حكاية·HIKOYA

العاصفة

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy7 bob34 daqiqa
العاصفة
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.
  2. 2.
  3. 3.
  4. 4.
  5. 5.
  6. 6.
  7. 7.

فاتحة القصة

(۱) تَمْهِيدٌ

لَعَلَّكَ تَعْرِفُ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الصَّغِيرُ - اسْمَ ذَلِكَ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَفْصِلُ الْقَارَّةَ الْإِفْرِيقِيَّةَ عَنِ الْقارَّةِ الْأُورُوبِيَّةِ. وَلَعَلَّكَ قَدْ وَقَفْتَ - ذاتَ يَوْمٍ - عَلَى شَاطِئِ هَذَا الْبَحْرِ الْعَظِيمِ، وَرَأَيْتَ مَاءَهُ الْأَزْرَقَ فَإِذا كُنْتَ لَمْ تَرَ هذا الْبَحْرَ فِي حَياتِكَ - مَرَّةً واحِدَةً – فَمَا أَحْسَبُكَ تَجْهَلُ اسْمَهُ؛ فَقَدْ أَخْبَرَتْكَ بِهِ كُتُبُ الْجُغْرَافِيةِ.

لَعَلَّكَ تَذْكُرُ الْآنَ اسْمَ هذا الْبَحْرِ الْواسِعِ الْعَمِيقِ ، هُوَ الْبَحْرُ الْأَبْيَضُ الْمُتَوَسِّطُ». وَلَعَلَّكَ تَعْرِفُ - إِلَى هذا - أَنَّ فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ كَثِيرًا مِنَ الْجَزَائِرِ!

عَلَى أَنَّ الْجَزَائِرَ الْكَثِيرَةَ لَا تَعْنِينَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.

إِنَّمَا تَعْنِينَا جَزِيرَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ بَيْنَ إِيطاليا وَتُونُسَ.

فَلْأُحَدِّثْكَ بِمَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ.

(۲) «بُرُسْبِيرُو» و «مِيرَندا»

لَمْ تَكْنِ الْجَزِيرَةُ مُقْفِرَةً خاليةً مِنَ النَّاسِ) . وَلَوْ كَانَتْ كَذلِكَ لَمَا حَدَثَتْ فِيها هَذِهِ الْقِصَّةُ الْجَمِيلَةُ الَّتِي أُرِيدُ أَنْ أَقُصَّهَا عَلَيْكَ.

كَانَ يَعِيشُ فِي الْجَزِيرَةِ شَيْخٌ طَيِّبُ الْقَلْبِ، صافِي النَّفْسِ اسْمُهُ: «بُرُسْبِيرُو»، وَمَعَهُ فتاةٌ وَدِيعَةٌ هَادِئَةٌ، كَرِيمَةُ النَّفْسِ اسْمُها مِيرَنْدا» . وَقَدْ عاشَتْ مَعَ أَبِيها «بُرُسْبِيرُو» فِي تلك الْجَزِيرَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، وَكَانَتْ قَدْ وَفَدَتْ (قَدِمَتْ) مَعَهُ إِلَيْها وهي طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ؛ فَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّها رَأَتْ وَجْهَ إِنْسَانٍ آخَرَ غَيْرَ أَبِيها.

وكانَتْ مِيرَنْدا» هَذِهِ لَطِيفَةً، جَمِيلَةَ الْخَلْقِ وَالخُلُقِ حَسْناءَ الصُّورَةِ، كَرِيمَةَ الْفَعالِ). أَمَّا شَعْرُها فَمُرْسَلٌ عَلَى كَتِفَيْهَا مُسْبَلٌ غَيْرُ مَضْفُورٍ ، وَأَمَّا صَوْتُها فَمُنْسَجِمٌ مُوسِيقِيٌّ، لا تَرْفَعُهُ ثَوْرَةُ الْيَأْسِ وَالْغَضَبِ.

وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ أَنَّ مِيرَنْدا» قَدْ جَمَعَتْ - إِلَى جَمالِ الْوَجْهِ – رَجَاحَةَ الْعَقْلِ؛ فَأَحَبَّها أبوها حُبًّا شَدِيدًا، وَأَصْبَحَتْ سَلْوَتَهُ وَعَزَاءَهُ وَسَعادَتَهُ فِي الْحَياةِ. وَقَدْ مَرَّتْ بِهِمَا الْأَيَّامُ هَنِيئَةً رَغِيدَةً، وَصَفَا عَيْشُهُما ، وَطابَ لَهُمَا الْمُقَامُ.

(۳) بَيْتُ «بُرُسْبِيرُو»

وكانَ بُرُسْبِيرُو» قَدِ اتَّخَذَ لَهُ بَيْتًا فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ فِي أَحَدِ الْكُهُوفِ، وَقَسَمَهُ ثَلاثَ غُرَفٍ: أولاها لـ «ميرندا»، وَالثَّانِيَةُ لِلْمَائِدَةِ حَيْثُ يَأْكُلُ مَعَ ابْنَتِهِ، وَالثَّالِثَةُ لِمَكْتَبَتِهِ حَيْثُ يَقْضِي جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ فِي مُطالَعَةِ كُتُبِ السِّحْرِ وَدَرْسِ فُنُونِهِ.

وَقَدْ كَانَ يَحْرِصُ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ أَشَدَّ الْحِرْصِ، وَيُعَلِّقُ عَلَيْهَا أَكْبَرَ الْآمَالِ.

وَلَمْ يَكُنْ «بُرُسْبِيرُو» يَعْرِفُ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَخْتَرْهَا سَكَنَّا لَهُ. وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِهِ لَمْ يَمُرَّ بِخاطِرِهِ) - مِنْ قَبْلُ أَنَّ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ الْمَجْهُولَةَ سَتَكُونُ وَطَنَهُ وَوَطَنَ ابْنَتِهِ عِدَّةَ سَنَواتٍ . فَقَدْ جَاءَ الْجَزِيرَةَ كَما اتَّفَقَ ( مُصادَفَةً)، وَاضْطَرَّتْهُ الْمَقَادِيرُ (ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ مِنَ الْحَوادِثِ إِلَى الْبَقَاءِ فِيها حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ.

(٤) السَّاحِرَةُ «سِكُورَكْس»

وَلَمَّا حَلَّ بُرُسْبِيرُو» بِالْجَزِيرَةِ عَرَفَ كَثِيرًا مِنَ الْأَسْرارِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي هَدَتْهُ إِلَيْهَا فُنُونُ سِحْرِهِ. وَلَمْ يَكُنْ لِيَسْتَطِيعَ أَنْ يَتَعَرَّفَ هَذِهِ الْأَسْرارَ لَوْلا خِبَرْتُهُ الْوَاسِعَةُ بِأَسَالِيبِ السِّحْرِ وَفُنُونِهِ.

فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ سَاحِرَةً خَبِيثَةً اسْمُها «سِكُورَكْس» كانَتْ تَسْكُنُ الْجَزِيرَةَ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَنَّهَا اسْتَطَاعَتْ - بِما أُوتِيَتْ مِنْ قُوَّةِ السِّحْرِ وَسُلْطَانِهِ - أَنْ تَمْلَأُ الْجَزِيرَةَ بِطَائِفَةٍ مِنْ أَشْرارِ الْجِنِّ.

وَلَمْ تَشَأْ أَنْ تَتْرُكَ أَخْيَارَهُمْ أَحْرارًا، وَأَبَى عَلَيْها خُبْتُها وَلُؤْمُها إِلَّا أَنْ تَسْجُنَهُمْ فِي جُذُوعِ الْأَشْجَارِ.

فَلَمَّا مَاتَتْ تِلْكَ السَّاحِرَةُ الْخَبِيثَةُ، اسْتَطَاعَ «بُرُسْبِيرُو» – بِمَا أُوتِيَ مِنْ سُلْطَانِ السِّحْرِ – أَنْ يُطْلِقَ سَراحَ هؤُلاءِ الْجِنِّ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ أَسَرَتْهُمُ السَّاحِرَةُ، وَأَنْ يَتَّخِذَ مِنْهُمْ أَعْوَانًا وَخَدَمًا يُؤَدُّونَ لَهُ كُلَّ مَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ.

(٥) «آزيل»

وَكَانَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلاءِ الْجِنِّ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ أَطْلَقَ «بُرُسْبِيرُو سَراحَهُمْ - بَعْدَ مَوْتِ السَّاحِرَةِ الْخَبِيثَةِ - جِنِّيٌّ كَرِيمُ النَّفْسِ ، قَوِيُّ الْبَأْسِ عَظِيمُ الشَّجَاعَةِ ، شَدِيدُ الْبَطْشِ وَالْفَتْكِ)، اسْمُهُ «آرْيِلُ». وَكَانَ جَمِيعُ سُكَانِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْجِنِّ يَخْضَعُونَ لَهُ، وَيَدِينُونَ (يُذْعِنُونَ بِالزَّعَامَةِ لِقُوَّتِهِ.

وَقَدْ أَخْلَصَ ذَلِكَ الْجِنِّيُّ الْكَرِيمُ لِسَيِّدِهِ بُرُسْبِيرُو» الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ سِجْنِهِ، وَأَصْبَحَ لَهُ خادِمًا أَمِينًا لا يَعْصِي لَهُ أَمْرًا، وَلا يَتَرَدَّدُ فِي تَلْبِيَةِ كُلِّ مَا يَطْلُبُهُ.

وَكَانَ «آرْيِلُ» يَبْدُو (يَظْهَرُ) لِسَيِّدِهِ فِي ثَوْبِ شَفَّافٍ، فِي مِثْلِ لَوْنِ الشَّبَابِ، وَفِي وَسَطِهِ حِرَامٌ سَمَاوِيُّ اللَّوْنِ. وَكَانَ لَهُ جَناحَانِ شَفَّافَانِ يَشُعُ النُّورُ مِنْ خِلالِهِمَا، وَتَدُلُّ سِيمَاهُ وَهَيْئَتُهُ عَلَى إِخْلاصِهِ وَذَكَائِهُ، وَكَرَمِ نَفْسِهِ.

(٦) «كَليبان»

وَكَانَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الْجِنِّيِّ الطَّرِيفِ الْوَفِي شَيْطانُ آخَرُ اسْمُهُ: «كَلِيبَانُ»، وَهُوَ ابْنُ السَّاحِرَةِ الْخَبِيثَةِ «سِكُورَكْسَ» الَّتِي حَدَّثْتُكَ عَنْهَا مِنْ قَبْلُ.

وَكَانَ كَلِيبَانُ» دَمِيمَ الصُّورَةِ ، قَبِيحَ الْوَجْهِ ، سَيِّئَ الْخُلُقِ، خَبِيثَ النَّفْسِ؛ كَمَا كَانَ أَشْعَثَ مُتَفَرِّقَ الشَّعْرِ) ، كَرِيهَ الْمَنْظَرِ. وَقَدْ نَبَتَ الشَّعْرُ الْكَثِيفُ عَلَى ذِراعَيْهِ وَسَاقَيْهِ فَغَطَّاها، وَجَعَلَهُ أَقْرَبَ إِلَى الْحَيَوانِ مِنْهُ إِلَى الْإِنْسانِ.

وَلَمْ يَكُنْ - مُنْذُ نَشْأَتِهِ - قادِرًا عَلَى النُّطْقِ ، كَما تَنْطِقُ أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ، بَلْ كَانَ لَهُ صَوْتٌ مُزْعِجٌ أَشْبَهُ بِعُواءِ الذِّنْبِ أَوْ نَبْحِ الْكَلْبِ، مِنْهُ بِصَوْتِ الْآدَمِيِّ.

فَهُوَ - فِي أَغْلَبِ الْأَحَابِينِ – يَصْرُخُ وَيَهْدِرُ يُرَدِّدُ صَوْتَهُ فِي حَنْجَرَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْجَمَلُ) ، وَيُعَوِّي فِي صَخَبٍ (ضَجِيجٍ) مُفَزِّعٍ، وَتَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَواعِثُ الْغَضَبِ لِأَتْفَهِ الْأَشْيَاءِ؛ فَتَتَجَلَّى الشَّرَاسَةُ ( سُوءُ الخُلْقِ وَكَثْرَةُ الْعِنادِ وَالْقَسْوَةُ وَالْعُنْفُ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِهِ.

(۷) بَيْنَ «آرْيِلَ» و «كَلِيبانَ»

وَكَانَ هذا الشَّيْطَانُ الْخَبِيثُ أَسْوَأَ رَفِيقٍ لِـ «بُرُسْبِيرُو» . وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِنَا «بُرُسْبِيرُو» بُدٌ وَلا خَلَاصٌ مِنْ مُصاحَبَتِهِ. وَكَانَ بُرُسْبِيرُو» والِد «مِيرَندا» - عَلَى مَا وَهَبَهُ اللَّهُ مِنْ جَمَالِ الْخُلُقِ، وَصَفَاءِ النَّفْسِ - مُضْطَرًّا إِلَى مُعامَلَةِ كَلِيبانَ بِقَسْوَةٍ وَفَظَاظَةٍ، وَغِلْظَةٍ وَخُشُونَةٍ. فَأَصْبَحَ يُسَخِّرُهُ وَيَسْتَخْدِمُهُ فِي قَطْعِ الْأَخْشَابِ وَحَمْلِها إِلَى دَارِهِ، كَمَا يُسَخِّرُهُ فِي أَداءِ كُلِّ عَمَلٍ شَاقٌ؛ حَتَّى لا يَدَعَ لِذَلِكَ الشَّرِّيرِ الْخَبِيثِ وَقْتًا مِنْ أَوْقَاتِ الْفَراغِ يَصْرِفُهُ فِي الشَّرِّ وَالضَّرَرِ.

وَكَانَ كُلَّما عَمَدَ إِلَى الْكَسَلِ، أَوْ تَهاوَنَ فِي أَداءِ ما عَلَيْهِ مِنَ الْفُرُوضِ وَالْوَاجِباتِ، هَدَّدَهُ «آرْيِلُ بِالْعِقابِ، وَصَرَفَهُ إِلَى وَاجِبِهِ، وَأَنْذَرَهُ فِي قَسْوَةٍ وَعُنْفٍ بِأَنَّهُ إِذا لَمْ يَخِفَّ إِلَى أَداءِ واجِبِهِ - فِي إِخْلَاصٍ وَنَشَاطَ - سَحَقَهُ، أَوْ نَكَّلَ بِهِ شَرَّ تَنْكِيلٍ وَآدَاهُ شَرَّ أَذِيَّةٍ، أَوْ أَلْقَى بِهِ فِي أَقْدَرِ مُسْتَنْقَعٍ.

وَكَانَ «آرْيِلُ» قَادِرًا عَلَى التَّحَوُّلِ فِي أَيِّ شَكْلٍ شَاءَ: فَتارَةً تَرَاهُ فِي شَكْلِ وَحْشِ، وَثَانِيَةً فِي شَكْلِ قِرْدٍ، وَثَالِثَةَ فِي شَكْلِ قُنْفُدِ، وَغَيْرِ تِلْكَ مِنَ الْأَشْكالِ الْمُفَزِّعَةِ الَّتِي تَمْلَأُ نَفْسَ كَلِيبانَ» رُعْبًا، وَتَضْطَرُّهُ إِلَى تَلْبِيَةِ أَمْرِهِ، وَالْخُضُوعِ لِإِشَارَتِهِ.

وَلَيْسَ فِي وُسْعِ كَلِيبانَ» أَنْ يَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ أَرْيِلَ إِلَّا بِالسِّبَابِ وَالشَّتْمِ وَتَعْبِيسِ الْوَجْهِ وَتَقْطِيبِهِ. وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هذا لِيَضِيرَ «آرْيِلَ» أَوْ يُخِيفَهُ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الشَّتْمَ وَالسِّبابَ أَضْعَفُ حِيلَةٍ يَلْجَأُ إِلَيْهَا الْعاجِزُ الضَّعِيفُ، وَهُما دَلِيلانِ عَلَى سُوءِ الْأَدَبِ وَخُبْثِ النَّفْسِ.

وَمَا أَحْسَبُكَ - أَيُّها الصَّغِيرُ الْعَزِيزُ - تَرْضَى عَنْ خُلُقٍ كَلِيبَانَ» أَوْ تَرْضَى عَمَّنْ يُقَلِّدُهُ فِيهِ.

(۸) مزایا «آرْيِلَ»

أَمَّا «آرْيِلُ» فَهُوَ - عَلَى الْعَكْسِ مِنْ صَاحِبِهِ - دائِمُ الابْتِسامِ، شَدِيدُ النَّشاطِ، كَثِيرُ الْحَرَكَةِ. وَهُوَ - كَما قُلْنا - قادِرٌ عَلَى التَّحَوُّلِ إِلَى أَيّ صُورَةٍ أَرادَ ، وَفْقَ مَا يَحْلُو لَهُ. فَتارَةً تُلْفِيهِ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى فَتاةٍ جَمِيلَةٍ تَحْمِلُ فِي يَدِها طاقَةً مِنَ الزَّنْبَقِ، وَتارَةً تَراهُ فِي صُورَةِ عُصْفُورٍ، وَكَانَ - إِلَى ذَلِكَ - مُغَنِّيًا حَسَنَ الصَّوْتِ ، رائِعَ الْغِناءِ؛ فَأَصْبَحَ أُنْسَ رِفاقِهِ الْجِنِّ. وَقَدْ كانُوا يُحِبُّونَهُ أَشَدَّ الْحُبِّ، وَكَثِيرًا ما غَنَّاهُم أَطْيَبَ الْأَغانِي وَأَعْذَبَ الْأَناشِيدِ.

وَكَانَ - إِلَى ذَلِكَ - يُهَيْمِنُ عَلَى الرِّياحِ، وَيُسَيْطِرُ عَلَى أَمْواجِ الْبَحْرِ. فَإِذَا شَاءَ أَحْدَثَ عَاصِفَةً هَوْجَاءَ زَوْبَعَةً تَهُبُّ فِي نَواحٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَثارَ أَمْواجَ الْبَحْرِ، وَأَغْرَقَ السُّفْنَ وَرَاكِبِيها، وَإِذا شَاءَ سَكَّنَ الْعَاصِفَةَ ، وَجَعَلَ أَمْواجَ الْبَحْرِ هَادِئَةً، فَسَارَتِ السُّفُنُ فِي سَلامٍ وَطْمَأْنِينَةٍ.

الفصل الأول

(۱) هُبُوبُ الْعَاصِفَةِ

أَثارَ بُرُسْبِيرُو» - ذاتَ يَوْمٍ - عاصِفَةً هَوْجَاءَ فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ الْعَظِيمِ. وَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ – حِينَئِذٍ - لِأَيِّ سَبَبٍ خَفِيٌّ أَثَارَ بُرُسْبِيرُو» هَذِهِ الْعاصِفَةَ ؟ وَقَدْ كَانَ مِنَ الْمُسْتَطَاعِ أَنْ يَرَى الْإِنْسانُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - إِذا وَقَفَ عَلَى شَاطِئِ الْجَزِيرَةِ - ارْتِفَاعَ الْأَمْوَاجِ وَاصْطِحَابَهَا تَخَبُّطَها وَشِدَّةَ اخْتِلاطِ أَصْواتِها ، وَيَشْهَدَ اضْطِرابَ الْبَحْرِ وَهِيَاجَهُ، حَتَّى لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّ أَمْواجَ الْبَحْرِ تُرِيدُ أَنْ تَرْتَفِعَ لِتَبْلُغَ أَعْنانَ السَّمَاءِ نَواحِيَها)، فَتَشْتَبِكَ مَعَهَا فِي حَرْبٍ طَاحِنَةٍ. وَقَدِ ارْبَدَّ لَوْنُ السَّمَاءِ وَاغْبَرَ، وَأَصْبَحَ كالرَّصاصِ ، وَاسْتَحالَ ضَوْءُ النَّهَارِ إِلَى ظَلَامٍ حالك.

وَلَاحَتْ - مِنْ بَعِيدٍ - سَفِينَةٌ مُلْتَهِبَةٌ تُرْقِصُهَا الْأَمْواجُ ، وَتَلْعَبُ بِها وَتَتَقاذَفُها كَالْكُرَةِ.

(۲) حُزْنُ «مِيرَنْدا»

وَلَمْ تَرَ مِيرَنْدا» هذا الْمَنْظَرَ الْمُفَزِّعَ حَتَّى صاحَتْ مَذْعُورَةً - وَقَدْ مَلَأَ الْخَوْفُ قَلْبَها – وَقَالَتْ لِأَبِيها: «انْظُرْ - يا أَبَتِ - إِلَى هَذِهِ السَّفِينَةِ الْحَائِرَةِ، وَاسْتَمِعْ إِلَى صَرَحَاتِ مَنْ فِيهَا وَاسْتِغاثَاتِهِمُ الْمُتَصَاعِدَةِ فِي الْفَضاءِ، وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى الْغَرَقِ! إِنَّ قَلْبِي لَيَكَادُ يَنْفَطِرُ (يَنْشَقُ)، حُزْنًا عَلَى مَنْ فِيها مِنَ النَّاسِ. وَما أَحْسَبُ هَؤُلاءِ الْمَساكِينَ إِلَّا هَالِكِينَ الْآنَ! تُرَى - يا أَبَتِ - مَنِ الَّذِي أَثارَ الْعاصِفَةَ الْهَوْجَاءَ؟ وَأَيُّ قَسْوَةٍ دَفَعَتْهُ إِلَى إِثَارَتِهَا؟ أَلَّا تَرْحَمُ - يا أَبِي - هؤُلاءِ الْمَسَاكِينَ وَتُنْقِذَهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ ؟ أَلا تَأْمُرُ الْعَاصِفَةَ بِالسُّكُونِ، فَتُنْقِذَ حَياةَ الْمُعَذِّبِينَ ؟

فَأَجَابَها «بُرُسْبِيرُو» فِي حَنانٍ وَعَطْفِ: «هَوِّنِي عَلَيْكِ - يا بُنَيَّتِي – وَثِقِي أَنَّ الْعَاصِفَةَ سَتَنْتَهِي بِسَلَامٍ، وَلَنْ يُصَابَ أَحَدٌ مِمَّنْ فِي السَّفِينَةِ بِأَقَلِّ ضَرَرٍ».

فَقَالَتْ مِيرَندا» وَقَدْ فَاضَتْ عَيْناها بِالدُّمُوعِ : «آهِ يا لَهُ مِنْ يَوْمٍ مَشْتُومٍ مُفَزِّعٍ !»

(۳) حِوارٌ عَجِيبٌ

فَقالَ بُرُسْبِيرُو» لِابْنَتِهِ مِيرَنْدا»: «سَكَنِي - يا عَزِيزَتِي - مِنْ رَوْعِكِ، وَهَدِّئِي مِنْ فَزَعِكِ، وَلَا تَخْشَيْ شَيْئًا؛ فَإِنِّي لَمْ أُثِرِ الْعاصِفَةَ إِلَّا حُبًّا فِيكِ، وَتَوَخَّيًا لِمَصْلَحَتِكِ (تَحَرِّيًا لِنَفْعِكِ)، وَإِنْ كُنْتِ لا تَزالِينَ تَجْهَلِينَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَحْفِزُنِي ( تَدْفَعُنِي ) إِلَى هَذَا الْعَمَلِ، وَتَحَكْمُينَ عَلَيَّ بِالْقَسْوَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْلَمِي حَقِيقَةَ ما أُرِيدُ أَلَمْ تَسْأَلِي نَفْسَكِ يا بُنَيَّتِي – فِي بَعْضِ الْأَحايِينِ – عَنْ أَبِيكِ ؟ مَنْ هُوَ؟ كَيْفَ كَانَ؟ وَلِماذا نُفِيَ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ الْقَصِيَّةِ الْبَعِيدَةِ ) ؟»

فَقَالَتْ لَهُ مِيَرَنْدا»: «كَلَّا) - يا أَبَتِ - لَمْ أُفَكِّرْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذا قَطُّ.»

فَقَالَ لَهَا: «إِذَنْ فَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ الَّذِي أَكاشِفُكِ فِيهِ بِالْحَقِيقَةِ. فَأَصْغِي إِلَى مَا أَقُصُّهُ عَلَيْكِ لِتَتَعَرَّفِي حَقِيقَةً أَمْرِنَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّنِي أُحِبُّ أَنْ أُطَمْئِنَكِ – قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ – عَلَى مَصِيرِ السَّفِينَةِ وَراكِبِيها، فَأُقَرِّرَ لَكِ أَنَّ الْعَاصِفَةَ - الَّتِي أَزْعَجَتْكِ وَمَلَأَتْ قَلْبَكِ فَزَعًا وَخَوْفًا وَهَلَعًا - سَتَنْتَهِي بِسَلَامٍ. فَقَدْ أَثَرْتُها بِفُنُونِ السِّحْرِ وَبَعَثْتُهَا، وَلَكِنَّنِي أَخَذْتُ عَلَى نَفْسِي عَهْدًا وَثِيقًا أَلَّا أُغْرِقَ أَحَدًا مِنْ رُكَابِ السَّفِينَةِ. وَنَوَيْتُ أَنْ أُنْقِذَهُمْ جَمِيعًا بَعْدَ أَنْ أُذِيقَهُمْ مِنْ ضُرُوبِ الْأَهْوالِ ما لا يَمُرُّ لَهُمْ عَلَى بال. فَلا يَهُولَنْكِ ما تَرَيْنَهُ، وَلَا يُفَزِّعَنْكِ مَا تُبْصِرِينَهُ لا يُخَوِّفَنْكِ مَا تَنْظُرِينَهُ. وَكُونِي عَلَى ثِقَةٍ يَا بُنَيَّتِي الْعَزِيزَةَ أَنَّ هَذِهِ السَّفِينَةَ الَّتِي تَرَيْنَها - وَقَدْ أَوْ شَكَتْ أَنْ تَتَحَطَّمَ الْآنَ - لَنْ يَغْرَقَ أَحَدٌ مِمَّنْ فِيها. وَلَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِمْ زَمَنْ يَسِيرٌ حَتَّى تَرَيْهِمْ قَدْ خَرَجُوا جَمِيعًا إِلَى الْبَرِّ سالِمِينَ؛ فَإِنَّنِي لَمْ أَرِدْ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَرًّا!»

(٤) ذِكْرَيَاتٌ مُحْزِنَةٌ

وَحِينَئِذٍ تَوَقَّفَ «بُرُسْبِيرُو» عَنِ الْكَلامِ قَلِيلًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ (عادَ إِلَى الْكَلَامِ قَائِلًا: «أَلا تَسْتَطِيعِينَ - يا «مِيرَنْدا» - أَنْ تَعُودِي بِذاكِرَتِكِ إِلَى أَيَّامٍ طُفُولَتِكِ الْأُولَى، لَعَلَّكِ تَذْكُرِينَ وَقْتًا قَضَيْتِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَغَارَةِ؟ ما أَحْسَبُكِ تَذْكُرِينَ شَيْئًا مِنَ ذَلِكِ، فَقَدْ كُنْتِ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ عُمْرِكِ».

فَجَمَعَتْ مِيرَنْدا» كُلَّ فِكْرِها ، ثُمَّ قَالَتْ لِأَبِيها: «نَعَمْ، بَدَأْتُ أَذْكُرُ - يَا أَبَتِ – شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ السَّعِيدِ. وَإِنِّي لَأَذْكُرُهُ كَما أَذْكُرُ حُلْمًا ، وَأَحْسَبُنِي كُنْتُ أَرَى خَمْسَ نِساءٍ يَخْدُمْنَنِي !»

فَقالَ لَها «بُرُسْبِيرُو»: «لَقَدْ مَضَى - يا بُنَيَّتِي - عَلَى ذَلِكِ الْعَهْدِ اثْنَا عَشَرَ عَامًا، وَكَانَ أَبُوكِ - حِيَنئِذٍ - أَمِيرَ «مِيلانَ» وَحَاكِمَها».

فَقَالَتْ لَهُ مِيرَنْدا» وَقَدْ عَراها (أَصابَها وَأَلَمَّ بِها شَيْءٌ مِنَ النُّهُولِ وَالاضْطِرابِ: «لَسْتُ أَفْهَمُ ما تَعْنِيهِ يا أَبِي بِهذا الْقَوْلِ؛ فَأَفْصِحْ لِي عَمَّا تُرِيدُ، وَخَبِّرْنِي إِذَنْ: كَيْفَ حَالَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - حالنا (كَيْفَ تَحَوَّلَتْ وَتَغَيَّرَتْ ) ؟ وَكَيْفَ أَقْصَوْكَ عَنْ إِمَارَةِ مِيلَانَ»؟ وَلِماذا أَبْعَدُوكَ وَجَرَّدُوكَ مِنْ حُكْمِها؟»

(٥) قِصَّةُ «بُرُسْبِيرُو»

- أَلا تَذْكُرِينَ - يا بُنَيَّتِي - أَيْنَ كُنَّا قَبْلَ أَنْ نَجِيءَ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ؟

- كَلَّا . لا أَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ ذَلِكَ، يَا أَبَتِ؟

- كُنْتُ - مُنْذُ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا - أَمْيَرَ مِيلانَ، وَكُنْتِ أَنْتِ وَارِثَتِي الْوَحِيدَةَ.

- فماذا حَدَثَ، يَا أَبَتِ ؟ وَكَيْفَ انْتَقَلْنَا إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ؟

- لَقَدْ نُفِينَا مِنْ بِلادِنَا نَفْيًا ، وَقَدْ أَوْشَكَتْ (قَرُبَتْ) دَسائِسُ الْأَعْداءِ أَنْ تَقُودَنَا إِلَى الْهَلاكِ. وَلَكِنَّ عِنايَةَ اللهِ - وَحْدَهُ - قَدْ أَنْقَذَتْنَا مِنْ كَيْدِهِمْ ، وَأَوْصَلَتْنَا إِلَى الْجَزِيرَةِ سَالِمَيْنِ.

- أَيُّ كَيْدٍ، وَأَيُّ دَسائِسَ ، يا أَبِي ؟ إِنَّ الْحُزْنَ لَيَمْلَأُ نَفْسِي لِهَوْلِ مَا أَسْمَعُ !

- كَيْدُ أَخِي أَنْطُنْيُو» وَدَسَائِسُهُ.

نَعَمْ، كَيْدُ «أَنْطُنْيُو» عَمِّكِ الْغَادِرِ. فَقَدْ فَوَّضْتُ إِلَيْهِ إِمارَتِي، وَتَرَكْتُ لَهُ إِدارَةَ الْحُكُومَةِ، وَانْصَرَفْتُ إِلَى دَرْسِ فُنُونِ السِّحْرِ. وَكَانَ عَمُّكِ ... آه ... أَمُنْتَبِهَةٌ أَنْتِ إِلَى مَا أَقُولُ؟

- كُلَّ الانْتِباهِ يا أَبِي.

- كَانَ عَمُّكِ طَامِعًا فِي الانْفِرادِ بِالْمُلْكِ : فَبَذَلَ جُهْدَهُ عامِلًا عَلَى إِقْصَائِي عَنْ بِلادِي، لِيَخْلُوَ لَهُ الْحَقُّ ... أَمُصْغِيَةٌ أَنْتِ إِلَيَّ؟

- نَعَمْ، فَإِنَّ كَلَامَكَ يا أبِي - يَشْفِي الْأَصَمَّ مِنْ صَمَمِهِ (يُعِيدُ حَاسَّةَ السَّمْعِ إِلَى مَنْ فَقَدَها).

- وَكَانَ أَخِي هذا غَادِرًا خَثُونًا كالنُّعْبَانِ. وَقَدْ صَفَوْتُ لَهُ، وَوَثِقْتُ كُلَّ الثَّقَةِ بِهِ، وَمَنَحْتُهُ كُلَّ حُبِّي؛ فَكانَ جَزائِي عَلَى ذَلِكِ أَنْ غَدَرَ بِي، وَنِسَي مَا غَمَرْتُهُ بِهِ مِنْ عَطْفٍ وَحُبِّ. فَتَحالَفَ هُوَ وَمَلِكُ «نابولي» وَاتَّفَقا جَمِيعًا عَلى نَفْيِي مِنَ الْمَدِينَةِ. وَاسْتَوْلَى أَخِي عَلَى السُّلْطَانِ، وَأَمَرَ بِوَضْعِنا - أنا وَأَنْتِ - فِي زَوْرَقٍ، حَتَّى أَصْبَحْنَا فِي عُرْضِ الْبَحْرِ. فَنَقَلُونا إِلَى سَفِينَةٍ طَالَ عَلَيْهَا الْقِدَمُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا شِرَاعٌ وَلَا حِبَالٌ.

- فَكَيْفَ وَصَلْنَا إِلَى الْجَزِيرَةِ إِذَنْ؟

- ساقَتْنَا إِلَيْهَا عِنايَةُ اللَّهِ وَكانَ مَعَنا قَلِيلٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ، وَضَعَهُ فِي سَفِينَتِنا أَحَدُ أَشْرافِ «نابُولِي» وَاسْمُهُ «جُنْزالُو». وَقَدِ اخْتارُوهُ - لِحُسْنِ حَظِّنا – رَئِيسًا لِإِنْفَانِ مُؤامَرَتِهِمْ. فَوَضَعَ فِي سَفِينَتِنا كُتُبِي، وَهِيَ أَنْفَسُ مَا أَحْتاجُ إِلَيْهِ، وَهِيَ عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ مُلْكِيَ الَّذِي فَقَدْتُهُ. وَوَضَعَ - إِلَى ذَلِكِ - كَثِيرًا مِنَ الثَّيابِ وَالْحُلَلِ الثَّمِينَةِ. وَقَدْ لَطَفَ بِنَا اللهُ، وَقَيَّضَ لَنا رِيحًا رُخاءً أَتاحَ وَيَسَّرَ لَنا رِيحًا هَيِّئَةً رَفِيقَةً ، حَتَّى بَلَغْنَا الْجَزِيرَةَ سَالِمِينَ.

- شَدَّ مَا كَابَدْتَ (قَاسَيْتَ مِنَ الْعَناءِ بِسَبَبِي يَا أَبَتِ!

- لَقَدْ كُنْتِ لِي - عَلَى الْعَكْسِ مِمَّا تَظُنِّينَ - مَلَكًا رُوحًا سَماوِيًّا كَرِيمًا يا بُنَيَّتِي. وَكُنْتِ لِي خَيْرَ مُشَجِّعِ فِي الْحَيَاةِ. وَكُنْتِ أَكْبَرَ أَمَلٍ أَتَغَلَّبُ بِهِ عَلَى مَا أَلْقاهُ مِنَ الْمَصاعِبِ. وَلَوْلاكِ لَكَانَتْ حَياتِي مُجْدِبَةً مُقْفِرَةً غَيْرَ مُثْمِرَةٍ)، لا سَلْوَى فِيهَا وَلَا أَمَلَ

- وَلَكِنْ خَبِّرْنِي - يا أَبِي - أَيُّ صِلَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ الْعَاصِفَةِ الَّتِي أَثَرْتَها عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ؟

- إِنَّ الْمُصادَفَاتِ الْعَجِيبَةَ هِيَ الَّتِي سَاقَتْ أَعْداءَنَا الَّذِينَ تَآمَرُوا عَلَى اغْتِصَابِ الْمُلْكِ مِنِّي، وَأَوْصَلَتْهُمْ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ.

وَقَدِ انْتَهَزْتُ الْفُرْصَةَ لِأَضْطَرَّهُمْ إِلَى النُّزُولِ بِجَزِيرَتِنَا صَاغِرِينَ (أَذِلَّاءَ خَاضِعِينَ)؛ فَأَثَرْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْعَاصِفَةَ الْهَوْجَاءَ الْمُنْبَعِثَةَ هُنا وَهُناكَ لِيُعَرِّجُوا عَلَيْنَا (يَمِيلُوا إِلَيْنَا). وَمَتَى تَمَّ لَنا ذَلِكِ، سَهُلَ عَلَيْنَا أَنْ نُنْفِذَ الْخُطَّةَ الَّتِي تُمْكِنُنَا مِنِ اسْتِعَادَةِ الْمُلْكِ.

(٦) نَوْمُ «مِيرَنْدا»

فَنَظَرَتْ مِيرَنْدا» إِلَى أَبِيها مَدْهُوشَةً. وَعَجِبَتْ مِمَّا قَصَّهُ عَلَيْها أَشَدَّ الْعَجَبِ. وَلَمْ تَعْرِفْ مَا تَقُولُ، وَلا كَيْفَ تُجِيبُهُ.

فَنَظَرَ إِلَيْهَا مُحَدِّقًا مُوَجِّهًا نَظَرَهُ بِشِدَّةٍ) وَقالَ لَها: «لا شَكٍّ – يا بُنَيَّتِي - أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَدْ حَزَنَتْكِ، وَنَهَكَتْ قُواكِ وَأَضْعَفَتْكِ. فَنامِي.»

وَمَا أَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى خَضَعَتْ مِيرَنْدا» لِتَأْثِيرِ نَظَراتِهِ السِّحْرِيَّةِ؛ فَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْها، وَاسْتَسْلَمَتْ لِنَوْمٍ عَمِيقٍ.

الفصل الثاني

(۱) بين «بُرُسْبِيرُو» و «آرْيِلَ»

وَلَمْ تَسْتَسْلِمْ «مِيَرَنْدا» لِلنَّوْمِ، حَتَّى نادَى بُرُسْبِيرُو» خادِمَهُ الْجِنِّيَّ الْمُخْلِصَ الْأَمِينَ «آرْيِلَ» وقالَ مُتَلَطَّفًا: «هَلُمَّ إِلَيَّ - يا عَزِيزِي «أَرْيِلُ» - وَنَفِّذ ما آمُرُكَ بِهِ فِي الْحَالِ، بِلا تَوَانٍ بِغَيْرِ بُطْءٍ وَلا تَراخ). هَلُمَّ أَيُّهَا الرَّفِيقُ الْكَرِيمُ».

فَتَقَدَّمَ «آرْيِلُ» - فِي نَشَاطٍ وَخُضُوعٍ - وَقالَ لِسَيِّدِهِ مُتَأَدِّبًا: «تَحِيَّتِي إِلَيْكَ يَا مَوْلايَ الْكَرِيمَ، يا ذا الْمَجْدِ وَالرَّفْعَةِ وَالسُّلْطَانِ. هأنذا - يا سَيِّدِي - أُلَبِّيكَ وَأُجِيبُكَ مُطِيعًا خاضِعًا، فَمُرْنِي: أَطِرْ فِي الْجَوِّ ، أَوْ أَسْبَحْ فِي قاعِ الْبَحْرِ ، أَوْ أَعْدُ فِي فِجَاجِ الْأَرْضِ أَجْرِ فِي نواحِي الدُّنْيا). مُرْنِي أَجْلِسْ عَلَى مُتُونِ الْغَمامِ، وَظُهُورِ السَّحابِ. مُرْنِي بِما تَشَاءُ – يا مَوْلايَ - تَجِدْنِي أَطْوَعَ إِلَيْكَ مِنْ بَنَائِكَ أَطْرَافِ أَصَابِعِكَ).»

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «هَلْ أَنْفَذْتَ كُلَّ ما أَمَرْتُكَ بِهِ - فِي دِقَّةٍ وَإِخْلاصِ – أَيُّهَا الْجِنِّيُّ الْعَزِيزُ ؟»

فَقَالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «نَعَمْ، يَا مَوْلايَ ، فَقَدْ أَثَرْتُها عاصِفَةً هَوْجَاءَ مُرَوِّعَةً (مُخَوِّفَةً مُفَزِّعَةً)، مَلَأَتْ قُلُوبَهُمْ ذُعْرًا وَخَوْفًا وَهَلَعًا؛ فَكَانُوا - حَيْثُما أَدارُوا لِحاظهُمْ طَافُوا بِعُيُونِهِمْ) - رَأَوْا هَلاكًا يَتَهَدَّدُهُمْ، وَمَوْتًا يَتَوَعَّدُهُمْ ، وَلَهَبًا يَكْتَنِفُهُمْ، وَنارًا تُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبِ! فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْيَأْسُ، وَتَمَلَّكَهُمُ الْفَزَعُ وَالرُّعْبُ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَوْا».

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «وَهَلِ اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَثْبُتَ لِلْهَوْلِ، وَيَحْتَفِظَ بِرَزَانَتِهِ وَعَقْلِهِ فِي تِلْكَ الْعَاشِيَةِ الْمُصِيبَةِ النَّازِلَةِ)؟»

فَقَالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «كَلَّا يَا سَيِّدِي ، فَقَدْ عَرَتْهُمُ الْحُمَّى (أَصَابَتْهُمْ)، وَتَمَلَّكَهُمُ الْخَوْفُ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْيَأْسُ وَالنُّهُولُ جَمِيعًا؛ فَأَلْقَوْا بِأَنْفُسِهِمْ فِي الْيَمِّ الْبَحْرِ)، مُؤْثِرِينَ (مُفَضّلِينَ) الْأَمْواجَ الْهَائِجَةَ الْمُزْبِدَةَ الْقاذِفَةَ بِالزَّبَدِ عَلَى ذَلِكَ الْجَحِيمِ الْمُسْتَعِرِ الْمُلْتَهِبِ)، وَلَمْ يَبْقَ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا الْمَلَّاحُونَ (النُّوتِيُّونَ) وَحْدَهُمْ وَكَانَ فِرْدِنَنْدُ» ابْنُ الْمَلِكِ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْأَمْواجِ الثَّائِرَةِ الْهَائِجَةِ، وَقَدْ قَفَّ (قامَ) شَعْرُ رَأْسِهِ – مِنْ شِدَّةِ النُّعْرِ - فَأَصْبَحَ كَأَعْوادِ الْغَابِ، وَصَرَخَ - وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ وَالرُّعْبُ – «يَا اللَّهِ لَقَدْ انْتَقَلَتِ الْجَحِيمُ كُلُّها إِلَى هَذِهِ الْبُقْعَةِ وَفَتَحَتْ أَبْوابَهَا لَنا!»

(۲) «آرْيِلُ» يَلْتَمِسُ الْحُرِّيَّةَ

فَقالَ لَهُ بُرُسْبِيرُو»: «ما أَصْدَقَ ما قالَ فَخَبِّرْنِي - أَيُّهَا الْجِنِّيُّ الْعَزِيزُ - هَلْ أَنْقَذْتَهُمْ جَمِيعًا مِنَ الْغَرَقِ؟»

فَقالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «نَعَمْ يَا سَيِّدِي ، فَقَدْ سَلِمُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَهَكَذَا أَنْفَذْتُ إِشَارَتَكَ - فِي دِقَّةٍ وَأَمانَةٍ - وَفَرَّقْتُهُمْ شِيَعًا ( طَوائِفَ) فِي أَنْحَاءِ الْجَزِيرَةِ، وَأَقْصَيْتُ فِرْدِنَنْدَ ابْنَ الْمَلِكِ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلْتُهُ فِي عُزْلَةٍ تَامَّةٍ انْفِرَادٍ وَوَحْدَةٍ)».

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «شَدَّ مَا أَحْسَنْتَ يا «آرْيِلُ» ، فَقَدْ أَدَّيْتَ مَا طَلَبْتُهُ إِلَيْكَ خَيْرَ أَداء، وَلَكِنَّ أَمْرَهُمْ لَنْ يَقِفَ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ».

فَقَالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «أَيَسْمَحُ السَّيِّدُ أَنْ أَرْفَعَ إِلَيْهِ مُلْتَمَسًا؟»

فَقَالَ لَهُ بُرُسْبِيرُو»: «اطْلُبْ مَا شِئْتَ، أَيُّهَا الْجِنِّيُّ الْمُتَرَدِّدُ الْمُوَسْوِسُ».

فَقَالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «أَلْتَمِسُ يا سَيِّدِي أَنْ تَمْنَحَنِي حُرِّيَّتِي بَعْدَ هذا».

فَقَالَ «بُرُسْبِيرُو»: «أَناةً أَيُّهَا الْجِنِّيُّ مَهْلًا وَصَبْرًا ) ؛ فَإِنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَحِنْ بَعْدُ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ أَجَلٌ وَمِيقَاتٌ مَوعِدٌ وَوَقْتٌ)».

(۳) «بُرُسْبِيرُو» يُهَدِّدُ «آرْيِلَ»

فَأَجَابَهُ «آرْيِلُ»: «أَيُرِيدُ السَّيِّدُ مِنّي أَنْ أَفْعَلَ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلْتُ؟»

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «أَتَمُنُّ عَلَيَّ أَنْ أَتَيْتَ أَمْرًا هَيِّنًا (سَهْلًا) لَمْ يُكَبِّدْكَ أَيَّ عَناءٍ ۚ لَعَلَّكَ نَسِيتَ «سِكُورَكْسَ» السَّاحِرَةَ الْخَبِيثَةَ الْفَضَّةَ الْخَشِنَةَ الطَّبْعِ)، وَمَا كَانَتْ تُلْحِقُهُ بِكَ مِنْ نَكَالٍ (عُقُوبَةٍ وَعَذابٍ) وَتَبْرِيحٍ أَذًى شَدِيدٍ ) ! تُرَى هَلْ نَسِيتَ الصَّرَحَاتِ الْمُؤْلِمَةِ الَّتِي كُنْتُ تُرْسِلُهَا فِي الْفَضاءِ - مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ - كَعُواءِ الذِّئابِ، فَتَرْجُفُ تَرْتَعِدُ الدِّبَبُ وَالْوُحُوشُ مِنْ هَوْلِها، وَأَنْتَ سَجِينٌ مَقْهُورٌ فِي جِذْعِ شَجَرَةِ الصَّنَوْبَرِ؟»

فَأَجَابَهُ «آرْيِلُ» فِي ضَراعَةِ النَّادِمِ ، وَتَذَلُّلِ الْآسِفِ : رَحْمَةً بِي، وَتَجاوَزْ عَنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ الَّتِي اقْتَرَفْتُها (ارْتَكَبْتُها)!»

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو» ضاحِكًا: «يا لَكَ مِنْ مُنْكِرٍ لِلْجَمِيلِ عَلَى أَنَّكَ إِذا تَكَلَّمْتَ بَعْدَ هذا: شَقَقْتُ شَجَرَةَ بَلُّوطٍ وَجَعَلْتُها سِجْنَكَ إِلَى الْأَبَدِ. فَاذْهَبِ الْآنَ وَأَنْجِزْ (أَتْمِمْ وَنَفِّذْ) ما آمُرُكَ بِهِ، فَإِنِّي - إِذا فَعَلْتَ - مُعْتِقُكَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. هأنذا آمُرُكَ، فَأَحْضِرْ لِي «فِرْدِنَنْدَ»، فَإِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَرَى عَنْ كَثَبٍ أَشْهَدَ عَنْ قُرْبٍ ابْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ضَيَّعَ الْمُلْكَ مِنِّي».

فَقَالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَكَ!»

ثُمَّ قَفَزَ - فِي خِفَّةٍ وَنَشاط - وَاسْتَخْفَى عَنْ عَيْنَيْهِ لِيُحْضِرَ لَهُ مَا طَلَبَ.

(٤) يَقَظَةُ «مِيرَنْدا»

وَثَمَّةَ انْحَنَى «بُرُسْبِيرُو» عَلَى ابْنَتِهِ وَهْيَ نَائِمَةٌ ، وَقالَ لَها: «اسْتَيْقِظِي يَا بُنَيَّتِي الْعَزِيزَةَ، وَهُبِّي (قُومِي وَانْهَضِي مِنْ رُقادِكِ. هَلُمِّي إِلَيَّ لِتَنْظُرِي مَا فَعَلَ كَلِيبَانُ»».

فَقَالَتْ لَهُ مِيَرَنْدا» وَهِيَ تَرْفَعُ جَفْنَيْها: «كَلَّا يا أَبَتِ، لا أُحِبُّ أَنْ أَرَى أَمامِي هذا الشَّيْطَانَ».

فَقَالَ لَهَا: «الْحَقُّ مَعَكِ يا عَزِيزَتِي، فَإِنَّهُ فَظٌ بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ. عَلَى أَنَّنا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَغْنِيَ عَنْهُ. فَهُوَ الَّذِي يَجِيثُنا بِالْخَشَبِ، وَيَحْتَطِبُ يُحْضِرُ الْحَطَبَ) لَنا – كُلَّ يَوْمٍ - وَيُوقِدُ النَّارَ».

(٥) بَيْنَ «بُرُسْبِيرُو» و «كَلِيبانَ»

ثُمَّ صَاحَ: «هَلُمَّ إِلَيَّ يَا كَلِيبانَ». إِلَيَّ أَيَّتُهَا السُّلْحَفاةُ الخِبِيَثُةِ. أَلا تُلَبِّي نِدَائِي؟»

فَسَكَتَ كَلِيبانُ» لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ لِسَيِّدِهِ «بُرُسْبِيرُو» غاضِبًا: «أَنَسِيتَ أَنَّ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ الَّتِي تَعِيشُ فِيهَا هِيَ مِلْكٌ لِي وَحْدِي، وَأَنَّنِي قَدْ وَرِثْتُها عَنْ أُمِّي «سِكُورَكْسَ»؟ ثُمَّ سَلَبْتَنِيها وَاغْتَصَبْتَها مِنِّي بِقُوَّتِكَ، وَظُلْمِكَ وَجَبَرُوتِكَ ؟ عَلَى أَنَّكَ لَمْ تَحُلَّ بِهِذِهِ الْجَزِيرَةِ حَتَّى عَلَّمْتَنِي كَيْفَ أَنْطِقُ وَأَصِفُ ما حَوْلِي مِنَ الْأَشْياءِ، وَقَدْ أَحْبَبْتُكَ - حِينَئِذٍ – وَمَحَضْتُكَ الْوُدَّ، وَأَخْلَصْتُكَ الْحُبَّ، فَأَرَيْتُكَ كُلَّ ما فِي الْجَزِيرَةِ مِنَ الْيَنابِيعِ الْعَذْبَةِ وَالْآبَارِ الْمِلْحَةِ، وَالْمُرُوحِ (الْأَرْضِ الْمَمْلُوعَةِ بِالنَّبَاتِ وَالْهِضابِ. فَعَلَيَّ اللَّعْنَةُ إِذْ أَرْشَدْتُكَ إِلَى كُلِّ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ. نَعَمْ، وَلْتَسْقُطْ عَلَيْكَ لَعَناتُ «سِكُورَكْسَ» يا جِنْسَ الْخَفَافِيشِ، وَنَسْلَ الضَّفادِعِ وَسَلِيلَ التَّعَابِينِ»

ثُمَّ وَقَفَ «كَلِيبانُ» عَنِ الْكَلامِ لَحْظَةً وَاسْتَأْنَفَ يَقُولُ: «لَقَدْ كُنْتُ – وَحْدِي – مَلِكَ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا حَلَلْتُمَا سَلَبْتَنِي حُرِّيَّتِي، وَمَلَكْتَ رِقّي ، وَصَيَّرْتَنِي عَبْدًا وَاغْتَصَبْتَ مِنِّي مُلْكِي، وَلَمْ تَدَعْ لِي مِنَ الْجَزِيرَةِ إِلَّا مَكَانًا ضَيِّقًا فِي هَذِهِ الصَّخْرَةِ الْمُقْفِرَةِ (الْخَالِيَةِ). فَيا لَكَ مِنْ جَاحِدٍ مُنْكِرٍ لِلْجَمِيلِ أَلَّا فَلْتَسْقُطْ عَلَيْكَ لَعَناتُ أُمِّي «سِكُورَكْسَ»، وَلْتُنَغُصْ عَلَيْكَ حَياتَكَ الضَّفادِعُ وَالْخَنافِسُ وَالْخَفَافِيشُ!»

(٦) «بُرُسْبِيرُو» يَتَوَعَّدُ «كَلِيبَانَ»

وَلَمْ يُطِقْ «بُرُسْبِيرُو» أَنْ يَدَعَ كَلِيبانَ» ماضِيًا في سبابِهِ (مُسْتَمِرًّا فِي شَتْمِهِ)، مُتَمَادِيًا فِي وَقاحَتِهِ، فَقاطَعَهُ قائِلًا: «صَهُ اسْكُتْ) أَيُّهَا الْأَثِيمُ، فَلَيْسَ يَجْدُرُ بِكَ إِلَّا السَّوْطُ، أَمَّا الْجَمِيلُ فَلا يَتْرُكُ فِي نَفْسِكَ إِلَّا أَسْوَأَ الْآثَارِ. أَنَسِيتَ مَا أَسْلَفْتُهُ قَدَّمْتُهُ إِلَيْكَ مِنْ إِحْسَانٍ، وَمَا غَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ عَطْفٍ وحَنانِ؟ كَيَفْ ارْتَضَيْتَ أَنْ تُقابِلَ مَعْرُوفِي بِالْإِساءَةِ وَجَمِيلِي بِالْكُفْرانِ؟ هِيهِ أَيُّهَا الْجاحِدُ، لَقَدْ لَقِيتُكَ - أَوَّلَ أَمْرِكَ - حَيَوانًا أَبْكَمَ، وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا الصراخ وَالْعُواءَ، فَعَلَّمْتُكَ كَيْفَ تَنْطِقُ وَكَيْفَ تُبِينُ عَنْ أَغْرَاضِكَ».

فَأَجَابَهُ كَلِيبان» حانِقًا غاضِبًا ثائرًا: «لَقَدْ عَلَّمْتَنِي اللُّغَةَ، فَشُكْرًا لَكَ إِذْ عَلَّمْتَنِي كَيْفَ أَلْعَنْكَ، وَأَدْعُو عَلَيْكَ أَنْ يُهْلِكَكَ الطَّاعُونُ جَزَاءَ مَا عَلَّمْتَنِيهِ!»

فَقَالَ لَهُ بُرُسْبِيرُو»: «صَهُ. اخْرَسْ أَيُّها السَّاقِطُ الْمُرُوءَةِ، وَحَذارِ أَنْ تَتَمَادَى فِي سَفَاهَتِكَ وشَتَمِكَ، وَهَذَرِكَ وَمُزاحِكَ وَهَذَيانِكَ. اذْهَبْ مِنْ هُنا يا ابْنَ «سِكُورَكْسَ» - فَأَحْضِرْ لَنَا وَقُودًا. أَسْرِعْ بِتَلْبِيَةِ أَمْرِي، وَلا تَتَوانَ فِي ذَلِكَ وَلَا تُبْطِئْ، وَإِلَّا مَلَأْتُ عِظَامَكَ بِالْأَوْجَاعِ وَالْآلَامِ الْمُبَرِّحَةِ الشَّدِيدَةِ الْأَذَى وَالْأَلَمِ جَزَاءَ عِصْيانِكَ وَلُؤْمِ نَحِيزَتِكَ (خُبْثِ طَبِيعَتِكَ، وَفَسَادِ ضَمِيرِكَ وَطَوِيَّتِكَ».

فَمَلَأَ الْخَوْفُ نَفْسَ كَلِيبانَ الْغَادِرَ، وَتَمَلَّكَهُ الذِّعْرُ، وَقَدْ خَشِيَ أَنْ يُنْفِذَ فِيهِ وَعِيدَهُ، فَقالَ لَهُ ضارِعًا (خاضِعًا): «كَلَّا ، لا تَفْعَلْ، وَتَجاوَزْ بِفَضْلِكَ عَنْ خَطِيئَتِي وَذَنْبِي، وَسَتَرَانِي مُذْعِنَّا لِأَمْرِكَ، مُطِيعًا، مُلَبِّيًا كُلَّ مَا تَطْلُبُهُ مِنِّي».

ثُمَّ أَسْرَعَ كَلِيبانُ» لِيُنْجِزَ (لِيُتِمَّ) ما أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ بُرُسْبِيرُو» وَهُوَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: «يا لَهُ مِنْ مُتَسَلِّطٍ جَبَّارٍ. فَمَتَى أَخْلُصُ مِنْ إِسارِي، وَأَنْجُو مِنْ حَبْسِي، فَأَسْتَرِيحَ مِنْ وَعِيدِهِ؟ لا بُدَّ لِي مِنْ تَلْبِيَةِ أَمْرِهِ. وَالْوَيْلُ لِي إِذا هَمَمْتُ بِعِصْيانِهِ!»

الفصل الثالث

(۱) حِيلَةُ «آرْيِلَ»

ذَهَبَ أَرْيِلُ» لِيُحْضِرَ فِرْدِنَنْدَ كَما أَمَرَهُ بُرُسْبِيرُو» . وَكَانَ «أَرْيِلُ» – كَمَا قُلْنَا - ذَكِيًّا لَبِقًا حَسَنَ التَّصَرُّفِ ) ؛ فَسَلَكَ طَرِيقَةً عَجِيبَةً جِدًّا لا تَخْطُرُ عَلَى بال. فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى فِرْدِنَنْدَ»، وَأَخْفَى نَفْسَهُ عَنْ عَيْنَيْهِ، وَظَلَّ يُرَدِّدُ أُغْنِيَّةً جَدِيدَةً يَنْعَى بِها أَبا «فِرْدِنَنْدَ» وَيُعْلِنُ وَفاتَهُ، لِيُيْئِسَهُ مِنْ لِقَاءِ أَبِيهِ.

وَكَانَ فِرْدِنَنْدُ» – حِينَئِذٍ – محَزْونًا عَلَى أَبِيهِ ، لا يَعْرِفُ: هَلْ كُتِبَتْ لَهُ السَّلَامَةُ، أَمْ كَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ؟ وَلَمْ يَسْمَعْ أُغْنِيَّةَ «آرْيِلَ» حَتَّى أَرْهَفَ أُذُنَيْهِ، وَتَسَمَّعَ بِانْتِباهِ وَأَنْصَتَ كُلَّ الْإِنْصاتِ.

وَكَانَ «أَرْيِلُ» يُغَنِّي وَهُوَ سَائِرٌ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بُرُسْبِيرُو». وَكَانَ «فِرْدِنَنْدُ» يَسِيرُ فِي طَرِيقِهِ - عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ - مُتَتَبّعًا الصَّوْتَ السَّاحِرَ الَّذِي يَنْعَى لَهُ أَبَاهُ، وَيُخْبِرُهُ بِمَوْتِهِ، فِي شِعْرٍ مُؤَثَّرٍ مُحْزِنٍ.

(۲) نَشِيدُ «آرْيِلَ»

وَقَدْ عَجِبَ فِرْدِنَنْدُ مِمَّا سَمِعَ ، وَظَلَّ يَتَتَبَّعُ - في انتِباهِ شَدِيدٍ - صَوْتَ الْجِنِّيِّ، وَهُوَ يُغَنِّيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ. وَقَدْ بَدَأَ «آرْيِلُ» أُغْنِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ:

أَبُوكَ يا «فِرْدِنَنْدُ» قَدْ مَاتَ، وَهُوَ غَرِيقٌ

طَواهُ بَحْرٌ خِضَمٌ نَائِي الشُّطُوطِ عَمِيقُ

وَالْبَحْرُ - مُنْذُ قَدِيمٍ - إِلَى الْهَلَاكِ طَرِيقُ

فَجَزِعَ «فِرْدِنَنْدُ» عَلَى أَبِيهِ وَعَجِبَ مِنْ غِناءِ الْهَاتِفِ الَّذِي يُسْمَعُ صَوْتُهُ وَلَا يُرَى شَخْصُهُ، وَسارَ يَتْبَعُ الصَّوْتَ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ:

أَبُوكَ يا «فِرْدِنَنْدُ» قَدْ مَاتَ، وَهُوَ غَرِيقُ

وَنَامَ نَوْمًا عَمِيقًا فَما تَراهُ يُفِيقُ

عِظامُهُ مَرْجانٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ عَقِيقُ

فَاشْتَدَّ جَزَعُ فِرْدِنَنْدَ»، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ حُزْنًا وَأَلَمًا عَلَى مَصِيرٍ أَبِيهِ، وَيَئِسَ مِنْ لِقَائِهِ الْيَأْسَ كُلَّهُ.

وَإِنَّهُ لَغَارِقُ فِي أَحْزَانِهِ وَآلَامِهِ، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ الْجِنِّيِّ وَهُوَ يُغَنِّيهِ:

أَبُوكَ يا «فِرْدِنَنْدُ» قَدْ مَاتَ، وَهُوَ غَرِيقُ

هَوَى إِلَى الْقَاعِ لَمَّا طَوَاهُ بَحْرٌ سَحِيقُ

فَاحَزْنَ، فَأَنْتَ عَلَيْهِ بِكُلِّ حُزْنٍ - خَلِيقُ

فَاسْتَسْلَمَ فِرْدِنَنْدُ لِأَحْزَانِهِ، وَبَكَى أَباهُ الْعَزِيزَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ الْهَاتِفَ يُخْبِرُهُ - فِي لَهِجَةِ الْجَازِمِ الْمُتَحَقِّقِ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَيْقِنِ – أَنَّ أَبَاهُ قَدْ مَاتَ وَطَواهُ الْبَحْرُ، وَأَصْبَحَتْ عِظَامُهُ مَرْجَانًا وَعَيْنَاهُ عَقِيَقَتَيْنِ، وَلَمْ يَعُدْ لَهُ أَمَلٌ فِي لُقْياهُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ الْمَشْتُومِ!

(۳) أَمَامَ الْكَهْفِ

وَما زالَ فِرْدِنَنْدُ» سائِرًا - وَقَدْ تَمَلَّكَهُ سِحْرُ الْإِنْشَادِ الرَّائِعِ – حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَهْفِ «بُرُسْبِيرُو»، فَرَآهُ واقِفًا عَلَى رَأْسِ صَخْرَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَإِلَى جَانِبِهِ مِيَرَنْدا». فَعَجِبَ «فِرْدِنَنْدُ» مِمَّا رَأَى. فَأَمَّا مِيرَنْدا» فَلَمْ تَرَ هذا الْإِنْسِيَّ حَتَّى اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ، فَالْتَفَتَتْ إلَى أَبِيهَا تَسْأَلُهُ مُتَعَجِّبَةً: «تُرَى مَنْ هذا الْقَادِمُ يَا أَبِي ؟ لَعَلَّهُ جِنِّيٌّ أَوْ مَلَكٌ (رُوحٌ سَمَاوِيٌّ) هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ فَلَسْتُ أَذْكُرُ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ، أَوْ رَأَيْتُ مَنْ يُشْبِهُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ!»

وَكَانَ لَهَا الْعُذْرُ فِي هذا السُّؤالِ؛ فَقَدْ عَلِمْتَ - أَيُّهَا الْقارِئُ الصَّغِيرُ - أَنَّ عَيْنَيْ «ميرندا» لَمْ تَقَعا مِنْ قَبْلُ عَلَى إِنْسِيٌّ سِوَى أَبِيها. فَلَمَّا رَأَتْ فِرْدِنَنْدَ» عَجِبَتْ مِنْ رُؤْيَتِهِ، وَحَسِبَتْهُ جِنّيًّا أَوْ مَلَكًا ، فَسَأَلَتْ أباها عَنْهُ فَقالَ لَها: «لَيْسَ هذا الْقَادِمُ مِنَ الْجِنِّ وَلَا مِنَ الْمَلائِكَةِ كَمَا تَحْسَبِينَ - يَا عَزِيزَتِي - بَلْ هُوَ إِنْسِيٌّ مِثْلُنَا. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ رَكْبِ تِلْكَ السَّفِينَةِ الَّتِي رَأَيْتِهَا مُشْرِفَةً (مُقْبِلَةً) عَلَى الْغَرَقِ. وَهُوَ يَسِيرُ فِي الْجَزِيرَةِ بِاحِثًا عَنْ أَبِيهِ وَرُفَقائِهِ؛ لَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِلِقَائِهِمْ».

(٤) حوارُ «فِرْدِنَنْدَ» وَ «مِيرَنْدا»

وَمَا رَأَتْ مِيرَنْدا» «فِرْدِنَنْدَ وَسَمِعَتْ قِصَّتَهُ مِنْ أَبِيها ، حَتَّى أَشْفَقَتْ وَحَزِنَتْ لَهُ، وَعَطَفَتْ عَلَيْهِ، وَفَرِحَتْ بِرُؤْيَةِ الْإِنْسِيِّ الطَّرِيفِ، فِي الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ الْبَعِيدَةِ الْمُقْفِرَةِ (الْخَالِيَةِ)، وَظَهَرَتْ عَلَى أَسارِيرِها (خُطُوطِ جَبِينِها أماراتُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ. أَمَّا «فِرْدِنَنْدُ» فَلَمْ يَرَ ميرندا» أَمَامَهُ حَتَّى حَسِبَها – كَما حَسِبَتْهُ مِنْ قَبْلُ - مَلَكًا هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ جِنِّيَّةً حَسْناءَ، تَسْكُنُ الْجَزِيرَةَ الْمُنْزِلَةَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْها مُتَأَدِّبًا، وَسَأَلَهَا، فِي حَيَاءٍ وَخَجَلٍ: «هَلْ تَسْمَحُ لِي مَوْلاتِي أَنْ تُخْبَرَنِي : أَهِيَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْ مِنَ الْجِنِّ؟»

فَأَجَابَتْهُ مِيرَنْدا» مُتَلَطَّفَةً بِاسِمَةً: كَلَّا يا سَيِّدِي ما أَنَا بِمَلَكٍ وَلا جِنِّيَّةٍ، بَلْ أَنا إِنْسِيَّةٌ مِثْلُكَ».

فَاشْتَدَّتْ دَهْشَةٌ فِرْدِنَنْدَ وَفَرِحَ بِرُؤْيَةِ مِيرَنْدا» وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ رَجَاءً وَأَمَلًا.

(٥) بَيْنَ «فِرْدِنَنْدَ» و «بُرُسْبِيرُو»

وَما رَأَى «بُرُسْبِيرُو» «فِرْدِنَنْدَ» وَ مِيرَنْدا» مُتَالِفَيْنِ، حَتَّى مَلَأُ السُّرُورُ قَلْبَهُ، وَأَدْرَكَ أَنَّ خُطَّتَهُ الَّتِي أَحْكَمَ تَدْبِيرَها قَدْ نَجَحَتْ نَجاحًا باهرًا . فَقَدْ رَأَى أَنَّهُما مُتَحابَّانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعارَفا قَبْلَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَتَسَرَّعَ فِي أَمْرِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُحْكِمَ خُطَّتَهُ، وَأَنْ يُؤْيِسَ فِرْدِنَنْدَ مِنْ زَواجِهِ بِابْنَتِهِ مِيرَنْدا»؛ لِيَخْتَبِرَ - بِذَلِكَ – أَخْلاقَهُ؛ ثُمَّ يَمْلَأَ نَفْسَهُ أَمَلًا - بَعْدَ يَأْسٍ - فَيَكُونَ لِهذا النَّجاحَ أَحْسَنُ الْأَثَرِ فِي نَفْسِ «فِرْدِنَنْدَ»، وَثَمَّةَ (هُنا) نَظَرَ إِلَيْهِ بُرُسْبِيرُو» وَقالَ لَهُ، وَهُوَ يَتَظاهَرُ بِالْقَسْوَةِ عَلَيْهِ : ماذا أَتَى بِكَ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ؟ لَعَلَّكَ أَتَيْتَ لِتِغَتْصَبِها مِنِّي».

فَقَالَتْ لَهُ مِيرَنْدا» مُتَعَجِّبَةً: «لِماذا تَعْنُفُ بِهِ (تَقْسُو عَلَيْهِ فِي كَلامِكَ، يَا أَبَتِ؟ وَمَا بالُكَ تُغْلِظُ لَهُ الْقَوْلَ، وَتُعامِلُهُ كَما تُعامِلُ جَارِمًا أَثِيمًا (مُرْتَكِبًا إِثْمًا)؟»

فَتَظَاهَرَ بُرُسْبِيرُو» بِالْغَضَبِ مِنْ كَلامِ ابْنَتِهِ ، وَأَسْكَتَها، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى «فِرْدِنَنْدَ» وَقَالَ لَهُ فِي لَهْجَةِ الْجَادُ الْمُعَبِّسِ الْمُقَطَّبِ جَبِينَهُ): «ما أَجْدَرَكَ أَنْ تَكُونَ الْجَحِيمُ مَأْواكَ، وَالنَّارُ مَثْواكَ مَسْكَنَكَ)، وَأَنْ تَلْقَى ما أَنْتَ أَهْلُهُ مِنْ عَذابٍ ونَكالٍ، حَتَّى يَنْحَنِيَ جِسْمُكَ وَيَتَقَوَّسَ، وَيَلْتَصِقَ رَأْسُكَ بِقَدَمَيْكَ، فَلْتَبْقَ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ عَبْدًا سَجِينًا، وَلْيَكُنْ مَاءُ الْبَحْرِ شَرَابَكَ وَحَشَائِشُ الْأَرْضِ غِذاءَكَ».

(٦) خُضُوعُ «فِرْدِنَنْدَ»

فَلَمْ يَسْتَطِعْ فِرْدِنَنْدُ الشَّجَاعُ النَّبِيلُ أَنْ يَحْتَمِلَ الْإِهانَةَ مِنْ بُرُسْبِيرُو»، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ غَضَبًا فَأَسْرَعَ إِلَى سَيْفِهِ، فَاسْتَلَّهُ مِنْ غَمْدِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ جِرَابِهِ)، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِ خَصْمِهِ الَّذِي أَهانَهُ وَحَقَّرَهُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَهُمَّ بِذَلِكَ حَتَّى تَخاذَلَ وَضَعُفَ - أَمَامَ نَظَرَاتِ بُرُسْبِيرُو» السَّاحِرَةِ - وَتَفَكَّكَتْ أَوْصالُهُ، وَتَخاذَلَتْ أَعْضاؤُهُ؛ فَلَمْ يَعُدْ يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى مُناجَزَةِ خَصْمِهِ مُحارَبَةِ عَدُوِّهِ الْقَوِيِّ. فَتَشَفَعَتْ مِيرَنْدا» عِنْدَ أَبِيهَا أَلَّا يُؤْذِيَهُ، وَرَكَعْت أَمامَهُ تَسْأَلُهُ - فِي ضَراعَةِ الْمُتَوَسِّلِ، وَذِلَّةِ الْمُسْتَعْطِفِ - راجِيَةً أَنْ يَصْفَحَ عَنْ فِرْدِنَنْدَ» وَأَنْ يَتَجاوَزَ عَنْ هَفْوَتِهِ (سَقْطَتِهِ).

فَقَالَ لَهَا «بُرُسْبِيرُو» وَهُوَ يَتَظاهَرُ بِالْغَيْظِ وَالْحَنَقِ عَلَى «فِرْدِنَنْدَ»، وَيَتَصَنَّعُ الْإِزْرَاءَ وَالاسْتِخْفافَ بِهِ: «إِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ - أَيَّتُها السَّاذَجَةُ الْبَلْهَاءُ – خَوَنَةٌ غَادِرُونَ، مِثْلُ «گِلِيبانَ»، وَما رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ عَنِ الْآخَرِ فِي الْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْغَدْرِ».

وَرَأَى فِرْدِنَنْدُ أَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ مُقاوَمَةِ خَصْمِهِ، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْإِذْعَانِ لَهُ وَالْخُضُوعِ لِسُلْطَانِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ «بُرُسْبِيرُو» قَدْ أَخْضَعَهُ بِقُوَّةِ السِّحْرِ وَفُنُونِهِ.

(۷) «فِرْدِنَنْدُ فِي الْأَسْرِ

وَقَدْ عَجِبَ فِرْدِنَنْدُ مِمَّا رَأَى وَقالَ فِي نَفْسِهِ: «ما أَغْرَبَ هذا الرَّجُلَ، وَمَا أَقْوَى سُلْطَانَهُ عَلَيَّ وَمَا أَدْرِي : بِأَيِّ قُوَّةٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيَّ، وَيُقَيِّدَنِي - مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ - وَيَجْعَلَنِي مُفَكَّكَ الْأَوْصَالِ (مُنْحَلَّ الْأَعْضَاءِ) ، وَكَأَنَّنِي فِي حُلْمٍ مُضْنٍ مُضْعِفٍ مُمْرِضٍ)، وَقَدْ أَصْبَحْتُ أَمامَهُ ضَعِيفًا، لا حَوْلَ لِي وَلَا قُوَّةَ؟ شَدَّ ما أَذَلَّنِي هذا الرَّجُلُ، حَتَّى لَأُوثِرَ الْمَوْتَ عَلَى الْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ، لَوْلا أَنَّنِي أَجِدُ مِنْ عَطْفِ هَذِهِ الْفَتاةِ الطَّاهِرَةِ الرَّحِيمَةِ – الَّتِي أَراها إِلَى جانبه - ما يُعَزِّينِي وَيُصَبِّرْنِي وَيُسَرِّي عَنْ نَفْسِي (يَكْشِفُ عَنْهَا هُمُومَها)، وَيُهَوِّنُ عَلَيَّ كُلَّ ما أُحِسُّهُ مِنَ الْقَهْرِ وَالْغَيْظِ».

وَإِنَّهُ لَغَارِقٌ فِي هَذِهِ التَّأَمُّلاتِ إِذْ نَبَّهَهُ صَوْتُ بُرُسْبِيرُو» مِنْ أَحْلامِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «هَلُمَّ - أَيُّهَا الْأَمِيرُ الْفَتَى - فاحْتَطِبْ اجْمَعْ مِنَ الْحَطَبِ لَنا مَا تَسْتَطِيعُ، ثُمَّ أَحْضِرْ إِلَى كَهْفِنا بَيْتِنَا فِي الْجَبَلِ ما تَحْتَطِبُهُ مِنْ خَشَبٍ لِلْوَقُودِ. وَحَذارِ أَنْ تَتَرَدَّدَ فِي تَلْبِيَةِ مَا آمُرُكَ بِهِ».

وَالْتَفَتَ «بُرُسْبِيرُو» إِلَى مِيرَنْدا» قائِلًا: «حَذارِ أَنْ تَأْخُذَكِ فِي أَمْرِهِ شَفَقَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ؛ فَهُوَ جَدِيرٌ بِكُلِّ شَقاءٍ».

ثُمَّ سَارَ مَعَ فِرْدِنَنْدَ إِلَى حَيْثُ الْخَشَبُ وَالْوَقُودُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَكَانِهِمَا لِيَحْتَطِبَ لَهُما كُلَّ يَوْمٍ.

الفصل الرابع

(۱) عَطْفُ «مِيرَنْدا» عَلَى فِرْدِنَنْدَ»

وَبَيْنَمَا كَانَ فِرْدِنَنْدُ سائِرًا فِي طَرِيقِهِ، عَائِدًا إِلَى غَارِ بُرُسْبِيرُو» (راجِعًا إِلَى الْمَغَارَةِ الَّتِي اتَّخَذَها بَيْتًا لَهُ فِي الْجَبَلِ) ، إِذْ لَقِيَتْهُ مِيرَنْدا» - وَكَانَ مَشْغُولًا بِالتَّفْكِيرِ فِيهَا حِينَئِذٍ - فَلَمْ تَرَهُ حَتَّى أَشْفَقَتْ عَلَيْهِ، وَأَرادَتْ أَنْ تُساعِدَهُ فِي حَمْلِ الْخَشَبِ الَّذِي كَلَّفَهُ أَبُوها إِحْضَارَهُ إِلَى كَهْفِهِ.

فَدَهِشَ «فِرْدِنَنْدُ مِنْ كَرَمِ نَفْسِها ، وَأَكْبَرَ (عَظَمَ) مِنْهَا ذَلِكَ الشُّعُورَ النَّبِيلَ، وَقَالَ لها: «إِنِّي لَأُوثِرُ أَنْ تَشَلَّ يَدِي أَخْتارُ أَنْ تَقِفَ يَدِي عَنِ الْحَرَكَةِ)، أَوْ تُبْتَرَ سَاعِدِي (تُقْطَعَ ذِراعِي عَلَى أَنْ أُكَلِّفَكِ شَيْئًا مِنَ الْعَناءِ!»

فَقَالَتْ لَهُ مِيرَنْدا»: «أَراكَ عَيَّانَ عَاجِزًا عَنِ الْعَمَلِ ، وَأَلْمَحُ عَلَى وَجْهِكَ أَمَارَاتِ الْجَهْدِ وَالْإِعْيَاءِ عَلاماتِ الْمَشَقَّةِ وَالْعَجْزِ). فَماذا عَلَيَّ إِذا خَفَّفْتُ شَيْئًا مِنْ عَنائِكَ؟»

فَقالَ لَها: «حَسْبِي أَنْ أَعْرِفَ مِنْكِ هذا الْعَطْفَ النَّادِرَ، وَأَنْ أَتَمَثَّلَ أَمامِي هذا الرُّوحَ النَّبِيلَ، فَتَمْتَلِئَ نَفْسِي قُوَّةً أَتَغَلَّبُ بِها عَلَى كُلِّ مَا أَلْقَاهُ مِنْ عَناءٍ وَتَعَبٍ!»

(۲) مُفَاجَأَةٌ «بُرُسْبِيرُو»

وَوَقَفا يَتَحَدَّثَانِ قَلِيلًا، وَكَانَ بُرُسْبِيرُو» عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُما يَسْتَمِعُ إِلَى أَحَادِيثِهِمَا بِحَيْثُ لا يَرَيانِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخْفَى نَفْسَهُ عَنْ عُيُونِهِما بِما أُوتِيهِ مِنْ فُنُونِ السِّحْرِ وَسُلْطَانِهِ.

ثُمَّ ظَهَرَ أَمامَهُما فَجْأَةً؛ فَعَجِبا مِنْ رُؤْيَتِهِ، وَلَمْ يَعْرِفا كَيْفَ جَاءَ، وَمِنْ أَيِّ مَكَانٍ ظَهَرَ، وَخَشِيا أَنْ يَدْفَعَهُ الْغَضَبُ إِلَى إِيذائِهِما وَالتَّنْكِيلِ بِهِما.

وَلَكِنَّ «بُرُسْبِيرُو» أَخْلَفَ ظَنَّهُما ، وَقالَ لَهُما مُبْتَسِمًا مَسْرُورًا: «لَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَمْتَحِنَ صَبْرَكُما، وَأَرَى كَيْفَ تَلْقَيانِ الشَّدائِدَ. وَقَدْ رَأَيْتُ - مِنْ وَفائِكُما وَإِخْلاصِكُما وَمُرُوءَتِكُما - ما مَلَأَ قَلْبِي بَهْجَةً وَانْشِراحًا. وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ تَكُونِي – يا «مِيرَندا» – زَوْجَتَهُ وَشَرِيكَتَهُ فِي الْحَيَاةِ؛ فَأَنْتُما مُتَكَافِئانِ (مُتَساوِيانِ) فِي النُّبْلِ وَالشَّرَفِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْوَفَاءِ!»

(۳) شُكْرُ «فِرْدِنَنْدَ»

وَمَا سَمِعا هذا الْكَلامَ، حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِما أَنَّهُما فِي حُلْمٍ، وَامْتَلَأَ قَلْبَاهُما سُرُورًا وَغِبْطَةً. وَتَوَجَّهَ «فِرْدِنَنْدُ إِلَى «بُرُسْبِيرُو» وَشَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ أَحْسَنَ الشُّكْرِ، وَلَثَمَ يَدَهُ (قَبَّلَها) عِرْفانًا لِمُرُوءَتِهِ وَكَرَمِهِ، وَقَالَ لَهُ: «سَأَكُونُ ابْنَكَ الْبَارَ - مُنْذُ الْيَوْمِ – وَسَأَبْقَى لِبِنْتِكَ مِيرَنْدا» نِعْمَ الصَّدِيقُ الْوَفِيُّ الْأَمِينُ، وَأَبْذُلُ نَفْسِي فداءً لَها مِنْ كُلِّ سُوءٍ طُولَ حَياتِي».

فَشَكَرَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو» مُرُوءَتَهُ، وَرَبَّتَهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى كَتِفِهِ مُتَلَطَّفًا)، ثُمَّ تَرَكَهُ مَعَ «مِيرَنْدا» وَعادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى لِيُتِمَّ إِنْجَازَ خُطَّتِهِ.

(٤) انْتِقَامُ «آرْيِل»

وَلَمْ يَشَأْ «بُرُسْبِيرُو» أَنْ يُضِيعَ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ عَبَثًا، فَنَادَى خادِمَهُ الْجِنِّيَّ الْأَمِينَ وَقَالَ لَهُ: «إِلَيَّ يَا رَفِيقِي «آرِيلُ»! إِلَيَّ أَيُّهَا الْخادِمُ الْوَفِيُّ الْمُخْلِصُ فَحَضَرَ إِلَيْهِ «آرِيلُ» وَلَبَّاهُ مِنْ فَوْرِهِ قَائِلًا: «هأنذا - يا سَيِّدِي - فَمُرْنِي بِما تَشَاءُ؛ فَإِنِّي سَامِعُ مُطِيعٌ».

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «ماذا صَنَعْتَ بِشَقِيقِي الْغَادِرِ «أَنْطُنْيُو»؟ وَمَاذَا صَنَعْتَ بِمَلِكِ «ناپولي» ؟ وماذا صَنَعْتَ بِرُفُقائِهِما جَمِيعًا؟ ما أَحْسَبُكَ قَصَّرْتَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَمَرْتُكَ بِهِ».

فَقالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «لَقَدْ أَنْجَزْتُ ما طَلَبْتَ - وَفْقَ ما تَشْتَهِي وَتُرِيدُ – فَانْتَقَمْتُ مِنْهُمْ شَرَّ انْتِقَامٍ، وَسَخِرْتُ مِنْهُمْ جَمِيعًا حَتَّى كَادُوا يَتَمَيَّزُونَ مِنَ الْغَضَبِ يَتَقَطَّعُونَ مِنَ الْغَيْظِ). وَقَدْ أَعْدَدْتُ لَهُمْ مائِدَةً فَاخِرَةً عَلَيْهَا أَشْهَى أَلْوانِ الطَّعَامِ، وَمَا رَأَوْهَا حَتَّى أَسْرَعُوا إِلَيْهَا مُتَهَافِتِينَ (مُتَسَاقِطِينَ) فِي شَرَةٍ عَجِيبٍ شَغَفٍ شَدِيدٍ بِالْأَكْلِ). وَكَانَ الْجُوعُ قَدْ بَرَّحَ بِهِمْ أَذَاهُ وَاشْتَدَّ، فَصَبَرْتُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِذا دَنَوْا مِنْهَا ظَهَرْتُ أَمَامَهُمْ – فِي شَكْلِ حِرْباءَ مُفَزِّعَةٍ الْحِرْباءُ : حَيَوانٌ زاحِفٌ يَتَلَوَّنُ أَلْوانًا مُخْتَلِفَةً) - فَخَطِفْتُ الْمَائِدَةَ وَأَخْفَيْتُها عَنْ أَعْيُنِهِمْ. فَتَبَدَّلَ سُرُورُهُمْ جَزَعًا وَرَجَاؤُهُمْ يَأْسًا. وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ غَيْظًا مِنِّي، وَحَنَقًا عَلَيَّ؛ فَسَلُّوا سُيُوفَهُمْ مِنْ أَغْمَادِها أَخْرَجُوها مِنْ جِراباتِها) مُحاوِلِينَ أَنْ يَفْتِكُوا بِي، فَسَخِرْتُ مِنْهُمْ قَائِلًا: «اخْسَئُوا - أَيُّهَا الْأَثَمَةُ - وَتَوارَوْا خِزْيًا، أَيُّهَا الْغَادِرُونَ أَلا تَذْكُرُونَ تِلْكُمُ الْمُؤامَرَةُ الَّتِي دَبَّرْتُمُوهَا ضِدَّ سَيِّدِكُمْ «بُرُسْبِيرُو» النَّبِيلِ: أَمِيرِ «ميلانَ»؟ أَنَسِيتُمْ أَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ - مَعَ طِفْلَتِهِ الْبَرِيئَةِ - إِلَى الْبَحْرِ لِيَمُوتًا فَرِيقَيْنِ، وَهُمَا لَمْ يَقْتَرِفا إِثْمًا، وَلَمْ يَرْتَكِبا ذَنْبًا؟ اذْكُرُوا أَنَّ لِكُلِّ جُرْمٍ عِقابًا ، وَأَنَّ ساعَةَ الْقِصَاصِ (أَخْذِ الْحَقِّ) قَدْ دَنَتْ قَرُبَتْ). فَإِذا شِئْتُمُ النَّجاةَ مِنَ الْهَلاكِ الَّذِي يَتَهَدَّدُكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِكُمْ وَتُوبُوا مِنْ خَطِيئَاتِكُمْ، وَعَاهِدُوا اللهَ عَلَى أَلَّا تَعُودُوا - بَعْدَ الْيَوْمِ - إِلَى الْغَدْرِ وَالْخِيانَةِ وَمُقَابَلَةِ الإحسان بالإساءة».

فَسَأَلَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «هَلْ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا، أَيُّهَا الرَّفِيقُ الْأَمِينُ؟»

فَقَالَ لَهُ «آرْيِلُ»: «نَدِمُوا كُلَّ النَّدَمِ. فَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الْيَأْسُ وَتَأْنِيبُ الضَّمِيرِ (تَوْبِيخُهُ) كُلَّ مَبْلَغ، وَبَرَّحَ بِهِمُ الْأَلَمُ كُلَّ مُبَرَّحٍ ، حَتَّى تَمَلَّكَهُمُ النُّهُولُ وَالْحَيْرَةُ، لِشِدَّةِ مَا اعْتَرَاهُمْ مِنَ الْفَزَعِ، وَالْحُزْنِ وَالْجَزَعِ».

فَقَالَ لَهُ «بُرُسْبِيرُو»: «إِنَّ النَّدَمَ دَلِيلُ الْإِخْلاصِ وَقَدْ صَفَحْتُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، بَعْدَ أَنْ صَفَتْ نُفُوسُهُمْ. فَأَحْضِرْهُمْ إِلَيَّ - يَا عَزِيزِي «آرْيِلُ» - فَقَدِ اشْتَدَّ شَوْقِي إِلَى رُؤْيَةِ شَقِيقِي «أَنْطُنْبُو» وَأَصْدِقَائِي الَّذِينَ مَعَهُ . أَسْرِعْ - يا «آرْيِلُ» – فَحَسْبُهُمْ مَا لَقُوا مِنْ عَنَةٍ وَشِدَّةٍ مَشَقَّةٍ وَتَضْبِيقٍ وَإِرْهَاقٍ، وَتَكْلِيفٍ بِما لا يُطاقُ».

الفصل الخامس

(۱) عَوْدَةُ «آرْيِلَ»

وَفِي مِثْلِ لَمْحِ الْبَصَرِ اسْتَخْفَى الْجِنِّيُّ «اَرْيِلُ» عَنِ الْأَنْظَارِ ؛ وَطارَ فِي الْجَوِّ. وَوَقَفَ «بُرُسْبِيرُو» يَرْتَقِبُ عَوْدَتَهُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ، وَقَدِ اشْتَدَّ شَوْقُهُ إِلَى رُؤْيَةِ رُفَقائِهِ الْقُدَمَاءِ.

وَبَعْدَ قَلِيلٍ سَمِعَ صَوْتَ مُوسِيقَى مُطْرِبَةٍ ؛ فَعَلِمَ أَنَّ صَفِيَّهُ «أَرْيِلَ» عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُ. فناداهُ وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ بِإِحْضَارِ ثَوْبِهِ وَسَيْفِهِ ، لِيَبْدُوَ أَمامَ رُفَقائِهِ فِي زِيِّهِ الَّذِي أَلِفُوهُ مِنْهُ.

وَمَا فَعَلَ حَتَّى أَصْبَحَ «بُرُسْبِيرُو» فِي ثِيابِ الْإِمَارَةِ الَّتِي كَانَ يَرْتَدِيهَا أَيَّامَ كَانَ أَمِيرَ ميلان.

(۲) بُشْرَى الْخَلاصِ

ثُمَّ الْتَفَتَ «بُرُسْبِيرُو» إِلَى «آرْيِلَ وَقالَ لَهُ: «أَبْشِرْ ، فَقَدْ دَنَتْ سَاعَةُ الْخَلاصِ مِنَ الْأَسْرِ، وَبَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ سَأَمْنَحُكَ حُرِّيَّتَكَ كَامِلَةً، وَأُطْلِقُكَ مِنْ إِسارِكَ، أَيُّهَا الرَّفِيقُ الْعَزِيزُ».

وَما سَمِعَ «أَرْيِلُ» مِنْ سَيِّدِهِ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ عَلَى وَشْكِ الْخَلاصِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَقَدِ اقْتَرَبَ مَوْعِدُ الظُّفَرِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَالانْطِلَاقِ مِنْ إِسارِهِ، حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ غِبْطَةً وَسُرُورًا وَانْشِراحًا؛ فَظَلَّ يُغَنِّي مُبْتَهِجًا بِحُرِّيَّتِهِ الْقَرِيبَةِ.

(۳) بَيْنَ بُرُسْبِيرُو» وَأَصْحَابِهِ

وَبَعْدَ قَلِيلٍ وَصَلَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ مُفاجَأَةً عَجِيبَةً، وَمُبَاغَتَةً غَيْرَ مُنْتَظَرَةٍ. وَكَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ «جُنْزالُو» صَدِيقُهُ الْحَمِيمُ، وَصَفِيُّهُ الْحَبِيبُ الْمَتِينُ الْوِدادِ)، الَّذِي عُنِيَ بِأَمْرِ بُرُسْبِيرُو» وَأَحْضَرَ إِلَيْهِ كُتُبَ السِّحْرِ ، وَوَضَعَ فِي سَفِينَتِهِ - إِلَى ذَلِكَ – كَثِيرًا مِنَ الثَّيابِ وَالزَّادِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ، كَما عَلِمْتَ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الصَّغِيرُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ.

وَقَدْ فَرِحَ «بُرُسْبِيرُو» بِرُؤْيَةِ الصَّدِيقِ الْوَفِي الْكَرِيمِ، وَرَأَى شَقِيقَهُ الْغَادِرَ «أَنْطُنْيُو» الَّذِي سَلَبَهُ مُلْكَهُ، وَكَانَ سَبَبَ شَقائِهِ وَتَغْرِيبِهِ تَشْتِيتِهِ وَإِبْعَادِهِ). كَمَا رَأَى «أَلْنْزُو» مَلِكَ «ناپولي» و «سِبِسْتِيانَ شَقِيقَ مَلِكِ «ناپولي»، وَرَأَى مَعَهُمُ اثْنَيْنِ مِنْ سَراةِ «ناپولي» (سادَتِها وَأَشْرافِها)، وَهُما أَدْرِيانُ» و«فَرَنْسِسْكُو».

وَمَا أَبْصَرَ هَؤُلاءِ بُرُسْبِيرُو» أَمامَهُمْ حَتَّى تَمَلَّكَهُمُ الرُّعْبُ وَالْفَزَعُ وَاسْتَوْلَى عَلَى نُفُوسِهِمُ الْخَوْفُ وَالْهَلَعُ.

وَحَارُوا فِي أَمْرِهِمْ وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ حَالِمُونَ ( ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِي عَالَمِ الْأَحْلامِ)؛ فَقَدْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ «بُرُسْبِيرُو» هَلَكَ مُنْذُ زَمَن طَوِيلٍ فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمَامَهُمْ غَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ، وَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ النُّهُولُ.

(٤) حوارُ «بُرُسْبِيرُو» وَأَلْنْزُو»

وَالْتَفَتَ بُرُسْبِيرُو» إِلَى أَلْنْزُو مَلِكِ «ناپولي» وَقالَ لَهُ: «إِيهِ يَا «أَلْنْزُو»! أَتَذْكُرُ صَاحِبَكَ بُرُسْبِيرُو» أَمِيرَ مِيلانَ الَّذِي اثْتَمَرْتَ بِهِ - مَعَ «أَنْطُنْيُو» - لِتَغْتَصِبَ مُلْكَهُ؟ إِنَّكَ تَشُلُّ فِي أَنَّنِي لَا أَزالُ حَيًّا أُرْزَقُ. وَلَعَلَّكَ تَحْسَبُنِي طَيْفَ بُرُسْبِيرُو» (تَظُنُّنِي شَبَحَهُ وَخَيالَهُ). وَلَكِنَّنِي أُزِيلُ مَا عَلِقَ بِنَفْسِكَ مِنَ الْوَهْمِ، فَأَعانِقُكَ لِتَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّ «بُرُسْبِيرُو» لا يَزالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْهُ الْمَقادِيرُ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ (الْبَعِيدَةِ)».

وَمَدَّ بُرُسْبِيرُو» ذِراعَيْهِ إِلَى صَدِيقِهِ أَلْنْزُو لِيُعانِقَهُ، فَذَهِلَ وَتَفَوَّهَ (نَطَقَ) بِكَلامٍ مُتَقَطَّعٍ، وَقَدْ أَفْحَمَتْهُ الْحَيْرَةُ فَأَسْكَتَتْهُ مَنَعَتْ صَوْتَهُ مِنَ الظُّهُورِ) وَقَالَ: «أَأَنْتَ «بُرُسْبِيرُو» حَقًّا؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بُرُسْبِيرُو» عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الْقَصِيَّةِ (الْبَعِيدَةِ)؟»

(٥) بَيْنَ بُرُسْبِيرُو» و «جُنْزَالُو»

وَثَمَّةَ الْتَفَتَ بُرُسْبِيرُو» إِلَى صَدِيقِهِ «جُنْزالُو» وَمَدَّ إِلَيْهِ ذِراعَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحْ لِي – أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْكَرِيمُ - أَنْ أُعَانِقَكَ وَأُقَبِّلَكَ».

وَكَانَ «جُنْزالُو» - صَدِيقُهُ الْحَمِيمُ - لا يَزالُ مُتَرَدِّدًا فِي مَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: «بِرَبِّكَ: أَصادِقٌ أَنْتَ فِيمَا تَقُولُ؟ أَأَنْتَ صَدِيقِي «بُرُسْبِيرُو»؟ أَلَسْتُ مَخْدُوعًا فِي ذَلِكَ؟»

وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَقَّقَ صِدْقَ مَا رَأَى أَمَامَ عَيْنَيْهِ لِما اسْتَوْلَى عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنَ الاضْطِرابِ وَالارْتِباكِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ الْخَوْفُ وَالْحَيْرَةُ وَالنُّهُولُ عَلَيْهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَصْبَحُوا الْآنَ رَهْنَ رَحْمَةِ بُرُسْبِيرُو» سَيِّدِ الْجَزِيرَةِ، وَأَنَّ كَلِمَةً واحِدَةً مِنْهُ كَافِيَةً أَنْ تُورِدَهُمْ مَوارِدَ التَّهْلُكَةِ. وَشَعَرُوا بِالنَّدَمِ وَوَخْزِ الضَّمِيرِ، وَهُمْ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ.

(٦) بَينَ «بُرُسْبِيرُو» و «أَنْطُنْيُو»

وَالْتَفَتَ «بُرُسْبِيرُو» إِلَى شَقِيقِهِ أَنْطُنْيُو» وَقالَ: «إِلَيَّ أَيُّهَا الْغَادِرُ تَعَالَ، أَيُّهَا الْأَثِيمُ؛ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أُدَنِّسَ فَمِي فَأَدْعُوَكَ شَقِيقِي. عَلَى أَنَّنِي سَأَصْفَحُ عَنْ أَعْمَالِكَ السُّودِ، بَعْدَ أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ إِمَارَتِي».

(۷) دُعاءُ «أَلْنْزُو»

وَهُنَا انْبَرَى أَلْنْزُو لِلْكَلامِ، فَقالَ لِصاحِبِهِ «بُرُسْبِيرُو»: «لَقَدْ حَلَلْتُ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ مُنْذُ بِضْعِ ساعاتٍ، فَخَبِّرْنِي: مَتَى حَلَلْتَها أَنْتَ؟ فَإِنِّي فَقَدْتُ فِيهَا وَلَدِي الْعَزِيزَ «فِرْدِنَنْدَ»، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ عارِفًا بِمَناحِيها خَبِيرًا بِأَنْحَائِها وَجِهاتِها)، لِتَبْحَثَ مَعِي عَنْ وَلَدِي الضائع».

فَقَالَ «بُرُسْبِيرُو» بِصَوْتٍ خافِتٍ (مُنْخَفِض): « وَأَنا أَيْضًا فَقَدْتُ ابْنَتِي مُنْذُ زَمَنٍ وَجِيز».

فَصاحَ «أَلُنْزُو» مُتَأَلَّمًا: «يا لَلسَّمَاءِ إِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَكُونَ وَلَدِي وَابْنَتُكَ مُقِيمِينَ فِي «ناپولي»، وَأَنْ يُصْبِحا مَلِكَيْنِ عَلَيْها ، إِذا كُتِبَتْ لَهُمَا السَّلَامَةُ مِنَ الْهَلَاكِ».

وَمَا أَتَمَّ قَوْلَهُ حَتَّى أَشَارَ بُرُسْبِيرُو» إِلَى الصَّخْرَةِ فَانْفَتَحَتْ وَبَدا خَلْفَها «فِرْدِنَنْدُ» و «ميرندا»!

(۸) عَقْدُ الزَّواج

وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ إِنْسَانٍ أَنْ يَصِفَ لِلْقارِئِ ما مَلَأَ قَلْبَ أَلْنْزُو» مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ حِينَ وَجَدَ وَلَدَهُ، بَعْدَ أَنْ ظَنَّ أَنَّ الْبَحْرَ قَدْ طَواهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ فِي عِدَادِ الْمُغْرَقِينَ. فَأَقْبَلَ عَلَى وَلَدِهِ يَضُمُّهُ فِي حُنُفٌ وَشَوْقٍ. وَقَدْ أُعْجِبَ بِجَمالِ مِيرَنْدا»، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ خَجَلًا مِنْ كَرَمِ «بُرُسْبِيرُو» وَصَفْحِهِ؛ فَعاوَدَهُ إِحْساسُهُ الْكَرِيمُ وَشُعُورُهُ النَّبِيلُ. وَزالَ الْفَزَعُ مِنْ قُلُوبِ الْحَاضِرِينَ؛ فَأَقْبَلَ أَلْنْزُو عَلَى فِرْدِنَنْدَ» و «مِيرَنْدا» وَأَمْسَكَ بِيَدَيْهِما مُهَنَّنَّا إِيَّاهُما بِالسَّلامَةِ وَصاحَ قَائِلًا: «لِتَمْلَةِ الْأَحْزَانُ وَالْيَأْسُ - فِي كُلِّ وَقْتٍ – قَلْبَ مَنْ لا يُبَارِكُ لَكُما، وَلا يَغْتَبِطُ بِزَواجِكُمَا السَّعِيدِ».

(۹) صَفْحُ «بُرُسْبِيرُو»

وَهَمَّ أَنْطُنْيُو» أَنْ يُظْهِرَ أَلَمَهُ وَحُزْنَهُ لِما وَقَعَ لِأَخِيهِ «بُرُسْبِيرُو» فَقَاطَعَهُ «بُرُسْبِيرُو» وَقَالَ لَهُ فِي نُبْلٍ وَشَمَمٍ (إِبَاءٍ وَشَرَفٍ): «دَعْنَا مِنَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ الْقَدِيمِ؛ فَقَدْ عَفَوْتُ عَمَّا مَضَى كُلِّهِ!»

فَبَكَى أَنْطُنْيُو» بُكاءً شَدِيدًا ، وَقَدْ كادَ النَّدَمُ يَسْحَقُ فُؤادَهُ، وَالْأَسَى يَمْحَقُهُ وَيُفَتِّتُ قَلْبَهُ، بَعْدَ مَا سَمِعَهُ وَرَآهُ مِنْ كَرَمِ شَقِيقِهِ «بُرُسْبِيرُو».

أَمَّا «أَلْنْزُو» فَقَدْ جَفَّفَ دُمُوعَ عَيْنَيْهِ خُفْيَةً، وَقَدْ أَيْقَنَ عَلِمَ عِلْمَ الْيَقِينِ) – مِمَّا حَدَثَ - أَنَّ مَمْلَكَةَ «ناپولي» سَيَسْتَوْلِي عَلَى عَرْشِهَا الْعَرُوسانِ.

وَقَدْ شَكَرُوا جَمِيعًا لِتِلْكَ الْعِنايَةِ الْإِلَهِيَّةِ مَا قَيَّضَتْهُ لَهُمْ مِنْ سُرُورٍ وَابْتِهَاجٍ، وَمَا هَيَّأَتْهُ مِنْ تَوْفِيقٍ فِي عَقْدِ زَواجِ الْعَرُوسَيْنِ السَّعِيدَيْنِ.

خاتمة القصة

(۱) وَدَاعُ الْجَزِيرَةِ

رَأَى «بُرُسْبِيرُو» أَنَّ جَمِيعَ أَمانِيَّهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ، فَتَأَهَّبَ (اسْتَعَدَّ لِلسَّفَرِ مَعَ رُفَقائِهِ، وَأَصْلَحَ «آرْيِلُ» سَفِينَةَ الْمَلِكِ وَأَيْقَظَ مَلَّاحِيهَا مِنْ نَوْمِهِمُ الْعَمِيقِ.

وَدَعَاهُمْ «بُرُسْبِيرُو» إِلَى كَهْفِهِ فَقَضَوْا فِيهِ لَيْلَةَ أُنْسٍ وَسُرُورٍ.

وَلَمَّا لاحَ الصَّباحُ، خَلَّفَ تَرَكَ) «بُرُسْبِيرُو» كُتُبَ سِحْرِهِ فِي الْجَزِيرَةِ، وَحَطَّمَ عَصَاهُ السِّحْرِيَّة ( كَسَّرَها ) ، وَأَطْلَقَ سَراحَ الْجِنَّ الَّذِينَ كَانُوا فِي أَسْرِهِ (أَعادَ الْحُرِّيَّةَ إِلَى الْمَسْجُونِين مِنْهُمْ، وَعَفَا عَنْ كَلِيبَانَ» وَتَرَكَ لَهُ جَزِيرَتَهُ.

(۲) أُغْنِيَّةُ «آرْيِلَ»

ثُمَّ دَعا «آرْيِلَ» وَمَنَحَهُ حُرِّيَّتَهُ الَّتِي وَعَدَهُ بِها بَعْدَ أَنْ شَكَرَ لَهُ إِخْلَاصَهُ وَوَفَاءَهُ. فَفَرِحَ «آرْيِلُ» وَشَكَرَ لِسَيِّدِهِ أَحْسَنَ الشُّكْرِ، وَدَعَا لَهُ بِالتَّوْفِيقِ. وَلَمْ يُطِقْ أَنْ يَكْتُمَ فَرَحَهُ وَسُرُورَهُ؛ فَانْطَلَقَ يُغَنِّي بِصَوْتِهِ السَّاحِرِ:

الْآنَ حُقَّ لِيَ الطَّرَبْ وَبَلَغْتُ – مِنْ دَهْرِي – الْأَرَبْ

سَأَكُونُ حُرًّا مُطْلَقًا وَأَطِيرُ مِنْ فَوْقِ السُّحُبْ

***

یا رفاقي تمَّ لِـــ ي الْيَوْمَ هَنائِي وَسُرُورِي

لَنْ أُلاقِي فِي حَياتِي مِنْ شَقاءٍ وَنَكِيرِ

يا رفاقي هَنّئُونِي بَعْدَ أَنْ يَلْتُ السَّعادَة

وَجَدِيرٌ بِالتَّهانِي كُلُّ مَنْ نالَ مُرادَه

سَوْفَ أَمْشِي فِي اخْتِيالِ وَتَأَنِّي، سَوْفَ أَمْرَحْ تَمَّ لِي أُنْسِي فَما لِي لا أُغَنِّي حِينَ أَفْرَحْ؟

***

تَمَّ لِي أُنْسِي، وَأَدْرَكْتُ مُرادِي وَأَتَى يَوْمُ خَلاصِي مِنْ إِسارِي

سَوْفَ أَقْضِي كُلَّ لَيْلِي وَنَهَارِي طائِرًا كَالنَّحْلِ، أَشْدُو كَالْهَزَارِ

بَيْنَ زَهْرِ الرَّوْضِ، أَوْ فَوْقَ الرَّوابِي فِي مُتُونِ السُّحْبِ أَوْ مَوْجِ الْبِحَارِ

***

حُقَّ لِي أَنْ أَطْرَبا حُقَّ لِي أَنْ أَلْعَبا

فَلَقَدْ تَمَّ رَجا ئِي وَبَلَغْتُ الْأَرَبا!

(۳) فِي مَدِينَةِ «مِيلانَ»

وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَقْلَعَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَكانَتِ الرِّيحُ مُعْتَدِلَةً وَالْجَو صافِيًا. وَكَانَ «آرْيِلُ» يُغَنِّيهِمْ وَيُسَاعِدُهُمْ، حَتَّى وَصَلُّوا إِلَى «نابولي» سالِمِينَ.

وَقَضَوْا حَياتَهُمْ - بَعْدَ ذلِكَ - في «ميلانَ» هانِئِينَ وَاسْتَراحَ بِالْهُمْ، وَسادَ الْوِفاقُ أَهْلَ بُرُسْبِيرُو» وَذَوِيهِ . وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُفَكِّرُ فِي أَذِيَّةِ صاحِبِهِ، أَوْ تَنْغِيصِ عَيْشِهِ وَالْكَيْدِ لَهُ.

وَتَمَّ فِي «مِيلانَ» عُرْسُ مِيرَنْدا». وَلَمْ يَنْسَ أَنْطُنْيُو» وَأَلْنْزُو» كَرَمَ «بُرُسْبِيرُو» وَصَفْحَهُ الْجَمِيلَ، وَعَفْوَهُ عَنْ ذُنُوبِهِما ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الانْتِقامِ مِنْهُما.

أَمَّا «بُرُسْبِيرُو» فَقَضَى شَيْخُوخَتَهُ وادِعًا مَسْرُورًا بِتَحْقِيقِ آمَالِهِ، وَنَجَاحِ مَساعِيهِ.

(٤) ثَمَرَةُ الصَّفْحِ

فَما رَأَيْكَ – أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ - فِي مَسْلَكِ بُرُسْبِيرُو» النَّبِيلِ؟ وَكَيْفَ وَجَدْتَ ثَمَرَةَ الصَّفْحِ وَالتَّسَمُّحِ وَمُقابَلَةِ الْإِساءَةِ بِالْإِحْسانِ؟ وَأَيُّهُما كَانَ أَجْدَى وَأَكْرَمَ، وَأَنْفَعَ وَأَشْرَفَ: الْعَفْوُ أَمْ الانْتِقَامُ ؟

تُرَى لَوِ اسْتَسْلَمَ «بُرُسْبِيرُو لِغَضَبِهِ، وَعَزَمَ عَلَى الانْتِقامِ مِنْ أَعْدائِهِ، وَالتَّنْكِيلِ بِهِمْ، أَكَانَ يَصِلُ إِلَى هَذِهِ النَّتائج الْبَاهِرَةِ، وَيَظْفَرُ بِتِلْكَ الثَّمَارِ الطَّيِّبَةِ؟

وَلَكِنَّهُ كَسَبَ قُلُوبَ أَعْدائِهِ، بَعْدَ أَنْ صَفَحَ عَنْهُمْ، وَتَجاوَزَ عَنْ إِساءَتِهِمْ وَغَدْرِهِمْ؛ فَكَانَ لَهُ فَوْزُ الْمُحْسِنِ الْكَرِيمِ، وَقَضَى حَياتَهُ فِي مَحَبَّةٍ وَسَلَامٍ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH