حكاية·HIKOYA

الأمير المسحور

كامل كيلاني
كامل كيلانيمؤسسة هنداوي
Komil Kiloniy2 bob12 daqiqa
الأمير المسحور
Ochishجدول المحتويات
  1. 1.الضَّفْدِعُ وَالْقُبَّرَةُ
  2. 2.ذِكْرَيَاتٌ حَزِينَةٌ

الضَّفْدِعُ وَالْقُبَّرَةُالضَّفْدِعُ وَالْقُبَّرَةُ

عَاشَتْ «مَاجِدَةُ) الْقَرَوِيَّةُ الْجَمِيلَةُ، فِي دَسْكَرَتِهَا الصَّغِيرَةِ عِيشَةً هَادِئَةً، بَعِيدَةً عَنْ ضَوْضَاءِ النَّاسِ وَجَلَبَةِ الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ «مَاجِدَةٌ» تَقْضِي وَقْتَهَا مُنْفَرِدَةً؛ لَا يَشْغَلُهَا غَيْرُ عَمَلِهَا، وَلَا يُؤْنِسُهَا غَيْرُ «حَلِيمَةَ» خَادِمَتِهَا. وَلَمْ تَكُنْ «مَاجِدَةُ» تَتَّصِلُ بِجِيرَانِهَا، وَلَا تَسْمَحُ لِنَفْسِهَا بِزِيَارَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَكَانَتْ دَسْكَرَتُهَا - عَلَى صِغَرِهَا - مِثَالًا حَسَنًا لِلنِّظَامِ وَالْأَنَاقَةِ وَالتَّرْتِيبِ. وَلَمْ يَكُنْ يَنْقُصُهَا شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ. فَعِنْدَهَا بَقَرَةٌ سَمِينَةٌ بَيْضاءُ، تُدِرُّ لَهَا كَثِيرًا مِنَ اللَّبَنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. وَعِنْدَهَا قِطْ نَشِيطٌ يَشْغَلُ كُلَّ وَقْتِهِ بِمُطَارَدَةِ الْفِيرَانِ وَالْجِرْدَانِ وَبَنَاتِ عِرْسٍ وَمَا إِلَيْهَا، وَهُوَ مَاهِرٌ فِي اصْطِيَادِهَا وَأَكْلِهَا ، دَائِبٌ عَلَى تَخْلِيصِ الدَّسْكَرَةِ مِنْ أَذَاهَا وَشَرِّهَا. وَعِنْدَهَا - إِلَى ذَلِكَ - حِمَارٌ ضَلِيعٌ ، يَنْهَضُ بِكُلِّ مَا تُحَمِّلُهُ إِيَّاهُ مِنْ أَكْدَاسِ الْفَاكِهَةِ وَالْخُضَرِ وَالْجُبْنِ وَالْبَيْضِ تَذْهَبُ بِهِ إِلَى السُّوقِ الْبَعِيدَةِ فِي أَيَّامِ الْجُمَعِ، فَيَقْطَعُ الْمَسافَةَ الطَّوِيلَةَ - الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّسْكَرَةِ - فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ. وَكَانَتِ الْخَادِمَةُ «حَلِيمَةُ» تَرْكَبُ الْحِمَارَ - وَهُوَ يَحْمِلُ الْخُضَرَ وَسِواهَا – إِلَى السُّوقِ، فَإِذَا انْتَهَتْ مِنْ بَيْعِ مَا مَعَهَا ، عَادَتْ بِالْحِمَارِ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ. وَلَم يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَهْلِينَ يَعْرِفُ : كَيْفَ جَاءَتْ مَاجِدَةُ وَخَادِمَتُهَا؟ وَلَا مِنْ أَيِّ الْبِلادِ قَدِمَتَا ؟ كَمَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ : كَيْفَ امْتَلَكَتْ «مَاجِدَةُ» تِلْكَ الدَّسْكَرَةَ؟ وَظَلَّ النَّاسُ يَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ عَنْهَا زَمَنًا طَوِيلًا! وَلَعَلَّكَ تَعْجَبُ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الصَّغِيرُ - إِذَا قُلْتُ لَكَ : إِنَّ جَهْلَهُمْ بِالدَّسْكَرَةِ وَسَاكِنِيهَا كَانَ عَلَى أَتَمِّهِ. وَقَدْ عَرَفُوا هَذِهِ الدَّسْكَرَةَ بِاسْمِ دَسْكَرَةِ الْخَشَبِ»، دُونَ أَنْ يُدْرِكُوا لِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ سَبَبًا. وَفِي مَساءِ يَوْمٍ، كَانَتْ حَلِيمَةٌ» مُنْصَرِفَةً إِلَى بَقَرَةِ سَيِّدَتِهَا «مَاجِدَةَ»، لِتَحْلُبَهَا عَلَى مَأْلُوفِ عَادَتِهَا كُلَّ يَوْمٍ. وَكَانَتْ سَيِّدَتُهَا مَشْغُولَةً حِينَئِذٍ بِإِعْدَادِ الْعَشَاءِ. فَلَمَّا نَضِجَ الطَّعَامُ وَضَعَتْهُ السَّيِّدَةُ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَكَانَ مُؤَلَّفًا مِنْ صَحْفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا تَحْتَوِي حَسَاءَ الْكُرُئْبِ الشَّهِيَّ، وَالْأُخْرَى تَحْتَوِي لَذَائِذَ مِنَ الْقِشْدَةِ. وَكَانَتْ «حَلِيمَةٌ» قَدْ أَحْضَرَتْ مِنَ الْحَدِيقَةِ بَعْضَ نَباتِ الْكَرِيزِ مَلْفُوفًا فِي أَوْرَاقِهِ الْخُضْرِ، وَوَضَعَتْهُ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحُجْرَةِ. وَمَا كَادَتْ «مَاجِدَةُ» تَنْتَهِي مِنْ إِعْدَادِ الْمَائِدَةِ، حَتَّى ظَهَرَتْ أَمَامَهَا فَجْأَةً ضِفْدِعٌ كَبِيرَةُ الْجِسْمِ، هَائِلَةُ الْحَجْمِ، بَشِعَةُ الْمَنْظَرِ. وَانْدَفَعَتْ إِلَى الْكَرِيزِ تَلْتَهِمُهُ فِي شَرَةٍ وَنَهَمٍ ... فَصاحَتْ مَاجِدَةُ) بِالضَّفْدِعِ مُغْتَاظَةً: «يَا لَكِ مِنْ ضِفْدِعٍ خَبِيثَةٍ! أَتَحْسَبِينَ أَنَّكِ نَاجِيَةٌ مِنَ الْعِقَابِ، أَيَّتُهَا الْحَمْقَاءُ الطَّائِشَةُ؟ كَلَّا لَا خَلاصَ لَكِ مِنِّي، وَلَنْ أُقَصِّرَ فِي تَأْدِيبِكِ؛ حَتَّى لَا تَعُودِي إِلَى مِثْلِ هَذَا النَّهَمِ الْمَرْزُولِ مَرَّةً أُخْرَى.» ثُمَّ جَذَبَتْ «مَاجِدَةُ» أَوْرَاقَ الْكَرِيزِ عَلَى الْفَوْرِ، وَرَكَلَتِ الضَّفْدِعَ بِقَدَمِهَا رَكْلَةً عَنِيفَةً، طَوَّحَتْ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ خُطُواتٍ، وَكَادَتْ تَقْذِفُهَا إِلَى الْخَارِجِ. وَلَكِنْ حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبانِ؛ فَقَدْ ظَهَرَ الْغَضَبُ وَالْغَيْظُ عَلَى وَجْهِ الضَّفْدِعِ، وَبَدَا عَلَيْهَا مَيْلٌ شَدِيدٌ إِلَى الانْتِقَامِ مِنْ مَاجِدَةَ»، وَالانْدِفَاعِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَسْوَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ أَشَدَّ! وَلَا تَسَلْ عَنْ فَزَعِ «مَاجِدَةَ حِينَ رَأَتِ الضَّفْدِعَ الشَّرِسَةَ تَقِفُ عَلَى قَدَمَيْهَا الْخَلْفِيَّتَيْنِ، وَتَفْتَحُ فَاهَا الْوَاسِعَ، وَتَضُمُّهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى - وَالشَّرَرُ يَكَادُ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْهَا – وَقَدِ انْتَظَمَتْهَا رِعْشَةُ الْغَضَبِ، وَانْبَعَثَ مِنْ حَنْجَرَتِهَا صَوْتٌ مَرْهُوبُ الدَّوِيِّ، يُجَلْجِلُ صَدَاهُ فِي أَرْجَاءِ الْبَيْتِ. وَقَفَتْ «مَاجِدَةٌ» مُفَزَّعَةً حَيْرَى، وَتَرَاجَعَتْ مَبْهُوتَةً حَسْرَى، رَائِغَةَ اللَّفَتَاتِ، مُتَعَثَّرَةَ الْخُطُواتِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَنْجُوَ بِنَفْسِهَا مِنْ خَطَرِ الزَّائِرَةِ الْمُتَوَحِّشَةِ الثَّائِرَةِ. وَأَسْرَعَتْ «مَاجِدَةُ» تَبْحَثُ فِي أَرْجَاءِ الْحُجْرَةِ، لَعَلَّهَا تَعْثُرُ عَلَى مِكْنَسَةٍ أَوْ هِرَاوَةٍ؛ لِتَدْفَعَ أَذَاهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَتَطْرُدَهَا مِنْ دَارِهَا. وَانْتَهَتْ مِنْ بَحْثِهَا إِلَى غَيْرِ طَائِلٍ؛ فَامْتَلَا قَلْبُهَا رُعْبًا، وَلَمْ تَدْرِ مَاذَا تَصْنَعُ، وَهِيَ تَرَى الضَّفْدِعَ الْغَضْبَى مُتَحَفِّزَةً لِلإِيدَائِهَا، قَافِزَةً نَحْوَهَا وَثْبًا. وَظَلَّتِ الضَّفْدِعُ تُشِيرُ بِإِحْدَى يَدَيْهَا، فِي تَحَدٍّ وَعِنَادٍ ، إِشَارَةَ السَّيِّدِ الْآمِرِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ، وَتَقُولُ لَهَا بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٌّ، مُتَهَدِّجٍ مِنَ الْغَيْظِ : «أَكَذَلِكِ تُسِيئِينَ إِلَيَّ، عَلَى غَيْرِ سَابِقِ مَعْرِفَةٍ بِي؟ أَكَذَلِكِ تَنْدَفِعِينَ فِي تَحْقِيرِي – بِلا رَوِيَّةِ - وَتَرْكُلِينَنِي بِقَدَمِكِ، وَتَضِنِّينَ عَلَيَّ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْكَرِيزِ، وَهُوَ أَشْهَى فَاكِهَةٍ أُحِبُّهَا؟ أَهَكَذَا تُقَابِلِينَ الْمَعْرُوفَ وَالْإِحْسَانَ بِالْإِساءَةِ وَالْكُفْرَانِ؟ ثُمَّ مَاذَا أَيَّتُهَا الْمُتَسَرِّعَةُ الْحَمْقَاءُ ؟ وَكَيْفَ تَطْرُدِينَنِي مِنْ دَارِكِ، غَيْرَ حَاسِبَةٍ لِلْعَواقِبِ حسابًا، وَلا حَافِلَةٍ بِمَا تُثِيرِينَهُ فِي نَفْسِي مِنَ التَّحَدِّي وَالْغَضَبِ؟» وَهُنَا وَقَفَتْ «مَاجِدَةُ» مَذْهُولَةً حَائِرَةً، تُحَاوِلُ أَنْ تَعْتَذِرَ إِلَى الضّفْدِعِ، فَلَا تُواتِيهَا الشَّجَاعَةُ عَلَى الْكَلامِ. وَاسْتَأْنَفَتِ الضَّفْدِعُ قَائِلَةً: «لَقَدْ جِئْتُ إِلَى دَارِكِ فَرْحَانَةً مُسْتَبْشِرَةً، حَامِلَةً إِلَيْكِ أَجْمَلَ مُفَاجَأَةٍ وَأَسْعَدَ بُشْرَى؛ فَلَقِيتِنِي أَشْنَعَ لِقَاءٍ، وَقَابَلْتِنِي أَسْوَأَ مُقَابَلَةٍ. وَسَتَرَيْنَ كَيْفَ أَجْزِيكِ الْجَرَاءَ الْأَوْفَى، وَأَفْجَعُكِ فِي طِفْلِكِ الَّذِي تَلِدِينَ، وَهُوَ أَعَزُّ مَنْ تُحِبِّينَ. سَتَرَيْنَ كَيْفَ أُبَدِّلُهُ مِنْ بَشَرَتِهِ الْآدَمِيَّةِ فَرْوَ دُبِّ؛ لِأَنَغْصَ عَلَيْكِ سَعَادَتَكِ، وَأُكَدِّرَ هَنَاءَتَكِ.» وَمَا إِنْ أَتَمَّتِ الضّفْدِعُ وَعِيدَهَا ، حَتَّى قَاطَعَهَا صَوْتٌ رَقِيقٌ عَذْبُ النَّبَرَاتِ، يَفِيضُ حُنُوا وَإِشْفَاقًا، وَيَسْتَعْطِفُ الضَّفْدِعَ قَائِلًا: «لَقَدْ أَسْرَفْتِ فِي الانْتِقَامِ يَا أُخْتَاهُ، وَكَانَ الصَّفْحُ أَلْيَقَ بِكِ وَأَجْدَرَ! فَهَلْ نَسِيتِ أَنَّ الْعَفْوَ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ؟» فَرَفَعَتْ «مَاجِدَةُ» رَأْسَهَا الْمُنَكَّسَ، فَرَأَتْ فِي أَعْلَى بَابِ حُجْرَتِهَا قُبَّرَةً جَاثِمَةً، تَتَوَسَّلُ إلَى الضَّفْدِعِ الْغَضْبَى مُسْتَعْطِفَةً، وَتَبْذُلُ جُهْدَهَا لِتُخَفِّفَ مِنْ ثَوْرَتِهَا، وَتَقُولُ فِيمَا تَقُولُ: «لَقَدْ تَجَاوَزْتِ الْمَدَى فِي قَسْوَتِكِ يَا أُخْتَاهُ ، وَأَخَذْتِ الْأَمِيرَةَ بِخَطَأَ غَيْرِ مَقْصُودٍ، وَإِهَانَةٍ غَيْرِ مُتَعَمَّدَةٍ. وَلَوْ عَرَفَتِ الْفَتَاةُ مَنْ أَنْتِ، لَمَا لَقِيَتْكِ بِغَيْرِ الْإِجْلالِ وَالتَّرْحِيبِ. وَلَوْ أَنَّكِ تَرَوَّيْتِ قَلِيلًا لَرَأَيْتِهَا فِي سَعَةٍ مِنَ الْعُذْرِ. فَمَا كَانَ لِيَدُورَ بِخَاطِرِهَا أَنَّ أَمِيرَةَ الزَّوَابِعِ جَاءَتْ لِتُسْعِدَهَا بِزِيَارَةِ بَيْتِهَا، مُسْتَخْفِيَةً فِي صُورَةِ حَيَوَانٍ، قَبِيحِ الْهَيْئَةِ، بَشِعَ الْمَنْظَرِ.» فَقَالَتِ الضَّفْدِعُ: «هَبِيهَا لَا تَعْرِفُ مَنْ أَنَا فَكَيْفَ يَقْسُو قَلْبُهَا عَلَى ضِفْدِعٍ عَاجِزَةٍ عَنْ إِيذائِهَا؟ إِنَّ مَنْ يَقْسُو قَلْبُهُ عَلَى عَاجِزٍ ضَعِيفٍ، جَدِيرٌ أَنْ يَقْسُوَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ؛ لِيَرَى أَثَرَ الْقَسْوَةِ فِي نَفْسِهِ.» وَطَالَ الْحِوَارُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَلَمْ يَزِدْ أَمِيرَةَ الزَّوَابِعِ إِلَّا عِنَادًا وَإِصْرَارًا، وَعُتُوا وَاسْتِكْبَارًا. فَلَمَّا رَأَتْهَا أُخْتُهَا لَا تُلَبِّي رَجَاءَهَا، قَالَتْ لَهَا فِي لَهْجَةٍ حَازِمَةٍ: «مَا دُمْتِ لَا تَسْمَعِينَ لِرَجَائِي؛ فَإِنِّي آمُرُكِ - بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ قُوَّةٍ وَسُلْطَانٍ - أَنْ تَبْقَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْبَشِعَةِ الَّتِي اخْتَرْتِهَا لِنَفْسِكِ، فَلَا تُفَارِقِيهَا بَعْدَ الْيَوْمِ. كَمَا آمُرُكِ أَنْ تُسْجَنِي فِي جِلْدِ الضّفْدِعِ، جَزاءَ مَا أَشْقَيْتِ الْأَمِيرَةَ، وَسَجَنْتِ مَوْلُودَهَا الْقَادِمَ فِي فَرْوِ دُبِّ.» ثُمَّ الْتَفَتَتِ الْقُبَّرَةُ إِلَى الْأَمِيرَةِ ، وَهِيَ تَقُولُ: «هَدِّئِي مِنْ رُوعِكِ - أَيَّتُهَا الْأُمُّ الصَّغِيرَةُ الْعَاثِرَةُ الْحَظِّ - واعْتَصِمِي بِالصَّبْرِ ، حَتَّى تَنْقَشِعَ هَذِهِ الْغُمَّةُ عَنْكِ. وَسَتَرَيْنَ كَيْفَ يَسْتَرِدُّ وَلَدُكِ جَمَالَهُ، وَيَسْتَعِيدُ حُسْنَهُ وَبَهَاءَهُ؛ بِفَضْلِ مَا مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مُرُوءَةٍ وَكَرَمٍ، وَصَفَاءِ نَفْسٍ. وَسَتَرَيْنَ كَيْفَ يَنْجُو وَلِيدُكِ مِنَ اللَّعْنَةِ الَّتِي حَاقَتْ بِهِ، مَتَى حَانَ الْوَقْتُ؛ وَكَيْفَ يَخْلَعُ عَنْهُ فَرْوَ الدُّبِّ، وَيَعُودُ إِنْسَانًا بَهِيَّ الطَّلْعَةِ، مُشْرِقَ الصُّورَةِ، كَمَا خَلَقَهُ اللَّهُ. وَسَيَتَحَقَّقُ لَهُ ذَلِكَ، مَتَى وَجَدَ مَنْ يَقْبَلُ أَنْ يَفْدِيَهُ، وَيَكْسُوَ وَجْهَهُ بِفَرْوِ الدُّبِّ الَّذِي يُغَطِّيهِ. وَمَتَى تَمَّ لَهُ هَذَا الْأَمَلُ السَّعِيدُ، عَادَتِ الْبَهْجَةُ إِلَى قَلْبِكِ. وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.» فَقَالَتْ لَهَا مَاجِدَةٌ»، وَعَيْنَاهَا غَاصَّتَانِ بِالدُّمُوعِ : «شُكْرًا لَكِ يَا أَمِيرَةَ التَّوَابِعِ، وَإِنْ كَانَ يَحْزُنُنِي أَنْ يَشْقَى وَلَدِي بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ زَمَنًا، طَالَ أَوْ قَصْرَ! وَإِنِّي لَيُؤْلِمُنِي أَنْ يُمْسَخَ حَيَوَانًا ضاريًا ، قَبِيحَ الْمَظْهَرِ، شَرِسَ الْمَنْظَرِ. وَيَزِيدُ فِي شِقْوَتِي، وَيُضَاعِفُ مِنْ حَسْرَتِي، أَنْ أَرَاكِ عَاجِزَةً عَنْ دَفْعِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ عَنْ وَلَدِي، بِرَغْمِ مَا تَمْلِكِينَ مِنْ قُوَّةٍ وَسُلْطَانٍ!» فَقَالَتْ أَمِيرَةُ التَّوَابِعِ: «اعْتَصِمِي بِالصَّبْرِ ، وَاسْتَسْلِمِي لِقَضاءِ اللَّهِ، وَكُونِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّنِي لَنْ أَتَخَلَّى عَنْكِ وَلَا عَنْ وَلَدِكِ.» فَقَالَتْ «مَاجِدَةُ»: «لا حِيلَةَ لِأَحَدٍ فِي رَبِّ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ لِي بُدٌ مِنَ الْإِنْعَانِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَالرِّضَى بِمَا قَسَمَ.» فَقَالَتْ أَمِيرَةُ التَّوَابِعِ: «مَتَى رُزِقْتِ هَذَا الْمَوْلُودَ، وَجَبَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْلِقِي عَلَيْهِ اسْمَ: «الدب». وَحَذَارِ أَنْ تُنَادِيهِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّقَبِ، حَتَّى يَحِينَ الْيَوْمُ الَّذِي يُؤْذَنُ لَكِ فِيهِ بِتَغْيِيرِ هَذَا الِاسْمِ الْكَرِيهِ، وَمُنَادَاتِهِ بِاسْمِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي أَخْتَارُهُ لَهُ.» وَلَمَّا انْتَهَتِ الْجِنِّيَّةُ مِنْ كَلِمَاتِهَا الْحَكِيمَةِ، طَارَتْ فِي الْهَوَاءِ. أَمَّا أَمِيرَةُ الزَّوَابِعِ، فَعَادَتْ حَائِقَةً غَضْبَى، يَكَادُ صَدْرُهَا يَنْشَقُّ مِنَ الْغَيْظِ، لِمَا تَعَرَّضَتْ لَهُ مِنْ سُخْطِ أُخْتِهَا وَانْتِقَامِهَا. وَمَشَتِ الضّفْدِعُ مُتَخاذِلَةً فِي خُطُواتٍ مُتَبَاطِئَةٍ، كَأَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ. وَمَا زَالَتْ تَتَلَفَّتُ إِلَى «مَاجِدَةَ بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى، وَالْغَضَبُ آخِذٌ مِنْهَا كُلَّ مَأْخَدٍ، حَتَّى غَابَتْ عَنْ عَيْنَيْهَا فَانْدَفَعَتْ تَنْفُثُ السَّمَّ مِنْ فَمِهَا - فِي أَثْنَاءِ سَيْرِهَا – لِتُفْسِدَ بِهِ الْأَعْشَابَ، وَتُسَمِّمَ النَّبَاتَ وَالشَّجَيْرَاتِ الَّتِي تَمُرُّ بِهَا. وَكَانَ سَمُّهَا زُعَافًا قَائِلًا، لَا يَنْمُو مَعَهُ نَباتٌ، وَلا يَعِيشُ فِيهِ حَيَوَانُ؛ فَلَا عَجَبَ إِذا أَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ بَعْدَ الْيَوْمِ: «طَرِيقَ الْهَلَاكِ».

ذِكْرَيَاتٌ حَزِينَةٌذِكْرَيَاتٌ حَزِينَةٌ

وَلَمَّا خَلَتْ مَاجِدَةُ) بِنَفْسِهَا ، وَقَابَلَتْ بَيْنَ يَوْمِهَا وَأَمْسِهَا ، فَاضَ بِهَا الْحُزْنُ، وَاشْتَدَّ بِهَا الْأَلَمُ، فَانْخَرَطَتْ فِي الْبُكَاءِ. وَكَانَتْ حَلِيمَةٌ» - حِينَئِذٍ - قَدْ أَتَمَّتْ عَمَلَهَا ؛ فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيْهَا، تَمَلَّكَتْهَا الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ. وَسَأَلَتْهَا حَلِيمَةُ»: مَا بَالُهَا مُسْتَسْلِمَةً لِأَحْزَانِهَا وَهَواجِسِهَا، غَارِقَةً فِي أَوْهَامِهَا وَوَسَاوِسِهَا ؟ فَعَجَزَتْ «مَاجِدَةُ» عَنِ الْجَوابِ. فَأَعَادَتْ حَلِيمَةُ» سُؤالَهَا، وَقَالَتْ لَهَا مُتَرَفِّقَةً : مَا بَالُ مَوْلاتِي الْعَزِيزَةِ خَائِفَةً وَاحِمَةً ، مَحْزُونَةً مُتَأَلَّمَةً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي كَدَّرَ صَفْوَهَا، وَنَغَصَ عَيْشَهَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَدْخُلْ دَارَهَا؟» فَقَالَتْ لَهَا مَاجِدَةُ»: «ما أَعْجَبَ مَا حَدَثَ يَا حَلِيمَةٌ»! فَإِنَّ أَمِيرَةً خَبِيثَةً رَعْنَاءَ، مِنْ أَمِيرَاتِ الْجِنِّ، قَدِمَتْ عَلَيَّ فِي صُورَةِ ضِفْدِعٍ مُشَوَّهَةِ الصُّورَةِ، مُفَزِّعَةِ الْهَيْئَةِ، وَانْدَفَعَتْ إِلَى الْكَرِيزِ تَلْتَهِمُهُ فِي شَرَةٍ عَجِيبٍ. وَكَانَ فِي رُفْقَتِهَا أُخْتُهَا، وَهِيَ - عَلَى الْعَكْسِ مِنْهَا – أَمِيرَةٌ كَرِيمَةُ النَّفْسِ. وَقَدْ أَقْبَلَتْ كِلْتَاهُمَا مُسْتَخْفِيَةً فِي غَيْرِ صُورَتِهَا، فَاتَّخَذَتِ الْأُولَى هَيْئَةَ ضِفْدِعٍ دَمِيمَةٍ، وَتَبَدَّتِ الْأُخْرَى فِي صُورَةِ قُبَّرَةٍ جَمِيلَةٍ وَسِيمَةٍ!» فَقَالَتْ «حَلِيمَةٌ»: «شَدَّ مَا لَقِيتِ مِنَ الْمُفزِّعَاتِ يَا مَوْلاتِي وَلَكِنْ خَيْرِينِي: هَلْ عَجَزَتِ الْأُخْتُ الْخَيْرَةُ الْكَرِيمَةُ عَنْ مَنْعِ إِسَاءَةِ الْأُخْتِ اللَّئِيمَةِ؟» فَقَالَتْ «مَاجِدَةُ»: «نَعَمْ، عَجَزَتْ بِرَغْمِ قُوَّتِهَا! عَجَزَتِ الْأُخْتُ الْوَفِيَّةُ الطَّاهِرَةُ عَنْ أَنْ تَمْحُوَ إِساءَةَ أُخْتِهَا الْغَادِرَةِ الْمَاكِرَةِ! عَلَى أَنَّهَا – وَالْحَقُّ يُقَالُ - لَمْ تُقَصِّرْ فِي بَذْلِ مَعُونَتِهَا، لِتَخْفِيفِ شَرِّ أُخْتِهَا، وَتَهْوِينِ كَيْدِهَا، بَعْدَ أَنْ أَعْجَزَهَا مَنْعُهُ. وَلا شَكٍّ فِي أَنَّ بَعْضَ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ.» ثُمَّ قَصَّتْ «مَاجِدَةُ» عَلَى حَلِيمَةَ» كُلَّ مَا حَدَثَ لَهَا ... وَكَيْفَ انْدَفَعَتْ أَمِيرَةُ الزَّوَابِعِ فِي غَضَبِهَا وَشَرَاسَتِهَا إِلَى الانْتِقَامِ مِنْ مَوْلُودِهَا الْقَادِمِ؛ فَصَبَّتْ عَلَيْهِ نِقْمَتَهَا، وَأَصْدَرَتْ عَلَيْهِ حُكْمَهَا الْقَاسِيَ. فَقَالَتْ حَلِيمَةٌ»: «أَيَّ حُكْمٍ أَصْدَرَتْ يَا مَوْلاتِي؟» فَقَالَتْ «مَاجِدَةُ»: «دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِيَ جِسْمُهُ الرَّقِيقُ فَرْوَ دُبِّ.» فَصَرَخْتَ حَلِيمَةٌ » مِنْ هَوْلِ مَا سَمِعَتْ ، وَتَمَلَّكَهَا الْفَزَعُ فَلَمْ تَسْتَطِعْ لِدُمُوعِهَا حَبْسًا ... وَانَخَرَطَتْ مَعَ صَاحِبَتِهَا فِي الْبُكَاءِ. وَلَمْ تَتَمَالَكْ «حَلِيمَةُ» أَنْ تُخْفِيَ أَلَمَهَا حِينَ تَمَثَّلَتْ مَا اعْتَرَضَ سَيِّدَتَهَا مِنْ سُوءِ حَقٌّ جَلَبَ عَلَيْهَا كَارِثَةً أَلِيمَةً. وَرَاحَتْ تَسْأَلُهَا، وَهِيَ مُتَفَجِّعَةٌ: «أَيَكُونُ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي صُورَةِ دُبِّ؟ يَا لَلْهَوْلِ وَكَيْفَ يَتَلَقَّى زَوْجُكِ الْمَلِكُ هَذَا النَّبَأَ؟ وَبِأَيِّ عَيْنٍ يَرَاكِ؟ وَبِأَيِّ قَلْبٍ يَرْعَاكِ؟» فَقَالَتْ «مَاجِدَةُ»: «بَلْ كَيْفَ أَتَمَثَّلُ نَفْسِي حِينَ تَحُلُّ بِي هَذِهِ الْمُصِيبَةُ؟ إِنَّ قَلْبِي لَيَكَادُ يَنْفَطِرُ حُزْنًا، كُلَّمَا فَكَّرْتُ فِي هَوْلِ مَا أَنَا قَادِمَةٌ عَلَيْهِ، وَتَمَثَّلْتُ شَنَاعَةَ هَذَا الْمَصِيرِ التَّاعِسِ. وَمَا أَظُنُّكِ نَاسِيَةً – طُولَ عُمْرِكِ - أَنَّنَا لَمْ نَظْفَرْ بِالنَّجَاةِ مِمَّا كَانَ يَتَهَدَّدُنَا مِنْ هَلَاكٍ مُحَقَّةٍ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ وَاصَلْنَا الْفِرَارَ زَمَنًا طَوِيلًا. وَلَعَلَّكِ لَا تَزالِينَ تَذْكُرِينَ عُنْفَ مَا بَذَلْنَاهُ مِنْ جُهْدٍ فِي مُقَاوَمَةِ الْعَاصِفَةِ الَّتِي اعْتَرَضَتْنَا فِي طَرِيقِنَا، وَكَيْفَ ثَبَتْنَا لَهَا - عَلَى قُوَّتِهَا وَضَعْفِنَا - وَهِيَ تُهَدِّدُنَا بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى بِالدَّمَارِ ، وَتَكَادُ تُطِيحُ بِنَا فِي كُلِّ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِنَا ، وَتَجْرُفْنَا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ مِنْ خُطُواتِنَا؟» فَقَالَتْ حَلِيمَةُ»: «ما أَكْثَرَ مَا يُنْسِينَا الزَّمَانُ، غَرَائِبَ مَا نَلْقَاهُ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْأَحْزَانِ، فِيمَا مَرَّ مِنْ أَيَّامِنَا، وَسَلَفَ مِنْ أَعْمَارِنَا. ذَلِكِ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ. عَلَى أَنَّ فِي الْحَيَاةِ أَحْدَاثًا تَمُرُّ بِالْإِنْسَانِ فَتَثْبُتُ فِي ذاكِرَتِهِ، وَتَرْسَخُ فِي مُخَيِّلَتِهِ طُولَ الْحَيَاةِ، دُونَ أَنْ يَمْحُوهَا الزَّمَانُ، أَوْ يُعَفِّيَ عَلَيْهَا ذَيْلُ النِّسْيَانِ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْهَا. فَكَيْفَ أَنْسَاهَا وَهِيَ عَالِقَةٌ بِذِهْنِي أَيْنَمَا كُنْتُ، وَحَيْثُمَا حَلَلْتُ كَيْفَ أَنْسَى مَا لَقِينَاهُ مِنَ الْأَهْوَالِ فِي ذَلِكِ الْيَوْمِ؟ أَلَمْ نُواصِلِ الْجَدْفَ - فِي أَثْنَاءِ الْعَاصِفَةِ - وَالْغَرَقُ يَتَهَدَّدُنَا ، وَالْأَمْواجُ مُتَحَفِّزَةٌ لِابْتِلاعِنَا. وَظَلِلْنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً كَامِلَةً؟ وَظَلَّ الْفَزَعُ يُطَارِدُنَا ؛ فَلَمْ نَطْمَئِنَّ لِلنَّجَاةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ بَلَغْنَا هَذَا الْمَكَانَ، وَأَصْبَحْنَا مِنْ مَمْلَكَةِ الْبَاطِشِ» عَلَى مَسافَةِ عِدَّةِ أَمْيَالٍ؟ أَيَّ جَبَّارٍ كَانَ! إِنَّ قَسْوَةَ الْبَاطِشِ» لَا تَبْرَحُ مُخَيِّلَتِي أَبَدًا. لَقَدْ عَرَفْنَاهُ رَمْنًا لِلْحَمَاقَةِ وَالْفَظاظَةِ، وَاحْتَمَلْنَاهُ بِرَغْمِ ذَلِكِ. وَلَكِنَّ جُنُونَهُ وَثَوْرَتَهُ عَلَيْكِ قَدْ بَلَغَا أَقْصاهُمَا حِينَ تَصَدَّيْتِ لِمَنْعِهِ عَنِ افْتِرَاسِ أَخِيهِ: فَيْرُونَ وَزَوْجَتِهِ: سَلْوَى!» فَقَالَتْ مَاجِدَةُ»: «أَيُّ أَلَمٍ كَابَدْنَاهُ أَيَّتُهَا الْعَزِيزَةُ، وَأَيُّ هَوْلٍ لَقِينَاهُ! لَقَدْ كُنَّا فِي عِدَادِ الْهَلْكَى لَوْلا عِنَايَةُ اللَّهِ. وَكَانَ مَوْتِي مُحَقَّقًا لَوْ لَمْ أُطْلِقُ سَاقَيَّ لِلرِّيحِ. وَلَوْلَا قُدْرَتِي النَّادِرَةُ عَلَى الْجَرْيِ لَوَقَعْتُ فِي يَدِ هَذَا الْمُفْتَرِسِ، وَلَكَانَ نَصِيبِي مِنْهُ أَنْ أَلْقَى حَتَّفِي بِلا رَحْمَةٍ وَلَا شَفَقَةٍ. عَلَى أَنَّنِي - بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَّ بِي مِنَ الْأَخْطَارِ وَالْمَكَارِهِ – لَا أَشْعُرُ بِالْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَلا أَزالُ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَهْتَدِيَ السَّفَّاحُ إِلَى مَكَانِي، فَيَبْطِشَ بِي بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ. وَلا يَزالُ قَلْبِي يَمْتَلِئُ خَوْفًا وَرُعْبًا، كُلَّمَا مَرَّ بِي هَذَا الْخَاطِرُ. وَأَنَا عَلَى ثِقَةٍ أَنَّهُ لَنْ يَكُفَّ عَنْ مُطَارَدَتِي، وَلَنْ يَشْفِيَ غَلِيلَ قَلْبِهِ إِلَّا إِذَا سَلَبَنِي الرُّوحَ، وَحَرَمَنِي الْحَيَاةَ!» فَقَالَتْ لَهَا حَلِيمَةٌ»: «حَسْبُكِ مَا فَاضَتْ بِهِ نَفْسُكِ مِنَ الْأَحْزَانِ. وَهَلْمِّي إِلَى الْمَائِدَةِ؛ فَمَا يُجْدِي الْبُكَاءُ. وَلَوْ قَضَيْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الْحُزْنِ لَمَا حَالَ ذَلِكِ مِنْ وُقُوعِ الْكَارِثَةِ، وَلا خَفَّفَ مِنْ وَقْعِهَا عَلَيْنَا. وَهَيْهَاتَ أَنْ يَمْنَعَ الْحَذَرُ شَيْئًا مِمَّا قَضَى بِهِ الْقَدَرُ، وَلَا حِيلَةَ لَنَا فِي ذَلِكِ. وَلا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ الْمَوْلُودُ لِلْوُجُودِ، وَعَلَيْهِ فَرْوُ دُبِّ. وَمَا أَجْدَرَكِ أَنْ تَعْتَصِمِي بِالصَّبْرِ ، فَلَا تَسْتَسْلِمِي لِمَا لَا يُفِيدُ. وَمِنَ الْخَيْرِ أَنْ تَشْغَلِي نَفْسَكِ بِمَا يَعُودُ عَلَى مَولُودِكِ الْقَادِمِ بِالنَّفْعِ. وَفِي هَذَا - وَحْدَهُ – عَرَاؤُنَا وَسَلْوَتُنَا. وَلَيْسَ مِنْ وَسِيلَةٍ لِتَخْفِيفِ هَذَا الْمُصابِ الْجَسِيمِ، إِلَّا أَنْ نُعْنَى بِتَعَهْدِهِ، وَنُحْسِنَ الْقِيَامَ عَلَى تَرْبِيَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَتَنْشِئَتِهِ عَلَى كَرِيمِ الْفَضائِلِ؛ فَإِنَّهَا كَفِيلَةٌ بِإِسْعَادِهِ، وَتَخْلِيصِهِ مِنْ هَذَا الْبَلاءِ. فَلْنَعْمَلْ لِهَذِهِ الْغَايَةِ النَّبِيلَةِ ؛ حَتَّى إِذَا كَبَرَ وَتَرَعْرَعَ ، أَصْبَحَ مِثالًا لِطِيبَةِ النَّفْسِ، وَنَمُوذَجًا لِطَهَارَةِ الْخُلُقِ، وَلَنْ تَخْذُلَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ النَّبِيلَةُ. وَسَتُتَاحُ لَهُ الْفُرْصَةُ - ذاتَ يَوْمٍ - أَنْ يَلْقَى نَفْسًا كَرِيمَةً تَقْدُرُهُ، فَيَدْفَعُهَا إِعْجَابُهَا بِهِ إِلَى الانْدِفَاعِ فِي سَبِيلِ إِنْقَاذِهِ، وَلَا تُحْجِمُ عَنْ تَفْدِيَتِهِ بِنَفْسِهَا. وَمَتَى رَضِيَتْ بِذَلِكِ، انْقَضَتْ أَيَّامُ الشَّقَاءِ، وَتَقَشَّعَتْ سُحُبُ النَّحْسِ، وَاسْتَرَدَّ وَلَدُكِ بَهَاءَهُ، وَزَايَلَهُ الْفَرْوُ الْقَبِيحُ الَّذِي يَكْسُو وَجْهَهُ الرَّقِيقَ. ذَلِكِ رَأْيِي، أُعْلِنُهُ لَكِ فِي غَيْرِ مُوارَبَةٍ وَلَا الْتِوَاءِ. وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِيَدِي، لانْتَقَمْتُ مِنْ أَمِيرَةِ الزَّوَابِعِ أَعْنَفَ انْتِقَامٍ، وَلَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَنْقُلَ فَرْوَ الدُّبِّ إِلَى جِسْمِهَا، فَيَكْسُوَهُ مَدَى حَيَاتِهَا. وَلَكِنْ «ما كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ»!» وَهُنَا نَهَضَتْ «مَا جِدَةٌ» - وَلَعَلَّكَ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مَلِكَةٌ وَلَيْسَتْ قَرَوِيَّةً، كَمَا فَهِمْتَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ - وَقَدْ أَخَذَتْ بِنَصِيحَةِ رَفِيقَتِهَا الْوَفِيَّةِ «حَلِيمَةَ»، بَعْدَ أَنِ اقْتَنَعَتْ أَنَّ الْأَمِيرَ الدُّبَّ لَنْ يَبْقَى عَلَى هَيْئَتِهِ الْمُنَفِّرَةِ إِلَّا زَمَنًا مَحُدُودًا ، تَحُلُّ بَعْدَهُ السَّعَادَةُ مَحَلَّ الشَّقَاءِ. وَكَمْ تَمَنَّتْ لَوْ قَبِلَتِ الْجِنِّيَّةُ مِنْهَا أَنْ تَفْتَدِيَهُ بِنَفْسِهَا وَلَكِنْ هَيْهَاتَ ! وَعَادَتِ الْمَلِكَةُ إِلَى مَخْدَعِهَا مَعَ وَصِيفَتِهَا، وَلَمْ تَلْبَنَا أَنِ اسْتَسْلَمَتَا لِلرُّقَادِ.

ك
MUALLIF · NASHRIYOTكامل كيلانيمؤسسة هنداوي

Asl matn: Public Domain. Kitob dizayni: CC BY 4.0. Matn o'zgartirilmagan.

ULASHISH