، ولا يُلَبِّيَ له طلبًا.
(٦) قِصَّةُ العُصْفُورِ والغُراب
فدَخَلَ البُهْلُولُ» يُغَنِّي مُداعِبًا (مُمازحًا) سَيِّدَهُ ، مُتَوَخّيًا (قاصدًا) أَنْ يُنْذِرَهُ بِالْكَارِثِةِ قُبَيْلَ وُقُوعِها؛ حتَّى لا يُفاجأ بها، وكان يُلَمّح له بما يُرِيدُ، ويقول: «أَخْبَرَتْنَا القِصَصُ التي نقلتها إلينا العُصُورُ الْمَاضِيَةُ : أَنَّ عُصْفُورًا أَبْصَرَ غُرَابًا وَلِيدًا فِي عُشْهِ، يَكَادُ يَهْلِكُ؛ فقَرَّبَ منهُ ما يَبْعَثُ فِي جِسْمِهِ الدِّفْءَ، وَسَقاهُ ما يَشْفِيهِ. فَلَمَّا نَشِطَ الغُرَابُ الصَّغِيرُ، وتقَدَّمَتْ بِهِ الأَيَّامُ، وَبَلَغ مَبْلَغ الشَّبابِ، دَفَعَتْهُ نَفْسُهُ الشَّرِّيرَةُ إِلى أَنْ يَقْتُلَ العُصْفُورَ الَّذِي قَدَّمَ لهُ فَضْلًا، وأسْدَى إِلَيْهِ جَمِيلًا؛ وذلكَ سُوءُ الْجَزاء.»
ثُمَّ يُنْشِدُ: قدْ حَدَّثَتْنا أَصْدَقُ الأَمْثالِ فيما مَضَى مِنَ الزَّمَانِ الْخَالِي بقِصَّةٍ تُرْوَى عَنِ الْعُصْفُورِ أَبْصَرَ – فِي وَكْرٍ مِنَ الوُكورِ – فَرْخَ غُرَابٍ مُشْرِفًا عَلَى التَّلَفْ فقالَ لِلْفَرْخِ اطْمَئِنَّ، لَا تَخَفْ وَأَدْفَأَ الْفَرْخَ، وَداواهُ، وَلَمْ يَزَلْ بهِ، حَتَّى شَفاه من أَلَمْ وكانَ عِنْدَهَ العَزِيزَ الْعَالِي وَأَكْرَمَ الأَبْـنـاء والــعـيـال حَتَّى إِذا الْفَرْخُ غَدا غُرابا لَمْ يَرَ - غَيْرَ قَتْلِهِ – ثَوابا وأَهْلِكَ الْغُرَابُ مَنْ رَبَّاهُ جزاء ما قَدَّمَ مِنْ حُسْناهُ
فَصَيْحَ لِيرُ مُتعَجِّبًا: وماذا تَعْنِي بِهَذِهِ القِصَّةِ، يَا بُهْلُول؟»
فَأَجَابَهُ ضَاحِكًا: أراك – يا عَمِّ – فَعَلْتَ فِعْلَهُ وسوف تُجْزَى فِي الْحَيَاةِ مِثْلُهُ أنتَ شَبِيهُ ذُلِكَ الْعُصْفُورِ
فَصَرَخَ «لِيرُ» يتوَعَّدُهُ بِالْوَيْلِ الْعذابِ والهلاكِ)، إذا تَمادَى في دُعابَتِهِ (مُزاحه). فقال «البُهْلُولُ» ضاحِكًا: «أُعْطِيكَ – إِن كَذَّبْتَنِي – طُرْطُورِي!»
(۷) حاشِيَة الْمَلِكِ
وما أَسْرَعَ مَا تَحَقَّقتْ فِراسةُ الْبُهلول»؛ فَإِنَّ «جُنْرِيل»: تلكَ الْبِنْتَ الْخَبِيثَةَ الْعَاقَةَ الَّتِي لَمْ تُراعِ حَقَّ الأُبُوَّةِ)، لَم تَشَأْ أَن تَتْرُكَ أباها يَقْضِي بَقِيَّةَ حَياتِهِ وَادِعًا هَانئًا مُسْتَرِيحَ الْقَلْبِ، وأَبَى عليها خُبْتُها ولُؤْمُ طَبْعها إلّا أن تُنَغّصَ عَلَيْهِ عَيْشَهُ، وتُكَدِّرَ عَليهِ صَفْوَ حَياتِهِ. وَقَدِ اسْتَدْعَتْهُ إِلَيْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ قليلة، ثُم قالت له: «لقد مَلَأَتْ حَاشِيتُكَ – لِكَثْرَةِ عَدَدها - قَصْرِي، وَأَصْبَحْتُ لا أُطيقُ جَلبَتَهُمْ وضَوْضَاءَهُم أَصْوَاتَهُمُ الْعالية) بعد هذا الْيَوْمِ. وأَراكَ جَدِيرًا أَنْ تَتخيّرَ نُخْبَةً (خُلاصةً) قليلةً - على نَصِّ سِنَّكَ فِي مِثْلِ عُمْرِكَ) - لِمُرافِقَتِكَ، إِنْ شِئْتَ.»
(۸) دَعْوَةُ «لينَ»
فَغَضِبَ المَلِكُ «لير» مِمَّا قالَتْهُ بِنْتُه ، وقالَ لَها: «إِنَّ حاشِيَتِي جَمِيعًا مِن خِيرَةِ النَّاسِ أَدَبًا ومعرفةً، وليس في استطاعة أحدٍ أن يَتَّهِمَهُمْ بِمِثْلِ هُذِهِ التُّهَمَةِ الكَاذِبَةِ.»
ثمَّ أمر الملك باسْتِدْعَاءِ جِيادِهِ (خَيْلِه ) وإسْراجِها ، مُعْتَزِمًا أَنْ يُغَادِرَ بِنْتَهُ عَلى الفَوْرِ، والْتَفَتَ إليها عابسًا، وقال: «لَمْ يَبْقَ فِي مَقْدُوري أن أصْبَرَ على هذا التَّجَنِّي (ادّعاءِ التَّهَم)، يا «جُنْرِيلُ». وإِنِّي لأَحْمَدُ اللهَ على أَنْ رَزَقَنِي بِنْتَا أُخْرَى غَيْرَكِ، تُكْرِمُ وفادتي (قُدُومي عليها)، وتَقْدُرُ أُبُوَّتِي لَها، وتعْرِفُ من حقي عليها ما أنكَرْتِهِ أَنْتِ، أَيَّتُهَا الْعاقَةُ الْجَاحِدَةُ.»
ثُمَّ دَعَا عَلَى بِنْتِه «جُنْرِيلَ» أن يُصِيبَها اللهُ بِالْعُقْمِ؛ فلا تَلِدَ مَدَى حَياتِها، أو يرزُقَها بشَرِّ الأبناء؛ لِيَجْزِيَها مِثْلَ هذا الْجَزاءِ الْغَادِرِ، وَأَن تَمُوتَ شَرِّ مِيتَةٍ.
(۹) دعابة «البهلول»
وخَشِيَ «الْبُهْلُولُ» أن يَطْغَى الْحُزْنُ عَلَى قَلْبِ «لِينَ» فَيُهلكه؛ فَجَرَى – عَلَى عادته – في مُداعَبتِهِ (مُمازَحَتِهِ، وَراح يُغَنِّيهِ مُنْشِدًا: يا لَيْتَ لي - يا عم - طُرْطُورَيْنِ أُعْطِيكَ طُرْطُورًا مِنَ الْإِثْنَيْنِ وأَجْعَلُ الآخَرَ نُصْبَ عَيْنِي
فقال: وماذا أصْنَعُ بِطُرْطُورِكَ ، يا «بهلول» ؟ ضَعْهُما مَعًا نُصْبَ عَيْنِكَ (أمامَها)!»
فَأَجابه ضاحكًا: «إِنَّ بِنتَيْكَ لا تُعْطِيانِكَ شيئًا لَوْ طَلَبْتَهُ. وما أَحَقَّكَ بِأَن تُرَوِّيَ خَدَّيْكَ (تَبَلَّهُما) بِدَمْعَتين، جَزاءَ خَطَئِكَ فِي نُزُولِكَ لهُما عَنِ الْمُلْكِ.» ثُمَّ أَنْشَدَهُ: أَطْلُبْهُ - إِنْ شِئْتَ - مِنَ الْبِنْتَيْنِ أَلَسْتَ أَسْكَنْتَهُما قَصْرَيْنِ؟ أَلَسْتَ أَعْطَيْتَهُما تاجَيْنِ؟ ثُمَّ وَهَبْتَ الْمُلْكَ ذِثْبَتَيْنِ؟ فَالْيَوْمَ تَلْقَى أَوَّلَ النِّصْفَيْنِ تُخْلِيكَ مِن بَيْتٍ مِنَ الْبَيْتَيْنِ وفي غَدٍ تَشْقَى بِطَرْدَتَيْنِ جَزاءَ مَا أَخْطَأْتَ فِي حُكْمَيْنَ إِنَّكَ قد خُدِعْتَ خُدْعَتَيْنِ فَرَفٌ خَدَّيْكَ بِدَمْعَتَيْنِ وابْكِ عَلَى نَفْسِكَ مَرَّتَيْنِ
فقالَ لَهُ «لِيرُ»: «ما أَصْدَقَ ما تَقولُ، أَيُّهَا الْمَجْنونُ العاقل! ولكن فات وقْتُ النَّدَمِ، وَلَيْسَ لنا من حيلَةٍ في رَدّ ما فاتَ. عَلَى أَنَّ بِنْتِيَ الثَّانِيَةَ طَيِّبَةُ الْقَلْبِ، وَلَنْ تَدَّخِرَ لَنْ تُبْقِيَ) وُسْعًا في إسعادي، وتوفير جالِباتِ الْبَهْجَةِ (أسبابِ السُّرُورِ) لي. وسَتُرِيكَ الأَيَّامُ صِدْقَ ما أقول.»
(۱۰) عند «ريجان»
واعْتَزَمَ الْمَلكُ لِير» أن يَقْضِيَ بقيَّةَ عُمُرِه في قَصْرِ بِنْتِه الثانية «ريجان»؛ فَبَعَثَ إليها رَسولَه الوَزِير «كَنْت»، بكتابٍ يُنْبِئُها (يُخْبرُها) فيه بما اعتزمَهُ وَقَرَّرَهُ، وَيَعِدُهَا بِالذَّهَابِ إليها بعد وقت قليل.
وَلم يَكَدِ الوزير «كَنْت» يَبْلُغُ قصر «ريجانَ»، ويُفْضِي إليها (يُخْبِرُها) بما لقيه أبوها الشَّيْخُ «لير» من عُقوق (إنْكارِ لِحَقِّهِ)، حتَّى جَاءَ رَسولٌ من أُخْتِها «جُنْرِيلَ»، وَأَسْلَمَها كِتابَها الَّذِي بَعثتْ بِهِ إليها، توصيها بأبيها شرًا، وتُوغِرُ صَدرَها (تُثِيرُ غَضَبها) عليه، وتُدبّر لها خُطَّةً خَبيثَةً للخلاص منه ومن أتباعه وحاشيته.
(۱۱) حَبْسُ الوَزِيرِ
وما أَتَمَّتْ «ريجانُ» كِتابَ أُخْتِها قِراءَةً حَتَّى أَغْلَظَتِ القَوْلَ لِرَسُولِ أبيها. فَلَمَّا حَاوَلَ أَن يُذَكِّرَها بما لأبيها عليها مِن فُروضٍ وحُقوقِ ، ثارَتْ في وَجْهِهِ مُغْضَبَةً، وَأَمرَتْ بِحَبْسِهِ فِي سِجْنٍ مُظْلِمٍ، جزاءً له عَلَى جُرْأَتِه.
(۱۲) مَقْدَمُ «لير»
وَبَعْدَ قَلِيلٍ من الزَّمَنِ قَدِمَ عَليها الشَّيْخُ «لير». وما عَلِمَ أَنَّ رَسُولَهُ قد سُجِن، وَأَنَّ بِنتَهُ «ريجانَ» هِيَ الَّتِي أَمَرَتْ بِحَبْسِهِ ، حَتَّى زادَ هِياجُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْها.
فقالَتْ لَهُ «ريجان»: «خَفِّفْ مِنْ سُخْطِكَ - أيُّها الْوالِدُ الشَّيْخُ - فَما أَظُنُّ أَنَّ أُخْتِي قد أخرَجَتْكَ مِن قَصْرِها إِلَّا بَعدَ أَنْ نَفِدَ صَبْرُها مِنْ لَجاجَةِ أتْباعِكَ تَخَاصُمِهِمْ) وَصَحْبِهِمْ (صَيْحَاتِهم)، وضاقَ ذَرْعُها ضَجِرَتْ بِما اقْتَرَفُوهُ (ارتكبُوهُ) مِنْ شُرُورٍ وآثام. وهِيَ بلا شَكٍّ - في سَعَةٍ مِن العُذْرِ ، لِأَنَّ قُصُورَ الْمُلُوكَ جَديرَةٌ أَنْ تُنَزَّهَ (تُبَرَّأَ وتُخلَّصَ) من عَبَثِ الْعَابِثين، وَلَهْوِ الْهَاذِرِين (السَّاخِرين في القَوْلِ).»
(۱۳) حُقُوقُ الوالِدَيْنِ
لَمْ يَسْتَطِعْ «لير» أنْ يُصَدِّقَ ما سَمِعتُهُ أُذْناهُ مِنْ بِنتِهِ الثَّانِيَةِ، بَعْدَ مَا رَآهُ مِنْ عُقوقِ بِنتِهِ الْأُولَى؛ فَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ حالِمٌ، وكادَ يُغْمَى عليْهِ من فَرْطِ الأَسَى وَالْحُزْنِ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرَ فِي الجَزَعِ شِدَّةِ الْحُزْنِ) فائدةً ؛ فَاعْتَصَمَ بِالصَّبر (لَجَأَ إِلَيْهِ) – ما وَسِعَه حِلْمُهُ – وقال لِبِنْتِهِ، وَهُوَ يُغَالِبُ الدَّمْعَ جَاهِدًا: «ما أَظُنُّ أَنَّكِ - مَهْما عَقَقْتِ أَباكِ – بالغَةٌ بعض ما بَلَغَتْهُ أُختُكِ مِن جُودٍ وَعقُوقٍ!
وَإِنِّي لإِخالُ أَنكِ أَقْرَبُ إِلى البرِّ بِأَبِيكِ، وَأَدْنَى إِلى الوَفاءِ وَالْحُنُو عليه، والإِشْفَاقِ عَلَى شَيْخُوخته. فحاذِرِي أَن تَنْهَجِي نهج «جُنْرِيلَ» (تَتَّبِعِي طَرِيقَها)، فَتُخَيِّبِي تَأْمِيلَ أَبِيكِ، وَتَمْلَئِي قَلبَهُ يَأْسًا بَعْدَ أَنْ وَهَبَ إِلَيْكِ أَثْمَنَ ما يَمْلِكُ، وَلَمْ يَضَنَّ لَمْ يَبْخَلْ) عليكِ بِأَعَزُّ مَا لَدَيْهِ مِن مُلْكٍ وَجَاهِ وَمَالٍ.»
(١٤) مَقْدَمُ «جُنرِيلَ»
وَمَا أَتَمَّ قَوْلَهُ، حَتَّى قَدِمَتْ بِنتُه «جُنرِيلُ»؛ فَانْضَمَّتْ إِلَى أُخْتِها «رِيجَانَ»، وَظَلَّتْ تُوغِرُ صدرها عَلَى أَبيها الشيخ؛ حتَّى قَسا عَليه قَلبُها مرَّةً أُخرى، وسارَتْ مَعَها في العقوقِ إِلى أَبْعَدِ مَدًى.
الفصل الثالثالْفَصْلُ الثَّالِثُ
(۱) هبوب العاصفة
كَانَتِ اللَّيْلَةُ عاصِفَةً ، قارِسَةً شَدِيدَةَ الْبَرْدِ) . وَقَدْ أَدْرَكَ الشَّيْخُ «لِير» أَنَّ بِنْتَيْهِ الْغَادِرَتَيْنِ قَدْ أَسْلَمَتاهُ إِلى تِلْكَ الزَّوابِعِ الثَّائِرَةِ، وَالأَعاصِيرِ الْهَائِجَةِ، دُونَ أَنْ تَأْخُذَهُما فِيهِ رَحْمَةٌ؛ فَأَسْلَمَ لِجَوادِهِ الْعِنانَ، َوقَدْ كادَ الْيَأْسُ يُذْهِلُهُ، وَبَدا عَلَيْهِ الْخَبَالُ اخْتِلاطُ الْعَقْلِ)؛ فَلَمْ يُبالِ الزَّمْهَرِيرَ بُلُوغَ الْبَرْدِ أَقْصاهُ ، وَلَمْ يُشْفِقْ عَلى شَيْخُوخَتِهِ الْمُهَدَّمَةِ، مُؤْثِرًا (مُخْتَارًا) أَنْ يُهْلِكَهُ الْبَرْدُ، عَلى أَنْ تُذِلَّهُ بِنْتَاهُ.
وَظَلَّ يُلَوِّحُ بِذِراعَيْهِ فِي الْفَضاءِ كَأَنَّما يَتَوَعَّدُهُما ، وَيُمِيلُ رَأْسَهُ إِلَى الْخَلْفِ، وَيَصِيحُ مُغْضَبًا حانِقًا، حَتَّى لَيَحْسَبُ مَنْ يراهُ أَنَّ بِهِ مَسًا مِنَ الْجُنُونِ. وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الشَّيْخ «لير» في مِحْنَتِهِ - غَيْرُ صَاحِبَيْهِ الْمُخْلِصَيْنِ: «كَنْت» و«الْبُهْلُول».
(۲) الأعاصير والرعود
وَاشْتَدَّتِ الزَّوْبَعَةُ عُنْفًا، وَتَحَدَّرَ الْمطَرُ (سَقَطَ ) ، ثُمَّ هَمَى (نَزَلَ بِكَثْرَةٍ) كَأَنَّهُ السَّيْلُ الْجَارِفُ، وَجَلْجَلَتِ الرُّعُودُ الْقاصِفَةُ، وَدَوَّتِ الرِّياحُ الْعَاتِيَةُ (الْعَنِيفَةُ)، وَخُيِّلَ إِلَى النَّاسِ أَنَّ الْبَراكِينَ انْفَجَرَتْ، وَأَنَّ الْكَواكِبَ انتَثَرَتْ (تساقَطَتْ) ، وأنّ الْجَحِيمَ سُعِّرَتْ (الْتَهَبَتْ) وبدا ذلكَ الشَّيْخُ الْهِمُّ الْهَرِمُ) ، وَقَدْ قَفَّ شَعَرُهُ (وَقَفَ ) ، وَتَقَوِّسَ ظَهْرُهُ، وَانْحَنَتْ قَامَتُهُ الْمَدِيدَةُ، بَعْدَ أَنْ أَلحَتْ عليْهِ جالِباتُ الدَّمارِ مُسَبِّباتُ الْهَلاكِ)، وَعَصَفَتْ بِهِ عَاصِفاتُ الأقدار.
(۳) نَشِيدُ العَاصِفَةِ
وَكَانَ الشَّيْخُ «لير» يَصْرُخُ مُتَحدِّيًا هُذِهِ الْقُوَى الْعَاتِيَةَ الْمُتَأَلَّبَةَ (الْمُتَجَمِّعَةَ) عليهِ، مُصَيِّحًا صَيْحَاتٍ مُفَزِّعَةً هائلَةً، وَهُوَ يَقُولُ: «هُبّي أَيَّتُهَا الرِّياحُ الْقَاسِيَةُ الْعَنِيفَةُ الَّتِي تُهْلِكُ الْمَدائِنَ، وَتُفْسِدُ الأَرَضِينَ الْمُنْبَسِطَةَ مِنْها ، والْمَمْلُوءَةَ أَحْجارًا ورمالًا، وَالَّتِي لا زَرْعَ فيها ولا نبات. ثم أُنْزِلِي مَطَرَكِ، يُغَطِّي الْأَبْنِيَةَ الْعاليَةَ، وَيُغْرِقُ الْأَرَاضِيَ الْمَزْرُوعَةَ.» ثم يُنْشِدُ مُتَوَعَدًا: زوابع الأمطار: هُبِّي مَعَ الْإِعْصَارِ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ عَاصِفَةً مِنْ نارِ مَرْهُوةَ الدَّمارِ تَأْتِي عَلَى الْأَمْصَارِ والسَّهْلِ والقفار وَأَمْطِرِي ثُلُوجًا تُجَلِّلُ الْبُروجًا وتُغْرِقُ الْمُرُوجًا
وتَشْتَدُّ الْعاصِفةُ هُبوبًا، وَيَزْأَرُ الرَّعْدُ مُجَاجِلًا قاصِفًا، وَيَبْرُقُ الْبَرْقُ، يكادُ سَناهُ (ضَوْءُهُ) يَخْطَفُ الأبصارَ ، ويُوهِمُ من يَراهُ أَنَّ الكُرَةَ الأَرْضِيَّةَ تَهْتَزُّ مِنْ أَقْطَارِها (جَوانِبِها)، وأنَّ الدُّنيا قد زُلزِلَتْ زِلْزَالَها فَيَشْتَدُّ صِياحُ الشَّيخ، وَهُوَ يقول: «دَوِّي – أَيَّتُهَا الرِّيحُ – وَعَوِّي، وَدَمِّرِي بَيْتَيَّ وَبِنْتَيَّ، عَنَيْتُ قَصَدْتُ) الذَّثْبَتَيْنِ. ثُمَّ انْثَنِي (عُودِي) إليَّ، فَأَمْطِرِيني جَاحِمَكِ الْعَتِيَّ نَارَكِ الْمُوقَدَةَ ، كِفاءَ خَيْبَتَيَّ عَلَى قَدْرِهِما ) ، في ظَنِّيَ الْحَسَنِ بِهِما» ثُمَّ أنشد: يا ريحُ دَوِّي دَوِّي ويا رُعُودَ الْجَوِّ: لا تَهْدَئِي، وَعَوِّي وَانْتَزِعِي حُنُوِّي وَأَحْرِقِي عَدُوِّي *** وَدَمِّرِي بَيْتَيًّا وَأَهْلِكي بِنْتَيًّا عَنَيْتُ ذِئْبَتَيَّا ثُمَّ انْثَنِي إِلَيَّا فأَمْطَرِي عَلَيَّا جَاحِمَكِ الْعَتِيًّا جَاءَ خُدْعَتَيَّا وَأَلْهِبِي جَنْبَيًّا كِفاءَ خَيْبَتَيًّا
ثُمَّ تُعاوِدُه الذِّكْرَياتُ الْمُؤْلِمَة، وتتَردَّدُ في سَمْعِهِ كلماتُ بِنْتَيْهِ الَّتِي كَانَتَا تُملِّقانِهِ بها - لِتَسْتَوْلِيا عَلَى مُلْكِهِ - ويُقابِلُ بَيْنَها وبين ما رآهُ مِنْ غَدْرهما بِهِ، واستهانتهما بِخَطَرِهِ قَدْرِهِ وقِيمَتِهِ)؛ فيَسْتَأْنِفُ صِياحَه مُفرَّعًا، ويقول مُوَلُولًا مُرَوَّعًا: «لَقَدْ خَدَعَنِي ما نَمَّقَتْ ما زَيَّنَتْ بِنْتايَ مِنَ الْكلامِ، وَقَدْ دَهانِي ما دَهاني (أصابَنِي ما أصابَنِي)، جزاء ما صَنَعْتُ في الانخداع بهما. فيأَيَّتُها الرِّياحُ : اشْتَدِّي حَتَّى تَنْسِفِي (تُدَمِّرِي) الشَّامِحَاتِ (الْجِبَالَ الْعَالِيَةَ).» ثُمَّ أَنْشَدَ: لِيرُ الَّذِي أَغْرَاهُ ما نَمَّقَتْ بِنْتَاهُ دهاه ما دهاه جَاءَ مَا أَمْضَاهُ وَقدَّمتْ يَداهُ دَوِّي رياحًا قاصِفَه وأَلْهِبيها عاصِفَة للشَّامِحَاتِ نَاسِفَة
(٤) آلامُ الشَّيْخ
وَهُكذا قَضَى الشَّيْخُ لَيْلَةً مُروَّعةً، وهو هائم على وَجْهِهِ، كَأَنَّهُ نِصْفُ مَجْنُونٍ، مِمَّا لِحِقهُ مِنَ الآلامِ الْمُبَرِّحَةِ الْمُضْنِيَةِ)، والْأَحْداثِ الهائلة.
وَلَقَدْ بَذَلَ وَزِيرُهُ الْمُخْلِصُ «كَنْت» كُلَّ ما فِي وُسْعِهِ ، لِلتَرْفيه (للتخفيف) عن مليكه، وتَهْوِينِ مُصابِهِ عَلَيْهِ ما وَسِعَتْهُ حِيلَتُهُ. وافْتَنَّ «البهلول» في ضرب الأَمْثَالِ؛ لِيُذْهِلَهُ عن نَكْبَتِهِ، وَيُنقذَهُ مِن هَوْلِ الْجُنونِ الَّذِي أَوْشَك أن يَحُلَّ بِهِ، كما توسَّلَ إِليهِ أَنْ يَقْبَلَ رَجَاءَهُ، فَيَأْوِيَ معهُ إِلى خُصِّ بَيْتٍ مِنَ الشَّجَرِ) قَرِيبٍ، حتَّى تَنتِهِيَ تِلْكَ الْعَواصِفُ الهُوجُ (الثَّائِرة).
وما زال به حتى أطاعه، وسارَ معَهُ مُيَمّمًا (قاصدًا) ذَلِكَ الْكُونَ، وَهُوَ يُناجِي نَفْسَه مَحْرُونًا: «أفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تطرُدُني بنتايَ ؟ أفي هُذِهِ اللَّيْلَةِ تُغَلَّقُ دُونِي أَبوابُهُما؟ وَادٍ مِنْكِ یا «ريجان»، وتَبَّا (هَلاكا) لَكِ يا «جُنْرِيلُ»! أَهكذا تجْزِيانِ بِالْجُحود أباكما الشَّفيق، الَّذِي وهبكما كلَّ ما ملَك ؟ إِنَّ عَاصِفَةَ الْجَوِّ - على قَسْوتِها - لَأَهْوَنُ مِن هُذِهِ العَاصِفَةِ الَّتِي أَثَرْتُماها في نَفْسِ أبيكُما ، بِما أَسْلَفْتُما ( قَدَّمْتُما إليه من جُحودٍ وعُقُوقٍ!»
وما دَنَوْا مِنَ الْخُصِّ، قالَ المَلكُ «لير»: «إِنَّ أَحْقَرَ الأَشْياءِ لِيُصْبِحُ عَظِيمَ القَدْرِ، جَلِيلَ الْخَطَرِ، مَتَى اشْتَدَّتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ. فلا عَجَبَ إِذا عَدَدْنا (قَدَّرْنا الظَّفَرِ بِهذا الْخُصِّ غُنْمًا كبيرًا، في هذه اللَّيْلَةِ الهائلة!»
(5) أُنشُودَةُ «البهلول»
واسْتَمَعَ الْمَلِكُ لِير» إلى صَوْتِ مُغَنٌ يَقْتَرِبُ منهُ؛ فالْتَفَتَ، فَإِذا بِهِ «البهلول»، يتظاهرُ بالسُّرُورِ، وَيَتكلّفُ المَرَحَ شِدَّةَ الفرح)، وَيَلْتَفِتُ إِلى مَوْلاهُ مُنشِدًا: قَسَمْتَ – بِالأَمْسِ – مُلكًا يا «ليرُ»، أَظْلَمَ قِسْمَه! أقْصَيْتَ كُلَّ عَلِيمٍ جَهَلًا، وأَنكَرْتَ عِلْمَهُ وَرُحْتَ تُدْنِي لَئِيمًا بِالْمَدحِ يَسْـ يَسْتُرُ لُؤْمَهُ يا مُطْفِى النُّورِ: مَهْلًا، شَرَيْتَ بِالنُّورِ ظُلِمَهُ!
فقالَ الشَّيْخُ مدهوشا: «نَعَمْ: لَقَدْ أَقْصَيْتُ أَبْعَدْتُ الْعَلِيمَ، وَأَدْنَيْتُ قَرَّبْتُ) اللَّئِيمَ. لَقَدْ أَحْسَنْتَ التَّعبير عمَّا كُنْتُ أُفكِّرُ فيهِ الآن، وصدَقْتَ في إظهار ما ناجَيْتُ بهِ نفسي (ما حَدَّثْتُها سِرًّا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. فما أبْرَعَكَ باكِيًا ومُغنّيًا، وما أظرفَكَ جادا وهازِلًا!»
فَقَالَ «البُهْلُولُ»: «إِنَّنِي أَكثَرُ الناسِ حِفْظًا لِعَهْدِكَ، وَأَخْلَصُ الْأَصْدِقَاءِ لَكَ. وَإِنِّي ذُو عَزْمٍ قَوِيٌّ، وَهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَرَأْيِ صائِبٍ. وَلَوْ تَرَكْتَنِي أَحْكُمُ وَأُبْرِمُ أَجْعَلُ حُكْمِي نَافِنًا)، لَقَسَمْتُ مُلْكَكَ قِسْمَةً عَادِلَةً حَكِيمَةً.»
ثُمَّ اسْتَأْنَف «الْبُهْلُولُ» غِناءَهُ مُنْشِدًا: «بهلول»: مَجْنُونُ لِيرٍ» أَبَرُّ عَهْدًا وَذِمَّهْ أوْفَى الأَخِلَّاءِ قَلْبًا وَأَصْدَقُ الصَّحْبِ عَزْمَهُ وَأَحْسَنُ القَوْمِ رَأْيَا وأَبعدُ النَّاسِ هِمَّة لَوْ كَانَ مَجْنُونُ لِيرٍ» يَقْضِي، ويُبْرِمُ حُكْمَهُ لكَانَ أَعْدَلَ قِسْمَهُ مِنْهُ، وَأَوْفَرَ حِكْمَهُ
(٦) شيطان الغابة
وَما بلغ الملِكُ وَرَفيقاهُ ذَلِكَ الْخُصَّ ، أَسْرَعَ «البُهلُولُ» إلى دخولِهِ لِيرْتادَهُ لِيَتَعَرَّفَهُ وَيَخْتَبِرَهُ) لصَاحِبَيْهِ. وما كادَ يَفْعَلُ حَتَّى عادَ إِلَيْهما مُسرعًا، وهو يقولُ: «حَذارِ أَيُّهَا الرَّفِيقانِ، فَقَدْ رأيتُ في ذُلِكُما الْخُصِّ شَيْطَانًا مَرِيدًا عَنِيدًا قاسيًا) . وهوَ يَزْعُمُ أَنَّ اسْمَهُ «تُومٍ»، ويُلَقِّبُ نَفْسَهُ بِالْمِسْكِينِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عليهِ سِمَةَ الْخَبَالِ عَلامَةَ الْجُنُونِ)؛ فَهُوَ مَخْبُولٌ إِنْ كَانَ إِنْسِيَّا ( من الناس)، وإذا صَدق حَدْسِي تَخْميني)، وصَحَّ ظنِّي، فما هُوَ إِلَّا شَيْطانُ هُذِهِ الغابة.»
فلما خَرجَ مِنَ الْخُصَّ ذلكَ الشَّيْطانُ المِسْكِينُ ، وَجَدُوهُ أَشْعَثَ أَغْبَر (مُتَلَبِّدَ الشَّعَرِ، لَوْنُهُ كَلَوْنِ الغُبار)، عارِيَ الْجِسْمِ إِلَّا من أسْمَالٍ باليَةِ أثْوابِ مُهَلْهَلَةٍ قَدِيمَةٍ)، تَلُوحُ عَلَيْهِ أماراتُ الْبُؤْسِ. فصاحَ بِهِ الْمَلِكُ «لير»: «ماذا بِكَ ، أَيُّها الشَّقِيُّ المسكينُ؟ هَلْ طَرَدَتْكَ ابْنَتَاكَ من بيتِكَ، بَعْدَ أَنْ أَوْرَثْتَهُما إِيَّاه؟»
فأَجَابَ الرَّجُلُ مُتَبَالِهَا، مُتَعَابِيًا: «أنا: تُوم الْمِسْكِينُ. فَهَلْمُّوا إلى بَيْتِي، أَيُّها الرّفاقُ.»
(۷) الأميرُ الوَفِيُّ
وما اسْتَقَرَّ بهمُ الْمُقامُ، حتّى رَأَوْا شَيْخًا يَجُوسُ خِلالَ الْغابة ( يَمُرُّ فِي طُرُقاتِها)، وَفِي يَدِهِ مِشْعَلٌ يُنيرُ له طَريقَهُ في الظَّلامِ الْحالِك.
وما تَبَيَّنَ الْوَزِيرُ كَنْت» ذلكَ الشيخَ الْقادِمَ، حَتَّى عَرَفَ أَنَّهُ الأميرُ «جُلُسْتَر». فَسَأَله عنْ سَبَبٍ مَقْدَمِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْهَائِلَةِ.
فقالَ لَهُ: «لَقَدْ طَالَ بحثي عنِ الْمَلِكِ «لير»؛ لَآوِيَهُ (أُضِيفَهُ) فِي بَيْتٍ قَرِيبٍ مِنْ قَصْرِي؛ حتَّى لا يَهْتَدِيَ إليهِ أَعْداؤُهُ الَّذِينَ يتربَّصُونَ بِهِ يَنْتَظِرُونَ لَهُ الشَّرَّ). وَإِنِّي لَيَحْزُنُنِي ما أراه عليه من أماراتِ الْخَبَالِ عَلامَاتِ ضَعْفِ الْعَقْلِ).»
فقال له «كنت»: «لقد أصْبَحَ الشَّيخُ أَقْرَبَ إِنْسَانٍ إِلَى الْجُنونِ.»
فقال الأَمِيرُ: «إِنَّ نِصْفَ ما حَلَّ بِهِ مِنَ الأَحْداثِ الْمَصائبِ لَيُسْلِمُ الْعَاقِلَ إِلَى الْجُنُون.»
(۸) فِي بَيْتِ الأمير
وَبَعْدَ حِوارٍ حَدِيثٍ طَويلٍ، ذهَبَ الْجَمِيعُ إلى الْبَيْتِ الرِّيفيّ الَّذِي أَعدَّهُ الأميرُ لِسُكْنَاهُمْ قريبًا مِنْ قَصرِه. ثمّ تركهمْ مُستأذِنَا عَلَى أَنْ يعود إليهم بعد قليل. وجلس «لير» مَعَ أصحابه، وقد عاد إليهِ خَبالُهُ وَهَذَيانُهُ؛ فتمثَّل نفسه قاضيًا يُحاكِمُ بِنتَيْهِ، وَيَجْزِيهما بِما أَسْلَفَتاهُ (قَدَّمَتاهُ) إِلَيْهِ مِنْ إِساءَةٍ وَعُقوقٍ.
وما زالَ يَهْذِي حَتَّى خَارَتْ قُواهُ ، وَزايَلَهُ رُشْدُهُ (فارَقَهُ هُداهُ)، وأَسْلَمَهُ الضَّنَى سُوءُ الْحَالِ والضَّعْفُ إِلى نَوْمٍ عَمِيقٍ.
الفصل الرابعالْفَصْلُ الرَّابِعُ
(۱) الْأَمِيرُ «جُلُسْتَر»
أَيُّها القارئ العزيزُ : لا شَكٍّ فِي أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ تَعرِفَ مَنْ هو الأمير «جُلسْتَر» الَّذِي عُنِيَ (اهْتَمَّ) بالمَلِكِ «لير»، وبذل له كلَّ ما في قُدرتِه مِن رِعايَةٍ وإكرام. وإِنِّي لَمُحَدِّثُكَ ببعض حديثه المحزن ؛ لتتَعرَّفَ مكانَهُ من شُخُوص هذه القِصَّةِ الْخالدة.
كان الأميرُ جُلسْتَر» شديد الوَفاءِ لَمليكه «لير». وقد حَزن لما أصابه من نكبات وأحداث، وبكَى لِعَثْرَتِهِ لِسَقْطَتِهِ) . ولم يكنْ يَعدِلُهُ (يُساوِيهِ ) – في إخلاصهِ وَوَفائِهِ له غير «كنت»: الوزير ، و كُرْدِلْيا»: صُغْرَى بناتِ المَلكِ «لير».
(۲) وَلدا الْأَميرِ
وكان لهذا الأميرِ الْمُخلِص الوَفِي ولدانِ ، اسْمُ أحدهما: «إِدْجار» واسْمُ الثاني: «إِدْمُند». فأَمَّا الأَوَّلُ فكان مثال الوفاء، وأما أخوه فكان مثال العُقُوقِ. ولم يَكنِ الثَّاني – عَلَى الحقيقة - وَلَدَ الأمير «جلسْتَر» ؛ ولَكِنَّهُ كَانَ مُنْتَسِبًا إليه؛ لِأَنَّهُ تَبَنَّاهُ اتَّخَذَهُ ابْنَا) - مُنْذُ نَشَاءَتِه - وجَعلهُ صِنْوًا (أَخًا ) لابنِهِ إِدْجار»، وبذل له كلَّ ما يَمْلِكُ من رعاية وتهذيب.
فلما كِبَرَ إِدْمُندُ نَسِيَ كلَّ ما حَباهُ به الأمير «جلسْتَر» (ما أعطاهُ إِيَّاهُ)، ولم يكن له غَرَضٌ يَسْعَى إلى تحقيقه، غيرُ الوِشايةِ السَّعي بالسُّوء) بأخيه، وإيغارِ صَدْرِ أبيه (إِشْعَالِهِ غَيْظًا عَلَيْهِ؛ لِيَسْتَأْثِرَ وَحْدَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
(۳) فرار «إِدْجار»
ودَبَّرَ ذلك الولد الغادرُ: «إِدْمُنْد » مُؤَامَرَةً خَسِيسةً لإقصاء صاحبه (إبعاده) عن أبيه؛ فَأَوْهَمَ الْأَميرَ أَنَّ ولَدَهُ «إدجار» يَأْتَمِرُ بِهِ يُشاوِرُ نَفْسَهُ فِيهِ)، لِيَقْتُلَهُ طَمعًا فِي ثَرْوتِهِ العظيمة، ومَنصِبهِ الْخَطير. وما زالَ يُغْرِيهِ (يُطْمِعُهُ) ويُؤَلِّبُهُ (يُثيرُهُ)، حَتَّى أَقنعهُ بِصِدقِ ما افتراه ما اخْتَلَقَهُ ، بَعْدَ أَن قَرأَ عليه كِتابًا زوَّرَهُ وعزاهُ (نَسَبهُ) إِلَى أَخيه. وقد أفلحَتْ مُؤَامرتُهُ - بَعْدَ َقليلٍ - فَهرَبَ أخُوه «إدجار»، فرارًا من سُخْطِ أبيه الذي توعده بالقتل، دون أن يعرف لغضبه سببًا.
ومُنذُ ذَلِكَ اليومِ، تَزَيَّا «إدجار» بِزِيّ الفقراء، وتظاهر بالْبَلَهِ وَالْجُنُون، وغَيَّرَ من هيئته، وأطلق على نَفْسِهِ اسم: «توم المسكين»، الَّذي قال عَنْهُ «الْبُهَلُولُ»: «إِنَّهُ شَيْطَانٌ الغابة.» كما ذَكَرتُهُ لك، فيما قَصَصْتُهُ عليك من أنباء الفصل السابق.
(٤) مُسْتَشارُ الْمَمْلَكَة
كان «إِدْمُنْد» شَدِيدَ الطُّمُوحٍ عَظِيمَ الرّغْبَةِ فِي الْعُلُوّ) ، وكان يجْمَعُ – إلى دهائه (مَكْرِه) وذكائه - من خُبْثِ الطَّبع ولوم النفس : ما لا يَخْطُرُ لِإِنْسانِ عَلَى بال. وقد ابْتَهَجَ لَنَجَاحِه في مؤامرته الخسيسة التي دبّرها لإقصاء أخيه، وأغراهُ زَيَّنَ لَهُ) ذلك الفوزُ بِمُضاعفة همته، لتحقيق غايته البعيدة؛ وهي ارتقاء العرش والظُّفَرُ الْفَوْزُ) بِالْمُلكِ. وقد استولتْ هذه الغايةُ عليه وتَمَلّكتْ تَفكيره، وامتزجتْ بِدَمِهِ، وهيمنت (تَغَلَّبَتْ) على نَفْسِهِ؛ فأصبح لا يُبالي أقتراف الشُّنَعِ والآثام ارْتِكابَ القبائح والْجَرَائِمِ)، فِي سَبِيلِ بُلُوغِ أُمْنِيَّتِهِ.
ولم يَلْبَثْ أَن أَصْبَحَ مُسْتَشارَ الْمَملكة كلّها، ومَوْضِعَ ثِقَةِ الأُختين جميعًا. وَثَم بدأ يُوغِرُ صدرَ جُنْريل» و «ريجان» على أبيهما. وما زالَ يَرْسُمُ لهما الْخُطَّةَ لِلخَلاصِ منه، ويُزيّن لهما ذلك، حتى أقصتاه عنهما ، وَخَلا الْجَرُّ لذلك الْمُسْتَشَارِ الْمَاكِر الخبيث.
(٥) الجاسوس
وَلَمْ يَقِفْ لُؤْمُ طَوِيّتِهِ (خُبْثُ نِيّته عند هذا الحد؛ فراح ينقل إلى بِنْتَيْ «لِينَ» أَخْبَارَ الأمير جُلُسْتَر»، الَّذي تَبَنَّاهُ وتَعَهَّدَهُ منذُ نَشَاءَتِهِ، وربّاهُ في حداثتِهِ. ولم يَخْطُرْ ببال الأمير أنَّ «إِدْمُنْدَ» - أقرَبَ النَّاسِ إِليهِ، وَأَلْصَقَهِم بِهِ يَتَجَسس أخباره، ويُحْصِي (يَعُدُّ) عليه أعماله، ليبلغها أعداءه.
وَقَدْ عَرَفَ «إِدْمُنْدُ» من محادثة الأمير – أنه يَعْتَزِمُ العَوْدةَ إِلَى الْمَلِكِ «لير»؛ ليُبَصِّرَ رفيقه «كنت» بما يتهَدَّدُ مَلِيكَهُ من أخطار، ويُوصِيَهُ بالذَّهَابِ إِلى «دُوفَرَ»، حيثُ تُقِيمُ كُرْدِلْيا»: صُغرى بناتِ «لير» ؛ ليُفْضِيَ إِلَيْها (لِيُخْبَرَها) بِما لَقِيَهُ أَبُوها، وبما لا يزالُ يَلْقَاهُ، مِنْ أحداث وخُطُوبٍ.
(٦) نصيحة الأمير
ولَمَّا خَرَجَ الأميرُ «جُلُسْتَر» من قَصرِهِ، عائدًا إلى «الدَّسْكَرَةِ» (القَرْيَةِ) التي أوْدَعَ فيها «لير» وَأَصْحابَهُ، أَفْضَى إليهم بما يُساورُهُ مِن قَلَقٍ عَلَى حَياةِ الملكِ. وألح على الشيخ «لير» في أن يُسافر إلى «دوفر»؛ حيثُ يَلْقَى - من رعاية بِنْتِهِ الْبارَةِ «كُردِلْيا» وعنايتها – ما هو خَلِيقٌ (جَدِيرٌ) بهِ، وزَوَّدَهُ بما يَحْتاجُ إِليه مِنَ الْمَالِ. وَقَدْ أَدْرَكَ الْوَزِيرُ «كَنْتُ» ما يَتَهَدَّدُ «لِيرَ مِنَ الأَخْطَارِ ؛ فأسرَعَ إِلى تنفيذ ما أوصاه بهِ الأمير «جلستر» قبلَ فَواتِ الفرصة.
(۷) نَكْبَةُ الأمير
وما عاد الأميرُ جُلُسْتَر» إلى قَصْرِهِ، حَتَّى قَبَضَتْ عليه «ريجان» وزوجها و«جنريل» أُخْتُها، بعد أن عَرَفوا من «إِدْمُنْدَ الْخَبِيثِ، كلَّ ما أَسْداهُ قدَّمَه) الأميرُ إِلَى الْمَلِكِ «لير» مِنْ صَنِيعٍ مَشْكُورٍ.
واشْتَدَّ غَضَبُهُمْ عَلَى الأمير الْكَرِيمِ؛ فأوْثَقُوا كِتافَه ، وصَفَّدُوه (وضَعُوهُ فِي القُيُودِ والأَغْلالِ). وتَمادَوْا في الإساءَةِ والتنكيل بهِ (تعذيبه) وَشَتْمِه، ثمَّ نَتَفُوا شَعَرَاتٍ مِن لِحْيَتِهِ. فَلَمَّا غضب وثار لكرامته، وذكَّرَهُمْ بما هوَ أَهْلُ لَهُ مِنَ الرِّعايَةِ ، زادَتْ نِقْمَتُهم عليه. فتَقَدَّمَ إليهِ زَوْجُ رِيجانَ»، وأخرَجَ عينيه : واحِدَةً بَعْدَ أُخرَى؛ فَصَرَخَ الْأَمِيرُ مُغَوِّثًا (مُسْتَغِيثًا)، بَعْد أن عَمِيَتْ عَيْناهُ. فَتحمَّس لنُصْرَته أحدُ خَدمه، وطَعَنَ الجَانِيَ الأَثِيمَ طَعْنَةً قَاتِلَةً، انتصارًا لِمَوْلاهُ، وانتقامًا لهُ مِمَّنْ أعماهُ. وقدْ لَقِيَ حَتْفَه (مات) ذلك الخادِمُ الشَّهْمُ في سبيل الواجب النبيل.
أما الأمير «جُلُسْتَر»، فقد أَلْقَوْا بِهِ خارج الْقَصْرِ ، دُون أَنْ تُدْرِكَهم شفقةٌ به، ولا رحمة عليه.
(۸) الزارع والأمير
ويَمْشِي الأميرُ خُطواتٍ قليلةً على غير هُدًى ، فيَلْقاهُ شيخُ في الثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ فيسأَلُهُ الشَّيْخُ مَحْرُونًا عمَّا حلَّ به منَ الأَحْداثِ. فيُرْجُوهُ الأميرُ أن يبتَعِدَ عنهُ حَتَّى لا يُصِيبَهُ مِنْ أَجْلِهِ سُوءٌ، فيقول له الشَّيْخُ: «أَحْبِبْ بكلّ ما ألْقاهُ مِنْ أَذًى وضُرٍّ في سبيلك؛ فقدْ نَشَأْتُ في نِعْمَتِكَ، وعِشْتُ من غَلَّةِ الأرضِ الَّتي اسْتَأْجَرْتُها منك ومن أبيك. ولن أتركَكَ وحيدًا، بعد أن فقدت نُورَ عَينيكَ، وَعَجَزْتَ عن تَعَرُّفِ الطَّرِيقِ.»
فقال له «جلسْتَر»: «لقد تعثَرْتُ في طريقي حين كنتُ أُبْصِرُ، وَأَخْطَأْتُ فِي الْحُكم عَلَى ما رَأَيتُ، وَلَمْ تَعْصِمْنِي لَمْ تَحْفَظْنِي) عيْنايَ مِنَ الْخَطَا. فلعلي أعُودُ إلى الصواب وأنا أعْمَى، فلا أتسرَّعَ فِي الْحُكم على ما يُحِيطُ بي من الأشياء.»
(۹) الأميرُ وَالْمَجْنُونُ
ولَقِيَهُما في طريقهما «توم الْمِسْكين»، وهو يتظاهرُ بِالْجُنون كعادته. ولعلّك الآن قد عَرَفْتَهُ، بعدَ أَنْ أَسْلَفْتُ لكَ القَوْلَ : إِنَّه «إدجارُ» ولَدُ الأمير ، الَّذِي وَشَى به أَخُوهُ إِدْمُنْد».
ورَأَى الوَلَدُ البَرُّ الْوَفِيُّ ما أصابَ والدَهُ منَ النَّكَباتِ؛ ففاضَ قلبُهُ لَوْعَةً (حُرْقَةً) وحُزنًا. ولَكِنَّهُ آثَرَ (فَضَّل) التجَلُّدَ والصَّبْرَ؛ حَتَّى لا يَفْطُنَ أبوه إلى حقيقة أَمْرِه فتنكَشِفَ حيلته.
وقد ألح الأميرُ عَلَى الشَّيخِ الزَّارِعِ أَن يُسْلَمَهُ إلى ذلك المسكين. فقال له الشَّيْخُ: وكيف أُسْلِمُكَ إِلى مَجْنون؟»
فأجابه الأميرُ: «لقدْ أَصْبَحَ مَنْ كُنَّا نَحْسَبُهُم عُقَلاءَ، خادِعِينَ مُضَلَّلِينَ فِي هُذِهِ الأَيَّامِ السُّودِ. ولعلّي أَجِدُ في هَدْيِ فِي رَأْيِ) من نَحْسَبُهُمْ مَجانِينَ : خَيْرًا مِما وَجَدْتُهُ فِي هَدْيِ أُولَئِكَ الْمُتَظَاهِرين بالتَّعَقُّلِ وَالْحِكْمَةِ. فَإِذا شِئْتَ أَن تُسْدِيَ إِلَيَّ جَمِيلًا (تَصْنَعَ مَعِي مَعروفًا)، فَأَحْضِرْ ثِيابًا لِتَكْسُو بها ذلِكَ الْعَارِيَ الْمِسكينَ.»
فقال له الزَّارِعُ: «سأُحْضِرُ لَهُ خَيْرَ مَا عِندي مِنَ الثَّيابِ.»
(۱۰) حوارُ الأَميرِ وَوَلَدِهِ
وسار الأميرُ معَ ولَدِه «إِدْجارَ»، الَّذي كانَ لا يَزالُ يَتظاهرُ أَمامَ أَبِيهِ بِأَنَّهُ مَجْنُونٌ، حَتَّى لا يَفْطُنَ إلى حَقِيقَتِه.
وسألهُ الأَميرُ: «أتَعْرِفُ الطريق – يا فَتَى – إلى «دوفر»؟»
فقال له: «أعْرِفُ كلَّ خافِيَةٍ مِنْ خَوافِيها ، ولا أَجْهَلُ شَيئًا مِن مَعالِمها ومَجاهِلها.»
فقالَ لَهُ: «بِرَبِّكَ: سِرْ مَعي حَتَّى تَبْلُغَ بِيَ الصَّخْرَةَ الْعاليةَ الَّتِي تُشْرِفُ (تُطِلُّ) عَلَى البَحْرِ مِن قِمَّةِ الْجَبلِ؛ لِأُلْقِيَ بنفسِي مِنْ ذَلكَ العُلُوّ الشَّاهِقِ؛ فَأَخْلُصَ مِمَّا أُكَابِدُهُ مِنَ الآلام الْمُبَرِّحةِ (الْمُوجِعَةِ). وخُذْ هذا الكيس بما فيه من مال، مُكافأةً لك على ذلك.»
فتظاهر ولده بطاعته، وما زالَ يَمْشِي معهُ حتَّى بَلَغَ بِهِ صَخْرَةً قليلة الارتفاع في سفح الجبل. فقال له: «ما أبعد هذهِ القِمَّةَ الشَّاهِقَةَ عنْ سَطْحِ الْبَحْرِ إِنِّي لَأَرَى أَحَدَ الصَّيَّادِينَ وهو واقف على الشَّاطِئ؛ فَيُخَيَّلُ إِلَيَّ - مِنْ فَرْطِ العُلُو – أَنَّهُ فَأْرَةٌ صغيرةٌ، وأَرَى الْمَرَاكِبَ الكَبِيرَةَ؛ فلا أكاد أتبينُ رَحْمَها ، لَفَرْطِ ضَالَتها (شِدَّةِ صِغَرِها)، وحقارة أحجامها ، هَلُمٌ - يا سَيِّدي - فَاقْفِزْ كما تُرِيدُ!»
ولَقَدْ خُيِّلَ إلى الأَميرِ أَنَّ مُحَدِّثَه صادِقٌ فيما يقُولُ؛ فقفز مِنَ الصَّخْرَةِ إِلى سَفَحٍ الجبل، دونَ أَنْ يُصِيبَهُ سُوء.
وأَقْبَلَ ولده «إِدْجَارُ»، وقدْ غَيْرَ مِنْ صَوْتِه، مُتظاهِرًا بِأَنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ؛ فقال له: «كَيف هَوَيْتَ - يا عم - من ذلك الارتفاعِ الشَّاهِقِ، دونَ أنْ يُدَقَّ عُنْقُكَ تَنكَسِرَ رَقَبَتُكَ)، وتُسْحَقَ عِظَامُكَ؟»
فَعَجِبَ الْأَمِيرُ ممَّا سَمِعَ ، وقال له: «مِنْ أي ارتفاع هوَيْتُ (سَقَطَتُ)؟» فأجابه «إِدْجَارُ مُتَظَاهِرًا بالدَّهْشَةِ والْعَجَبِ: «أَلَا تَعرِفُ مَدَى الْهُوَّةِ السَّحِيقَةِ (مقدارَ الْحُفرة العميقة) الَّتي تَرَدَّيْتَ (سَقَطت) فيها ؟ لَقَدْ رَأَيْتُكَ - مُنذُ لحظةٍ يَسِيرةٍ – وأنتَ في عالِيَةِ هذا الْجَبلِ الشَّاهِق، ومعك مخلوقٌ عَجِيبٌ، تَبدو عيناهُ كَأَنَّهُما – لشدَّةِ اتساعهما – قَمَرانِ مُسْتَدِيران، وقدْ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ لَهُ أَلْفَ وَجْهِ. وما أَشُدُّ في أَنَّهُ شَيْطَانٌ مَرِيدٌ (خَبِيثُ). فَلْتَهْنَأُ بِنَاتِكَ منهُ، وَلْتَفْرَحْ بما ظَفِرْتَ به مِن السَّلامة؛ فما أشك في أنَّ العناية الإلهية تَصْحَبُكَ وتَحْرُسُكَ.»
(۱۱) فِي الْحُقُولِ
وإنَّهما ليسيرانِ فِي الْحُقُولِ ، إِذْ لَقِيَهُما الملكُ «ليرُ»، وقدْ عَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنَ الْأَزْهَارِ الْبَرِّيَّةِ. فلمَّا حَيَّاهُ «إدْجارُ»، أنشأ «لير» يَهْذِي ويُجَمْجِمُ أَلْفاظًا لا مَعْنَى لَهَا. فَعَرَفَهُ الأَمِيرُ «جُلسْتر» - حينَ سَمِع صَوْتَه - وسَأَلَهُ قائلًا: «تُرَى مَنْ أَرَى؟ أَلَسْتَ الْمَلِكَ «لِير»؟»
فأجابه: «إِنَّ كلَّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوارِحي كلَّ عُضْوِ مِن أعضائي)، وكُلَّ شَعَرَةٍ مِنْ شَعَرَاتِ جِسْمِي، لَتَنْطِقُ صارخةً مُحَدِّثةً : أَنَّنِي الْمَلِكُ «لير». أما أنتَ، فما أَظُنُّكَ إِلَّا بِنْتِي «جُنْرِيل»، بِرغْمِ هُذِهِ اللَّحْيَةِ الْبَيْضَاءِ.»
ثُمَّ اسْتَوْلَى الْخَبَالُ وَالْهَدَيانُ عليهِ مرَّةً أُخْرَى، فَحَزِنَ الأَميرُ لِمَا حَدَثَ، وهانَ عَلَيهِ ما حَلَّ بِهِ مِن أحداث وخُطُوبٍ، بَعْدَ أن رأى ما بلغه الملك لير» من سُوءِ الْمَالِ (الْعَاقِبَةِ).
(۱۲) عَوْدَةُ الْمُخْلِصَة
هَدأَتِ الْعَواصِفُ الثَّائِرَةُ، وسكَنَتِ الرُّعودُ الْمُدَوِّيةُ ، وتَقَشَّعَت (زالت) السُّحُبُ الْمُتلبِّدة، وظهرت السَّماء صافيةً َبعْدَ أنْ حَجبتها الْغُيومُ. وعادَتِ الْبِنْتُ الوفِيَّةُ كُرْدِلْيا» في جيشها الْعَظِيمِ، لتُنقِذَ أباها ممّا يُعانيهِ مِن الأهوالِ والكوارث. وكانتْ قَدْ عَلِمَتْ مِن الْوَزِيرِ الْمُخْلِصِ: «كَنْت»، ما عاناه الشَّيخُ «لير» من الْخُطُوبِ والْمِحَنِ. فَأَحْبَرَتْ زَوْجَهَا: مَلِكَ «فرنسا» بتلك الْقِصَّةِ الْمُفَزَّعَةِ ؛ فلَمْ يَتَرَدِّدْ في إعدادِ جيش كبير، لتأْدِيبِ أُخْتَيْهَا الْغَادِرَتين، والتنكيل بهما جَعْلِهِما نَكالاً وعِبْرَةً)؛ جَزاء ما أسْلَفتاه إلى أبيهما «لير»، من إساءَة وجحود.
وما كان أسرعَ كُرْدِلْيا»: صُغْرَى الْبناتِ، وأوْفاهُنَّ عَهْدًا، وأكرمَهُنَّ نفسًا، إِلى نَجْدَةِ أبيها. فقد غادرت «دوفر» مِن فَوْرِها - وما زالَتْ تَجِدُّ فِي سَيْرِها، حَتَّى وصَلَتْ إِلى أبيها، وهي أشوقُ ما تكون إلى لقائهِ، وَلَثْمِ يَدَيْهِ (تَقْبِيلِهِما)، والاعتذar له مِمَّا كابَدَه (قاساه) من عُقوقِ بنتَيْهِ، وما لَقِيَهُ عَلى أَيْدِيهِما من إِذلال وهوان.
(۱۳) نصيحة الطبيب
وما وَصَلَتْ إليه، حتَّى وَجَدَتْهُ مُستغرقًا في سُباتٍ (نَوْمٍ) عميق. فقال لها الطبيب: «أَتَأْمُرِينَ - يا مَوْلاتِي - أن أُنبِّهَهُ؟»
فقالت له: «ليس لي أَنْ آمُرَ بما ليسَ لِي بِهِ عِلمٌ. فافعل ما يُوحِيه إليك طِبُّكَ، ونفّذ ما تشير به عليْكَ خِبَرَتُكَ وتَجارِبُك.»
فقالَ الطَّبِيبُ: «أَرَى أَن نُّوقِظَهُ على عَزْفِ الْمُوسيقى، بعد أن نَكْسُوَهُ حُلَّةً جديدةً ( ثوبًا لم يُلْبَسْ). ومتى استيقظ على الْأَلْحانِ الْمُشْجِيَةِ (الْمُطْرِبَةِ)، كُنْتِ أَوَّلَ مَنْ يراه؛ فلا يلبث أن يعود إليه رُشْدُهُ الَّذي أوشك أن يُفارِقَه. وإِنَّ في مُحادثة جلالتِكِ إِيَّاه، لَدَواء أَنجَعَ أَشْفَى) له من كلِّ دَواء.»
(١٤) مُناجاةٌ «كُرْدِلْيا»
فَقالتْ كُرْدِلْيا»: «اصْنَعْ – لشفائه – ما تَشَاءُ، وَابْذُلْ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ مَا تَسْتَطِيعُ، بِلا إبطاء.»
ولا عَزَفَتِ الْمُوسيقى ، دَبَّتِ الْيَقَظَةُ فِي نَفْسِ الْمَلِكِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى أَفَاقَ مِمَّا غَشِيَه مِمَّا أصابه) ، واسْتَيْقَظَ مِنْ سُباته العميق.
وكانَتْ «كرْدِلْيا» شَدِيدَةَ اللُّوْعَةِ لِما أصابَ والدها الْكَرِيمَ مِنْ هَوْلِ تِلْكَ العَاصِفَةِ الْهَوْجَاءِ الَّتي أضْعَفَتْ جسمَهُ، وأَرْهَقَتْ ( أتْعَبَتْ) أَعْصَابَهُ؛ فَوَقَفَتْ تَتَأَمَّلُ وَجْهَهُ الْحَزِينَ، وتُناجِيهِ مُلْتَاعةً (مُتأَلَّمَةً) ، وهِيَ تَقُولُ: «أهكذا تَجْزِيكَ بِالْعُقُوقِ وَالْغَدْرِ بِنْتَاكَ، جَزَاءَ ما أَسْلَفَتْ إِلَيْهِمَا بِالْخَيْرِ يَداكَ؟ أهكذا تَبْلُغُ قَسْوَةُ الْقَلْبِ مِنْهُما أَن تُسْلِمَاكَ إِلَى الرِّيحِ الْعَاتِيَةِ، والرُّعُودِ الْمُدَوَّيَةِ؟»
ثُمَّ أَنْعَمَتِ النَّظَرَ فِي وَجْهِ الشَّيْخِ، وَقَدِ اشْتَدَّتْ لَوْعَتُها وحُزْنُهَا، فَقَالَتْ: «كَيْفَ رَضِيَتا لهُذَا الْوَجْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لأهوالِ الْعَواصِفِ الْهُوجِ، وَلَيْسَ عَلَيهِ مِنْ غِطَاء يَقِيهِ غَائِلَةَ الْبَرْدِ (شِدَّتَهُ) غَيْرُ تِلْكَ الشَّعَراتِ الْمُبْيَضَّةِ الرَّقِيقَةِ؟ شَدَّ ما كابَدْتَ – يَا أَبَتِ – مِنَ الْهَوْلِ والضَّنَى (الْمَرْضِ). وشَدَّ ما أَسَأْتُما، أَيَّتُهَا الشَّقِيقَتانِ!
أَمَا لَوْ أَنَّ لِي عَدُوًّا لَدُودًا أَغْرَى بإيذائي كلبًا ضاريًا حقُودًا، فَعَضَّنِي دُونَ أَنْ أُسْلِفَ إِلَيْهِ إِساءَةً، ثُمَّ لَقِيتُ الْكَلْبَ الشَّرِسَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ اللَّيْلاءِ (الشَّديدةِ الظُّلْمَةِ)، وقَدْ نُبِذَ بالْعَرَاءِ الأَرْضِ الْخالِيَةِ) ؛ لآوَيْتُهُ فِي بَيْتِي وَأَدْفَأْتُهُ، مُتناسِيَةً كُلَّ ما أَسْلَفَ إِلَيَّ مِنْ أَذِيَّةٍ وإيلام.
فَكَيْفَ بِمَنْ وَهَبَ لَكُما مُلْكَهُ الْعَظِيمَ ، وتَفَنَّنَ فِي بِرِّكُما وَلَمْ يَدَّخِرْ أَيَّ وسِيلَةٍ فِي سَبِيلِ إسعادِكُما! أهكذا تَجْزِيَانِهِ؟
أَيْنَ أَلفاظُكُمَا الْعَذْبَةُ الْحَادِعَةُ ، التي كُنْتُما تُمَلِّقانِهِ بها يَوْمَ دَعَاكُما لِاقْتِسَامِ مُلْكِهِ؟
لَقَدْ تَمَثَّلْتُ (تَخَيَّلْتُ) مِنْ فُنُونِ غَدْرِكُما صُورًا وألوانًا لا تُحْصَى، وَلَكِنَّ مَا تَكَشْفَ لِي مِنْ ضُرُوبِ الْقَسْوَةِ وفُنُونِ الطَّمَع - مِنْكُما - قَدْ فَاقَ جَمِيعَ مَا تَمثَّلْتُهُ، وَأَرْبَى (زادَ) على كلّ ما ذَهَبَ إِلَيْهِ خَيالِي، منْ أفانين العُقوق والإساءة (أصنافهما).»
(١٥) يَقَظَةُ الشَّيْخِ
وأفاقَ الشَّيْخُ «لير» مِنْ سُباته العميق، فَأَقْبَلَتْ عليه بنتهُ الْوَفِيَّةُ «كُرْدليا» تُحَيِّيهِ قائلةً: كيفَ أَصْبَحْتَ يا صاحب الجلالة؟»
فَبَدَتِ الدَّهْشَةُ على وَجْهِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ: أفي حُلْمٍ هُوَ أَمْ في يَقَظة، ثم قال متحيّرًا: لماذا بعثتُمونِي مِنَ المَوْتِ ؟ ولماذا أخرَجْتُمُونِي من ظُلْمَةِ القَبْرِ، بعد أن أراحني الموتُ من كوارث الزَّمَنِ ومصائبِ الْحياةِ؟»
ثم نظرَ إِلى كُرْدِلْيا» مذهولاً، وقالَ: «وَأَنتَ أَيُّها الرُّوحُ المَلائِكِيُّ الْحَنُونُ، خَبَرْنِي: مِنْ أي مكانٍ مِنْ عُلْيا السماواتِ نزَلْتَ ؟ وكيفَ حَلَلْتَ هذا الوادي؟ ولأَيِّ غايةٍ جِئْتَ ؟»
فقالتْ كُرْدِلْيا»: «هَلْ عَرَفْتَنِي، يَا مَوْلايَ؟»
فَأَجابها: «أَنْتَ – بِلا شَكٍّ - أَكرَمُ رُوحٍ مَلائِكِيٌّ رَأَيْتُهُ فِي حَياتِي. فَخَبِّرْنِي بِرَبِّكَ – أيُّها الرُّوحُ الطَّاهِرُ - في أَيِّ وَقْتِ حَلَّتْ بكَ الوفاة؟»
(١٦) حِوَارُهُ مَعَ كُرْدِلْيا»
فَلَمْ تَيْتَسْ كُرْدِلْيا مِنْ شِفائِهِ، وَأَقْبَلَتْ عليهِ تُؤَسِّيهِ، وتُلاطفُهُ، وتَطْلُبُ إِلَيهِ أَنْ يُهَدِّئَ مِنْ سَوْرَةِ نفسه المَحْزُونِةِ فقال مدهوشا: «حَسْبُكَ أَيُّها الرُّوحُ الْمَلائِكَيُّ، حَسْبُكَ (كَفاكَ)! فَمَا أدري - مِمَّا يُحِيطُ بِي مِنْ هُذِهِ الأشياء - شيئًا، وما أَعْرِفُ أَيَّ ثوب هذا الَّذِي أَرتديهِ؟ ولا أدرِي مَن الَّذِي أَلْبَسَنِيهِ؟ وَلَوْ سَأَلْتُمُونِي - في هذه اللَّحْظَةِ – في أي مكان أنا؟ لَما عَرَفْتُ لِسُؤَالِكُمْ جوابًا . صَدِّقْ - أيُّها الرُّوحُ الكريم - أنني لا أعرِفُ كيفَ قَضَيْتُ يوم أمس ؟ ولا أدري أنائمٌ أنا ، أم يَقْظان ؟ ثم لا أدري أَحَيُّ أَنَا، أَمْ مَيِّتُ؟ وَلَوْ طَاوَعْتُ نفسي، وأفضيتُ بما أُضْمِرُهُ، لَحسِبتُموني مَخْبُولاً أو مَعْتُوهَا! إنني لأَتَمثَّلُ فِي هذا الرُّوحِ الْمَلائِكِي صورَةَ بِنْتِي الوفيَّةِ كُرْدلْيا». فلا يَسْخَرَنَّ مِن هذا الوَهْمِ أَحدٌ؛ فَإِنَّني أعتقدُ أنَّني لا أزالُ عَلَى قَيْدِ الحياةِ، كما أعتقد أنَّ هذا الرُّوحَ الْماثِلَ أَمامِي هُوَ كَرْدِلْيا بِنْتي.»
فقالت «كُرْدِليا» باكيةً: «ما أَصدَقَ فِراسَتَكَ (إصابةَ ظَنّكَ)، وَأَصَحَّ رَأْيَكَ، أَيُّها الوالد الكريم!»
فقال لها مُتَأَلَّمًا: «لماذا تَبكِينَ، أَيَّتُها البارَّةُ الْمُحْسِنة ؟ أَأَنتِ تَحْزَنِينَ لِما أَصابني، بعد أَن أَسْلَفْتُ إِليكِ من الإساءَةِ ما أسلفتُ؟ أَكذلكِ تَجْزِينني إحسانًا بإساءَةٍ، عَلَى حِينِ قَدْ جَزَتْنِي أُخْتَاكِ إِساءَةً بِإِحسانٍ؟ أَمَا لَوْ أَنَّكِ أَنكَرْتِنِي – كما أَنكَرَتْنِي أُختاكِ – لَكُنتِ فِي سَعَةٍ مِنَ العُذْرِ»
فقالت له: «بِرَبِّكَ لا تَسْتَسلِمْ لِأَحْزَانِكَ - يا أَبَتِ - فإِنَّ ذلك يَملأُ نفسِي هَمَّا وَلَوْعَةً. هلم يا أَبَتِ، فلن تَرَى إِلَّا مَا يَسُرُّكَ.»
(۱۷) اعتذار النَّادم
فقال لها: «لقد أسأْتُ إليكِ أَبْلَغَ إِساءَةٍ، وما أَجْدَرَني أَن أَطْلُبَ إِلَيْكِ الصَّفْحَ والغُفْرَانَ الْمُسامَحةَ والْمَغْفِرَةَ). فتجاوزي (اصْفَحِي) - أَيَّتُها الكريمة – عَمَّا قَدَّمَتْ يَدايَ.»
فقالت له: «إِنَّني بِنْتُكَ الْمُؤْتَمِرَةُ بِأَمْرِكَ، الْمُلَبِّيَةُ لإِشَارَتِكَ، فَلا يَحْزُنُكَ شَيْءٌ بعد الْيَوْمِ. أَمَّا أنا فلستُ إِلَّا خَادِمَةً وَفِيَّةً لَكَ مَدَى الحياةِ.»
وَثُمَّ أَدْرَكَ المَلِكُ «لير» - نَئِيشًا بَعْدَ فَواتِ الوقْتِ) - مقدارَ وَفاءِ بِنْتِهِ «كرْدِلْيا»، وَعَرَف مَدَى خَطَئِهِ حين صَدَّقَ ما كانتْ تُزَوِّرُه بنتاهُ ، مِنْ كَاذِبِ اللَّفْظِ، وخاتِلَ الثَّنَاءِ (خَادِعِ الْمَدْحِ).
الفصل الخامسالْفَصْلُ الْخَامِسُ
(۱) هزيمة «كردليا»
ما كان ليدورُ بِخَلَدِ الْمَلك «لير» - حين أصغى إلى تَمْليق بِنْتَيهِ الْخادِعتَيْنِ، وَعَقَّ نصيحة وزيره المخلص «كَنْت» - أنَّ أحداث الدَّهرِ ومصائبَهُ ستجتمع متوالية، متألّبة عليه، للتنكيل به مسرِفةً في معاقَبَتِه على خَطَئِهِ؛ فلا تَلُوحُ بارِقَةٌ ( نُورٌ) من الأمَلِ، حَتَّى يعقبها ليل داجٍ شَديدُ السَّوادِ)، مِنَ الْيَأْسِ الْمِيتِ!
لَقَدِ الْتَقَى الْجَيشان، وكان الأمل معقودًا عَلَى نُصْرَةِ كُرْدِلْيا»، وَهَزِيمَةِ جِيشِ أُخْتَيْها الْغَادِرَتَيْنِ، وَانْدِحَارِهِ (انكِسارِهِ) ولكنَّ سُوءَ حَظِّ الشَّيخِ «لير» قَدْ خَيَّبَ هُذَا الأَملَ الْبَاسِمَ الْمُشْرِقَ؛ فانهزم جيش «كردليا» أشنع هزيمة، وانتصر عليه جيش «جُنْرِيل» و«ريجان»، وانتَهَتِ المَعْرَكَةُ بِأَسْرِ «كرْدِلْيا» وأبيها، وإيداعهما السِّجن بعد أن غُلِبَ جيشهما عَلى أَمْرِهِ.
(۲) الْخُبثاء الثلاثة
تَمَّ الْفَوْزُ لِلخبثاء الثلاثة، أَعْنِي: «جُنريل» و«ريجان» ومستشارهما «إِدْمُنْد»، الَّذِي قَادَ الْجَيْشَ، وَأحْرزَ النصر؛ فكان ذلك الفوز شرا على أولئك الغادرين – من كل هزيمة. وسترى - أيُّها القارئ العزيز - فيما بَقِيَ من حوادثِ القِصَّةِ الْمُحْزِنَةِ وأنبائها الرَّاعِبَةِ الْمُخِيفَةِ) ، مِصْداق ما حدَّثتك به بُرْهَانَ صِدْقِهِ!)
(۳) بين «ألباني» و «إدمند»
لقد حَسِبَ «إِدْمُنْدُ» - حِينَ تَمَّ له الفوز في تِلكَ المعركة الحاسمة (القاطِعَةِ) – أنَّهُ قد أدرَكَ أَرَبَهُ (مَطْمَعهُ ) ، وَظَفِرَ بِأَمْنِيَّتِهِ في ارتقاءِ عرْشِ المملكة، بعد أن خَلَا الْجَو من كلّ منافس له في الملك، ولم يبقَ أمامَهُ أَحَدٌ يَخْشَى بأْسَه غيرُ الأمير «أَلْبانِي» زَوْجُ «جُنْرِيلَ».
وكان ذلك الأمير طيب القلبِ؛ فلم يَرْضَ عن شَيْءٍ مِمَّا اقترفهُ (أَرْتَكَبُهُ الْخُبَثَاءُ الثَّلاثَةُ من الأوزار والآثامِ الذُّنُوبِ وَالْجَرَائِمِ).
وأَصرَّ الأمير «أَلْبانِي عَلَى إطلاق سراح «كُرْدِلْيا وأبيها من إسارهما، كما أصر «إِدْمُنْدُ» على حَبْسِهِما. ودارتْ مُناقشةٌ عنيفةٌ بينهما، وانتصرت الأختان لمستشارهما الْخَبِيثِ. وغَضِبَ الأميرُ أَلْبانِي»؛ فَدَعاهُ لِلْمُبارَزَةِ الْمُضَارَبَةِ بِالسَّيْفِ).
(٤) بَيْنَ «إِدْمُنْدَ» و «إِدْجَارَ»
وجاء – في هذهِ اللَّحظَةِ - «إِدْجارُ»: ابنُ الأَمِيرِ «جلسْتَر» ؛ فدَعا أَخاهُ «إِدْمُنْد» إِلَى نِزالِه (مبارزته) قائِلًا: «هَلُمَّ أَيُّها القائد العَظِيمُ ، فَامْتَشِقْ حُسامَكَ اشْهَرْ سَيْفَكَ)، واكتُبْ آخرَ صَفْحَةٍ في تاريخ حَياتِكَ المَمْلُوءَةِ بالشَّرورِ والأَرْجَاسِ (الْخَطايا) والدنايا. هَلُمَّ فَانتَقِمْ لِشَرَفِكَ مِمَّنْ يَرْمِيكَ بِكُلِّ مُخْزِيَةٍ، وَيَتَّهِمُكَ بكلِّ نَقِيصَةٍ. هَلُمَّ إِلَيَّ: فَرَةٌ (اسْقِ) رُمْحَكَ مِنْ دَمِي إِنِ اسْتَطَعْتَ، لَعَلَّكَ تَغْسِلُ ما لَحِقَكَ مِنَ الإِهانَةِ الَّتِي لَوَّثْتُ بِها شَرَفَكَ الرَّفِيعَ. فَإِنْ عَجَزْتَ عن ذلِكَ، فَلَنْ يُعْجِزَنِي قَتْلُكَ!»
فصاح فيهِ «إدمُنْدُ»: «إِنَّمَا جَاءَ بِكَ إِلَيَّ حَيْنُكَ انْقِضَاءُ أَجَلِكَ). ولئن جَهِلْتُ مَن أَنتَ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلٌ ساقَتْهُ حَماقَتُهُ إِلى الرَّدَى، وأسْلَمَهُ أَجَلُهُ إلى الْهَلَاكِ. وَإِنَّ سَيْفِي هذا لكفيل بتأديبِ أَمْثَالِكَ ، والتَّنْكيل بك، وجَعْلِكَ عِبْرَةً لِكُلِّ مَن يَعْتَبِرُ.»
وَمَا أَتَمَّ وَعِيدَهُ حَتَّى بَدَأَ هُجُومَهُ عَلَى مُنازِلِهِ (خَصْمِهِ) ، ودارَتْ رَحَى الْقِتَالِ بَيْنَهُما، واشتدَّ صراعهما، وسُرْعانَ ما عاجله «إدْجارُ» بطعْنَةٍ قاتلة؛ فَهوَى «إِدْمُندُ» إِلَى الْأَرْضِ مُجَدَّلًا (صَريعًا ) ، يَتَعَثَّرُ يَتَخَبَّطُ فِي دَمِهِ. وأسْتَوْلَى الدَّهَشُ عَلَى الْحَاضِرِينَ، وَعَقَدَ النُّهولُ أَلْسِنَتَهُم؛ فَلَمْ يَدْرُوا مَا يَفْعَلُونَ.
(٥) مَصارِعُ الْخُبَثَاءِ الثَّلَاثَةِ
ولا سَقَطَ «إِدْمُنْدُ»، صاحَتْ رِيجانٌ» مُفَزَّعَةً، تَتلوَّى مِن فَرْطِ الأَلَمِ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْها؛ فَوَقَعَتْ مِن فَوْرِها – جُنَّةً هامدةً.
أَتَدْرِي - أيُّها القارِئُ العَزيزُ - بأَيِّ شَيْءٍ قُتِلَتْ رِيجان»؟ بالسَّمِّ قَتَلَتْها «جُنْرِيلُ»؛ لِتَسْتَأْثِرَ بِالْمُلْكِ وَحْدَها ولكِنَّ أمَلَها قَدْ خَابَ، حِينَ رَأتْ قُوَّةَ «إِدْجَارَ»، وانْتِصَارَهُ عَلَى مستشارِها «إدمُنْد»، الَّذي َناطَتْ (عَلَّقَتْ) بهِ كلَّ آمالِها في التَّفَرُّدِ بِالْمُلِكِ، وَالاسْتِثْثَارِ بالسُّلْطَانِ؛ فَعَاجَلَتْ نَفْسَهَا بِطَعْنَةٍ قاتِلَةٍ، أَوْدَتْ بها أَهْلَكَتها)، وَمَضَتْ بِرُوحِها إِلى الْجَحِيمِ.
ورَأَى «إِدمُنْدُ» أن كلَّ ما بَناهُ - بالغدْرِ والعُقُوقِ والإساءَةِ إِلى أَقْرَبِ النَّاسِ وَأَبَرِّهِم به - قَدِ انهارَ (سَقَط ) أمامَهُ فِي لَحْظَةٍ َواحِدَةٍ ؛ فَصاح مُسْتَعْطِفا قَاتِلَهُ: «خَبَرْنِي بِرَبِّكَ: مَنْ أَنْتَ؛ لِأَعْرِفَ اسْمَ مَنْ كُتِبَ عَلَى يَدَيْهِ مَصْرَعِي؟»
فَأَجَابَهُ «إِدْجَارُ»: «أَنَا ابْنُ مَنْ كافَأْتَ إِحْسَانَهُ إِلَيْكَ ، وبِرَّه بِكَ، وَتَرْبِيتَهُ إِيَّاكَ، أَقْبَحَ مكافأة. أنا ابْنُ الْأَمِيرِ «جلستر»، الَّذِي تَبَنَّاكَ؛ فَأَغْرَيْتَ بِهِ أَعْداءَهُ، وَمَكَّنْتَ لَهُمْ مِنَ التَّنْكِيلِ بهِ؛ حَتَّى حَرَمُوهُ نُورَ عَيْنَيْهِ. وَقَدْ مَاتَ مُنْذُ دَقَائِقَ - مِنْ هَوْلِ مَا رَأَى مِنَ الْمَصَائِبِ والأحداث.»
(٦) تَوْبَةُ الْهَالِكِ
فصاح «إِدْمُنْدُ مُتفجِّعًا: «ما أصدق ما فاهَتْ بِه شَفَتَاكَ لَقَدْ حَقَّ عَلَيَّ الشَّقاءُ، وَلَقِيتُ ما أنا أهْلٌ لَهُ مِنَ التَّنكيل والْجَزاءِ، وَحَاقَتْ عَلَيَّ اللَّعْنَةُ إِلى الأَبَدِ. وَلَكِنَّنِي أَتوَسَّلُ إِلَيْكَ ضارعًا أَنْ تُسْرِعَ بنجْدَةِ «لير» وَبِنتِهِ كُرْدِلْيا»؛ فقدْ أَصْدَرْتُ أَمْرِي بقتلهما فِي سِجْنِهِما خُلْسَةً (خُفْيَةً)، قَبْلَ أَنْ أَشْتَبِكَ معك في هذه الْمَعْركة القاضية: لَعَلِّي أُكَفِّرُ – بِإنقاذهما – عنْ شَيْءٍ يسيرٍ مِمَّا اقْتَرَفْتُ مِن الْخَطايا والآثامِ الْمُوبِقة (الْمُهْلكة)! هَلُمَّ فَأَنْقِذْهُما قَبْلَ أَنْ يَحُلُّ بِهما الهلاك.»
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَأَسْلَمْتُهُ جِراحُهُ إِلَى الرَّدَى (الموت)؛ فَقَضَى مُشَيَّعًا (مُوَدَّعًا) باللَّعَناتِ، كَما شُيِّعَتْ «جُنْرِيلُ» و «ريجان».
(۷) مَصْرَعُ كُرْدِلْيا»
وَلَقَدْ بِذَلَ الْحَاضِرُونَ كُلَّ ما فِي مَقْدُورِهِمْ، فَأَسْرَعُوا لإنقاذِ الْأَسِيرَيْنِ. وَلَكِنَّ سُرْعَتَهُمْ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا فِي إِنْقاذِ كُرْدِلْيا» الطَّاهِرَةِ الْقَلْبِ الزَّكِيَّةِ النَّفْسِ؛ فَقَدْ نَفَذَ سَهْمُ الْقَضاءِ – وَلا مَرَدَّ لَهُ - وَلَقِيَتْ حَتْفَها هَلاكَها ) مَصْلُوبَةً فِي السِّجْنِ، قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَهَا أَيْدِي الرُّحَماءِ المنقذين.
وَاسْتَوْلَى الذَّعْرُ وَالْخَبَالُ عَلَى الشَّيْخ «لير»، حِينَ رَأى ما حَلَّ بِابْنَتِهِ الْوَفِيَّةِ الَّتِي لَقِيَتْ حَتْفَها فِي سَبِيلِ نُصْرَتِه؛ فحمَلَ جُنَّتَها بَيْنَ ذِراعَيْهِ، وَهُوَ يُصَيِّحُ مُغَوِّثًا، نادِبًا: «إِلَيَّ، أَيُّها الْبَاكُونَ إِلَيَّ، أَيُّهَا الْمُعْوِلُونَ الصَّائِحُونَ بِالْبُكاءِ إِلَيَّ، أَيَّتُها الْحِجَارَةُ والصُّخُورُ الَّتِي سُمِّيَتْ أَناسِي بَنِي آدمَ! إِليَّ، فَامْزُجُوا بِدُمُوعِي دُمُوعَكُم، وَصَيِّحُوا مَعِي كَمَا أُصَيِّحُ، وَأَعْوِلُوا ناذِبِينَ حَتَّى تَنْفَطِرَ (تَنْشَقَ السَّمَاءُ عَلَيْنَا حُزْنًا وأَلَمًا! لَقَدْ مَاتَتْ أَلا تُصَدِّقُونَ؟ وَيْ هَلَكتْ أَمُكَذِّبِيَّ أَنتُمْ؟ أنا لا أَجْهَلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ إِنَّهَا لا تَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ لا تَلْفِظُ بِحَرْفٍ) ! لَقَدْ هَمَدَتْ، فَمَا تُحِسُّ شَيْئًا هَاتُوا مِرْآةً فَأَدْنُوهَا مِنْ فَمِهَا؛ فَإِنْ طَبَعَتْ عَلَيْها نَفَسًا مِنْ أَنْفاسها ، فَلا تَثِقُوا بي آهِ لَوْ بَقِيَتْ سَالِمَةً إِلَى جَانِبِي! إِذَنْ غَفَرْتُ كلَّ ما حَلَّ بِي مِنْ أَحْداثٍ وَخُطُوبٍ إِذَنْ أَنْسَتْنِي السَّعادَةُ – بِحَياتِها – كُلَّ مَا غَمَرَنِي ما شَمِلَنِي مِنْ أَسْواءِ (مصائِبَ) وأَحْزَانٍ!»
(۸) لَوْعةُ النَّاكِل
وحاوَلَ خُلَصَاؤُهُ وَأَصْفِياؤُهُ أصدقاؤُه الْمُخْلِصُونَ): «كَنْت» و«إدجار» و«أَلْبانِي» جَمِيعًا أَنْ يُهَوِّنُوا عَلَيْهِ مِن مُصَابِهِ وفَجِيعَتِهِ؛ فَصَيَّحَ فِيهِمْ مُعْوِلًا ، وَقَدْ تَمَلَّكَهُ النُّهُولُ: «لَقَدْ مَاتَتْ، وَعَجَزْتُمْ عَنْ إِنْقانِها جميعًا فَما فَائِدَةُ الْحَياةِ بَعْدَها؟ واحَسْرَنَا عَلَى شَبَابِهَا النَّاضِر! ما كَانَ أَعْذَبَ صَوْتَها الرَّقِيقَ وَما كانَ أَطيبَ قَلْبَها الشَّفِيقَ أَرَأَيْتُمْ أَزْكَى (أَطْهَرَ) مِنْهَا نَفْسًا، وأَكْرَمَ خُلُقًا؟ فَكَيْفَ امْتَدَّتْ إِلَى عُنُقِكِ يَدُ الْجاني الْأَثِيمِ؛ فَأَقْدَمَ عَلَى صَلْبِكِ، دُونَ أَنْ تَأْخُذَهُ - فِي شَبابِكِ - رَحْمَةٌ ؟ لَقَدْ صَرَعْتُ قَاتِلَكِ بِالسَّيْفِ، وما تَشَفَّيْتُ مِنْ غَيْظِي، وَلا بَرَدْتُ بِذلِكِ غَلِيلِي لَمْ أَشْفِ حَرارَةَ حُزْنِي وحِقْدِي) ! يا لَهُمْ مِنْ أَثَمَةٍ طُغَاةٍ (مُجْرِمِينَ مُعْتَدِينَ) ! لَقَدْ خَنقُوا «البُهْلُولَ» في السِّجْنِ، وَأَهْلَكُوهُ جَزاء وفائِهِ لِي الوَيلُ لِلْجَانِينَ وَالوَيلُ للسفاحينَ الَّذِينَ أَسالُوا الدّماء ! لقد تركوا الجرذان (الفيران) وغيرها من دَوابِّ الأَرْضِ، دُونَ أَنْ يَنتَزِعُوا أَرْواحَها مِنْها ، ولَكِنَّهُمْ ضَنُّوا (بَخِلُوا عَلَى كُرْدِلْيا» الوفيَّةِ الْمُخْلِصَةِ بِالْحَيَاةِ الَّتِي تَنعَمُ بها الْخَيْلُ والكِلابُ!»
(۹) خاتِمَةُ «لير»
وهكذا اسْتَسلَم الْمَلكُ «لير» الْحَزينُ الثَّاكِلُ الَّذِي فَقَدَ ولَدَهُ) لآلامه. وما زالَ يَهْذِي حَتَّى أَسْلَمَهُ هَذَيَانُهُ إِلَى الْجُنُونِ، وَاسْوَدَّتِ الدُّنيا في عَيْنَيْهِ، وغمرت الأحزان قلبَهُ؛ فَأَظْلَمَ ثُمَّ أُغْمِيَ عليه.
وأفاق لحظةً قصيرةً ، فالْتَفَتَ إلى وزيرهِ الْمُخْلِصِ قائلا: «كَنْت: لَقَدْ عَرَفْتُكَ! «كُرْدِلْيا»: لَقَدْ فَقَدْتُكِ إِلَى الأَبد!»
ثُمَّ أُغْمِيَ عليه ثانِيَةً، وَأَسْلَمَتْهُ أَحْزَانُهُ إِلَى الرَّدَى ... فَمَاتَ!
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.