الأميرة القاسية


الفصل الأول
عَاشَ فِي إِحْدَى مَمالِكِ الْهِنْدِ الواسِعَةِ، أَمِيرٌ صَغِيرٌ، مَعْرُوفٌ بِرَجاحَةِ الْعَقْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَحُبِّ الْخَيْرِ. وَكَانَ - عَلَى صِغَرِ سِنّهِ - مُتَمَيّزًا فِي فُنُونِ الْحَرْبِ، بَارِعًا فِي الْمُوسِيقَى. وَقَدْ أَتْقَنَ - إِلَى ذَلِكَ - كَثِيرًا مِنَ الصِّناعاتِ والْحِرَفِ، فَدَاعَ صِيتُهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، وَأُعْجِبَ بهِ النَّاسُ، وَأَحَبَّهُ الشَّعْبُ حُبًّا شَدِيدًا.
كَانَ هُذَا الْأَمِيرُ الصَّغِيرُ يُسَمَّى «كُوسا». وَقَدِ اعْتَقدَ النَّاسُ أَنَّهُ أَسْعَدُ أُمَرَاءِ عَصْرِهِ، لِمَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنَ الْمَزايا النَّادِيةِ. ولَعَلَّكَ تَدْهَشُ إِذَا حَدَّثْتُكَ أَنَّ هَذا الأَميرَ الصَّغِيرَ لَمْ يَكُنْ سَعِيدًا، بَلْ كانَ دَائِمَ الْهَمِّ، كَثِيرَ الْأَلَمِ، لا يَكادُ يَهْنَأُ لَهُ طَعَامٌ، وَلَا شَرَابٌ وَلَا مَنامٌ.
أَراكَ تَسْأَلْنِي عَنِ السِّرِّ فِي شَقَاءِ ذَلِكَ الأَمِيرِ الْمُحْسِنِ النَّابِغَةِ : فَاعْلَمْ - أَيُّهَا الصَّغِيرُ الْعَزِيزُ - أَنَّ هذا الْأَمِيرَ كَانَ، عَلَى بَراعَتِهِ وَرَجاحَةِ عَقْلِهِ، مُشَوَّهَ الصُّورَةِ، دَمِيمَ الوَجْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ، مَنْ هُوَ أَوْفَرُ عَقْلًا وَلَا أَقْبَحُ شَكْلًا.
وَلَكِنَّ النَّاسَ جَمِيعًا قَدْ نَسُوا دَمَامَةَ وَجْهِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِلَّا جَمالَ خُلُقِهِ، وَحُسْنَ فِعْلِهِ.
فَلَمَّا كَبِرَ الْأَمِيرُ «كُوسا» قَالَ لَهُ أَبُوهُ المَلِكُ «أَكَّاكا»: «لَقَدْ أَصْبَحْتُ – يا وَلَدِي – شَيْخًا طاعنا فِي السِّنِّ، وَقَدْ دَنا أَجَلِي، وَأَنْتَ وَلِيُّ عَهْدِي ، وَمَلِكُ هُذِهِ البِلادِ مِنْ بَعْدِي. وَقَدْ فَكَرْتُ فِي تَزْوِيجِكَ مَنْ تَخْتارُ مِنَ الْأَمِيراتِ.»
فَقَالَ الْأَمِيرُ «كُوسا»: «لَنْ أُفَكِّرَ فِي الزّواجِ - يا أبي – فَلَيْسَ فِي الدُّنْيا فتاةٌ تَرْضَى بِمَنْ كَانَ مِثْلِي فِي دَمَامَةِ الخِلْقَةِ.»
فَقالَ المَلِكُ «أُكَّاكا»: «كَلَّا يَا وَلَدِي، فَإِنَّ رَجاحَةَ عَقْلِكَ، قَدْ حَبَّبَتْ جَمِيعَ النَّاسِ فِيكَ. فَلا تَتَرَدَّدْ فِي اخْتِيارِ مَنْ تَشَاءُ مِنَ الأميرات.»
وَلَقَدْ حَاوَلَ كُلٌّ مِنْهُما أَنْ يُقْنِعَ الآخَرَ ، ودارتْ بَيْنَهُما مُناقشاتٌ كثيرَةٌ – بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ - ولَكِنَّها كَانَتْ عَلَى غَيْرِ طائلٍ بِلا فَائِدَةٍ).
فَلَمَّا تَعِبَ الأميرُ «كُوسا» مِنْ تِلْكَ المُناقشاتِ العَقِيمَةِ الَّتِي لا فَائِدَةَ فيها)، دَبَّرَ حِيلَةً بارِعَةً تُخَلِّصُهُ مِنْ هذا المَأْزِقِ. فَابْتَكَرَ تِمْثالًا ذَهَبِيًّا رَائِعَ الجَمالِ. وَلَمَّا أَتَمَّ صُنْعَهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ لَيْسَ فِيهِ فتاةٌ على مثالِ هذا التَّمْثالِ ، قال لأبيهِ : إِذا وَجَدْتُمْ - يَا أَبَتِ - فتاةً كَهْذِهِ الَّتِي تَرَى تِمْثَالَها أمامَكَ، فَإِنَّني سَأَتَزَوَّجُها، إطاعَةً لأَمْرِكَ.»
وَلَمَّا رَأَى الملك «أَكَّاكا» هذا التَّمْثَالَ الفاتِنَ، يَئِسَ مِنْ زواجٍ وَلَدِهِ، لأَنَّهُ أَيْقَنَ أَنْ لَيْسَ فِي العالَمِ كُلِّهِ فَتَاةٌ - مِنَ الأَناسِيِّ ( النَّاسِ) - لَها مِثْلُ جَمالِ التَّمْثَالِ الذَّهَبِيِّ. عَلَى أَنَّهُ بَعَثَ بطائِفَةٍ مِنَ الرُّوَّادِ والرُّسُلِ، لِيَطُوفُوا بِلادَ الدُّنْيا - قاصِيَةً وَدَانِيَةً – باحِثِينَ عَنِ الفَتاةِ الَّتِي تُشْبِهُ ذَلِكَ التَّمْثَالَ.
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ والأسابيعُ والشُّهُورُ والسِّنُونَ، وَهُمْ يَجُوبُونَ البِلادَ والأَقْطَارَ دُونَ جَدْوَى، حَتَّى بَلَغُوا مَمْلَكَةَ «مادا» . فَعَلِمُوا أَنَّ لِمَلِكِها ثمانِيَ بَناتٍ، وأنَّ الأميرَةَ «بَبْهَافَاتِي» – وَهِيَ كُبْرَى أَخَواتِها - تُعَدُّ أَجْمَلَ بَناتِ عَصْرها. وَهِيَ - إلى ذَلِكَ - تُشْبِهُ التَّمْثَالَ الذَّهَبِيَّ فِي كلِّ شَيْءٍ. فَلمَّا أَيْقَنَ الرُّسُلُ بِصِحَّةِ ما سَمِعُوهُ ، ذَهَبُوا إلى مَلِكِ «مادا». وَأَخْبَرُوهُ بِرَغْبَةِ الْمَلِكِ «أُكَّاكا» في تَزْوِيج الأميرَةِ بَيْهافَاتي» لأميرِهِمُ العَظيمِ «كُوسا» ابْنِ المَلِك «أَكَّاكا».
فلمَّا سَمِعَ مِلِكُ «مادا» هذا النَّبَأَ امْتَلأَ قَلْبُهُ سُرُورًا لِمُصاهِرَةِ المَلِكِ «أُكَّاكا» الَّذِي دَاعَ صِيتُه - وَصِيتُ وَلَدِهِ - فِي جَمِيعِ أَنْحاء الدُّنْيَا، وَأَخْبَر الرُّسُلَ بِمُوافَقَتِهِ عَلَى هُذِهِ الْمُصاهَرَةِ.
فَلَمَّا عادَ الرُّسُلُ إِلى مَلِيكِهِم، وَأَخْبَرُوهُ بِما وُفِّقُوا إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِمْ، كَانَ فَرَحُ الْمَلِكِ بِنَجَاحِ مَسْعَاهُمْ بِمِقْدارِ حُزْنِ وَلَدِهِ «كُوسا» . فَقالَ لأَبِيهِ، مُفَزَّعَ الْقَلْبِ: «وا أَسَفاهُ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ. فَقَدْ جَلَبْتُمْ عَلَيَّ وَعَلَى تِلْكَ الأَميرَةِ شَقاءً لا يُمْحَى، لأنَّها سَتَنْفِرُ مِنْ رُؤْيَتِي، مَتَى رَأَتْ دَمَامَةَ وَجْهِي قَباحَةَ صُورَتي ) ، وَلَنْ تَسْتَطِيعَ الْبَقَاءَ مَعِيَ أَبدًا.»
فَقال الملِكُ: «لَقَدْ فَكَرْتُ في هذا، واهْتَدَيْتُ إِلى حَلٌّ بارِعٍ يُنْقِذُكَ مِنْ هُذَا الْمَأْزِقِ. فَإِنَّ مِنْ تقالِيدِ أُسْرَتِنَا الْقَدِيمَةِ – الَّتي دَرَجَ عَلَيْها آباؤنا وَأَبْدادُنا – أَنَّ الفَتاةَ الْعَرُوسَ لَا تَنْظُرُ وَجْهَ عَرُوسِهَا إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ عَقْدِ الزَّواجِ . وَسَنَجْرِي عَلَى هُذِهِ العَادَةِ، فَلَا تُقابِلُ عَرُوسَكَ إِلَّا فِي دَارٍ مُظْلِمَةٍ، مُدَّةَ عَامٍ بِأَكْمَلِهِ.»
فقال الأمير «كوسا»: «ولكِنَّ الأميرةَ سَوْفَ تَرانِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَنْفِرُ مِنْ قُبْحِ مَنْظَرِي!»
فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ «أُكَّاكا»: «كَلَّا ، لا تَخْشَ ذَلِكَ. فَإِنَّها سَتَرَى مِنْ حُسْنِ حَدِيثِكَ، وَكَرَمِ خُلُقِكَ، وَرَجَاحَةِ عَقْلِكَ، مَا يَجْعَلُكَ فِي نَظَرِها جَمِيلًا.»
لَمْ يَقْتَنِعِ الأَميرُ بِرَأْيِ والدِهِ، وَلَكنَّهُ لَم يَسْتَطِعْ مُخالَفَتَهُ، بَعْدَ أَنْ رَأَى إِصْرَارَهُ عَلَى السَّفَرِ إِلى مَمْلَكَةِ «مادا» لإحضارِ أَمِيرَتِها. وَقَدْ عاد بها في مَوْكِب حافِلٍ، ثُمَّ أُقِيمَتْ حَفْلَةُ الزَّواجِ فِي دارٍ مُظْلِمَةٍ، كما أَمَرَ المَلِكُ. وَلا تَسَلْ عَنْ دَهْشَةِ الأَمِيرَةِ بَيْهافَاتِي» حِينَ رَأَتْ ذَلِكَ، وَعَرَفَتْ أَنَّ تَقالِيدَ الأُسْرَةِ تَحتِمُ (تُوجِبُ) عليْها أَلا تَرَى وجْهَ زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ تَمُرَّ سَنَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الزواج.
وكَانَ الأمير «كُوسا» يَجِيءُ كُلَّ يَوْمٍ لِزِيارَةِ عَرُوسِهِ فِي حُجْرَةٍ مُظْلِمَةٍ مِنْ هُذِهِ الدَّارِ. وسرعان ما أَحَبَّتْهُ زَوْجُهُ لِوَداعَةِ خُلُقِهِ، وسَعَةِ اطَّلاعِهِ، وبَراعَتِهِ فِي الْمُوسِيقَى. وسُرَّتْ بِهِ، وإِنْ لَمْ تَرَ وَجْهَهُ. وظَلَّ يَقْضِي ساعاتِهِ الطَّوِيلَةَ، مُوقِعًا عَلَى قِيثَارَتِهِ أَبْدَعَ الأَلْحَانِ، أَوْ قَاضًا عَلَيْها أَمْتَعَ القَصَصِ، فَتَبْهَجُ، وتَقُولُ لِنَفْسِها: «ما أظُنُّ أنَّ في الدُّنْيا كَلَّها أَجْمَلَ مِنْ هذا الأمير، ولا أطْيَبَ مِنْهُ قَلْبًا، ولا أَرْجَحَ مِنْهُ عَقْلًا.»
وَمَا إِنْ مَرَّ عَلَيْهَا شَهْرَانِ، حَتَّى اشْتَدَّتْ رَغْبَتُها فِي رُؤْيَتِهِ، وَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ كَاشَفَتْهُ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهَا مَذْعُورًا: «إِنَّ قَوانِينَ أُسْرَتِنا وَتَقالِيدَها لا تُجِيزُ مَا تَطْلُبِينَ. فَاصْبِرِي، فَإِنَّ الشُّهُورَ تَمُرُّ سِراعًا.»
فَلَمْ تَسْتَطِعِ الأَميرَةُ صَبْرًا، واضْطُرَّتْ - آخِرَ الأَمْرِ - إلى إِغْرَاءِ بَعْضٍ خَدَمِها بِالْمَالِ، لِيُمَكِّنَها مِنْ تَحْقِيقِ هُذِهِ الأُمْنِيَّةِ. وتَحَيَّنَ الْخَادِمُ يَوْمًا مِنْ أَعْيادِهِمْ، وَأَخْبَرَ مَوْلاتَهُ أَنَّ مَوْكِبَ الأميرِ سَيَتَحرَّكُ بَعْدَ قَلِيلٍ. وأَصْعَدَ الأميرَةَ إِلى الطَّبَقِ الأَعْلَى مِنَ القَصْرِ، حَيْثُ تُشْرِفُ (تُطِلُّ) إِحْدَى نَوافِذِهِ عَلَى الطَّرِيقِ.
ورَأتِ الْمَوْكِبَ يَقْتَرِبُ ، والرَّايَاتِ والأعْلامَ تَخْفُقُ ، والنَّاسَ يَرْمُونَ أَكالِيلَ الأَزْهَارِ على أَقْدامِ الْفِيلِ الأَبيضِ الَّذِي يَتهادى بالأمير. وسَمِعَتْ أصْواتَ الشِّعْبِ مُرْتَفِعَةً مُتَعَالِيَةً بِالدُّعَاءِ لَهُ، تُحَرِّيهِ أَحْسَنَ التَّحِيَّاتِ.
ولَمْ تَكَدِ الأَميرَةُ تَرَى زَوْجَها ، حتَّى خابَ َأمَلُها ، واشْتَدَّ خوْفُها فَصَاحَتْ: «كَلَّا لَيْسَ هُذا زوجي أَبَدًا!» فَلَمَّا تَأَكَّدَ لَها أَنَّهُ هُوَ الأَميرُ كُوسا»، اعْتَزَمَتِ الرُّجوع إلى بَلَدِها، نُفُورًا (بُغْضًا وَكُرْهًا) مِنْ دَمَامَتِهِ. وحاولَ المَلِكُ «أَكَّاكا» أَنْ يُرْغِمَها على أن تَبْقَى فِي القَصْرِ، وَلَكِنَّ «كُوسا» تَوسَّلَ إِلَيْه أَنْ يَدَعَها وشَأْنَها.
وحِينَئِذٍ خَرَجَتِ الأَميرَةُ مِنَ القَصْرِ راجِعةً إلى بَلَدِها ، تَحْرُسُهَا حَامِيَةٌ مِنَ الجُنْدِ، وَقَدْ مَلأَتْ قَلْبَ الأَمِيرِ حُزْنًا وَأَلَمًا ، إِذْ نَسِيَتْ شمائِلَهُ النَّبِيلَةَ مَزاياهُ الجَمِيلَةَ، وَلَمْ تَذْكُرْ إِلَّا قُبْحَ شكْلِه.
الفصل الثاني
حَزِنَ الأميرُ لِفِراقِ زَوْجِهِ، فَخَطَرَ لَهُ أَنْ يُسافِرَ إِلَى مَمْلَكَةِ «مادا». وَثَمَّةَ غَيْرَ مِنْ ثِيابِ الإمارَةِ ، وارْتَدَى ثَوْبًا شَعْبِيًّا، وَسافَرَ بِقيثارَتِهِ. وَقَضَى أَيَّامًا كَثِيرَةً، يَفْتَرِشُ فِي نَوْمِهِ الْأَرْضَ، وَيَلْتَحِفُ السَّماءَ ، أَعْنِي: يَجْعَلُ الأَرْضَ فِرَاشًا لِنَوْمِهِ ، والسَّماءَ لِحَافًا لَهُ)، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَصْرِ الأميرة فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ. فَعَزَفَ - على قيثاره - طائِفَةً مِنَ الأناشيدِ العَذْبَةِ الَّتِي كَانَتْ تَطْرَبُ لَها ، فاسْتَيْقَظَ مَنْ فِي القَصْرِ مِنْ نَوْمِهِمْ. وَقَدْ خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ – في أَحْلامِهِمْ - مُوسِيقَى سماوِيَّةً فَاتِنَةً.
واسْتَيْقَظَتِ الأميرَةُ - عَلَى عَزْفِ المُوسِيقَى - وَجَلَسَتْ مُعْتَدِلَةً عَلَى وِسادَتِها. وَعَرَفَتْ أَنَّ الأمير «كُوسا» قَدْ حَضَرَ إلى بِلادِها لِيُرْغِمَها على العَوْدَةِ مَعَهُ. وَتَمثَّلَتْ لَها دَمَامَةٌ خَلْقِهِ (قَبَاحَةُ شَكْلِهِ، فَاشْتَدَّ سُخْطُها عَلَيْهِ، إِذْ عَرَفَتْ أنَّ أباها سَيَضْطَرُّها إلى الرُّجُوعِ مَعَهُ.
عَلَى أَنَّ «كُوسا» لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ إلى ما حَسِبَتْهُ الأَميرَةُ، بَلْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ تَعُودَ مَعَهُ بِمَحْضِ إرادَتِها . وَلِهذا كَتَمَ أَمْرَهُ، وَجاءَ إِلى بَلَدِها سرًّا وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُعْلِمَ بِذَلكَ أَحَدًا غَيْرَها، وَآثَر (اخْتَارَ وفَضَّل ) أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا تَذْكارًا لا يَعْرِفُهُ سِواها.
فَذَهَبَ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ إِلى خَزَّافِ الْمَدِينَةِ (بائِعِ الفَخَّارِ) فَقَالَ لَهُ: «لَقَدْ أَتْقَنْتُ صِناعَةَ الْخَزَفِ الْمَلَكِيِّ، فَهَلْ تَعِدُنِي - إذا أَعْجَبَكَ فَنِّي وَمَهارَتِي وَدِقَّةُ صَنْعَتِي - أَنْ تَرْفَعَ ما أَصْنَعُهُ إِلَى السُّدَّةِ (الْعَتَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ؟»
فقَالَ لَهُ الْخَزَّافُ: «إِذا كَانَتْ صِناعَتُكَ تَسْتَحِقُّ هذا الشَّرَفَ، فَلَنْ أَتَأَخَّرَ عَنْ تَحْقِيقِ مَأْرَبِّكَ.»
وَجِلَسَ الأميرُ إِلى عَجَلةِ الخَزَّافِ وأدارها ، وَسَوَّى عَلَيْها أقدامًا تَأَنَّقَ فِي صُنْعِها عَمِلَها بالإِنْقانِ). وَقَدْ عَجِبَ الخَزَّافُ مِنْ بَرَاعَةِ كُوسا»، وَقالَ لَهُ: «مَا أَجْدَرَنِي أَنْ أَرْفَعَ هُذِهِ الأقداحَ المُلُوكِيَّةَ الفَاخِرَةَ إِلى سُدَّةِ مَليكنا المُعَظَّمِ ، فَهُوَ مَعْرُوفٌ بِتَشْجِيعِ النَّابِعِينَ.»
ثُمَّ حَمَلَ الخَزَّافُ بَعْضَ هُذِه الأَقْداحِ إِلى القَصْرِ المَلَكِيِّ. فَأُعْجِبَ بها المَلِكُ، وَسَأَلَ الخَزَّافَ عَنْ صَانِعِها. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ قالَ: «أَعْطِ الصَّانِعَ الشَّابَّ هَذِهِ الأَلْفَ مِنَ الدَّنَانِيرِ مُكافَأَةً عَلَى حِزْقِهِ وَبَراعَتِهِ. واحْمِلْ هُذِهِ الأَقْداحَ الثَّمَانِيَةَ هَدِيَّةً إِلى بَناتِيَ الثَّمَانِي.»
فَلَمَّا أهداها إِلَيْهِنَّ ابْتَهَجْنَ جَمِيعًا بها، ما عدا الأميرةَ الْقَاسِيَةَ «بَنْهافاتي»، فَقَدْ أَدْرَكَتْ أَنَّ القَدَحَ مِنْ صُنْعِ زَوْجِهَا، حِينَ فَحَصَتْ عَنْهُ ، فَاشْمَأَزَّتْ نَفَرَتْ كَارِهَةً)، وَرَجَعَتِ الْقَدَحَ إِلَى الْخَزَّافَ، وَقالَتْ لهُ في سُخْرِيَةٍ لاذِعَةٍ: ارْجِعْ هذا الْقَدَحَ السَّمِيجَ، وَاقْذِفْ بِهِ فِي وَجْهِ صانِعِهِ السَّخِيفِ، وَأَبْلِغْهُ أَنَّنِي لَنْ أَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ صُنْعِ يَدِهِ.»
وَلا تَسَلْ عَنْ حُزِنِ الأَمِيرِ حِينَ أَبْلَغَهُ الخَزَّافُ ما قالَتْهُ الأَمِيرَةُ «بَنْهافاتي». فَقَدِ امْتَلأَ قَلْبُهُ أَلَمًا وغَمًّا، وَقَالَ فِي نَفْسِه: «وا أَسَفاهُ إِنَّها لا تَزالُ تَحْقِرُني لدَمَامَةِ وَجْهِي، وَقُبْحِ صُورَتي!
ولَكِنَّنِي لَنْ أَيْأَسَ، فَلَعَلَّها - إذا رَأَتْنِي أَمامَها - تُغَيِّرُ مِنْ رَأْيِها، ويَظْهَرُ لها أَنَّها أَسْرَفَتْ (جاوَزَتِ الْحَدَّ) فِي الْقَسْوَةِ، فَتَنْدَمَ على ما فَعَلَتْ.»
وثَمَّةَ اعْتَزَمِ الْخِدْمَةَ فِي قَصْرِ أَبيها ، بَعْدَ أَنْ مَنَحَ الخَزَّافَ الدَّنانِيرَ الَّتِي كَافَأَهُ بها الْمَلِكُ، وَوَدَّعَهُ.
وَرَأَى - مِنْ أَمارَاتِ التَّوْفِيقِ وحُسْنِ الْحَظِّ - أَنّ رئيسَ الطُّهَاةِ فِي القَصْرِ، كَانَ يَبْحَثُ – في ذلكَ الْيَوْمِ - عَنْ صَبِيٌّ يُعاوِنُهُ فِي عَمَلِهِ. فَلَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُلْحِقَهُ بالعمل، قالَ لَهُ: «سَأقْبَلُكَ مَتَى نَجَحْتَ فِي الاِمْتِحَانِ.»
ولَقَدِ اشْتَدَّتْ دَهْشَةُ كَبِير الطُّهَاةِ حِينَ رَأَى بَراعَةَ هذا الْفَتَى وَمَهَارَتَهُ الفَائِقَةَ، فَقَدَّمَ لِلْمَلِكِ الطَّبَقَ الَّذِي أَعَدَّهُ لَهُ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ : «هذا أَشْهَى طَعَامٍ أَكَلْتُهُ طُولَ عُمْرِي. فَمَنْ ذا الَّذِي أَبْدَعَ هذا الطَّعَامَ اللَّذِيذَ وَسَوَّاهُ؟»
فَقَصَّ عَلَيهِ رَئيسُ الطُّهَاةِ كَبِيرُ الطَّبَّاخِينَ نَبَأَ ذَلِكَ الْفَتَى الذَّكَيِّ الْمَوْهُوبِ. فَأَمَرَه المَلِكُ بِمَنْحِهِ أَلفَ دينار مكافأةً له، كما أَمَرَ أَنْ يُهَيِّئ هذا الشَّابُّ مَائِدَةَ الطَّعَامِ – كلَّ يَوْمٍ - له ولبناته الأميرات الثماني.
وحِينَ سَمِعَ الأَميرُ «كُوسا» بِما حَدَثَ ابْتَهَجَ وأَعْطَى رَئيسَ الطُّهَاةِ الدَّنانِيرَ كَلَّها، وهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ سَعْيَهُ - فِي هَذِهِ المَرَّةِ - لَنْ يَخِيبَ. وبَعْدَ قَليلٍ حانَتْ مِنَ الأَميرَةِ القَاسِيَةِ الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَتْ زَوْجَها - وهُوَ فِي ثِيابِ طَبَّاحٍ - يَحْمِلُ صِحافَ المائِدَةِ (أطباقها)، وَهُوَ مُتْعَبٌ مَجْهُودٌ مِنْ كَثْرَةِ العَمَلِ طولَ يَوْمِه. فَلَمْ يَخْفَ عليْها أَمْرُهُ. وَلَكِنَّهَا أَنْكَرَتْ مَعْرِفتَهُ (تَظاهَرَتْ بِأَنَّها لا تَعْرِفُهُ). ثُمَّ قَالَتْ لَهُ فِي عَجْرَفَةٍ وصَلَفٍ: «لا تُحْضِرْ لِي شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ، فَلَنْ آكلَ شَيْئًا تَمَسُّهُ يَدُكَ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُوحِيَ غَيْرَكَ بِإِحْضَارِ طَعَامِي.»
فَغَضِبَتْ أَخَواتُها مِنْ كِبْرِيائِها وَصَلَفِها، وقُلْنَ لَها: «لَقَدْ ظَلَمْتِ هُذَا الطَّاهِيَ، وَأَسَأْتِ إِلَيْهِ بِلا سَبَبٍ. وَقَدْ كَانَ يَجْدُرُ بِكِ أَنْ تَشْكُرِي لَهُ مَهارَتَهُ النَّادِرَةَ، الَّتِي مَيَّزَتْهُ عَلَى الطُّهَاةِ أجمعين.»
فَلَمْ تَعْبَإِ الْأَمِيرَةُ الْقَاسِيَةُ بِنَصِيحَةٍ أَخَواتِها ، وَأَبَتْ لَها كِبْرِياؤُهَا أَنْ تَعْتَرِفَ بِخَطَئِها، وأَصَرَّتْ عَلَى أَلَّا تُشَارِكَ أَخَواتِها في ذلكَ الطَّعَامِ الشَّهِيِّ.
وَحِينَئِذٍ أَدْرَكَ الأَمِيرُ التَّاعِسُ أَنَّ كلَّ جُهْدٍ يَبْذُلُهُ فِي إِرْضاءِ الأَمِيرَةِ سَيَذْهَبُ عَبَثًا. فقالَ فِي نَفْسِهِ مَحْزُونًا: «لَقَدْ بَذَلْتُ كلَّ ما في وُسْعِي دُونَ أَنْ أَظْفَرَ بِطَائِلٍ. وَما دامَتْ هُذِهِ الْأَميرَةُ الْقَاسِيَةُ لَا تُعْنَى بِغَيْرِ الْمَظَاهِرِ ، ولا يَشْغَلُها حُسْنُ مَخْبَرِي، عَنْ قُبْحِ مَنْظَرِي، فَإِنِّي سأَتْرُكُها غَيْرَ آسِفٍ عَلَى فِراقِها وَلا نَادِمِ!»
الفصل الثالث
اعْتَزَمَ الأميرُ كُوسا » أَنْ يَعُودَ إلى وطَنِهِ. وَإِنَّهُ لَيَهُمُّ بِمُغادرَةِ القَصْرِ، إِذْ سَمِعَ لَغَطًا (كلامًا غَيْرَ واضِح)، وَرَأَى حَيْرَةً تَبْدُو على وَجْهِ كلَّ مَنْ رَآهُ. فَلَمَّا سَأَلَ عَنْ جَلِيَّةِ الخَبَرِ، عَلِمَ أَنَّ صِهْرَهُ مَلِكَ «مادا» مهمومٌ مَحْرُونٌ ، لِأَنَّ سَبْعَةً مِنْ جِيرَانِهِ الْمُلُوكِ يَعْتَزِمُونَ حَرْبَهُ – كلُّ واحدٍ مِنْهُمْ على رَأْسِ جَيْشِ كَبِيرٍ - وَأَن سَبَبَ قُدُومِهِمْ إِلَيْهِ أَنَّهُمْ سَمِعُوا بِجَمَالِ الأَميرَةِ «بَيْهافَاتِي»، فَجَاءَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ يَبْتَغِي أَنْ يَتَزَوَّجَها. وقَدْ تَحَيَّرَ الْمَلِكُ فِي أَمْرِهِ، إِذْ رَأَى عَجْزَهُ عَنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمُتَسَابِقِينَ عَلَيها.
فقالَ المَلِكُ فِي نَفْسِهِ: «لَوْ بَقِيَتْ بِنْتِي مَعَ زَوْجِها الأَميرِ كُوسا» لَمَا جَرَّتْ عَلَيْنَا كُلَّ هُذِهِ الْمَصَائِبِ.»
على أَنَّهُ رَأَى أَنَّ النَّدَمَ على ما فاتَ لَنْ يُجْدِيَهُ نَفْعًا، فَاسْتَدْعَى حُكمَاءَهُ ومُسْتَشَارِيهِ، وَقَصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّتَهُ، فَأَفْتَوْهُ - مُجْمِعِينَ - أَنَّ الأَميرَةَ «بَبْهَافَاتِي» قَدْ عَرَّضَتْ سَلَامَةَ الدَّوْلَةِ لِلْخَطَرِ، حِينَ هَرَبَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، وَلا بُدَّ مِنْ مُعاقَبَتِها على ذلِكَ، بِأَنْ يُقَطَّعَ جِسْمُها سَبْعَ قِطَعٍ مُتَسَاوِيَةً، ثُمَّ تُهْدَى - إلى كلِّ واحِدٍ مِنَ المُلوكِ السَّبْعَةِ – قِطْعَةٌ مِنها. وبهذا وَحْدَهُ تَسْلَمُ الدَّوْلَةُ مِنْ وَيْلَاتِ الحَرْبِ، وَتَنْجُو مِنْ مصائِبِها.
فَسَرَى ذَلِكَ الْخَبَرُ فِي الْقَصْرِ، فَارْتاعَ لَهُ جَمِيعُ مَنْ فِيهِ.
وفيما كانَ المَلِكُ جَالِسًا وَحْدَهُ يُفَكِّرُ، إِذْ رَأَى كُوسا» يَظْهَرُ أَمَامَهُ فَجْأَةً، وَعَلَيْهِ ثَوْبُ الطُّهَاةِ، وَيَقولُ لَهُ: «أَتَأْذَنُ لِي - يا مَوْلايَ - أَنْ أُخْضِعَ لَكَ هُؤُلاءِ الْمُلُوكَ الْبَاغِينَ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ)، أَوْ أَمُوتَ كَرِيمًا فِي سَبِيلِ الدِّفاعِ عَنْكَ؟»
فَصاحَ فِيهِ الْمَلِكُ مَدهُوشًا : « كَيْفَ تَقُولُ؟ أَيَجْرُؤُ خادِمٌ مِثْلُكَ عَلى مُحارَبَةِ سَبْعَةِ مُلُوكٍ مُجْتَمِعِينَ ؟»
فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ كُلَّها. فَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الدَّهْشَةُ، وَنَادَى بِئْتَهُ، وَسَأَلَهَا عَنْ جَلِيَّةِ الخَبَرِ. فَلَمَّا تَأَكَّدَ لَهُ صِدْقُ مَا يَقولُ، صَرَخَ فيها مُهْتَاجًا: «يا لَلْعارِ! أَكَذَلِكِ تَجْزِينَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ ؟»
ثُمَّ طَرَدَها شَرَّ طِرْدَةٍ، وطَلبَ مِنَ الْأميرِ كُوسا» أَنْ يَغْفِرَ هُذِهِ الإهانة، فأَجَابَهُ إلى طِلْبَتِهِ.
ثُمَّ أسرع «كُوسا» - على رَأْسِ جَيْشِ كبيرٍ - لِمُلاقاةِ الْغُزاةِ الْمُغِيرِينَ. فَلَمَّا بَرَزَ لَهُمْ، صَاحَ بأعْلَى صَوْتِهِ: «لا حاجةَ بِنا إلى إهْرَاقِ الدّماء، وقتلِ الأَبْرِياء، فَلْيَنْزِلْ إِلَى الْمَيْدَانِ مَنْ شَاءَ من رُؤَسَائِكُمُ السَّبْعَةِ، فَمَنْ أَسَرَني أَوْ قَتَلَنِي ظَفِرَ بالأميرةِ ، ومَنْ أَسَرْتُهُ أَوْ قَتَلْتُهُ، فَقَدْ لَقِيَ جَزَاءَهُ العادِل، وَكَفَى جَيْشَهُ شَرَّ الْقِتَالِ.»
فارتاح الملوكُ السَّبْعَةُ لهذا الرَّأْيِ، وَما انْتَصَفَ النَّهارُ حَتَّى أَسَرَهُمْ جَمِيعًا. فَانْخَذَلَتْ جُيُوشُهُمْ بَعْدَ أَسْرِ مُلوكِهِمْ.
ثم قالَ الأَميرُ الْمُنْتَصِرُ لِصِهْرِهِ مَلِكِ «مادا»: «هُؤُلاءِ أَدْراكَ الخاضعونَ، فَأَنْفِذْ أَمْرَكَ فيهم بما تشاء!»
فأجابهُ الْمَلِكُ: «الرَّأْي ما تَراهُ، فَإِلَيْكَ وَحْدَكَ فَضْلُ ما ظَفِرْنَا بِهِ مِن فَوْزِ وَانْتِصارٍ.»
فَقَالَ «كُوسا»: «إِنَّ لِلأَميرةِ بَنْها فاتي» سَبْعَ أَخَواتِ، وهُؤُلاءِ سَبْعَةُ مُلُوكٍ، فَهَلْ تَأْذَنُ - يا مَوْلاي – في أَنْ يَتَزَوَّجَ كُلُّ مِنْهُمْ أميرةً مِنْهُنَّ.»
فَابْتَهَجَ لِهذا الحَقِّ الْمُوَفَّقِ السَّدِيدِ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ، وَأَقَرَّهُ مَلِكُ «مادا» والْمُلوكُ السَّبْعَةُ الآخرُونَ. وأُقِيمَتْ حَفَلاتُ الأَعْراسِ، وابْتَهَجَ الشَّعْبُ لِهَذا الفَوْزِ الْمُبِينِ.
أما الأميرةُ القاسِيَةُ، فَقَدْ جَلَسَتْ - وحْدَها - تَبْكِي حظها الْعَاثِرَ، وتَتَحَسَّرُ مُتَأَلِّمَةً، لِمَا أَسْلَفَتْهُ إِلَى هذا الأَميرِ العَظيمِ، مِنْ قَسْوَةٍ وَإِساءَةِ.
وأَدْرَكَتْ – حِينَئِذٍ – فَضْلَهُ على غَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، وتَكَشَّفَ لَها مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ كَرِيمٍ الخلال، وحَمِيدِ الخِصال.
ولكِنَّها قَالَتْ في نَفْسِها: «ما أَظُنُّهُ يَغْفِرُ لِي حَماقَتِي وَقَسْوَتِي بَعْدَ اليَوْمِ أَبدًا.»
ولا تَسَلْ عَمَّا اسْتَوْلَى على قَلْبِها مِنَ البَهْجَةِ، حِينَ عَلِمَتْ أَنَّ الأَميرَ «كُوسا» يَدْعُوها إلى لِقَائِهِ. فَقَدْ أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ تَسْتَغْفِرُهُ، وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ تَلْتَمِسُ عَفْوَهُ، وَتَقُولُ لَهُ: «سأَكُونُ لَكَ - إذا تَجاوَزْتَ عَنْ ذَنْبِي - خادِمَةً طَائِعَةً لك ما حَبِيتٌ.»
فأنْهَضَها الأميرُ مُتَرَفِّقًا، وقال لها مُتلطَّفًا: «أَتَرْضَيْنَ أَنْ تَعودي مَعِي بِرَغْمِ دَمَامَةِ وَجْهِي، وقُبْحِ صُورَتي؟»
فَأَنْعَمَتِ النَّظَرَ فِيهِ، وَعَجِبَتْ مِمَّا يقولُ، لِأَنَّها لَمْ تَرَ أَثَرًا لِتِلْكَ الدَّمَامَةِ التي كانتْ تَراها في وَجْهِهِ مِنْ قَبْلُ.
وهكذا تَبَدَّلَ احْتِقارُها إجلالاً ، وكِبْرِياؤُها تَواضُعًا ، وصاحَتْ قائلةً: «لَقَدْ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ فيكَ، وأَصْبَحْتُ أَراكَ فِي أَجْمَلِ مَنْظَرٍ، وَأَحْسَن مَظْهَرٍ.»
وَلا شَكٍّ فِي أَنَّكَ تَعْرِفُ - أيُّها الطَّفْلُ الْعَزيزُ - أَنَّ وَجْهَ الأَميرِ «كُوسا» لَمْ يَتَبَدَّلْ، كما ظَنَّتِ الأميرَةُ. وَلَكِنَّ شَجَاعَتَهُ ، وحُسْنَ فَعالِهِ ، وطِيبَةَ قَلْبِهِ ، وكَرَمَ خِصَالِهِ، قَدْ خَلَعَتْ عَلَيهِ جَمالًا رائعًا، وحُسْنَا سَاحِرًا.
وَلا عَجَبَ في ذلكَ، فَقَدْ حَبَّبَتْهُ إلى القلوبِ مَواهِبُهُ وَمَزايَاهُ، وخَلَّدَتْ - على مَرَّ الْعُصور - اسْمَهُ وَذِكْراهُ، وجَذَبَتْ إِلَيْهِ كُلَّ مَنْ سَمِعَ بِهِ أَوْ رَآهُ.
Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.